← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18103

اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح

شمس الدين البرماوي

Полный текст (8 898 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

ويتبع: المراد بالإصابة والأخطاء في الوقْت؛ لأنَّ بني أُمَيَّة كانوا يُؤخِّرون. * * * ٥٦ - بابُ إِمَامَةِ الْمَفْتُونِ وَالْمُبْتَدِعِ وَقَالَ الْحَسَنُ: صَلِّ وَعَلَيْهِ بِدْعَتُهُ. (باب إمامة المَفْتُون)؛ أي: من فُتن بذَهاب مالهِ، أو عقْله فضلَّ عن الحق. (والمبتدع)، البِدْعة وإن انقَسمتْ إلى الأحكام الخمسة، فالمُراد هنا بدعةٌ قبيحةٌ تُخالف الكتابَ أو السُّنَّة أو الإجماع، فهي المُحدَثات التي هي ضلالةٌ، كما أشار إليه الشَّافعي، قال: وما لم يُخالِف فغير مذمومٍ. * * * ٦٩٥ - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ لنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيِ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ ابْنِ عَدِيِّ بْنِ خِيَارٍ: أنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ وَهْوَ مَحْصُورٌ فَقَالَ: إِنَّكَ إِمَامُ عَامَّةٍ، وَنزَلَ بِكَ مَا نرَى، وَيُصَلِّي لنا إِمَامُ فِتْنَةٍ وَنتَحَرَّجُ، فَقَالَ: الصَّلَاةُ أَحْسَنُ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ، فَإذَا أَحْسَنَ النَّاسُ فَأحْسِنْ مَعَهُمْ، وَإِذَا أَسَاؤُا فَاجْتَنِبْ إِسَاءَتَهُمْ.

стр. 1542

وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا نَرَى أَنْ يُصَلَّى خَلْفَ الْمُخَنَّثِ إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ لَا بُدَّ مِنْهَا. (وقال لنا)؛ أي: على سَبيل المُذاكَرة بخلاف حدَّثنا. (محصور)؛ أي: مَحبُوسٌ في الدَّار ممنوعٌ من الأُمور. (ما ترى)؛ أي: من خُروج الخوارج عليك، وحَبْسك في دارك. (ونتحرج)؛ أي: نتأثَّمُ بمتابعته. قال التَّيْمي: إمام الفتنة قيل: عبد الرَّحمن بن عَدَس البَلَوي الذي جلَب على عُثمان بأهل مصر، صلَّى بالمدينة الجمُعة، وخطَب على مِنْبَر النبيِّ ﷺ ، وقيل معنى: يُصلِّي لنا إمامُ فتنة، أي: غير إمامهم يُصلِّي لهم فيها لا أنَّه يَدعُو إليها، قيل: صلَّى في حِصَار عُثمان بهم جمعٌ منهم: أبو أيوب، وسَهْل بن حُنَيْف. قال ابن عبد البَرِّ: أبو أُسامة أَسعَد بن سَهْل بن حنيف، وليس هو المراد هنا. قال الدَّرَاوَرْدِي: لم يقم على عُثمان أحدٌ من الصَّحابة، بل فِرقةٌ مصريَّةٌ، وفِرقةٌ كوفيَّةٌ، لم يَعيبُوا عليه شيئًا إلا خرَج منه بَريئًا، فطالَبوه بعَزْل مَن استعمَل من بني أُمَيَّة، فلم يستطِع ذلك، وهو على تلك الحالة. (المُخَنث) بكسر النُّون وفتحها، والكسْر أفصح وأشهر، وهو من يتخلَّق بخُلُق النِّساء، والمَذموم منه من يتصنَّعُه ويتكلَّفُه، أما من هو خِلْقةٌ له لا إثمَ عليه ولا ذَمَّ.

стр. 1543

(إلا من ضرورة) كخَوفٍ وثوران فتنةٍ، وذلك لأنَّ الإمامةَ لأهل الفضْل، والمُخنَّث مفتتنٌ لشَبَهه بالنِّساء كإمام الفِتْنة والمبتدع؛ فإنَّ كُلًّا مفتونٌ في طائفته، فكُرهتْ إمامتهم إلا من ضرورةٍ. * * * ٦٩٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ، حَدَّثَنَا غُنْدَر، عَنْ شُعْبةَ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَنس بْنَ مَالِكٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأَبِي ذَر: "اسمع وَأَطِعْ، وَلَوْ لِحَبَشِيٍّ كَأنَّ رَأْسَهُ زَبِيبةٌ". (أبان) سبَق أنَّ صرفَه أَجودُ. (لحبشي)؛ أي: لو كان الطَّاعةُ أو الأَمرُ لحبشي، أي: سواءٌ أكان مَفتُونًا أو مُبتدِعًا. قيل: ووجْهُ موافقة التَّرجَمة: أنَّ هذه الصفة لا تكون غالبًا إلا لمَنْ هو غايةٌ في الجهل، ومفتونٌ بنفسه. * * * ٥٧ - بابٌ يَقومُ عَنْ يَمِينِ الإِمَامَ بِحذَائِهِ سوَاءً إِذَا كانَا اثْنَيْنِ (باب: يَقومُ عَنْ يَمين الإمامِ بحذَائهِ)، بالمَدِّ، أي: بإزائه،

стр. 1544

(سواء)؛ أي: مُساويًا، (اثنين)؛ أي: لا ثالِثَ معهما. * * * ٦٩٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَم قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونة، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْعِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَ فَصَلَّى أَرْبَعَ ركَعَاتٍ ثُمَّ ناَمَ، ثُمَّ قَامَ، فَجئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَاره، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينهِ، فَصَلَّى خَمْسَ ركَعَاتٍ، ثُمَّ صَلَّى ركعَتَيْنِ، ثُمَّ ناَمَ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ -أَوْ قَالَ: خَطِيطَهُ- ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاة. (جاء)؛ أي: من المَسجِد إلى مَنْزله. (فجئت) الفاء فصيحةٌ، أي: قامَ من النَّوم فتوضَّأ فأحرَم بالصَّلاة، ويحتمل أنَّ (قام)، أي: نهض للصَّلاة لا القيام في الصَّلاة، فلا تكون الفاء فيه فصيحةً. (غطيطه) قال (خ): هو صَوتٌ يُسمع من تَردُّد النَّفَس كهيئة صوتِ المَخنوق، والخَطيط قريبٌ منه، والغين والخاء متقاربان في المَخرج. (إلى الصَّلاة)؛ أي: الصُّبح، ووقوف ابن عبَّاس عن يمينه يصدق، ولو تخلف يسيرًا كما هو عند الشَّافعي. وسبق شرح الحديث في (باب السَّمَر في العلم). * * *

стр. 1545

٥٨ - بابٌ إِذَا قَامَ الرجُلُ عَنْ يَسَار الإِمَامِ فَحوَّلَهُ الإِمَامُ إِلَى يَمِينِهِ لَمْ تَفْسُدْ صلَاَتُهُمَا (باب إذا قام الرَّجلُ عنْ يَسَار الإمام) ٦٩٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنْ عَبْدِ رَبِّه بْنِ سَعِيد، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: نِمْتُ عِنْدَ مَيْمُونة وَالنَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فتوَضأ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَقُمْتُ عَلَى يَسَارِه، فَأخَذنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينهِ، فَصَلَّى ثَلَاثَ عَشْرَةَ ركْعَةً، ثُمَّ ناَمَ حَتَّى نَفَخَ -وَكَانَ إِذَا ناَمَ نَفَخَ- ثُمَّ أتَاهُ الْمُؤَذِّنُ، فَخَرَجَ فَصَلَّى وَلَمْ يتوَضأ. قَالَ عَمْرٌو: فَحَدَّثْتُ بِهِ بُكَيْرًا فَقَالَ: حَدَّثَنِي كُرَيْبٌ بِذَلِكَ. (أحمد) قال الحاكم في "المَدخَل": روى البُخاري في (كتاب الصَّلاة) في ثلاثة مواضع عن أحمد، عن عبد الله بن وهب، فقيل: هو أحمد بن صالح المِصْري، وقيل: أحمد بن عِيْسَى التِّنِّيسي. قال الغَسَّاني: لا يَخلو به واحد منهما، وقال ابن مَنْدَهْ الأَصبَهاني: كلُّ ما في "جامع البُخاري" أحمد، عن ابن وهْب، فهو ابن صالح، وإذا حدَّث عن أحمد بن عيسى عيَّنَه. وسبق شرح الحديث مراتٍ. * * *

стр. 1546

٥٩ - بابٌ إذَا لَمْ يَنْوِ الإِمَامُ أَنْ يَؤُمَّ، ثُمَّ جَاء قَوْمٌ فَأَمَّهُمْ (باب إذا لم يَنْوِ الإمامُ) ٦٩٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَقُمْتُ أُصَلِّي مَعَهُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِه، فَأَخَذَ بِرَأْسي فَأقَامَنِي عَنْ يمينه. (فقمتُ عن يَسارِه)، هو قيام الصَّلاة، و (قمتُ) الذي قَبْله كان بمعنى النُّهوض، أو: أردتُ القيامَ. (أُصلي) حالٌ مقدَّرةٌ. قال التَّيْمي: قال أبو حنيفة: إذا نَوى جاز أن يُصلي خلْفه الرِّجالُ، وإن لم يَنوِهم، ولا يجوز النِّساءُ أن يُصلِّين خلْفه إلا أن ينويهنَّ. * * * ٦٠ - بابٌ إِذَا طَوَّلَ الإمَامُ وَكانَ لِلرجلِ حَاجَةٌ فَخَرَجَ فَصَلَّى (باب إذا طَوَّلَ الإمامُ) ٧٠٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، قَالَ: حَدثَنَا شُعْبة، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرِ

стр. 1547

ابْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَرْجِعُ فَيؤمُّ قَوْمَهُ. ٧٠١ - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَر، قَالَ: حَدَّثَنَا شعبة، عَنْ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كَانَ مُعَاذُ ابْنُ جَبَلٍ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَرْجِعُ فيؤم قَوْمَهُ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ فَقَرَأَ بِالْبقَرَةِ، فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ، فَكَأنَّ مُعَاذًا تناوَلَ مِنْهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "فتَّانٌ، فتَّانٌ، فتَّانٌ" ثَلَاثَ مِرَارٍ، أَوْ قَالَ: "فَاتِنًا، فَاتِنًا، فَاتِنٌ"، وَأَمَرَه بِسُورتيْنِ مِنْ أَوْسَطِ الْمُفَصَّلِ. قَالَ عَمْرو: لَا أَحْفَظُهُمَا. قوله في الطَّريق الثَّاني: (سَمعتُ جَابِرًا) أقوَى من قوله في الأَوَّل: (عَنْ جابِر). (فصلى العشاء) الضَّمير لمُعاذ، والظَّاهر أنَّ الجميع داخلٌ في الطَّريق الأَوَّل أيضًا لا المذكور قبل التَّحويل فقط. (الرَّجل) يحتمل أنَّه للجنْس، فيكون المُراد رجل؛ لأنَّه بمعناه، أو أنَّها عَهْديَّة، والمُراد معيَّنٌ، فقال ابن الأَثِيْر: إنَّه حِرَام -بالمُهمَلة، والرَّاء- ابن مِلْحَان، بالمُهمَلة وكسر الميم، خال أنَس، وقيل: إنَّه حَزْم بن أبي كعب، رواه أبو داود، وابن حِبَّان، وقيل: سُليم بن الحارث؛ حكاه الخطيب. (ينال منه)؛ أي: يُصيب، أي: يَعيبُه ويُؤذيه، وفي بعضها: (تناوَل) ماضي التَّناول.

стр. 1548

(فتان)؛ أي: مُنفِّرٌ عن الدِّين صادٌّ عنه، وهو خبرُ مبتدأ محذوفٍ. (أو قال) شكٌّ من جابر. (فاتن) في بعضها: (فَاتِنًا) بالنَّصْب خبَر (كان) محذوفةٍ، أو (صار)، أو نحوها. (بسورتين) قد تُهمَز. (أوسط المفصل) لأنَّ المُفصَّل السُّبُع الأخير من القرآن؛ لكثرة الفُصول الواقعة فيه بالتسمية، فقيل: من الحُجُرات، وقيل: من (القِتَال)، وقيل: من (الفَتْح)، وقيل: من (ق)، وقيل غيرُ ذلك، فطِواله إلى سورة (عَمَّ)، وأوساطه إلى (الضُّحى)، وقيل: طواله إلى (الصَّفِّ)، وأوساطه من (الصَّفِّ) إلى (الانشِقاق)، والقِصَار إلى الأخير. (لا أحفظهما)؛ أي: السُّورتَين المأمور بهما. وفي الحديث جوازُ صلاة المُفترِض خلْف المُتنفِّل، خلافًا للحنفية، والمالكية، وأنَّه يُقال: (البقَرة)، أي: السُّورة التي تُذكَر فيها البقرة، وإنكار ما يكره، وتخفيف الصَّلاة، والتَّعزير بالكلام. * * * ٦١ - بابُ تَخْفِيفِ الإِمَام فِي الْقِيَام، وَإِتمَام الرُّكوع وَالسُّجُودِ (باب تَخفيفِ الإمام في القِيَام، وإتمامِ)؛ أي: مع إتمامِ؛ لأنَّ الحديث الذي أُورد ليس فيه إلا تَخفيف القيام.

стр. 1549

٧٠٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونسُ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: سَمِعْتُ قَيْسًا، قَالَ: أَخْبَرَني أَبُو مَسْعُودٍ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللهِ! يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي لأتأخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فلانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأيُّكُمْ مَا صلَّى بِالنَّاسِ فَلْيتجَوَّزْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ". (فأيكم ما صلى)، (ما) زائدةٌ لتَأكيد الشُّمول، وزيادتها مع (أيٍّ) الشَّرطيَّة كثيرةٌ. (فليتجوز)؛ أي: يُخَفِّف. (وليصل) بكسر اللام، وتُسكَّن. وسبق شرح بقيَّة الحديث في (باب الغضَب في الموعظة)، وفيه التَّخفيف بحيث لا يَفوت شيءٌ من الواجبات؛ لأنَّ ذلك يُفسد، فلا يكون مأمورًا به. * * * ٦٢ - بابٌ إِذَا صلَّى لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ (باب إِذا صلَّى لنَفْسه) ٧٠٣ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرناَ مَالِكٌ، عَنْ أَبِي

стр. 1550

الزِّناَدِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ مِنْهُمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالْكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدكمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ". (للناس)؛ أي: إمامًا لهم، أو لأجْل ثَوابهم، أو خَيْرِهم الحاصل من الجماعة، وإلا فالصَّلاة إنَّما هي لله. * * * ٦٣ - بابُ مَنْ شَكَا إِمَامَهُ إِذَا طَوَّلَ وَقَالَ أَبُو أُسَيْدٍ: طَوَّلْتَ بِنَا يَا بُنَيَّ. (باب مَن شكَى إِمامَهُ) ٧٠٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إسْمَاعِيلَ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي لأَتأخَّرُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْفَجْرِ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فُلَانٌ فِيهَا، فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، مَا رَأَيْتُهُ غَضِبَ فِي مَوْضعٍ كَانَ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قَالَ: "يَا أيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَمَنْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيتَجَوَّزْ، فَإِنَّ خَلْفَهُ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ".

стр. 1551

الحديث الأَوَّل: (أبو أُسيد) بضَمِّ الهمزة: مالكُ بن رَبِيْعة. قلتُ: وقيل: بفتح الهمزة. (فلان) يحتمل أنْ يكون الإمامُ مُعاذًا، والرَّجل من سبق ذكْرُه، ويحتمل أنَّ الإمام أُبَيٌّ، ففي "مسند أبي يَعْلى المَوصِلي": أنَّ أُبَيَّ بن كعْب صلَّى بأهْل قُبَاء، فاستفتَحَ سُورةً طويلةً، فذكَر نحو هذا الحديث. (يا أَيُّها النَّاس) وإنَّما لم يُعيِّن مُعاذًا هنا كما فعَل في الرِّواية الأُخرى؛ لأنَّه بلَغه أنَّه قال: مَنِ الرَّجُل؟ فخاطبَه بذلك بقوله: (أَفَتَّانٌ أنْتَ يا مُعاذُ). * * * ٧٠٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيَّ قَالَ: أَقْبَلَ رَجُلٌ بِنَاضِحَيْنِ وَقَدْ جَنَحَ اللَّيْلُ، فَوَافَقَ مُعَاذًا يُصَلِّي، فترَكَ ناَضِحَهُ وَأَقْبَلَ إِلَى مُعَاذٍ، فَقَرَأَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ أَوِ النِّسَاءِ، فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ، وَبَلَغَهُ: أَنَّ مُعَاذًا ناَلَ مِنْهُ، فَأتَى النَّبِيَّ ﷺ فَشَكَا إِلَيْهِ مُعَاذًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا مُعَاذُ! أفتّانٌ أَنْتَ -أَوْ: أفَاتِنٌ؟! ثَلَاثَ مِرَارٍ- فَلَوْلَا صَلَّيْتَ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الْكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الْحَاجَةِ". أَحْسِبُ فِي الْحَدِيثِ.

стр. 1552

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَتَابَعَهُ سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ وَمِسْعَرٌ وَالشَّيْبَانِيُّ، قَالَ عَمْرٌو: وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ وَأَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ: قَرَأَ مُعَاذٌ فِي الْعِشَاءَ بِالْبقَرَةِ. وَتَابَعَهُ الأَعْمَشُ، عَنْ مُحَارِبٍ. ٧٠٦ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُوجِزُ الصَّلَاةَ ويُكْمِلُهَا. الثَّاني: (مُحَارب) بضَمِّ الميم، وبمُهمَلة. (دِثَار) بمُثلَّثةٍ: أصلُه خِلاف الشّعار. (بناضحَين) هو البَعير الذي يُسقَى عليه. (جَنَح) بفتح النُّون: أَقْبَلَ ظَلامُه. (فترك) بمُثنَّاةٍ لا مُوحَّدةٍ، كذا قال (ك)، وقال (ش): إنَّه بالوَجْهَين، ومع المُوحَّدة يكون مشدَّد الرَّاء. (بسورة) يُقال: قرأ سورةً وبسورةٍ. (فشكى)؛ أي: أخبَرَ بسُوءِ فعله معه. (أفتان أنت) مبتدأٌ ومرفوعٌ سدَّ مَسدَّ الخبَر؛ لأنَّه بعد استِفهامٍ، أو أنت مبتدأٌ تقدَّم خبَرُه. (فلولا)؛ أي: فهَلَّا.

стр. 1553

(صليت)؛ أي: قَرأْتَ. (بسبح اسم ربك) ليس قَصْرًا على السُّوَر الثَّلاث، بل وما في معناها كما في رواية زيادة: (ونحوها)، ولهذا ذكرها ثلاثًا، وإنَّما يقرأ بثنتين في الرَّكعتَين الأَوَّلتين. وفيه دليلٌ على أنَّ أوساط المُفصَّل إلى (والضحى) لا إلى (الانشقاق)؛ لأَنَّ هذه الصَّلاة كانت العشاء، فيُقرأ فيها بالأوساط لا بالقِصار. (أحسب) يحتمل أنَّه من كلامِ مُحَارِب، أو مَن بعدَه. (هذا)؛ أي: فلَولا صلَّيْتَ إلى آخره؛ لأنَّه برواية عمْرو فيما تقدَّم آنفًا أنَّه انتهى عندَه حيث قال: (ولا أَحْفَظُها)، وقيل: إنَّه من كلام البُخاري، وإنَّ المراد به لَفْظ: (ذو الحاجة) فقط. قال (ك): لكنْ لم يتحقَّق لي ذلك لا سماعًا ولا استنباطًا من الكتاب. (وتابعه سعيد) وصلَها أبو عَوَانة في "صحيحه". (ومِسْعَر) وصلَها إسحاق بن راهَوَيْهِ، وأبو العبَّاس السَّرَّاج، والنَّسائي. (والشيباني) بفتح المُعجَمَة سُليمان، وصلَها البَزَّار. (قال عمرو)؛ أي: ابن دِيْنَار، وصلَه البُخاريُّ في غير هذا المَوضع.

стр. 1554

(وعبد الله بن مِقْسم) بكسر الميم، وسُكون القاف، وصلَها ابن خُزَيْمَة في "صحيحه"، وأصلُه عند أحمد. (وأبو الزُّبَيْر) وصلَها السَّرَّاج، وهؤلاء الثَّلاثة صرَّحوا بلفْظ العشاء ونَصُّوا على البقَرة، ولم يذكُروا النِّساء، وإنَّما لم يقُل في هذه الثَّلاثة: وتابعه فلانٌ كما ذكَر في ما سبَق؛ لأَنَّ ما انفَردوا به لمْ يُتابِعوا فيه أحدًا. (وتابعه الأعمش) وصلَها إسحاق بن راهَوَيْهِ، والنَّسائي. قال (خ): الفِتْنة: صَرْف النَّاس عن الدِّين، وحَمْلهم على الضَّلال، وقال التَّيْمي: قال الشَّافعي: يجوز للمأموم الخُروج من الائْتِمام بعُذر وغيره، ويتمُّ منفرِدًا لعَدَم إنكاره ﷺ على الذي خرَج من الاقتِداء بمُعاذ، وقيل: هذا بعُذْر؛ لأنَّ مُعاذًا كان مأمورًا بالتَّخفيف، فخالَف وطَوَّل، ومنع أبو حنيفة الخُروج إلا لعُذْر؛ لأنَّه دخَل في الجماعة، وهي طاعةٌ، فوجَب عليه المُضيُّ فيها. * * * ٦٤ - بابُ الإِيجازِ في الصَّلاةِ (باب الإيْجَازِ) هو ضِدُّ الإِطْناب، وإكمالها هو ضِدُّ النَّقْص. * * *

стр. 1555

٦٥ - بابُ مَنْ أَخَفَّ الصَّلاةَ عِنْدَ بُكَاءِ الصَّبِي (باب مَنْ أَخَفَّ الصَّلاةَ عند بُكاء الصَّبيِّ) إن مُدَّ بكاء، فبالتَّصويت كما هنا بقَرينة: (فاسمع)، ولا يُسمع إلا الصَّوت، وإن قُصِرَ فهو خروج الدَّمْع فقط. ٧٠٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا الْوَليدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قتادَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي قتادَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنِّي لأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ". تَابَعَهُ بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَبقِيَّةُ، عَنِ الأَوْزَاعيِّ. ٧٠٨ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَنس بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ قَطُّ أَخَفَّ صَلَاةً وَلَا أتمَّ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، وإنْ كَانَ لَيَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَيُخَفِّفُ مَخَافَةَ أَنْ تُفْتَنَ أُمُّهُ. (تابعه بشر) بكسر المُوحَّدة، وسكون المُعجَمَة، وصلَها البُخاري. (وابن المُبارَك) وصلَها أحمد، والنَّسائي، وابن أبي شَيبة.

стр. 1556

الحديث الأَوَّل: (أخف) صفة الإمام. (صلاة) تمييزٌ له. (وإن كان) هي المُخَفَّفة من الثَّقيلة، واسمها ضمير الشَّأْن، و (كان) الخبَر. (مخافة) مفعولٌ لأجله. (تفتن) مبنيٌّ للمفعول، أو الفاعل مِن الإفتان، وقد تُشدَّد الفاء من التَّفعيل. * * * ٧٠٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قتادَةُ: أَنَّ أَنس بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنِّي لأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ وَأَناَ أُرِيدُ إِطَالتهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأتجَوَّزُ فِي صَلَاتِي مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ". ٧١٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قتادَةَ، عَنْ أَنس بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنِّي لأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ فَأُرِيدُ إِطَالتهَا، فَأسمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأتَجَوَّزُ مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ". ٧١٠ / -م - وَقَالَ مُوسَى: حَدَّثَنَا أَبَانُ، حَدَّثَنَا قتادَةُ، حَدَّثَنَا أَنسٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، مِثْلَهُ.

стр. 1557

الثَّاني والثَّالث: فيهما دلالةُ تطويل الصَّلاة إلا لعُذر، فقد كان ﷺ يخشى من إدخال المَشَقَّة على النُّفوس، ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]. قال (خ): وعلى جَواز تَطويل الرُّكوع إذا أحسَّ بداخلٍ كي يُدرِك؛ لأنَّه إذا يقصر لبكاء الصَّبيِّ، فالمُكث بسبَب إدراك السَّاعي أَولى. قال التَّيْمي: عند أحمد يَنتظر ما لم يَشُقَّ على أصحابه، ومنعَ مالك مُطلقًا؛ لأنَّه يضرُّ بمن خلْفَه. (وقال موسى) وصلَها السَّرَّاج، وابن المُنذِر. * * * ٦٧ - بابُ مَنْ أسْمَعَ النَّاسَ تَكْبِير الإِمَامِ (باب مَن أَسْمَعَ النَّاس) ٧١٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا مَرِضَ النَّبِي ﷺ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أتَاهُ [بِلَالٌ] يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ فَقَالَ: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ"، قُلْتُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ، إِنْ يَقُمْ مَقَامَكَ يَبْكِي فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِرَاءَةِ، قَالَ: "مُرُوا أَبَا

стр. 1558

بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ" فَقُلْتُ مِثْلَهُ، فَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ: "إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ" فَصَلَّى وَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، كَأنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَخُطُّ بِرِجْلَيْهِ الأَرْضَ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ ذَهَبَ يتأخَّرُ، فَأشَارَ إِلَيْهِ: أَنْ صَلِّ، فتَأَخَّرَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ وَقَعَدَ النَّبِيُّ ﷺ إلَى جَنْبِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمعُ النَّاسَ التَّكْبِيرَ. تَابَعَهُ مُحَاضِرٌ عَنِ الأَعْمَشِ. (يؤذنه)؛ أي: يُعلِمُه. (يصل) رُوي: (يُصلِّي)؛ لأنَّه بتقدير: أنْ يُصلِّي، كما هو الرِّواية الأُخرى، كذا قال (ش)، ونقل (ك) عن ابن مالك: أنَّه رُوي: (فليُصلِّي)، وروى في (إن يقم مقامك): (يبكي) بالياء فيهما، وهو من قبيل إجراء المعتل مجرى الصَّحيح، والاكتفاء بحذف الحركة. (مُحَاضِر) بضَمِّ الميم، وبحاءٍ مُهمَلةٍ، وبضادٍ معجمةٍ مكسورةٍ. * * * ٦٨ - بابٌ الرَّجُلُ يَأْتَمُّ بالإِمَامِ، وَيَأْتَمُّ النَّاسُ بِالْمَأْمُومِ وَيُذْكَرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "ائْتَمُّوا بِي، وَلْيَأتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدكُمْ". (باب الرَّجل يأتَمُّ بالإمامِ) (ويذكر) وصلَ هذا التَّعليقَ مسلمٌ، وأبو داود، والنَّسائي بأَتَمَّ من

стр. 1559

هذا، قيل: إنَّما لم يجزم البُخاري به؛ لأنَّه اختصَره، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الاختصار لا يَقتضي التَّمريض، والاستِقراء رادٌّ لهذا. (ائتموا) الخِطَاب للصَّفِّ الأَوَّل. (من بعدكم)؛ أي: من بين سائر الصُّفوف، أي: استدلُّوا بأفعالكم على أفعالي، وليس المُراد أنَّ المَأموم يقتدي به غيره، ويحتمل حَمْل الحديث على أنَّ المُراد الائْتِمام به ﷺ في العلم، وأحكام الشريعة، وليتعلَّم التابعون منكم، وكذلك تَبَعُ التَّابعين، وهكذا إلى انقِراض الدُّنْيا. * * * ٧١٣ - حَدَّثَنَا قتيْبةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ جَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ فَقَالَ: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ"، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ، وَإنَّهُ مَتَى مَا يَقُمْ مَقَامَكَ لَا يُسْمِعُ النَّاسَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ، فَقَالَ: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ"، فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ: قُولي لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُل أَسِيفٌ، وَإِنَّهُ مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ لَا يُسْمِعُ النَّاسَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ، قَالَ: "إِنَّكنَّ لأَنتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ"، فَلَمَّا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَجَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً، فَقَامَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، وَرِجْلَاهُ يَخُطَّانِ فِي الأَرْضِ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجدَ، فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ حِسَّهُ ذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ يَتَأَخَّرُ، فَأَوْمَأ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَجَاءَ

стр. 1560

رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِمًا، وَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي قَاعِدًا، يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَالنَّاسُ مُقْتَدُونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁. (متى يقوم)؛ في بعضها: (متَى مَا يَقُومُ)، فـ (ما) زائدةٌ، نعم، قال ابن مالك: إنَّها شرطيَّةٌ، وجوابها: لا يسمع النَّاس، إذ لا معنى للاستفهام، وحقُّها أن تَجزم لكنْ أُهملت شُذوذًا حملًا على إذا، كما جُزم بـ (إذا) حملًا عليها في حديث: "إِذَا أَخَذْتُما مَضاجعَكُما فكَبِّرا أَربَعًا وثَلاثينَ"، الحديثَ. (فلو أمرت) إنْ كانت شَرطًا فالجوابُ محذوف، أو للتمنِّي فلا جوابَ لها. (حِسَّهُ)؛ أي: صوتُه الخَفيُّ. (فأومأ)؛ أي: بأن لا تَتأخَّر. (عن يساره) لأنَّه من جِهَة حُجرته، فهو أخفُّ عليه، وتقدَّم شرْح الحديث قَريبًا. * * * ٦٩ - بابٌ هَلْ يَأْخُذُ الإِمَامُ إِذَا شَكَّ بِقَوْلِ النَّاسِ (باب: هل يَأخُذُ الإمامُ إذا شَكَّ) ليس فيه جزْمٌ بشيءٍ، والمسألةُ ذاتُ خِلافٍ.

стр. 1561

وَفَهِم (ك): أن البُخاري أراد به أنَّه يأخذ بخبر من أخبَره؛ لاحتِمال أنَّه إنَّما رجَع لتذكُّره ثَمَّ، لكنَّه مبنيٌّ على أنَّ الشَيء إذا كان له سببٌ ظاهرٌ يُسنَد إليه، وإن احتمل أنْ يكون له سبَبٌ آخرُ خَفيٌّ. * * * ٧١٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنسٍ، عَنْ أَيُّوبَ ابْنِ أَبِي تَمِيمَةَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ انْصَرَفَ مِنَ اثْنتَينِ، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَينِ: أَقَصُرَتِ الصَّلَاةُ أَمْ نسَيتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ " فَقَالَ النَّاسُ: نعمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَصَلَّى اثْنتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ. ٧١٥ - حَدَّثَنَا أبُو الْوَليدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ ركعَتَيْنِ، فَقِيلَ: صَلَّيْتَ ركعَتَيْنِ، فَصَلَّى ركعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. الحديث الأَوَّل والثَّاني: (من اثنتين)؛ أي: ركعتين، أي: من الظُّهر كما في الرِّواية الأخرى.

стр. 1562

(ذو اليدين) اسمه: الخِرْبَاق كما سبَق في (باب تَشبيك الأصابع في المَسجِد)، ومباحث الحديث فيه، وفي (باب التَّوجُّه للقِبْلة). (أَصَدَق)؛ أي: في السَّبَب الذي تضمَّنه استفهامه، وهو تغيير الصَّلاة، وإلا فالاستفهام ليس عن تصديق أو تكذيب. (أم نسيت) حَصْر في الأمرين، لأن السبب إما من الله وإما من الرَّسول ﷺ . (فسجد) هذا وإن صدق على سجدةٍ واحدةٍ، لكن الحديث الذي بعده دلَّ على اثنتين. * * * ٧٠ - بابٌ إِذَا بَكى الإِمَامُ فِي الصَّلاة وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَّادٍ: سَمِعْتُ نشَيجَ عُمَرَ وَأَناَ فِي آخِرِ الصُّفُوفِ يَقْرَأُ: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾. (باب إذا بكَى الإمامُ) (نشَيج) بنونٍ مفتوحةٍ، وشينٍ معجمةٍ، وجيم: أشدُّ البُكاء؛ قاله في "المُحْكَم"، ونشَجَ الباكي غَصَّ بالبُكاء في حلْقه، وقد أجاز العُلماء البُكاء في الصَّلاة من خوف الله تعالى.

стр. 1563

قال الشَّافعي: إذا لم يكن ثَمَّ حَرفان أو حرفٌ مُفهِمٌ أو ممدودٌ، وتيسَّرت القِراءة دونه ولم يغلبْه. * * * ٧١٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنسٍ، عَنْ هِشَامِ ابْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ فِي مَرَضِهِ: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ"، قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ الْبُكَاءَ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ، فَقَالَ: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ"، قَالَتْ عَائِشَةُ لِحَفْصَةَ: قُولي لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِي مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ الْبُكَاءَ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ، فَفَعَلَتْ حَفْصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَهْ، إِنَّكنَّ لأَنتنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ"، قَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ: مَا كُنْتُ لأُصِيبَ مِنْكِ خَيْرًا. (يصلي) مجزومٌ جوابُ الأَمر، [أو] مرفوعٌ استئنافًا، أو لإِجْراء المُعتل مجرى الصَّحيح اكتفاءً بحذْف حركة الياء، كما في قراءة: ﴿مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] وقول الشاعر: أَلَمْ يَأتِيْكَ والأَنْبَاءُ تَنْمِي أو أنَّه أشبَع الكسْرة فصارتْ ياءً. (من البكاء) من مَجيءِ في سببيةً، أو هو حالٌ، أي: كائنةً في

стр. 1564

البكاء، أو من قيام حرفٍ مقام حرفٍ. (ففعلت)؛ أي: القول المذكور، ولم يقُل فقالت: كذا وكذا اختصارًا. (مه) كلمةُ زَجْرٍ. تقدَّم شرح الحديث. * * * ٧١ - بابُ تَسْوِيَةِ الصفُوف عِنْدَ الإِقَامَةِ وَبَعْدَهَا (باب تَسْوية الصُّفوف) ٧١٧ - حَدَّثَنَا أبو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَني عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لتسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ". الحديث الأَوَّل: (لتسَوُّنَّ) جوابُ قَسَمٍ مقدَّرٍ، فلذلك أُكِّد بالنُّون، ففيه جواز الحَلِف من غير تحليفٍ. (أو ليخالفَنَّ) تقسيمٌ يتضمَّن أنَّ أحد الأمرَين لازمٌ، ووجْهه أنَّ الجزاء من جنس العمل، وأنَّ نقيض التَّسوية المُخالفة بإخراج صدْره

стр. 1565

عن الصَّفِّ، فيؤدي إلى الضَّغائن، واختلافِ القُلوب. قال البَيْضَاوي: فالتَّرديد بين تسوية الصَّفِّ وبين ما هو كلازمِ نقيضِه، والمُفاعلة وإنِ اقتضَت المُشاركة، واللهُ لا شريكَ له، لكن معناها هنا: لتوقعنَّ المُخالَفة بقَرينة لفظ (بَيْنَ). (وجوهكم) يحتمل أنْ يُراد بالوجْه الذَّات، فالمُخالفة بحسب المَقاصد، ويحتمل أنَّه العُضْو المخصوصة، فالمُخالفة إما بحسَب الصُّورة الإنسانيَّة وغيرها، وإما بحسب القُدَّام والوَراء. وتقريره أنَّ المعنى؛ قال (ن): المعنى يَمسخُها ويحوِّلُها عن صُورتها ما في رواية: "يجعَلُ الله صورتَه صُورةَ حمارٍ"، وقيل: يغير صفتها، والظَّاهر أن معناه يوقع بينكم العداوة واختلاف القُلوب كما يُقال: تغيَّر وجْه فُلانٍ عليَّ إذا ظهَر لي من وجهه كراهةٌ؛ لأنَّ المخالفة في الصَّفِّ مخالفةٌ في الظَّواهر ينشأ منها اختلافُ البواطن. قال (ك): ويحتمل مخالفةُ الوجوه تحولَها إلى أدبارها، وهذا الوعيد لا يدلُّ على وجوب التسوية، بل هي سنةٌ؛ لأنَّ القصد به التَّغليظ والتَّشديد. * * * ٧١٨ - حَدَّثَنَا أبو مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أقِيمُوا الصُّفُوفَ، فَإنِّي أَرَاكُمْ خَلْفَ ظَهْرِي".

стр. 1566

الحديث الثَّاني: (أقيموا)؛ أي: عدِّلُوا، مِن تقويم العُود. (أراكم) قال أحمد، والجمهور: رُؤية بالعَين حقيقةً، أي: خلَق الله له إدراكًا، إما من خلْف ظهره، وإما من عينه، فيرى مِن غير مُقابلةٍ، فإنَّ أهل السنَّة لا يشترطون في الرُّؤية بُنْيَةً مخصوصةً ولا مقابلةً، يبصر به من وراءه من خَرْق العادات كغيره؛ إذ لا مانعَ منه عقلًا، ووَرَد الشَّرع به فوجَب قَبولُه. * * * ٧٢ - بابُ إِقْبَالِ الإِمَامِ عَلَى النَّاسِ عِنْدَ تَسْوِيَةِ الصُّفُوف (باب إِقْبالِ الإمامِ) ٧١٩ - حَدَّثنا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاء، قَالَ: حَدَّثنا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرو، قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ: حَدَّثَنَا أَنسٌ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَأقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: "أقِيمُوا صُفُوفَكُمْ وَتَرَاصُّوا، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي". (تَرَاصُّوا) بضَمِّ الصَّاد المُهمَلة المشدَّدة، أي: تَضَامُّوا، أو تلاصَقوا حتَّى يتصل ما بينكم ولا يَنقطع، ومنه: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤].

стр. 1567

(من وراء) هذا ظاهرٌ في أنَّ مبدأَ الرُّؤية ومنشأها من الوراء بأَنْ يخلق له قوَّةَ إبصارٍ من خلف ظهرِه كما من قُدَّامهِ، وعلى رواية عدم (من) السَّابقة يحتمل ذلك، ويحتمل أنَّ رُؤيته بالعين يبصر به من خلْفه (١) كما سبَق تقريره، وفي الكلِّ معجزةٌ له ﷺ . * * * ٧٣ - بابُ الصَّفِّ الأَوَّلِ (باب الصَّفِّ الأَوَّل) ٧٢٠ - حَدَّثَنا أَبُو عَاصِم، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : "الشُّهَداءُ: الغَرِقُ والمَطْعُونُ وَالْمَبْطُونُ وَالْهَدْمُ". الحديث الأَوَّل: (الغَرِق) بكسر الرَّاء: الغَرِيْق. (والهَدْم) بسكون الدَّال، أي: المَهدُوم، انتسَب إلى الفِعْل مجازًا، وفي بعضها بكسرها، أي: الذي يَموتُ تحت

стр. 1568

الهَدْم، ومثلُه الحَرَق، وسبَق الحديث في (باب فضْل التَّهجير إلى الظُهر). * * * ٧٢١ - وَقَالَ: "وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجيرِ لَاسْتَبقُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْح لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ لَاسْتَهَمُوا". (المقدم) يشمَل الثَّاني بالنِّسبة إلى الثَّالث، والثَّالثَ بالنِّسبة إلى الرَّابع، وهلُمَّ جرًّا، وسبق شرحه في (باب الاستِهام في الأذان). * * * ٧٤ - بابٌ إِقَامَةُ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ (باب: إقامةُ الصَّفِّ مِن تَمام الصَّلاةِ) ٧٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: "إِنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، فَإِذَا ركعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ، وَأَقِيمُوا الصَّفَّ

стр. 1569

فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ إِقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلَاةِ". (فاركعوا) المراد التَّعقيب العُرفي، حتَّى يدخل فيه تأخُّره عن فعل الإمام بدون الرُّكنين الفعليَّين كما قُرِّر ذلك في الفقه. (جلوسًا) جمع جالِس. (أجمعون) تأكيدٌ لفاعل: صلُّوا، ويُنصب تأكيدًا: لجُلوسًا، وسبَق أنَّ ذلك منسوخٌ بما في مرَضه الذي توفي فيه من صلاته جالسًا وهم قيامٌ. (وأقيموا الصَّفَّ)؛ أي: عَدِّلوهُ. * * * ٧٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبةُ، عَنْ قتادَةَ، عَنْ أَنسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ". (من إقامة الصَّلاة)؛ أي: تعديل أركانها، وحفْظها أنْ يقَع خللٌ في واجباتها ومندوباتها. قال التَّيْمي: فيه دليلٌ على أنَّ التسوية ليست بفرْضٍ؛ لأنَّ حُسن الشَّيء زيادةٌ على تمامه، فهو زائدٌ على الواجب. * * *

стр. 1570

٧٥ - بابُ إِثْمِ مَنْ لَمْ يُتِمَّ الصُّفُوفَ (باب إثْم مَن لم يُتمَّ الصُّفوفَ) بفتح الميم المشدَّدة. ٧٢٤ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ قَالَ: أَخْبَرَناَ الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَناَ سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّائِيُّ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَنس بْنِ مَالِكٍ: أَنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَقِيلَ لَهُ: مَا أَنْكَرْتَ مِنَّا مُنْذُ يَوْمِ عَهِدْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: مَا أَنْكَرْتُ شَيئًا إِلَّا أَنَّكمْ لَا تُقِيمُونَ الصُّفُوفَ. وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عُبَيْدٍ: عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ: قَدِمَ عَلَيْنَا أَنسُ بْنُ مَالِكٍ الْمَدِينَةَ، بِهَذَا. (بُشَير) بضَمِّ المُوحَّدة، وفتح المُعجَمَة. (يوم) يجوز فيه الرَّفْع، والنَّصْب، والجر. (لا يقيمون) أعمُّ أن يكون بعدَم إتمام الصَّفِّ، أو بعدَم التَّسوية بين صُدور الرِّجال، فتدخل تحته التَّرجَمة بالإقامة، نعم، البُخاري فهم من الإنكار على من لم يُتمَّ وذمِّه أنَّه واجبٌ يأْثم بتركه، وإن كان الجمهور على أنَّه سنَّةٌ، وأنَّ الإنكار ليس للذَّمِّ الشَّرعي، بل للتَّغليظ والتَّحريض على الإتمام. قال التَّيْمي: لأنَّها من السُّنن التي يستحقُّ فاعلها المدحَ، وتاركها

стр. 1571

الذمَّ، وردَّه (ك): بأنَّه لا ذمَّ في النَّدب، وإلا فيلْزم أنَّ كلَّ مندوبٍ في الشَّرع واجبٌ. (عُقبة) هو أخو سعيد السَّابق. (بهذا)؛ أي: بالمذكور، والفرْق بين الطَّريقين أنَّ الأُولى روى فيها بُشير عن أنس، والثانية روى أنَّه شاهدَ الحالَ نفسَه، وقد وصلَ حديثَ عُقبةَ أحمدُ، وأبو نعيْم في "المُستَخرَج". * * * ٧٦ - بابُ إلْزَاقِ الْمَنْكبِ بِالْمَنْكبِ وَالْقَدَمِ بِالْقَدَمِ فِي الصَّفِّ وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ بُشِيرٍ: رَأَيْتُ الرَّجُلَ مِنَّا يُلْزِقُ كعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ. (باب إِلْزاقِ المَنْكِب) (وقال النُّعمان) وصلَه ابن خُزَيْمَة في "صحيحه"، وأبو داود، والدَّارَقُطْني في حديث أصلُه في "مسلم". (الكعب) هو العَظْم النَّاشِز من السَّاق والقدَم، وأنكر الأَصْمَعيُّ قولَ النَّاس: إنَّه في ظَهْر القدَم. * * *

стр. 1572

٧٧ - بابٌ إِذَا قَامَ الرَّجُلُ عَنْ يَسَارِ الإِمَامِ وَحَوَّلَهُ الإِمَامُ خَلْفَهُ إِلَى يَمِينِهِ، تَمَّتْ صلَاَتُهُ (باب قِيَامِ الرَّجُل عن يَسَار الإمامِ) (خلفه) نصب بالظَّرفيَّة أو بنزع الخافض، والأصل: من خلفه، والضَّمير راجعٌ للإمام، أو الرَّجل، والإمام وإنْ كان أقربَ إلا أنَّ الفاعل وإنْ تأخَّر لفظًا فمقدَّم رتبةً، فتساويا. ٧٢٦ - حَدَّثَنا قتيبَةُ بنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثنَا داودُ، عَنْ عَمْرِو بنِ دينار، عَنْ كُرَيْبٍ مَولَى ابن عَبَّاس، عَنْ ابن عَبَّاس ﵁ قَالَ: صلَّيتُ معَ النبيِّ ﷺ ذَات لَيْلَةٍ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِه، فَأخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِرَأْسي مِنْ وَرَائِي، فَجَعَلَنِي عَنْ يمينه، فَصَلَّى وَرَقَدَ، فَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ، فَقَامَ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأ. (ذات ليلة)؛ أي: في ليلةٍ، و (ذات) مُقحَمةٌ، قال الزَّمَخْشَري: هو من إضافة المسمَّى إلى اسمه. وفيه: أنَّ نومه ﷺ لا ينقُض وضوءه، وأنَّ الفعل القليل لا يُبطل، ومجيء المؤذِّن للإمام. * * *

стр. 1573

٧٨ - بابٌ الْمَرْأةُ وَحْدَهَا تَكونُ صَفًّا ٧٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: صلَّيْتُ أَناَ وَيتيمٌ فِي بَيْتِنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وَأُمِّي أُمُّ سُلَيمٍ خَلْفَنَا. (باب المرأة وحْدَها تكونُ صفًّا)، أي: في حكمِ صَفٍّ؛ لأنَّها لا تقف مع الرِّجال، وتقف وحدها، وإلا فالصفُّ يقتضي تعدُّدًا، وأنَّ جنْسَ المرأة يقف خلْفَ الرِّجال صفًّا. ففيه: أن السنَّة وقوف النِّساء (١)، فلو صلَّت المرأة بجنْبِ الرَّجل صحَّتْ خلافًا لقول الكوفيِّين أنها تُفسد صلاةَ الرَّجل. وفيه أنَّ الصبيَّ يكون في الصَّفِّ، وأنَّ الصَّفَّ يكون من اثنين فصاعدًا. وسبق بيان الحديث في باب الصَّلاة على الحصِير. * * *

стр. 1574

٧٩ - بابُ مَيْمَنَةِ الْمَسْجدِ وَالإمَامِ (باب مَيمَنةِ المَسجدِ) ٧٢٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قُمْتُ لَيْلَةً أُصَلِّي عَنْ يَسَارِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأخَذَ بِيَدِي أَوْ بِعَضُدِي حَتَّى أقامَنِي عَنْ يمينه، وَقَالَ بِيَدِهِ مِنْ وَرَائِي. (أو بعضدي) الشَّكُّ من ابن عبَّاس، والجمْعُ بينه وبين ما سبَق في (باب إذا قام الرَّجل): (فأخذ برأسي): إنْ كانت القِصَّة متعددةً فلا إشكالَ، أو واحدةً؛ فيكون أخذَ أولًا برأسه، ثم بيده، أو بعضده، أو بالعكس. (وقال بيده)؛ أي: أشارَ. (من ورائي) يحتمل وراء النبيِّ ﷺ ، أو وراءَ ابن عبَّاس. ووجه مطابقة التَّرجَمة بميمنة المَسجِد أنَّ المراد بها ميمنة الإمام. * * * ٨٠ - بابٌ إِذَا كَانَ بَيْنَ الإِمَامِ وَبَيْنَ الْقَوْمِ حَائِطٌ أَوْ سُترَةٌ وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا بَأسَ أَنْ تُصَلِّيَ وَبَيْنَكَ وَبَيْنَهُ نَهْرٌ.

стр. 1575

وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ: يَأْتَمُّ بِالإمَامِ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا طَرِيقٌ أَوْ جِدَارٌ إِذَا سَمِعَ تَكْبِيرَ الإمَامِ. (باب إِذا كان بينَ الإمام وبين القَوم حائطٌ أو سُترةٌ) (نهر)، وفي بعضها: (نُهير) بالتَّصغير. (أبو مِجْلَز) -بكسر الميم، وسكون الجيم، وفتح اللام، وبالزَّاي- لاحق، بالمهملة والقاف، ابن حُميد. * * * ٧٢٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَناَ عَبْدَةُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فِي حُجْرتِهِ، وَجِدَارُ الْحُجْرَةِ قَصِيرٌ، فَرَأَى النَّاسُ شَخْصَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَامَ أُناَسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ، فَأَصْبَحُوا فتَحَدَّثُوا بِذَلِكَ، فَقَامَ لَيْلَةَ الثَّانِيَةِ، فَقَامَ مَعَهُ أُناَسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ، صَنَعُوا ذَلِكَ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، حَتَّى إِذَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ جَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَمْ يَخْرُجْ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ذَكَرَ ذَلِكَ النَّاسُ فَقَالَ: "إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ". (شخص) هو سوادُ الإنسان وغيرِه، يُرى من بُعدٍ، فلما كان ذلك باللَّيل لم يُبصروا الأسودة. (بصلاته)؛ أي: متلبِّسين، أو مقتَدين بها.

стр. 1576

(فأصبحوا) تامةٌ، أي: دخلوا في الصَّباح. (الليلة الثَّانية) في بعضها وهي رواية أبي الوقت: (لَيلَةَ الثَّانيَة) من إضافة الموصوف إلى نفسه، أو بتقدير: ليلةِ الصَّبيحة الثَّانية، ونحو ذلك. (أناس) بمعنى نَاسٌ. (ذلك)؛ أي الاقتداء به ﷺ . (فلم يخرج)؛ أي: إلى الموضع المعهود الذي صلَّى فيه تلك اللَّيالي. (تكتب)؛ أي: تُفرَض، ولا تَعارض بين هذا وبين قوله في ليلة الإسراء: "لا يُبَدَّلُ القَولُ لَدَيَّ"، فإنَّ ذاك المراد به في التَّنقيص كما دلَّ عليه السِّيَاق، وأجاب (خ): بأنَّه كان يجب عليه التَّهجُّد، والأمة يجب عليهم التَّأسِّي بأفعاله حيث لم يكن من خصائصه، فترَك النبيُّ ﷺ الخروجَ إليهم في الرَّابعة، وترَك الصَّلاة فيها لئلَّا يدخل ذلك في الواجبات المكتوبة عليهم من طريق الأمر بالاقتداء به لا من إنشاء فرضٍ يُستأنف زائدًا، وهذا لا يدلُّ على زيادةٍ على المفروض في الأصل. وجوابٌ ثالثٌ: أنَّ الصَّلوات لمَّا فُرضت خمسين، ثم حُطَّ بشفاعته ﷺ معظمها تخفيفًا، فإذا تبرَّعوا بزيادةٍ لم يُستنكر أن تفرض عليهم، وقد ذكَر الله تعالى في النَّصارى أنهم ابتدعوا رهبانيةً ما كتبَها عليهم، ثم قصَّروا فلحقَهم اللَّومُ في قوله تعالى: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ

стр. 1577

رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧]، فأشفَق النبيُّ ﷺ أن يكون سبيلُهم سبيلَ أولئك، فقطَع العمل به تخفيفًا عن أُمته. * * * ٨١ - بابُ صَلَاةِ اللَّيْلِ (باب صلاةِ اللَّيلِ) ٧٣٠ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِي ﷺ كَانَ لَهُ حَصِيرٌ يَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ، وَيَحْتَجِرُهُ بِاللَّيْلِ، فَثَابَ إِلَيْهِ ناَسٌ، فَصَلَّوْا وَرَاءَه. الحديث الأَوَّل: (ابن أبي الفُدَيك) بضَمِّ الفاء، وفتح المُهمَلة، دخلتْ فيه اللَّام للَمْح الأصل. (يحتجره) أي: يتخذُه حُجْرةً، أي: كالحظيرة، أي للصلاة؛ فإنَّه يأمن بذلك المرور، ويتوفَّر له الخُشوع، وفراغ القلب، وهو وجْه دُخوله في التَّرجَمة، يدلُّ عليه ما بعدَه. (فثاب) بالمُثلَّثة، يقال: ثابوا: إذا اجتمعوا وجاؤوا، وفي بعضها: (ثَارُوا) من الثَّوَران، وهو الهيَجان، ويُروى: (فآبَ) بالمدِّ، وعليه اقتصر

стр. 1578

(خ)، قال: أي: جاؤوا من كل أَوْبٍ وناحيةٍ، وأصلُه الرُّجوع، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥] أي: الرَّاجعين إليه بالتَّوبة، قال (ش): ولم يَذكر أهلُ الغَريب غيره. * * * ٧٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِم أَبِي النَّضْرِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اتَّخَذَ حُجْرَةً -قَالَ: حَسِبْتُ أنَّهُ قَالَ:- مِنْ حَصِيرٍ فِي رَمَضَانَ، فَصَلَّى فِيهَا لَيَالِيَ، فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ ناَسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا عَلِمَ بِهِمْ جَعَلَ يَقْعُدُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: "قَدْ عَرَفْتُ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ، فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ". ٧٣١ / -م - قَالَ عَفَّانُ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى، سَمِعْتُ أَبَا النَّضْرِ، عَنْ بُسْرٍ، عَنْ زيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . الثَّاني: (قال حسبت)؛ أي: قال بُسْرٌ: ظنَنْتُ. (جعل)؛ أي: طَفِقَ. (صنيعكم)؛ أي: حِرْصكم على التَّراويح. (المكتوبة)؛ أي: المفروضة، وبظاهر هذا قال الإمام مالك، وأنَّ

стр. 1579

التراويح تُصلَّى فُرادى لا جماعةً، وخالفه الثَّلاثة، فاستحبُّوا فيها الجماعة كما فعل عُمر والصَّحابة، واستمرَّ عليه عمل المسلمين؛ لأنَّه من الشَّعائر كالعيد، وأجابوا عن الحديث بأنَّ ذلك خشية أن تُفترض، وبعد وفاته أُمن ذلك، وهو الجواب عن العيد ونحوهما. وفيه جواز الاقتداء بمن لم يَنوِ الإمامةَ، فإنْ نوى عند اقتدائهم حصَل له فضيلةُ الجماعة، وإلا حصَل لهم دونه؛ فإنَّ الأعمال بالنيَّات، وأنَّ الكبير إذا فعَل شيئًا خلاف ما يتوقَّعه أتباعُه يَذكر لهم عُذْرَه وحِكْمَته. قال (ن): وفيه الإشارة إلى ما كان عليه ﷺ من الزُّهد في الدُّنْيا، والاكتفاء من متاعها بما لا بُدَّ منه، وجوازُ النَّفْل في المَسجِد، والجماعةُ في غير المكتوبة، وتركُ بعض المصالح لخوف مفسدةٍ أعظم، أي: كحصول الرِّياء، وشفقته على الأُمة، ولفظ: "أفضلُ الصَّلاة"، وإنْ كان عامًّا، لكن يخصَّص بما ليس من شعائر الإسلام كالعيد، والكسوف، والاستسقاء، والتَّراويح على الأصحِّ. ونازع في أنَّ هذه الحُجْرة في المَسجِد؛ لأنَّه قال: صلُّوا في بيوتكم، فلا يأمرهم بشيءٍ ويفعل غيره مما ليس أفضلَ، فإنْ كان صحَّ أنَّ ذلك في المَسجِد، فيُجاب بأنَّه لمَّا احتجَره صار لاختصاصه به كأنَّه بيتُه، أو لأنَّ القَصْد بالبيت عدَم الرِّياء، وهو معصومٌ منزهٌ عن الرِّياء وغيره. ولا يخفى فيما قالَه من النَّظَر؛ لأنَّ كونه في المَسجِد أفضليةٌ باعتبار الاعتكاف، فلم يفعل إلا الأفضل. * * *

стр. 1580

أبواب صفة الصّلاة
следующие страницы →