Полный текст (8 898 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
(فأصبحوا) تامةٌ، أي: دخلوا في الصَّباح.
(الليلة الثَّانية) في بعضها وهي رواية أبي الوقت: (لَيلَةَ الثَّانيَة) من إضافة الموصوف إلى نفسه، أو بتقدير: ليلةِ الصَّبيحة الثَّانية، ونحو ذلك.
(أناس) بمعنى نَاسٌ.
(ذلك)؛ أي الاقتداء به ﷺ .
(فلم يخرج)؛ أي: إلى الموضع المعهود الذي صلَّى فيه تلك اللَّيالي.
(تكتب)؛ أي: تُفرَض، ولا تَعارض بين هذا وبين قوله في ليلة الإسراء: "لا يُبَدَّلُ القَولُ لَدَيَّ"، فإنَّ ذاك المراد به في التَّنقيص كما دلَّ عليه السِّيَاق، وأجاب (خ): بأنَّه كان يجب عليه التَّهجُّد، والأمة يجب عليهم التَّأسِّي بأفعاله حيث لم يكن من خصائصه، فترَك النبيُّ ﷺ الخروجَ إليهم في الرَّابعة، وترَك الصَّلاة فيها لئلَّا يدخل ذلك في الواجبات المكتوبة عليهم من طريق الأمر بالاقتداء به لا من إنشاء فرضٍ يُستأنف زائدًا، وهذا لا يدلُّ على زيادةٍ على المفروض في الأصل.
وجوابٌ ثالثٌ: أنَّ الصَّلوات لمَّا فُرضت خمسين، ثم حُطَّ بشفاعته ﷺ معظمها تخفيفًا، فإذا تبرَّعوا بزيادةٍ لم يُستنكر أن تفرض عليهم، وقد ذكَر الله تعالى في النَّصارى أنهم ابتدعوا رهبانيةً ما كتبَها عليهم، ثم قصَّروا فلحقَهم اللَّومُ في قوله تعالى: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ
стр. 1577
رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧]، فأشفَق النبيُّ ﷺ أن يكون سبيلُهم سبيلَ أولئك، فقطَع العمل به تخفيفًا عن أُمته.
* * *
٨١ - بابُ صَلَاةِ اللَّيْلِ
(باب صلاةِ اللَّيلِ)
٧٣٠ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِي ﷺ كَانَ لَهُ حَصِيرٌ يَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ، وَيَحْتَجِرُهُ بِاللَّيْلِ، فَثَابَ إِلَيْهِ ناَسٌ، فَصَلَّوْا وَرَاءَه.
الحديث الأَوَّل:
(ابن أبي الفُدَيك) بضَمِّ الفاء، وفتح المُهمَلة، دخلتْ فيه اللَّام للَمْح الأصل.
(يحتجره) أي: يتخذُه حُجْرةً، أي: كالحظيرة، أي للصلاة؛ فإنَّه يأمن بذلك المرور، ويتوفَّر له الخُشوع، وفراغ القلب، وهو وجْه دُخوله في التَّرجَمة، يدلُّ عليه ما بعدَه.
(فثاب) بالمُثلَّثة، يقال: ثابوا: إذا اجتمعوا وجاؤوا، وفي بعضها: (ثَارُوا) من الثَّوَران، وهو الهيَجان، ويُروى: (فآبَ) بالمدِّ، وعليه اقتصر
стр. 1578
(خ)، قال: أي: جاؤوا من كل أَوْبٍ وناحيةٍ، وأصلُه الرُّجوع، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥] أي: الرَّاجعين إليه بالتَّوبة، قال (ش): ولم يَذكر أهلُ الغَريب غيره.
* * *
٧٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِم أَبِي النَّضْرِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اتَّخَذَ حُجْرَةً -قَالَ: حَسِبْتُ أنَّهُ قَالَ:- مِنْ حَصِيرٍ فِي رَمَضَانَ، فَصَلَّى فِيهَا لَيَالِيَ، فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ ناَسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا عَلِمَ بِهِمْ جَعَلَ يَقْعُدُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: "قَدْ عَرَفْتُ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ، فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ".
٧٣١ / -م - قَالَ عَفَّانُ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى، سَمِعْتُ أَبَا النَّضْرِ، عَنْ بُسْرٍ، عَنْ زيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
الثَّاني:
(قال حسبت)؛ أي: قال بُسْرٌ: ظنَنْتُ.
(جعل)؛ أي: طَفِقَ.
(صنيعكم)؛ أي: حِرْصكم على التَّراويح.
(المكتوبة)؛ أي: المفروضة، وبظاهر هذا قال الإمام مالك، وأنَّ
стр. 1579
التراويح تُصلَّى فُرادى لا جماعةً، وخالفه الثَّلاثة، فاستحبُّوا فيها الجماعة كما فعل عُمر والصَّحابة، واستمرَّ عليه عمل المسلمين؛ لأنَّه من الشَّعائر كالعيد، وأجابوا عن الحديث بأنَّ ذلك خشية أن تُفترض، وبعد وفاته أُمن ذلك، وهو الجواب عن العيد ونحوهما.
وفيه جواز الاقتداء بمن لم يَنوِ الإمامةَ، فإنْ نوى عند اقتدائهم حصَل له فضيلةُ الجماعة، وإلا حصَل لهم دونه؛ فإنَّ الأعمال بالنيَّات، وأنَّ الكبير إذا فعَل شيئًا خلاف ما يتوقَّعه أتباعُه يَذكر لهم عُذْرَه وحِكْمَته.
قال (ن): وفيه الإشارة إلى ما كان عليه ﷺ من الزُّهد في الدُّنْيا، والاكتفاء من متاعها بما لا بُدَّ منه، وجوازُ النَّفْل في المَسجِد، والجماعةُ في غير المكتوبة، وتركُ بعض المصالح لخوف مفسدةٍ أعظم، أي: كحصول الرِّياء، وشفقته على الأُمة، ولفظ: "أفضلُ الصَّلاة"، وإنْ كان عامًّا، لكن يخصَّص بما ليس من شعائر الإسلام كالعيد، والكسوف، والاستسقاء، والتَّراويح على الأصحِّ.
ونازع في أنَّ هذه الحُجْرة في المَسجِد؛ لأنَّه قال: صلُّوا في بيوتكم، فلا يأمرهم بشيءٍ ويفعل غيره مما ليس أفضلَ، فإنْ كان صحَّ أنَّ ذلك في المَسجِد، فيُجاب بأنَّه لمَّا احتجَره صار لاختصاصه به كأنَّه بيتُه، أو لأنَّ القَصْد بالبيت عدَم الرِّياء، وهو معصومٌ منزهٌ عن الرِّياء وغيره.
ولا يخفى فيما قالَه من النَّظَر؛ لأنَّ كونه في المَسجِد أفضليةٌ باعتبار الاعتكاف، فلم يفعل إلا الأفضل.
* * *
стр. 1580
أبواب صفة الصّلاة
стр. 1581
أبواب صفة الصّلاة
٨٢ - بابُ إِيجَابِ التَّكْبِيرِ وَافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ
(باب إِيْجابِ التَّكبير)؛ أي: للإحرام، فلا يقومُ مقامه تسبيحٌ ولا تهليلٌ؛ لأنَّه محلُّ اتباعِ، وإنْ كان القصد افتتاح الصَّلاة بتعظيم الله ونعتِه بصفات الكمال، وهذا أوَّلُ (أبواب صفة الصَّلاة).
٧٣٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الأَنْصَارِيُّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَكِبَ فَرَسًا، فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ، قَالَ أنَس ﵁: فَصَلَّى لَنَا يَوْمَئِذٍ صَلاةً مِنَ الصَّلواتِ وَهُوَ قَاعِدٌ فَصَلَّينَا وَرَاءَهُ قُعُود، ثُمَّ قَالَ لمَّا سَلَّمَ: "إنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا صلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وإذَا ركعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ".
стр. 1582
الحديث الأَوَّل:
(جُحِش) بضَمِّ الجيم، وكسر المُهمَلة، ثم شين معجمة، أي: خُدِشَ.
(سمع الله)؛ أي: أجاب دُعاءَ الحامدِين.
قال الإِسْماعِيْليُّ: ليس في هذا الحديث تعرُّضٌ للتَّكبير ولا للافتتاح به، ولا في الحديث بعدَه إيجابُه بل إيجاب متابعته في التَّكبير، وأنهم لا يَسبقونه.
قال (ك): إنَّ في هذا الحديث دلالةً على الجزء الثَّاني من التَّرجَمة؛ لأنَّ لفظ: (إذا صلَّى قائمًا) يتناول كونَ الافتتاح حالةَ القيام، وكأنَّه قال: إذا افتتَح الإمام بالصَّلاة قائمًا فافتتحوا قائمين إلا أن يُقال: الواو بمعنى مع، أي: مع الافتتاح، فالمُطابقة للترجمة مشكلةٌ، وقد يُقال: عادة البُخاري أنْ يذكر مع الحديث المُناسب للترجمة ما يُناسب ذلك الحديث وإنْ لم يتعلَّق بالتَّرجَمة.
* * *
٧٣٣ - حَدَّثَنَا قتيْبةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ: أنَّهُ قَالَ: خَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ فَرَسٍ فَجُحِشَ، فَصَلَّى لنا قَاعِدًا، فَصَلَّيْنَا مَعَهُ قُعُودًا، ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ: "إِنَّمَا الإمَامُ -أَوْ إِنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ- لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإذَا ركعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وإذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ،
стр. 1583
فَقُولُوا رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا".
٧٣٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الزِّناَدِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا ركعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبنَّا وَلَكَ الْحَمْدُ، وإذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ".
الحديث الثَّاني والثَّالث:
(أو إنَّما جعل) شكٌّ من الرَّاوي في زيادة لفظ: (جُعِل).
(فكبروا) الأمر للوُجوب، وهو موضعُ الدَّلالة على التَّرجَمة، وسبَق استِشكال الإِسماعِيلي إيَّاه، وأيضًا فيقتضي وجوبَ قول: (ربَّنا ولك الحمْد)؛ لأنَّه مأمور به، إلا أنْ يُقال: صرَفَ عن هذا الإجماعُ على عدم وجوبها.
(لك الحمد) وفي الرِّواية السَّابقة: (ولَكَ)، بالواو، وهما سواءٌ كما قال أصحابنا.
قال (ن): على رواية ثُبوت الواو يكون: ربَّنا، متعلقًا بما قبلَه أي: سمع الله لمن حمده، يا ربَّنا، فاستَجِبْ حمدَنا ودُعاءَنا، ولك الحمد على هِدَايتنا.
قال (ك): لا يمكن أن يتعلَّق بما قبلَه؛ لأنَّه كلامُ المأموم، وما قبلَه كلام الإمام بدليل (فقولوا)، بل هو ابتداء كلامٍ، (ولك الحمد) حالٌ منه،
стр. 1584
ولا يجعل عطفًا على: (أدعوك)؛ لأنَّها إنشائيةٌ، وهذه خبريةٌ.
قلتُ: دعواه أنَّ: سمع الله لمَنْ حمده، من كلام الإمام عجيبٌ؛ فإنهما معًا للإمام والمأموم والمنفرد، وإنَّما سَمعَ للنُهوض، وربَّنا لك الحمد ذكْرُ الاعتِدال كما سيقوله هو من بعدُ، كذلك جعله تخالفهما في الخبر والإنشاء فيه نظرٌ، بل هما مستويان في أنهما خبرٌ بمعنى الإنشاء، وقال في "شرح السُّنَّة": إنْ عُطف: ولك الحمْد على مضمرٍ متقدِّمٍ.
قال (ك): في النُّسخة المنسوبة للفِرَبْري: قال أبو عبد الله: قال قُتيْبة: قال لي أبو سعيد الحدَّاد: ما قوله سمع الله لمن حَمِدَه؟ قلتُ: ما هو؟ قال: أجابَ اللهُ لمن دَعاه.
واعلم أنَّ ظاهر الحديث أنَّ المأموم لا يزيد على: ربَّنا لك الحمد، ولا يقول: سمع الله لمن حمده، فأجاب الشَّافعية عنه في قولهم: يجمع بينهما الإمام والمأموم والمنفرد؛ لأنَّه ليس في الكلام حَصْر، وأيضًا فقد ثبَت الجمْع بينهما من فعْل النبي ﷺ ، وقال: "صَلُّوا كمَا رأَيْتُموني أُصَلِّي"، فسَمع للارتفاع، والآخر للاعتدال.
وفي الحديثين أنَّه يُستحبُّ للإمام الجهْر بسَمع الله لمن حمدَه، ووجوبُ متابعة الإمام، فيكبِّر للإحرام بعد فَراغ الإمام منه، فإنْ شَرع قبل فراغه لم ينعقد؛ لأنَّ الإمام لا يدخل في الصَّلاة إلا بالفَراغ من التَّكبير، فالاقتداء به في أثنائه اقتداءٌ بمن ليس في صلاةٍ بخلاف الرُّكوع
стр. 1585
والسُّجود ونحوهما، ويركع بعدَ شُروع الإمام في الرُّكوع، فإنْ قارنَه أو سبقَه فقد أساءَ، ولا تَبطُل، وكذا في السُّجود، ويُسلِّم بعد سلامه، فإنْ سلَّم قبلَه بطلَتْ إلا أن يَنويَ المُفارقة، أو معه فلا تبطُل؛ لأنَّه تحلَّل، ولا حاجةَ فيه للمتابعة بخلاف السَّبْق فإنَّه منافٍ للاقتداء، وسبق مباحث كثيرةٌ في الحديث في (باب إنَّما جُعل الإمام ليُؤتَمَّ به)، وأنَّ (فصلوا قعودًا) منسوخٌ بما ثبت في آخر عمره ﷺ .
* * *
٨٣ - بابُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي التَّكبِيرة الأُولَى مَعَ الاِفْتِتَاحِ سَوَاءً
(باب رفْع اليدَين في التَّكبيرة الأُولى مع الافتِتاح سواءً)؛ أي: افتتاح التَّكبير، أو افتتاح الصَّلاة، وهما متلازمان.
٧٣٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِم بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ أَيْضًا، وَفَالَ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبنَّا وَلَكَ الْحَمْدُ"، وَكانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ.
(كذلك)؛ أي: حَذْو مَنْكبَيه.
стр. 1586
(رفعهما) هو جواب قوله: (وإِذَا رفَعَ)، بقرينة عطف: وقال سَمع الله لمن حمدَه.
(وإذا كبر) عطفٌ على (إذا افتَتح).
(ولك الحمد) دليلٌ على أنَّ الإمام يقولهما معًا.
(وذلك)؛ أي رفْع اليدَين.
* * *
٨٤ - بابُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ إِذَا كَبَّرَ، وَإِذَا رَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ
(باب رفْع اليدَين إذا كبَّر)؛ أي: للافتتاح.
٧٣٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ: أَخْبَرَناَ عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ يُونسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ فِي الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يَكُوناَ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ حِيْنَ يُكَبِّرُ للرُّكُوعِ ويَفْعَلُ ذَلِكَ إِذَا رَفَعَ رَأَسَهُ مِنَ الرُّكوُعِ وَيَقُولُ سِمِعَ اللهُ لمِنْ حَمِدَه، ولا يَفْعَلُ ذلِكَ في السُّجُودِ.
الحديث الأَوَّل:
(قام في الصَّلاة) لا يخفَى الفرْق بينه وبين: قامَ لها.
* * *
стр. 1587
٧٣٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ: أَنَّهُ رَأَى مَالِكَ بْنَ الْحُويرِثِ إِذَا صَلَّى كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَحَدَّثَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَنَعَ هَكَذَا.
الثَّاني:
(خالد) الأَوَّل هو: الطَّحَّان، والثَّاني: هو الحَذَّاء.
(وإذا أراد أن يركع) إنَّما ذكَر الإرادة هنا؛ لأن الرَّفْع فيه عند إرادته بخلاف رفعهما في رفع الرَّأس منه، فإنَّه عند نفْس الرَّفْع لا عند إرادته، وكذا في: (إذا صلَّى كبَّر) التَّكبير عند فعل الصَّلاة.
(وحدث) الجملة حاليَّةٌ لا عطفٌ على رأَى، لأن المُحدِّث مالك، والرَّائي أبو قِلابَة.
واعلم أنَّ الإجماع على الرَّفْع في تكبيرة الإحرام، وأما عند الرُّكوع والرَّفْع فعند الشَّافعي، وأحمد، خلافًا لأبي حنيفة، ومالك في أشهر الرِّوايات عنه، ورُوي عن بعض الحنفية بُطلان الصَّلاة به.
أما حِكْمةُ الرَّفْع، فقال الشَّافعي: معناه: فعلته إعظامًا لله واتباعًا لرسوله، وقال غيره: استكانةٌ واستسلامٌ وانقيادٌ، وكان الأسير إذا غُلِبَ يَمدُّ يدَيه علامةً لاستسلامه، وقيل: إشارةٌ لاستعظام ما دخَل فيه، وقيل: إلى طَرْح الدُّنْيا، والإقبالِ على صلاته، ومناجاة ربِّه .
* * *
стр. 1588
٨٥ - بابُ إِلَى أَيْنَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ ؟
وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ فِي أَصْحَابِهِ: رَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ.
(باب: إلى أين يَرفعُ يدَيه؟)
(وقال أبو حُميد) يأتي مطوَّلًا في (باب سنَّة الجلوس في التَّشهُّد).
(في أصحابه) يحتمل أنَّ المُراد قاله بينهم، أو أنَّه من جملتهم،
وكلُّهم قائلون، والمراد بأصحابه: الصَّحابة.
ونقل التَّيْمي عن قومٍ استحباب الرَّفْع في كل خفْضٍ ورفْعٍ، وأنَّ أبا حُميد فعَل ذلك في عشَرةٍ من أصحابه.
* * *
٧٣٨ - حَدَّثَنا أَبُو اليَمانِ قَالَ: أَخْبَرناَ شُعَيْبٌ، عَنْ الزُّهْريِّ قَالَ: أَخْبَرَناَ سَالِمُ بنُ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ افْتَتَحَ التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ حِينَ يُكَبِّرُ حَتَّى يَجْعَلَهُمَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ فَعَلَ مِثْلَهُ، وإِذَا قَالَ: سَمعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَعَلَ مِثْلَهُ وَقَالَ: "رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ". وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ حِينَ يَسْجُدُ وَلَا حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ.
(حذو منكبيه) قال (ن): في رواية أُخرى: (حتَّى يُحاذيَ بهما
стр. 1589
أُذُنيَهِ)، وقال: في روايةٍ ثالثةٍ: (حتَّى يُحاذِيَ فُروعَ أُذُنيَهِ)، فجمَع الشَّافعي بينها بأنَّه يرفع يديه حَذْو مَنكِبيه بحيث تُوازي أصابعُه فُروعَ أذنيه، أي: أَعلى أُذنيه، وإبهاماه شحمتي أُذنيَه، وراحتاه مَنكِبيه، فاستَحسن النَّاس ذلك منه.
وأما وقت الرَّفْع، ففي رواية: (رفَعَ يدَيهِ ثم كبر)، وفي أُخرى: (ثم رفع يديه)، وفي الثَّالثة: (إذا كبر رفع يديه)، ولأصحابنا فيه أوجهٌ:
أحدها: يرفع غيرَ مُكبِّر، ثم يبتدئ التَّكبير مع إرسال يدَيه، ويُنهيه مع انتهائه.
والثَّاني: يرفع غيرَ مُكبِّر، ثم يكبِّر ويداه قارَّتانِ، ثم يُرسلهما.
والثَّالث: يبتدئ بالرَّفْع مع ابتداء التَّكبير، ويُنهيهما معًا.
والرابع: يَبتدؤُهما ويُنهي التكبير مع انتهاء الإرسال.
والخامس: وهو الأصحُّ: يبتدئ الرَّفْع مع ابتداء التكبير، ولا استحباب في الانتهاء، فإنْ فرَغَ من أحدهما قبل الآخر ويُتمُّه، وإنْ فرغ منهما حطَّ يدَيه، ولم يَستدِم الرَّفْع.
ثم الأصحُّ أنَّه إذا أراد إرسالَهما أرسلَهما إرسالًا خفيفًا إلى تحت صدْره فقط، ثم يضَعُ اليمين على اليَسار، وقيل: يُرسلهما إرسالًا بليغًا، ثم يَستأنف رفْعَهما إلى تحت الصَّدر.
وفي الرَّفْع باعتبار الأَوجُه الخمسة بالنَّظَر إلى الرِّوايات الثَّلاث
стр. 1590
السَّابقة، وباعتبار الإرسال الخفيف والبالغ يجتمع ثلاثون وجهًا.
قال الطَّحَاوي: إنَّما كان الرَّفْع للمَنكِبين لمَّا كانتْ أيديهم في ثيابهم، وإلى الأُذنين حين كانت أيديهم بادِيَةً، روي عن أبي وائل، قال: رأيتُ النبيَّ ﷺ يَرفع يدَيه حِذاء أُذنيه، ثم أتيتُ في العام المُقبل وعليهم الأَكْسية والبَرانِس، فكانوا يرفعون أيديَهم إلى مَناكبهم.
* * *
٨٦ - بابُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ إِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ
(باب رفْع اليدَينِ إذا قامَ من الرَّكعتَين)
٧٣٩ - حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَكعَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَفعَ يَدَيْهِ، وإِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَرَفَعَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى نبَيِّ اللَّهِ ﷺ .
رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَرَوَاهُ ابْنُ طَهْمَانَ عَنْ أَيُّوبَ وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ مُخْتَصَرًا.
(دخل)؛ أي: أراد الدُّخول.
стр. 1591
(ذلك)؛ أي: بالرَّفْع المذكور، والمرفوع: ما أُضيف للنبيِّ ﷺ من قولٍ أو فعلٍ.
قال التَّيْمي: الرَّفْع من طريق نافع زيادةٌ على ما في طريق سالم، فيَجب قَبولُها، وليس في حديث ابن شِهَاب ما يَدفَعُها، بل فيه ما يُثبتُها، وهو: وكانَ لا يَفعلُ ذلك بين السَّجْدتَينِ، أي: يفعلُهما في خفْضٍ ورفْعٍ ما عدا السُّجود.
(ورواه حَمَّاد) وصلَها البُخاري في جُزء "رفع اليدَين" له، والسَّرَّاج، والبيهقي.
(وابن طَهْمان)؛ أي: إبراهيم، وصلَها البيهقي.
* * *
٨٧ - بابُ وَضْعِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى
(باب وضْع اليُمنى على اليُسْرى)
٧٤٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ الْيَدَ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ.
قَالَ أَبُو حَازِمٍ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا يَنْمِي ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ .
قَالَ إِسْمَاعِيلُ: يُنْمَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَقُلْ: يَنْمِي.
стр. 1592
(أن يضع الرَّجل)؛ أي: بأنْ يضَع، والأصل: تَضَعُون، فوضَع المُظهَر موضِعَ المُضمَر، وحِكْمة ذلك أنَّ القائم بين يدَي الملك الجبَّار يتأَدَّب بوضْع يده على يده، ويُطأْطئ.
(لا أعلمه)؛ أي: الأمر، إلا أنَّ سهلًا يَنْمِيْه إلى النبي ﷺ ، أي: يُسنده ويَرفعه إليه.
(قال إسماعيل: يُنْمى)؛ أي: بالبناء للمفعول.
(ولم يقل) أبو حازِم: (يَنْمي) بالبناء للفاعل، حتَّى يكون هو الذي نَماه بخلاف الأَوَّل.
قال التَّيْمي: وضْع اليُمنى على اليُسرى رُوي عن أبي بكر، وعلي، وقال طائفةٌ: يُرسلهما، وَحُكِي ذلك عن مالك.
قال النَّوَوي: رواها عنه جمهورُ أصحابه، وهي عندهم الأشهر.
* * *
٨٨ - بابُ الْخُشُوع فِي الصَّلَاةِ
(باب الخُشوعِ في الصَّلاةِ)؛ أي: الذي قد مَدَح اللهُ تعالى فاعلَه فقال: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢]، قال ابن عبَّاس: أي: خائِفون ساكنون.
٧٤١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّناَدِ، عَنِ
стр. 1593
الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَهُنَا؟ وَاللَّهِ! مَا يَخْفَى عَلَيَّ رُكوعُكُمْ وَلَا خُشُوعُكُمْ، وَإِنّي لأَرَاكُمْ وَرَاءَ ظَهْرِي".
الحديث الأَوَّل:
(هل ترون) استفهامُ إنكارٍ.
(قبلتي)؛ أي: مُقابَلَتي ومُواجهَتي، أو المعنى: لا تَرَون قَصْدي، ورُؤيتي في طرَف القِبْلة فقط، أو أنَّه مِن إرادة لازمِ التَّركيب؛ لأنَّه يلزم أن تكون جهةُ قِبْلته هي جهة رُؤيته، واللهِ لأراكم من غيرها، وسبَق بيان معنى رُؤيته من خلْفه في (باب تسوية الصُّفوف)، وقال بعضهم: (مِن بَعدي)، أي: من بَعد وفاتي، وهو بعيدٌ من سِيَاق الحديث.
وفيه النَّهي عن نُقصان الرُّكوع والسُّجود، وجوازُ الحَلِف لتأكيد القِصَّة وتحقيقها.
* * *
٨٩ - بابُ مَا يَقُولُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ
(باب ما يَقُول بعدَ التَّكبير)
٧٤٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَر ﵄ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ
стр. 1594
بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
الحديث الأَوَّل:
(يفتتحون الصَّلاة)؛ أي: قراءةَ الصَّلاة، أو أطلقَ الصَّلاةَ على القراءة، فهو مجازُ حَذْفٍ، أو استعارةٌ.
(بالحمدُ) بضَمِّ الدَّال على الحكاية، وليس فيه دلالةٌ على تَرْك البَسملة؛ لأنَّ المراد الافتتاح بالفاتحة قبل السُّورة، وهذا اسمُها، كما يُقال: يفتَتح بالبقرة، أي: بسورة البقرة، فلا تَعَرُّض فيه لكون البسملة منها أوْ لا، ولكنْ قامت الأدلَّةُ للشَّافعي على إثباتها منها.
* * *
٧٤٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاع، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ إِسْكَاتَةًى -قَالَ: أَحْسِبُهُ قَالَ: هُنَيَّةً- فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِسْكَاتُكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: "أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْني وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءَ وَالثَّلْج وَالْبَرَدِ".
الثَّاني:
(يسكت) من السُّكوت، وفي بعضها من الإفعال، فالهمزة للضَّرورة.
стр. 1595
قال الجَوْهَري: يقال تكلَّم الرَّجل ثم سكَت بغير ألف، فإذا انقطع كلامه، فلم يتكلَّم قيل: أُسكِتَ.
(إسكاتة) معناه سُكوتًا يقتضي كلامًا بعدَه.
(هُنَيئة) بهاءٍ مضمومةٍ، وهمزةٍ.
قال (ع): على رواية الجمهور، وقال (ن): بتشديد الياء بلا همزٍ تصغيرُ هَنَة، أي: قليل الزمان، ويقال: هُنَيهة أيضًا، أي: بإبدال الياء الثَّانية هاءً.
قال (ك) في (هنيِّئة): بالتَّشديد أصلها: هَنْوةٌ، كلمةٌ يُكنى بها عن شيءٍ، فلما صُغِّرت قُلبت الواو ياءً وأُدغمت في الياء، ومَنْ هَمَزهُ فقد أخطأ، انتهى.
وقد سبق عن (ع): أنَّها رواية الجمهور، فكيف تكون خطأً.
(بأبي) متعلِّقٌ باسمٍ أو فعلٍ محذوفٍ؛ لكثْرة الاستعمال، أي: أنت مُفَدًّا، أو فديتُك بأبي.
(إسكاتك) قال المظهري في "شَرح المَصابيح": فالنَّصْب بفعلٍ مقدَّرٍ، أي: أسألُك إسكاتَك، أو نصب بنَزْع الخافض، أي: في إسكاتك.
(ما تقول) لا يُنافي كونه إسكاتةً؛ لأنَّ المراد تَرْكُ رفْع الصَّوت بالكلام بالنِّسبة إلى ما بعدَه لا تَرْك الكلام أصلًا.
(باعد) عبَّر بالمفاعلة مبالغةً.
стр. 1596
(وبين خطاياي) هو تعليمٌ للأُمة بمعنى المَحْو لمَا مضَى لهم، والإحالة بينه وبين ما يُخشى من وقوعه في المُستقبل، وأما هو ﷺ فمعصومٌ، فالمعنى فيه زيادة التَّأكيد في العصمة منه، والبُعد عنه، وأعاد لفظ: (وبَيْن) هنا، ولم يقل: وبَيْن المَغرب؛ لأن العطف على الضَّمير المخفوض يُعاد معه العاملُ بخلاف الظَّاهر.
(الدنس): الوسَخ.
(بالثلج) الإنقاءُ للوسَخ بالماء الحارِّ وإنْ كان عُرفًا أبلغَ، لكنْ ذُكرتْ هذه الأُمور مبالغةً في التَّطهير، كما أشار إليه البَغَويُّ، وكذا قال (خ): هي أمثالٌ لم يُرَد بها أعيانُها بل التَّوكيد، والثَّلج والبَرَد لكونهما لم تَمسَّهما الأيدي، ولا امتهنَها استعمالٌ، فضَرْبُ المثَل بهما أَوْكَدُ، وقال التُّورِبِشْتي: نوَّعَ المنزل من السَّماء الذي لا تحصل الطهارة الكاملة إلا به تِبْيانًا لأنواع المغفرة التي لا تَخلُّصَ من الذُّنوب إلا بها، أي: طَهِّرْني من الخطَايا بأنواع مغفرتك، وقال الطِّيْبي: يمكن أن يكون ذكْر الثَّلج والبَرَد بعد الماء لطلَب شُمول الرَّحمة بعد المَغفرة، والتَّركيب من باب:
رأيتُه متقلِّدًا سيفًا ورُمحًا
أي: اِغْسِلْ خطايايَ بالماء، أي: اغْفِرْها، وزِدْ على الغُفران شُمول الرَّحمة، فطلَب أوَّلًا المُباعَدة، ثم التَّنقية مما عسى أنْ يُنقَّى، ثم ثالثًا غاية الرحمة.
стр. 1597
قال (ك): الأقْرب أنَّ الخطايا بمنزلة النَّار؛ لأنَّها سببُها، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجن: ٢٣]، فعبَّر عن إطفاء حرارتها بالغَسل تأكيدًا في الإطفاء، وبالَغ بما هو أَبْرد، وهو الثَّلج، ثم أبرد منه، وهو البَرَد بدليل جُموده؛ لأنَّ ما هو أبرد أجمد، وأما تثليث الدَّعَوات فيحتمل أنَّه باعتبار الأزمنة الثَّلاثة المُباعِدة للمُستقبل، والتَّنقية للحال، والغَسْل للماضي.
وفي الحديث دليلٌ للثَّلاثة على مالكٍ في قوله: لا يُستحبُّ دُعاء الافتتاح، وجوازُ سؤال الإمام عن حِكْمة فعله، قيل: ومنْعُ التَّطهير بالماء المستعمل؛ لأنَّ الخطايا المغسولة بالماء الذي يتطهَّر به بمنزلة الأوضار الحالَّة في المغسولات المانعة من التَّطهير بها.
* * *
٩٠ - بابٌ
٧٤٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ ناَفِعُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ، فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ
стр. 1598
رَفَعَ فَسَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجودَ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ: قَدْ دَنَتْ مِنِّي الجنَّةُ حَتَّى لَو اجْتَرَأْتُ عَلَيهَا لجَئِتُكُمْ بِقِطَافٍ مِنْ قِطَافِهَا، وَدَنَتْ مِنِّي النَّارُ حَتَّى قُلْتُ: أَيْ رَبِّ! وَأَناَ مَعَهُمْ، فَإِذَا امْرَأةٌ -حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ:- تَخْدِشُهَا هِرَّةٌ، قُلْتُ: مَا شَأْنُ هَذِهِ؟ قَالُوا: حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، لَا أَطْعَمَتْهَا، وَلَا أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ".
قَالَ ناَفِعٌ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: "مِنْ خَشِيشِ أَوْ خُشَاشِ".
الحديث الثَّالث:
(اجترأت) من الجَرَاءَة، وهي: الجَسَارة، وإنَّما تكون جَراءةً لأنَّها بغير إذنٍ بالأخْذ.
(بقطاف) بكسر القاف: جمع قِطْفٍ، وهو العُنْقود.
(أو أنا) الهمزة للاستفهام، والواو عطفٌ على مقدَّر بعدها، كما سبَق مرَّاتٍ، وفي بعضها بلا همزةٍ، لكن مقدَّرةٌ.
(حسبت أنَّه قال: تخدشها) هو من قول أبي هُريرة، والضَّمير في ذلك للنبي ﷺ .
(خشيش)، قال (ك): بفتح المُعجَمَة: حشَرات الأرض وهوامُّها، والخِشاش -بالكسر- الذي يدخل في عَظْم أنف البعير، وهو من خشَب، والبُرَّة من صُفْر، والخُزَامة من شَعر، والحشَرات أيضًا، وقد تفتح بهذا المعنى الأخير، ثم نقل عن (خ): أن الخَشيش ليس بشيءٍ، إنَّما هو الخَشاش -بالفتح- الحشَرات.
стр. 1599
وقال (ش): خُشيش بضَمِّ الخاء، وبالشِّين المعجمتين: تصغير ما بعده، ثم قال: والخشاش -مثلَّث الخاء- هوامُّ الأرض، وقيل: نبَاتُها، وقال (ع): ويُروى بالحاء المُهمَلة فيهما، وهو وهمٌ.
وفيه أنَّ صلاة الخُسوف رَكعتان في كل ركعةٍ ركوعان، وأنَّ الجنة والنَّار مخلوقتان اليوم، وأنَّ تعذيب الحيوانات غير جائزٍ، وأنَّ من ظُلم منها يُسلَّط على ظالمه يوم القيامة.
ووجْهُ مطابقة الحديث للتَّرجمة: أنَّ في قراءة دعاء الافتتاح تطويلٌ للقيام، وصلاة الكسوف فيها تطويلٌ في القيام.
* * *
٩١ - بابُ رَفْعِ الْبَصَرِ إِلَى الإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ: "فَرَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ".
(باب رفع البصَر إلى الإمام)
(وقالت عائشة) وصلَه البُخاريُّ في (باب إذا انفلَتت الدَّابَّة في الصَّلاة).
(رأيت) في بعضها: (فرأيت)، فيكون عطفًا على المذكور في حديث صلاة الكسوف المُطوَّل.
стр. 1600
(يَحطِم) بكسر الطَّاء، أي: يَكسِر، أو يَأكُل، والحُطَمَة من أسماء النَّار؛ لأنَّها تَحطِمُ ما تَلقَى.
* * *
٧٤٦ - حدثنا مُوسَى قالَ: حدَّثنا عَبْدُ الوَاحِدِ قال: حدَّثنا الأَعْمَشُ، عَنْ عُمارَةَ بنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أبِي مَعْمَرٍ قالَ: قُلْنا لِخَبَّابٍ: أكانَ رسولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ والعَصْرِ؟ قالَ: نَعَمْ، قُلْنا: بِمَ كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ ذَاكَ؟ قالَ: بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ.
الحديث الأَوَّل:
(أبو مَعْمَر) هو عبد الله بن سَخْبَرة.
(خَبَّاب) بفتح المُعجَمَة، وتشديد المُوحَّدة: ابن الأَرَتِّ بتشديد المُثنَّاة.
(يقرأ)؛ أي: غير الفاتحة؛ إذ لا شكَّ في قراءتها.
(بم)؛ أي: بما، فحُذفت الألف تخفيفًا.
(باضطراب)؛ أي: بحركةٍ.
(لحيته) بكسر اللام، وفتحها: تَثنية (لَحَى) تصحيفٌ، فإنْ صحَّت الرِّواية فالمعنى صحيحٌ.
* * *
стр. 1601
٧٤٧ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَنْبَأَناَ أَبَو إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ يَخْطُبُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ -وَكَانَ غَيْرَ كَذُوبٍ- أَنَّهمْ كَانُوا إِذَا صَلَّوْا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَرَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَامُوا قِيَامًا حَتَّى يَرَوْنَهُ قَدْ سَجَدَ.
الثَّاني:
(أنبأنا) قد يُطلَق في الإجازة، بخلاف أخبرنا فلا يُطلق بل يقال: أخبَرنا إجازةً.
(وهو كذوب) سبَق بيانُه في (باب متَى يَسجُد مَنْ خَلْفَ الإمام).
(قاموا) جوابُ (إذا).
(قيامًا) مصدرٌ.
(حتَّى يرونه) علي بناء الحال، وفي بعضها: (يَرَوْهُ)، بالنَّصْب على الاستِقبال.
* * *
٧٤٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلُ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ، قَالَ: "إِنِّي أُرِيتُ الْجَنَّةَ، فتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا".
стр. 1602
الثَّالث:
(إسماعيل) هو ابن أبي أُوَيْس، كذا هو في "المُوطَّأ"، وزعم بعضهم أنَّه إسماعيل بن إسحاق القاضي، وأنه إنَّما رواه عن القَعْنَبي، عن مالك.
(خُسفت) من استعمال خسف في الشَّمس، والأكثر استِعماله في القمَر، والشَّمس كُسِفَت بالكاف.
(فصلى)؛ أي: صلاةَ الكُسوف.
(تناولت) في بعضها: (تَناوَل) مضارعًا حُذفت منه إحدى التَّاءين.
(تكعكعت)؛ أي: تأخَّرتَ ورجَعتَ وراءَك.
قال (خ): أصله: تكَعَّعَ تَفعَّل، فدخلت الكاف لئلَّا يجتمع حَرفان من نوعٍ واحدٍ، وهو ثقيلٌ.
قال الجَوْهَري: كَعْكَعتُه فتكعْكَعَ، أي: حبَستُه فانحبَس، وتكَعْكَع، أي: جَبُن.
(عُنقودًا) بضَمِّ العين.
(ولو أخذته) دليلٌ أنَّه لم يَأْخذ، فيجب تأويلُ: تَناولتُ، أي: أردتُ التَّناول، أو إظهار تكلُّف الفعل لا حقيقة، أو تَناولتُه لي، ولو أخذتُه لكم.
قال التَّيْمي: لم يأخذْه لأنَّه من طعام الجنَّة، وهو لا يَفنى، ولا يُؤكل في الدُّنْيا إلا ما يَفنى، لأنَّها للفَناء لا للبَقاء، واختصَر في هذا
стр. 1603
الحديث الجَواب عن التَّأَخُّر، وذكَره في سائر الرِّوايات أنَّه لدُنوِّ نارِ جهنَّم.
* * *
٧٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَنس بْنِ مَالِكٍ قَالَ: صَلَّى لَنَا النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ رَقَا الْمِنْبَرَ، فَأَشَارَ بِيَدَيْهِ قِبَلَ قِبْلَةِ الْمَسْجدِ ثُمَّ قَالَ: "لَقَدْ رَأَيْتُ الآنَ مُنْذُ صَلَّيْتُ لَكُمُ الصَّلَاةَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مُمَثَّلَتَيْنِ فِي قِبْلَةِ هَذَا الْجدَارِ، فَلَمْ أَرَ كالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ"، ثَلَاثًا.
(رَقِي) بكسر القاف، أي: صَعِد.
(قِبَل)؛ أي: ناحيةَ.
(الآن) ظرفٌ بمعنى الوقْت الذي أنت فيه، واللام فيه ليستْ معرفةً؛ لأنَّه ليس له ما يُشارِكه، حتَّى يُميَّز، ولا يُشكل عليه أنَّ رأَى للماضي، فكيف يجتمع مع الحال؛ لدُخول (قد)، فإنَّها تُقرِّب للحال.
(منذ) يجوز أن تكون حرْفًا، وأن تكون اسمًا مبتدأً، والخبر ما بعده، والزَّمان مقدَّرٌ قبل (صلَّيت)، وقال الزَّجَّاج بعكس ذلك.
(صليت) للمضيِّ قطعًا، فاجتماعه مع الآن؛ إما كما قال ابن الحاجب: أنَّ كلَّ مُخبِرٍ أو منشئ فقَصْدُه الحاضِر، فمثْل:
стр. 1604
(صليت) يكون للماضي الملاصِق للحاضر، أو أنَّه أُريد بالآن: ما يقال عُرفًا أنَّه الزَّمان الحاضِر لا اللَّحظة الحاضرة المسمَّاة بالحال التي لا تَنقسِم.
(ممثلتين)؛ أي: مُصوَّرتَين، قيل: عُرِضَ عليه مثالهما، وضُرب له ذلك في الحائط كما جاء: في عُرْض الحائِط، ولكن لا يَمتنع أنَّه رآهما حقيقةً في جهة قِبْلة الجدار وناحيته.
(في الخير والشر)؛ أي: أحوالِهما.
(ثلاثًا) متعلِّقٌ بـ (قال).
ووجْهُ مطابقة الحديث للتَّرجمة: أنَّه فيه رفْع بصر الإمام للشَّيء، فرفْع البصَر للإمام مثله، أو هو مختصرٌ من حديث صلاة الكُسوف الذي ثبَت فيه رفْع البصَر للإمام.
* * *
٩٢ - بابُ رَفْعِ الْبَصَرِ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ
(باب رفْع البصر إلى السَّماء)
٧٥٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَناَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا قتادَةُ: أَنَّ أَنس بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى
стр. 1605
السَّمَاءَ فِي صَلَاتِهِمْ"، فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ: "لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ".
(ابن أبي عَرُوبة) اسمه: سَعيد.
(ما بال)؛ أي: حالُ.
(أقوام) أبهم لئلَّا ينكسر خاطر مَن يَعْنيه؛ لأنَّ النصيحة على رُؤوس الأَشهاد فَضيحةٌ.
(لينتهُنَّ) جواب قسمٍ محذوفٍ، وهو بضَمِّ الهاء دلالةً على واو الضَّمير المحذوفة؛ إذ الأصل: يَنتَهُون.
(ذلك)؛ أي: رفع البصَر.
(لَتُخْطَفَن) بضَمِّ أوَّله، وفتح الفاء، على البناء للمفعول، أي: العَمَى، فهو تهديدٌ عظيمٌ.
قال الطِّيْبِي: أحد الأَمرَين واقعٌ، فهو خبَرٌ في معنى الأمْر، أي: ليَكُنْ منكم الانتهاءُ عن الرَّفْع، أو خَطْف الأبصار من الله، وإنَّما لم يكُن محرَّمًا للإجماع على عدَم الحُرمة، فكان مكروهًا.
أما رفْعُ البصر إلى السَّماء في غير الصَّلاة من دُعاءٍ ونحوه، فجوَّزه الأكثرون كما قال (ع)؛ لأنَّ السَّماء قِبْلة الدُّعاء كالكعْبة قِبْلة الصَّلاة، وكَرِهه آخرون.
* * *
стр. 1606
٩٣ - بابُ الاِلْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ
(باب الالتِفَاتِ)
٧٥١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الاِلْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: "هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ".
الحديث الأَوَّل:
(أبو الأَحْوَص) بفتح الهمزة، وسُكون المُهمَلة، وفتح الواو، وصادٍ مُهمَلة.
(سَلَّام) بتشديد اللام: ابن سُليم بضَمِّ أوَّله.
(اختلاس) افتِعال من الخَلْس، وهو السَّلْب، قال في "النِّهاية": الخِلْسة: ما تُؤخذ سَلْبًا ومكابَرةً.
قال الطِّيْبيُّ: المعنى: أنَّ مَن التفتَ ذهب خُشوعه، فاستُعير لذهابه اختلاسُ الشَّيطان تصويرًا لقبح تلك الفِعْلة، أو أنَّ المصلِّي مستغرقٌ في مُناجاة ربِّه، واللهُ مُقبلٌ عليه، والشَّيطان مُراصِدٌ يَنظر فَوات تلك الحالة، فإذا التفتَ المُصلِّي اغتنَم الفُرصة، فيَختلسُها منه، والمراد بالالتفات: أنْ يُحَوِّل رأسه يمينًا أو شِمالًا لا صَدْرَه؛ فإنَّ تحويل الصَّدر مبطلٌ للصلاة.
стр. 1607
قال (ط): الالتفات مكروهٌ؛ لأنَّه يُفارق الخُشوع المأمور به، ولذلك جعلَه ﷺ اختلاسًا، ففيه الحضُّ على إحضار المصلِّي قلبَه لمناجاة ربِّه.
* * *
٧٥٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ فَقَالَ: "شَغَلَتْنِي أَعْلَامُ هَذِهِ، اذْهَبُوا بِهَا إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةٍ".
الحديث الثَّاني:
(خَمِيْصَة) كِساءٌ أسودُ له عَلَمان، سبَق بيانها، وبَيانُ الأَنْبجانيَّة، وفوائدُ الحديث في (باب إذا صلَّى في ثوبٍ له أعلامٌ)، ونظَره ﷺ لها هو ما لا يُستطاع دفْعُه، ولا الالتفات فيه، لكنَّه تَنبيهٌ على طلَب الخُشوع والنَّزاهة عما يَشغَل، فهو وجْهُ مُطابقة الحديث.
* * *
٩٤ - بابٌ هَلْ يَلْتَفِتُ لأَمْرٍ يَنْزِلُ بِهِ، أوْ يَرَى شَيْئًا أوْ بُصَاقًا فِي الْقِبْلَةِ ؟
وَقَالَ سَهْلٌ: الْتَفَتَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ فَرَأَى النَّبِيَّ ﷺ .
стр. 1608
(باب هل يَلتفتُ لأمرٍ نزَلَ به؟)
(بُصَاقًا) بضَمِّ المُوحَّدة، وفيه بُزاقٌ بالزَّاي، وبُساقٌ بالسِّين.
(في القبلة) لا يلزم جعْلُه قَيْدًا في البُصاق أن يكون قَيْدًا في المَعطوف عليه وهو (شيئًا).
(وقال سهل)؛ أي: ابن سَعْد، وقد وصلَه البُخاري في (باب الإشارة في الصَّلاة).
* * *
٧٥٣ - حَدَّثَنَا قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ رَأَى النَّبِيُّ ﷺ نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجدِ، وَهْوَ يُصَلِّي بَيْنَ يَدَيِ النَّاسِ، فَحَتَّهَا، ثُمَّ قَالَ حِينَ انْصَرَفَ: "إنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَلَا يَتَنَخَّمَنَّ أَحَدٌ قِبَلَ وَجْهِهِ فِي الصَّلَاةِ".
رَوَاهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَابْنُ أَبِي رَوَّادٍ، عَنْ ناَفِعٍ.
الحديث الأَوَّل:
(قِبَل) بكسر القاف، أي: مطَّلِعٌ عليكم كأنَّه مُقابِلٌ لوجْه المصلِّي.
(فلا يتَنَخَّمنَّ)؛ أي: لا يَرميَنَّ النُّخامة، وسبَق بيان الحديث في أبواب (حَكِّ البُصاق)، و (حَكِّ المُخاط)، وغيرهما.
(وابن أبي رَوَّاد) بتشديد الواو، واسمه: عبد العَزيز، وهو أخو
стр. 1609
عُثمان، واسم أبي رَوَّاد: مَيْمُون مولى آل المُهَلَب بن أبي صُفْرة.
قال (ط): جاء في بعض الطُّرُق: أنَّه حتَّها بعد الصَّلاة، والحتُّ حتُّ الوَرَق من الغُصْن؛ أي: إسقاطه وإزالته، فإنْ كان ذلك في الصَّلاة؛ فهو عملٌ يسيرٌ لا يُؤثِّر.
* * *
٧٥٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنسٌ قَالَ: بَيْنَمَا الْمُسْلِمُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ لَمْ يَفْجَأْهُمْ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَشَفَ سِتْرَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ صُفُوفٌ، فَتَبَسَّمَ يَضْحَكُ، وَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ لَهُ الصَّفَّ، فَظَنَّ أَنَّهُ يُرِيدُ الْخُرُوجَ، وَهَمَّ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَفْتَتِنُوا فِي صَلَاتِهِمْ، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ: أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ، فَأَرْخَى السِّتْرَ، وَتُوُفِّي مِنْ آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
الحديث الثَّاني:
(لم يَفْجَأهُم) هو العامل في بَينما.
(كشف) حالٌ.
(يضحك) حالٌ مؤكِّدةٌ، أي: غير مُنتقِلة، ومثلُها لا يلزم أن تكون مقدَّرةً لمضمون جملةٍ اسميةٍ، أو حالٌ مقدَّرةٌ.
(ونكص)؛ أي: رَجَع.
стр. 1610
(وظن) في بعضها: (فظَنَّ)، بالفاء السَّببيَّة، أي: نكَصَ بسبب ظَنِّه.
(وهَمَّ)؛ أي: قَصَدَ.
(يفتتنوا)؛ أي: يقَعوا في الفِتْنة، أي: فَساد صلاتهم وذهابها فَرَحًا بصحَّة رسول الله ﷺ ، وسُرورًا برؤيته.
وفيه دليلٌ أنَّهم التفتوا إليه حين كشَف السِّتْر؛ لأنَّه قال: فأَشار إليهم، وفيه أنَّه ﷺ كان يَفرَح باجتماع المؤمنين.
* * *
٩٥ - بابُ وُجُوبِ الْقِرَاءةِ لِلإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَمَا يُجْهَرُ فِيهَا وَمَا يُخَافَتُ
(باب وُجوبِ القِراءَة للإمام والمَأموم في الصَّلَوات)
(يخافت) بالبناء للمفعول، والمُخافتة إسرارُ النُّطق، وخفت الصَّوت سُكوته.
٧٥٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: شَكَا أَهْلُ الْكُوفَةِ سَعْدًا إِلَى عُمَرَ ﵁ فَعَزَلَهُ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمَّارًا، فَشَكَوْا حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ يُصَلِّي، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ! إِنَّ هَؤُلَاءِ يَزْعُمُونَ
стр. 1611
أَنَّكَ لَا تُحْسِنُ تُصَلِّي، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: أَمَّا أَناَ، وَاللَّهِ فَإِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أَخْرِمُ عَنْهَا، أُصَلِّي صَلَاةَ الْعِشَاءَ فَأَرْكُدُ فِي الأُولَيَيْنِ، وَأُخِفُّ فِي الأُخْرَيَيْنِ، قَالَ: ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ، فَأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلًا أَوْ رِجَالًا إِلَى الْكُوفَةِ، فَسَأَلَ عَنْهُ أَهْلَ الْكُوفَةِ، وَلَمْ يَدَعْ مَسْجدًا إِلَّا سَأَلَ عَنْهُ، وَيُثْنُونَ مَعْرُوفًا، حَتَّى دَخَلَ مَسْجدًا لِبَنِي عَبْسٍ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: أُسَامَةُ بْنُ قتَادَةَ يُكْنَى: أَبَا سَعْدَةَ قَالَ: أَمَّا إِذْ نَشَدْتَنَا فَإِنَّ سَعْدًا كَانَ لَا يَسِيرُ بِالسَّرِيَّةِ، وَلَا يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ، وَلَا يَعْدِلُ فِي الْقَضِيَّةِ، قَالَ سَعْدٌ: أَمَا وَاللَّهِ لأَدْعُوَنَّ بِثَلَاثٍ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِبًا، قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً فَأَطِلْ عُمْرَهُ، وَأَطِلْ فَقْرَهُ، وَعَرِّضْهُ بِالْفِتَنِ، وَكَانَ بَعْدُ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ: شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ، أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ.
قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: فَأَناَ رَأَيْتُهُ بَعْدُ قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِنَ الْكِبَرِ، وَإِنَّهُ لَيَتَعَرَّضُ لِلْجَوَارِي فِي الطُّرُقِ يَغْمِزُهُنَّ.
الحديث الأَوَّل:
(سَمُرَة) بضَمِّ الميم، وأهل الحِجَاز تُسكِّنُه تخفيفًا كعَضْد في عَضُد.
(فشكوا)؛ أي: سعدًا.
(يا أبا إسحاق) هي كُنية سَعْد.
(هؤلاء)؛ أي: أهل الكُوفة دار الفَضْل، ومحلُّ الفُضلاء، بناها
стр. 1612
سَعْدٌ بإشارة عُمر، سُمِّيت كُوفَةً لاستِدارتها، من قولهم للرَّمْل المُستدير: كوفًا، وقيل: لأنَّ تُرابها يخالط حَصًا، وكلُّ ما كان كذلك يُسمَّى كُوفةً.
(فأرسل إليه)؛ أي: بأنْ يَحضُر، فحضَر، فلذلك خاطبَه بما جاء في الحديث ما يقتضي أنَّه كان حاضرًا.
(أما أنا)، (أما) للتَّفصيل، فيحتاج إلى قَسيمٍ، فيُقدَّر: وأما هم فقالوا ما قالوا.
(والله) جوابُ القسم محذوفٌ، أي: كنت أُصلي بهم، يدلُّ عليه: (فإني) إلى آخره، وكان القياس تَقديمَ: فإنَّي على القسَم، إلا أن ما في حَدِّها يجوز تقديم بعضه، والقسَم ليس أجنبيًّا.
(أَخْرِم) بفتح الهمزة، وسكون المُعجَمَة، وكسْر الرَّاء، أي: أَنقص.
(العشاء) تعيينُها لعلَّه لكونهم شكَوه فيها، أو لأنَّها في وقْت الرَّاحة، فغيرها من باب أَولى.
(أَرْكُد) بضَمِّ الكاف: أَسكُنُ، والمُراد أُطَوِّلُهما.
(وأُخف) بضَمِّ الهمزة، وفي بعضها: (أُخَفِّف).
(ذاك) مبتدأٌ، أي: ما تَقول.
(الظن) خبَره، أي: الذي نظُنُّ بك.
(رجلًا) هو محمَّد بن مَسلَمة، أو ومعَه غيره.
(عَبْس) بفتح المُهمَلة، وسُكون المُوحَّدة، والسِّين مُهمَلة.
стр. 1613
(سَعْدة) بفتح السِّين، وسُكون العين المُهملتَين.
(أما) قَسيم المذكور بعدَها محذوفٌ، أي: أما غَيري فأثنى عليه، وأما نحن إذا سألتَنا فنقول كذا.
(نشدتنا) يقال: نَشَدتُك الله، أي: سأَلتُك بالله.
(بالسرية) الباء للمُصاحبة، والسَّريَّة بتخفيف الرَّاء: قِطْعةٌ من الجيش.
(القضية)؛ أي: القَضاء.
(لأدعون)؛ أي: عليك بثَلاثِ دَعَوات.
(رياء وسمعة)؛ أي: ليَراه النَّاس، ويسمعونه.
(وعرضهُ)؛ أي: جعلَه عُرضة للفتن، أو أدخلَه في مَعرضها، أو أظهره بها، وليس قولُه: (أَطِلْ عُمرَه) دعاءً له؛ لأنَّ المُراد زيادة الطُّول حتَّى يصير إلى أَرذَل العُمر، وتضعف القُوى، ويُنَكَّس في الخلْق محنةً لا نعمةً؛ إذ المُراد طُوله مع طُول الفَقْر، وإنَّما ساغ لسَعْد أنْ يَدعو على أخيه المسلم؛ لأنَّه ظلَمه بالافتراء عليه، وثلَّثَ عليه الدَّعوة؛ لأنَّه ثلَّث في نفي الفضائل عنه لا سيَّما الثَّلاث التي هي أُصول الفضائل، وأُمهات الكَمالات: الشَّجاعة التي هي كمال القُوَّة الغضَبية حيث قال: لا يَسير، والعِفَّة التي هي كمال القُوة الشَّهوانية حيث قال: لا يَقسِم، والحكْمة التي هي كمال القُوة العقليَّة حيث قال: لا يَعدل، وراعى أمرًا آخر، وهو مقابَلة كلِّ ما نسَبه له من التَّقصير فيما يتعلَّق بالنَّفْس
стр. 1614
والمال والدِّين بمثله، فبالنَّفْس طول العمر، وبالمال الفقر، وبالدِّين الوقوع في الفتن.
(وكان)؛ أي: الرَّجل المَذكور.
(سئل)؛ أي: عن حال نفسه.
(شيخ)؛ أي: أنا شيْخٌ بالدَّعوة الأُولى.
(مفتون)؛ أي: بالثَّالثة.
(دعوة) عُمومها يَدخل فيه طُول الفقْر.
(يغمزهن)؛ أي: يعصِرُ أصابعَهن بالأصابع، وفيه إشارةٌ إلى الفِتْنة والفقْر؛ إذ لو كان غنيًّا لَمَا احتاج لذلك.
ووجْهُ مطابقة الحديث للتَّرجمة: أنَّ الرُّكود يدلُّ على القِراءة عادةً، ولا خِلافَ في وجوب الفاتحة، إنَّما الخلاف في أنَّها فرضٌ، فإنْ أراد من القراءة غير الفاتحة، فالرُّكود لا يدلُّ على الوجوب، وأيضًا فلا وُجوب فيه، وأما المأْموم، فلقوله: "صَلُّوا كَمَا رَأَيتُموني أُصَلِّي".
قلت: فالإشكال في المُناسبة باقٍ.
قال التَّيْمي: قال الشَّافعي: الفاتحة واجبةٌ في المنفرد، وفي الإمام والمأموم فيما يجهر فيه أو يسرُّ، وهو ما أَشار إليه البُخاري في التَّرجَمة، وبه قال الأئمة غير أبي حنيفة، فإنَّه قال: الواجب ما يَصدُق عليه اسم القُرآن، ثلاثُ آياتٍ قصار، أو آيةٌ طويلةٌ، وقيل: لا يَقرأ
стр. 1615
المأموم فيما يجهر إمامه فيه، فهو يسمع لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وقال الكوفيون: لا يَقرأ لا فيما جهَر ولا فيما أَسرَّ.
وقال أبو حنيفة: القراءة واجبةٌ في الأَوَّلتين من المَغرب والرُّباعية لا فيما سواهما؛ إذ لو وجبَت في ذلك لكان عليه أن يجمع بين الفاتحة وسورةٍ معها كالأَوَّلتين.
قال: وفي الحديث أنَّ مَن سُعي به من الولاة يُسأل عنه في موضع عمله أهلُ الفضْل منهم، فسؤال عُمر في المَساجِد أهلَ ملازمة الصَّلوات فيها، وأنَّ الإمام يَعزل من شُكي وإن كُذب عليه إذا رآه مصلحةً؛ لئلا يبقى عليهم أميرٌ وفيهم من يكرهُه خوفًا من مَساءةٍ في العاقبة، فإنَّ عُمر قال: ذاك الظَّنُّ بك، فقد صرَّح بأنَّه لم يعزلْه عن عجزٍ ولا خيانةٍ.
قال (خ): تطويل إحدى الأَوَّلتين من الرُّباعية، والفجر، والمغرب، وتخفيف الآخرتين في الرُّباعية، وقيل: يُسوِّي بين الأَوَّليتين في الطُّول، والآخرتين في القِصَر.
قال (ك): وفيه خطابٌ الرَّجل بمدحه في وجهه إذا لم يخف فتنة بإعجابٍ ونحوه.
* * *
٧٥٦ - حَدَّثَنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنا الزُّهْرِيُّ، عَنْ مَحْمُودِ بنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ: أَنَّ
следующие страницы →