أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إذَا قَالَ الإِمَامُ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فَقُولُوا: آمِينَ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَنعيْمٌ الْمُجْمِرُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁.
(فقولوا) وجْه دلالته على الجهرية؛ لأنَّ الإمام يجهر، والمأمومُ مأمورٌ باتباعه، فيجهر به أيضًا.
(ولا الضالين) قال (خ): لا يُخالف هذا ما في رواية: (إِذا أَمَّنَ)؛ فإنَّه يقدَّر هنا إذا قال: ولا الضَّالين، وقال: آمين؛ لأنَّ أزمنتها متقاربةٌ، فمرَّةَ يُصرِّح، ومرَّةً يقدِّر، وأيضًا فسعيد وأبو سلَمة أحفظُ من أبي صالح، وأفقه، أو يُحْمَل حديث أبي صالح على مَن تَباعد عن الإمام فكان بحيث لا يَسمع التامين؛ لأنَّ جهر الإمام فيه أخفض على كلِّ حالٍ، فقد يَسمع قراءته، ولا يَسمع تأمينَه لكثرة الصُّفوف ونحو ذلك.
وقال (ن): تأمين المأموم مع تأمين الإمام لا بعدَه، فرواية: (إِذَا أمَّنَ)، معناها: إذا أراد التَّأمين جمعًا بين الحديثين؛ فإنَّ إرادة التَّأْمين بعدَ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فتتعقب إرادته تأمينه وتأمينهم معًا.
قال التَّيْمي: إن أصحاب مالك تعلَّقوا بهذا على أنَّ الإمام لا يُؤَمِّن؛ إذْ لو أمَّن لمَا قال: (فَإِذَا قَالَ: وَلا الضَّالِّيْن)، ولأنَّ الإمام
стр. 1648
داعٍ في الفاتحة من الدُّعاء، والمأموم مُؤَمِّن، وجوابه: التَّصريح في رواية: (فإِذا قَال: آمِيْن)، ثم اختلَفوا في الجهْر بها، فقال الشَّافعي، وأحمد: يجهر بها، وقال الكوفيُّون، ومالك: يُسِرُّ بها.
(تابعه محمَّد بن عمرو)؛ أي: تابَعَ سُمَيًّا، وصلَ ذلك كلَّه ابن خُزَيْمَة، والسَّرَّاج.
(وَنُعَيْم المُجْمِر) وصلَه أيضًا ابن خُزَيْمَة، والسَّرَّاج، وكذا الطَّبَراني، وابن حِبَّان، والحاكم، والدَّارَقُطْني في حديثٍ مطوَّلٍ آخرُه: (بعد أنْ سلَّم قال: أَنا أشبَهُكم صلاةً برسول الله ﷺ ).
* * *
١١٤ - بابٌ إِذا رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ
(باب إذا ركَع دُون الصَّفِّ)، أي: قَبْل الوُصول إليه.
٧٨٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنِ الأَعْلَم -وَهْوَ زِيَادٌ-، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ: أَنَّهُ انُتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ فَرَكِعٌ، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ".
(لا تعد)؛ أي: إلى أن تَركع دون الصَّفِّ، حتَّى تقوم في الصَّفِّ، وقيل: لا تَعُد إلى أن تسعى للصَّلاة سَعْيًا بحيث يَضيق عليك
стр. 1649
النفَس، وقيل: لا تَعُد إلى الإبطاء، وقال التَّيْمي: يحتمل: لا تَعُد إلى المشي إلى الصَّفِّ، فإنَّ الخُطوة والخطوتين وإن لم تُفسد الصَّلاة فالأَولى التَّحرُّز عن ذلك، وقال (خ): لا تَعُد تَنفرد في جُزْء من الصَّلاة، ثم تأتي إلى الصَّفِّ في الباقي؛ فإنَّ ذلك مكروهٌ، فهو حينئذٍ دليلٌ على صحَّة الصَّلاة منفردًا كما هو مذهب الثَّلاثة خلافًا لأحمد؛ لأن الرُّكوع جزءٌ، والانفراد في جُزءٍ كالانفراد في الكلِّ، ولو كان النَّهي للتَّحريم لأمرَه بالإعادة.
قال البَغَويُّ: وفيه أنَّ مَن أَدرك الإمامَ على حالٍ يجب أن يصنَع كما يصنَع.
* * *
١١٥ - بابُ إِتْمَامِ التَّكْبِيرِ فِي الرُّكُوعِ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فِيهِ مَالِكُ بْنُ الْحُويْرِثِ.
(باب إِتْمامِ التَّكبير في الرُّكوعِ)، فائدةُ ذكْرِ الإتمام مع أنَّ حقيقة التَّكبير لا تَزيد ولا تَنقُص: لأنَّ المراد مدُّ التكبير للانتقال من القيام إلى الرُّكوع بحيث يُتمُّه في الرُّكوع.
(قال ابن عبَّاس) وصلَه قريبًا.
(فيه: مالك) وصلَه في (باب كيف يَعتمد على الأرض؟).
* * *
стр. 1650
٧٨٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: صَلَّى مَعَ عَلِيٍّ ﵁ بِالْبَصْرَةِ فَقَالَ: ذَكَّرَناَ هَذَا الرَّجُلُ صَلَاةً كنَّا نُصَلِّيهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ: أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ كلَّمَا رَفَعَ وَكلَّمَا وَضَعَ.
(الجُرَيْري) بضَمِّ الجيم، وفتح الرَّاء الأُولى، وسُكون المُثنَّاة تحت: سَعيد بن إِيَاس.
(عن أبي العلاء) يزَيْد بن عبد الله بن الشِّخِّيْر.
(عن مُطَرِّف)؛ أي: ابن عبد الله بن الشِّخِّيْر أخيه.
(بالبصرة) مثلَّثُ الباء، حكاه الأَزْهَري، والأشهر الفتح، قال السَّمْعَاني: يُقال لها: قُبَّة الإسلام، وخِزَانة العرَب، أحيا أرضَها وبناها عُتْبَة بن غَزْوَان في خلافة عُمر، ولم يُعبَد صنَمٌ في أرضها قطُّ.
قال أصحابنا: هي داخلةٌ في سَواد العِراق، وليس لها حكمُه.
قلتُ: إلا في موضعٍ غربيَّ دِجْلتها، وموضعٍ شرقَها على ما صحَّحه (ن).
(ذكَّرنا) بتشديد الكاف.
(بصلاة) يُروى (صلاةَ) بلا باءٍ.
(هذا الرَّجل)؛ أي: علي ﵁.
стр. 1651
(كلما رفع) خُصِّص عمومُه بحديث: "سَمعَ اللهُ لمَنْ حَمِدَه" عند الاعتدال.
* * *
٧٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ، فَيُكَبِّرُ كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ، فَإِذَا انْصَرَفَ قَالَ: إِنِّي لأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
(انصرف)؛ أي: من الصَّلاة.
(لأشبهكم)؛ أي: لأنَّه كان يُكبِّر في الانتِقالات، ففيه التَّعريض بمَن لا يُكبِّر في بعض ذلك، ولا يكبر إلا في الإحرام فقط، وعن أحمد وُجوبُ جميع التَّكبيرات، وفيه أنَّ التَّكبير ينبغي أن يُقارِن الخفضَ والرَّفْعَ لا متقدِّمًا ولا متأخِّرًا.
* * *
١١٦ - باب إِتمَامِ التَّكْبِيرِ فِي السُّجُودِ
(باب إتْمامِ التَّكبيرِ في السُّجُودِ)
٧٨٦ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ غَيْلَانَ بْنِ
стр. 1652
جَرِيرٍ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَناَ وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، فَكَانَ إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ، وَإذَا رَفَعَ رَأْسَهُ كَبَّرَ، وَإِذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ أَخَذَ بِيَدِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ فَقَالَ: قَدْ ذَكَّرَنِي هَذَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، أَوْ قَالَ: لَقَدْ صَلَّى بِنَا صَلَاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ .
الحديث الأَوَّل:
(قضى)؛ أي: فَرَغَ، لا القضاء الاصطلاحي.
(هذا)؛ أي: عليٌّ، أي: لأنَّه يُكبر في كل انتقالٍ.
* * *
٧٨٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: رَأَيتُ رَجُلًا عِنْدَ الْمَقَامِ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ، وَإِذَا قَامَ، وِإذَا وَضَعَ، فَأَخْبَرْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: أَوَلَيْسَ تِلْكَ صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ لَا أُمَّ لَكَ.
الثَّاني:
(رجلًا) هو أبو هُريرة، كما في "مسند علي بن عبد العزيز"، و"أوسط الطَّبَراني"، وفي "مستخرج أبي نُعَيْم": أنَّ تلك الصَّلاة كانت الظُّهر.
(أوليس) الهمزة للاستِفهام الإنكاريِّ، فالمعنى في نَفْي النَّفْي
وفيه التَّكبير لكلِّ انتقالٍ سِوى عند القيام من الرُّكوع.
(قال عبد الله)؛ أي: قال في روايته عن اللَّيث: (ولَكَ الحَمْدُ)، بالواو بخلاف يحيى، فإنَّه روي عنه بلا واوٍ.
وفيه دليلٌ على مقارنة التَّكبير لهذه الحرَكات، ويَمُدُّه حتَّى يَصل لمَا بعدَه، ومنه القيام من التَّشهُّد يمده حتَّى يَنتصب، وقال مالك: لا يكبِّر له حتَّى يستويَ قائمًا، وهو خلاف ظاهر الحديث، وفيه الجمع بين سَمِعَ الله لمن حمده، وربَّنا لك الحمد.
* * *
١١٨ - بابُ وَضْعِ الأَكُفِّ عَلَى الرُّكَبِ فِي الرُّكُوعِ
وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ فِي أَصْحَابِهِ: أَمْكَنَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ.
(باب وَضْعِ الأكُفِّ على الرُّكَبِ)
(في أصحابه)؛ أي: بحضور الصَّحابة، كما سبَق في (باب استقبال القِبْلة).
٧٩٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُصْعَبَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِي فَطَبَّقْتُ بَيْنَ كَفَّيَّ ثُمَّ وَضَعْتُهُمَا بَيْنَ فَخِذَيَّ، فَنَهَانِي أَبِي وَقَالَ: كُنَّا نَفْعَلُهُ فَنُهِينَا عَنْهُ، وَأُمِرْناَ أَنْ نَضَعَ أَيْدِيَنَا عَلَى الرُّكَبِ.
стр. 1656
(طبقت) (١)؛ أي: جعلتُهما على حَذْوٍ واحدٍ وألزقتُهما.
(أُمرنا) بالضَّمِّ، أي: أمرَنا النبيُّ ﷺ ؛ لأنَّه الذي يَأمر.
(أيدينا)؛ أي: أكفَّنا، فأطلَق الكُلَّ على الجُزء.
* * *
١١٩ - بابٌ إِذا لَمْ يُتِمَّ الرُّكُوعَ
(باب إذا لم يُتِمَّ الرُّكوع) بتشديد الميم وفتحها.
٧٩١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ زيدَ بْنَ وَهْبٍ قَالَ: رَأَى حُذَيفَةُ رَجُلًا لَا يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ قَالَ: مَا صَلَّيْتَ، وَلَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ .
(مت) بكسر الميم وضمِّها: من ماتَ يَماتُ أو يَموتُ.
(رجلًا) قال ابن خزَيْمَة: هو كِنْديٌّ، ولم يُسمِّه، والحديث مطوَّلٌ في "مسند أحمد".
(ما صليت) قال التَّيْمي: أي: صلاةً كاملةً، وتسمَّى الصَّلاة
стр. 1657
فِطْرةً؛ لأنَّها أكبر عُرَى الإيمان، وقيل: نفَى الفعلَ عنه بما اكتَفى عنه من التَّجويز مثل: "لا يَزْنِي الزَّاني حينَ يَزْني وهو مُؤمِنٌ".
(غير الفطرة) قال (خ): هو توبيخٌ له على سُوء فِعله ليَرتَدِعَ كحديث: "مَنْ تَركَ الصَّلاةَ فقَدْ كَفَرَ"، أي: يؤديه التهاون بها إلى جحدها، فيكْفُر، لا أن المراد بتركها: يخرج من الدين، وقد تكون الفطرة بمعنى السُّنَّة كما في حديث: "خمس من الفطرة"، قال: وتَرْك إتمام الرُّكوع ونحوه على وجهَين:
أحدهما: الإيجاز فيه.
وثانيها: الإخلال بما يُعتبر في صحَّته وصدقِ اسمه، وهو ما أراد حُذَيْفة.
* * *
١٢٠ - بابُ اسْتِوَاءِ الظَّهْرِ فِي الرُّكُوع
وَقَالَ أَبو حُمَيْدٍ فِي أَصْحَابِهِ: رَكعَ النَّبِيُّ ﷺ ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ.
(باب استِواءِ الظَّهر)
لم يذكر (ك) التَّرجَمة، وشرح حديثها في الباب قبلها، فقال: (هَصر) بفتح المُهمَلة؛ أي: كسَر، وهصَرتُ الغُصنَ: أخذتَ برأسه فأمَلْتَه إليك.
стр. 1658
قال (ش): هصَرَه، أي: ثَناهُ إلى الأرض؛ قاله صاحب "المَطالِع" وغيره، وقال صاحب "الأَفعال": هصَرَ الشَّيء هَصْرًا: أخذَ بأعلاه ليُميلَه إلى نفسه.
قال: فمن زعم أنَّه بمعنى بسَط مغترًّا بتبويب البُخاري: (باب استِواء الظَّهر) فقد غَلِط، وقد ذكرنا أنَّ النَّاس فسَّروا الهصر بغير التَّسوية، ونظيره ما وقع للبخاري في (باب الغُسل في الحِلَاب)، انتهى.
* * *
١٢١ - بابُ حَدِّ إتمامِ الرُّكوعِ
(باب حَدِّ إتمام الرُّكوع)
٧٩٢ - حَدَّثَنَا بَدَلُ بْنُ الْمُحَبَّرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَكَمُ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: كَانَ رُكُوعُ النَّبِيِّ ﷺ وَسُجُودُهُ وَبَينَ السَّجْدَتَيْنِ وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ، مَا خَلَا الْقِيَامَ وَالْقُعُودَ، قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ.
(الاطمأنينة) بكسر الهمزة، وضمِّها.
(بَدَل) بفتح المُوحَّدة، والمُهمَلة.
(ابن المُحَبَّر) بضَمِّ الميم، وفتح المُوحَّدة المشدَّدة.
стр. 1659
(وكان ركوع) على حذف مضافٍ؛ أي: زمانُ ركوعٍ، وكذا ما بعده.
(وبين السجدتين)؛ أي: الجُلوس بينهما.
(وإذا رفع)؛ أي: الاعتدال، و (إذا) هنا لمجرَّد الزَّمان مُنسلِخًا عن الاستقبال.
(القيام)؛ أي: قيام القراءة.
(والقعود)؛ أي: للتَّشهد، أي: فإنَّ هذَين أطْوَل من غيرهما، والاستِثناء من المعنى، فإنَّ معناه: كان أفعال صلاته ما خَلاها.
(قريبًا) فيه إشعارٌ بالتَّفاوت، والزِّيادة في البعض لا بُدَّ أن تكون على القَدْر الذي لا بُدَّ منه وهو الطُّمأنينة.
(من السَّواء)؛ أي: المُساواة.
قال (ط): هذه أكمل صفات صلاة الجماعة، وأما الرَّجل وحدَه فله أنْ يُطيل في الرُّكوع والسُّجود أضعافَ ما يُطوِّل فيما بين السَّجدتين، وبين الرُّكوع والسَّجدة، وأقلُّ المجزئ -كما قال ابن مسعودٍ-: أنْ يُمكِّنَ يدَيه من رُكبتَيه.
* * *
١٢٢ - بابُ أَمْرِ النَّبيِّ ﷺ الذي لا يُتمُّ رُكُوعَه بالإِعَادَةِ
(باب أَمْرِ النبيِّ ﷺ الذي لا يُتِمُّ رُكوعَه بالإعادةِ)؛ أي: إعادة
١٢٣ - بابُ الدُّعَاءِ فِي الرُّكُوعِ
(باب الدُّعاء في الرُّكوعِ)
٧٩٤ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي).
(سبحانك) علَمٌ على التَّسبيح، أي: التَّنْزيه عن النَّقائص، وإنَّما أُضيفَ بتقدير تَنكيره حين الإضافة، ونصْبه بفعلٍ محذوفٍ لُزومًا، أي: أُسبِّحُ.
(وبحمدك)؛ أي: سبَّحتُ بحمدك، أي: بتَوفيقك وهدايتك، لا بحَولي وقُوَّتي، ففيه شكْرُ الله على هذه النِّعمة والاعتراف بها، والتَّفويض إلى الله.
والواو فيه إما للحال، أو لعطف جملةٍ على جملةٍ سواءٌ قُلْنا: إضافةُ الجملة إلى الفاعل، والمرادُ من الحمد لازمُه مجازًا، وهو ما يوجب الحمد من التَّوفيق والهداية، أو إلى المفعول، ويكون معناه: وسبَّحتُ متلبِّسًا بحمدي لك.
(اغفر لي) فائدته مع كونه معصومًا: بيانُ الافتقار والإذعان،
стр. 1662
وإظهارُ العبودية والشُّكر، وطلبُ الدَّوام، أو الاستغفارُ عن ترك الأَولى، أو التَّقصيرِ في بُلوغ حق العبادة، أو تعليمُ الأُمة، بل الدُّعاء نفسه عبادةٌ، وهو مأمورٌ به، فهو امتثالٌ لقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: ٣]، وكان يَأْتي به في حالتَي الركوع والسجود؛ لأنَّ حالة الصَّلاة أفضلُ من غيرها، وفي هذَين زيادةُ الخُشوع والتَّواضع.
* * *
١٢٤ - بابُ مَا يَقُولُ الإِمَامُ وَمَنْ خَلْفَةُ إِذا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ ؟
(باب ما يقولُ الإمامُ ومَنْ خلْفَه)
٧٩٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، قَالَ: "اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ"، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا ركَعَ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ يُكَبِّرُ، وَإِذَا قَامَ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ قَالَ: "اللَّهُ أَكْبَرُ".
الحديث الذي أَورده وإنْ لم يكن فيه تعرُّضٌ لقول: مَن خلْفه، لكن جاء: "صلُّوا كمَا رأَيتُمونِي أُصلِّي"، فدلَّ تعميمُه على ذلك.
(وإذا رفع رأسه)؛ أي: من السُّجود لا الرُّكوع.
(من السجدتين) يحتمل حقيقتَهما، ويحتمل من الرَّكعتَين؛ لأنَّ
стр. 1663
الرَّكعة تسمَّى سجدةً مجازًا.
(يكبر) عبَّر بالمضارع، وفيما بعدُ بالماضي، وهو: قال؛ لأنَّ المُضارع للاستمرار، أي: يستمرُّ تكبيره ممدودًا من أوَّل الرُّكوعِ والرَّفْعِ إلى آخرهما، بخلاف التَّكبير للقيام، فإنَّه لا يستمرُّ، ولهذا قال مالك: لا يُكبِّر للقيام من الرَّكعتَين حتَّى يستويَ قائمًا، وأما تَعبيره أوَّلًا: بـ (يُكبِّر)، وثانيًا: (فقال: الله أكبر)، فهو تَفنُّنٌ في الكلام، ولتعميم يُكبِّر قولَه: الله أكبر ونحوَه.
* * *
١٢٥ - بابُ فَضْلِ "اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ "
(باب فضْل: اللَّهُمَّ ربَّنا لكَ الحَمْد)
٧٩٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا قَالَ الإِمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
سبَق شرح الحديث فيه في (باب إيجاب التَّكبير)، والخلافُ في قول الإمام: (سمع الله لمن حمده)، (وربَّنا)، بين مالك وأبي حنيفة، وبين غيرهما في (باب رفْع اليدين في التكبيرة الأُولى)، ويأتي أيضًا
стр. 1664
في (باب الهوي بالتكبير).
* * *
١٢٦ - بابٌ
(باب القُنُوت)
٧٩٧ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لأقَرِّبَنَّ صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ يَقْنُتُ فِي رَكْعَةِ الأُخْرَى مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَصَلَاةِ الْعِشَاءَ، وَصَلَاةِ الصُّبْح، بَعْدَ مَا يَقُولُ: سَمعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَلْعَنُ الْكُفَّارَ.
٧٩٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ الْقُنُوتُ فِي الْمَغْرِبِ وَالْفَجْرِ.
الحديث الأَوَّل:
(لأُقَرِّبنَّ)؛ أي: لأُقرِّبكم إلى صلاته، أو لأُقرِّب صلاتَه إليكم.
(ويلعن) هو الطَّرد والبُعد عن رحمة الله، وفيه جَواز لعْن طائفةِ الكفَّار.
قال (ن): قال الغَزَاليُّ وغيره: بخلاف لعْن أعيانهم حيًّا كان أو مَيْتًا، فلا يجوز إلا مَن علِمْنا بالنُّصوص أنَّه مات كافرًا كأبي لَهَب.
стр. 1665
وفيه: أنَّ الدُّعاء على الكفَّار لا يُفسد الصَّلاة، وإنَّما كان يلعنُهم مع أنَّ فيه تنفيرًا لهم عن الإيمان؛ لأنَّه كان قبلَ نُزول: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، وصحَّ عن أنَس: أنَّه ﷺ ترَكَ الدُّعاء عليهم.
أما القُنوت فمسنونٌ في الصُّبح خلافًا لأبي حنيفة، وأحمد، قال مالك: يقنت قبل الرُّكوع دائمًا؛ لمَا صحَّ عن أنس أن النبيَّ ﷺ لم يتركْه فيه، حتَّى فارقَ الدُّنْيا، وأما غيرها فثالثُ الأقوال الصَّحيح: أنَّه يقنُت لنازلةِ كعدوٍّ أو قحْطٍ.
* * *
٧٩٩ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْلَمةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَن نعيْمِ بنِ عَبْدِ اللهِ المُجْمِرِ، عَنْ عَلِيِّ بنِ يَحْيَى بنِ خَلَّادٍ الزُّرَقيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَن رِفَاعَةَ ابنِ رَافِعٍ الزُّرَقيِّ قَالَ: كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ". قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، حَمْدًا كثِيرًا طَيِّبًا مُبَاركًا فِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: "مَنِ الْمُتكَلِّمُ؟ "، قَالَ: أَناَ، قَالَ: "رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا، أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ".
الحديث الثَّاني:
(فقال رجل) قال في "جامِع الأُصول": هو رِفَاعَة المذكور.
قلتُ: هو في التِّرْمِذي، وجعلَه ابن مَنْدَهْ غيرَ راوي الحديث،
стр. 1666
ووَهِمَ الحاكم، فجعلَه: مُعاذ بن رِفَاعَة.
(حمدًا) منصوبٌ بفعلٍ مضمرٍ دلَّ عليه: لكَ الحمْد.
(طيبًا)؛ أي: خالِصًا من الرِّياء والشُّبهة.
(مباركًا فيه)؛ أي: كثيرَ الخَيْر.
(من المُتكلِّم)؛ أي: بهذه الكلِمات.
(بضعًا) بكسر الباء، وجاءَ فتحُها: ما بين الثَّلاثة والتِّسْعة، وفي بعضها: (بِضْعَةَ)، وزعم الجَوْهَري: أنَّه يقال: بضْع سنين، وبضْعَةَ عشرَ رجلًا، ولا يُجاوز، فلا يُقال: بضْعٌ وعشرون، وخَطَّؤوه؛ لأنَّ أفصح الفُصحاء ﷺ قد تكلَّم بذلك.
(يبتدرونها)؛ أي: يسعَون في المُبادَرة.
(أيهم) يحتمل أن تكون (أيُّ) استفهاميَّةً، فتُرفع بدَلًا من الضَّمير في (يبتدرون)، أي: يَبتدرُ مَن يكتب، كما في قول عُمر: فبانَ النَّاسُ يَدُوكُونَ أيُّهم يُعطَاها، وأنْ تكون موصولةً، فتُنصب بـ (يَبتدرون)، كما جوَّز أبو البقَاء الوجهَين في قوله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧]، فقال: ونصَبَه (يبتغون) وإنْ لم يكن فعْلًا قلبيًّا.
(أول) مبني على الضم لنية الإضافة؛ أي: كل منهم يُسرع يكتبها أولًا ويصعد بها إلى حضرة الله لعظم قدرها، وفي بعضها: (أول)، بالفتح.
قال السُّهَيْلي: ويُروى أيضًا بالنَّصْب على الحال، وكذا قول أبي
стр. 1667
بُرْدة: أحبَبتُ أن تكون شاتِي أوَّلَ ما يُذبح، وأصل أَوَّل: (أَوْأَل) بوزن أَفْعَل، مهموز الوسط، فقُلبت الهمزة واوًا وأُدغمت، وقيل: وَوَّل بوزن: فَوْعَل، فقُلبت الواو الأُولى همزةً، ثم إنْ وصفْتَ به لم تَصرفْه، تقول: (ما رأيتُه مذْ عام أَوَّلُ) برفع أوَّل صفةً لعام، أي: أوَّل من عامنا، وبنصْبه تجعله كالظَّرف، كأنَّه قال: قَبْل عامِنا، وإذا قلتَ: (أبدأُ بهذا أوَّلُ) ضممْتَه على الغاية، وإنْ أَظهرت المَحذوفَ نصبتَه، فقلت: أَبدأُ به أوَّلَ فعل.
ووجْهُ مطابقة الحديث للتَّرجمة: أنَّ القُنوت في الأصل الطاعة، ثم سُمي به القائم في الصَّلاة، ثم صار اسمًا للدُّعاء المشهور، فلعلَّ البُخاري أرادَ به تطويل القيام في الاعتدال بذكْر الأدعية فيه، سواءٌ كان دعاءَ قُنوتٍ أو غيرَه، على أنَّه ليس في بعض النُّسَخ للباب ترجمةٌ، فيكفي فيه بيانُ فضْل الحمد.
قال (ط): وفيه ثَواب التَّحميد لله تعالى، والذِّكر له، وجوازُ رفْع المُذكِّر صوتَه بالتَّحميد في المَساجِد الكثيرة الجمْع.
* * *
١٢٧ - بابُ الاِطْمَأْنِينَةِ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ
وقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: رَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ وَاسْتَوَى جَالِسًا حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانهُ.
стр. 1668
(باب الطُّمأْنينة حين يَرفَع رأْسَه من الرُّكُوع)
المُخالِف في وجوبها الحنفيَّة، وفي بعضها: (الاطمأْنينة).
(وقال أبو حُميد) سيَأتي وصْلُ حديث أبي حُميدٍ بتمامه قريبًا.
(جالسًا) هي ساقطةٌ من بعضها.
(فَقار) بفتح الفاء، وخفَّة القاف: واحدهُ فِقَارَةٌ، وهو في بعضها كذلك، لكن المُراد الكلُّ المجموعيُّ لا كلُّ فردٍ فردٍ.
* * *
٨٠٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: كَانَ أَنسٌ يَنْعَتُ لَنَا صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَكَانَ يُصَلِّي وإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَامَ حَتَّى نقُولَ: قَدْ نسَيَ.
الحديث الأَوَّل:
(ينعت)؛ أي: يَصِفُ.
(حتَّى نقول) بالنَّصْب.
(نسي)؛ أي: أُنسيَ وُجوبَ الهُوِي إلى السُّجود.
* * *
٨٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَم، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: كَانَ رُكُوعُ النَّبِيِّ ﷺ وَسُجُودُهُ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ.
стр. 1669
الحديث الثَّاني:
سبَق شرحه في (باب حدِّ إتمام الرُّكوع).
* * *
٨٠٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ:. حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ: كَانَ مَالِكُ بْنُ الْحُويرِثِ يُرِينَا كَيْفَ كَانَ صَلَاةُ النَّبِيِّ ﷺ ، وَذَاكَ فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةٍ، فَقَامَ فَأَمْكَنَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكعَ فَأَمْكَنَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَأَنْصَتَ هُنَيَّةً، قَالَ: فَصَلَّى بِنَا صَلَاةَ شَيْخِنَا هَذَا أَبِي بُرَيْدٍ، وَكَانَ أَبُو بُرَيْدٍ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الآخِرَةِ اسْتَوَى قَاعِدًا ثُمَّ نَهَضَ.
الثَّالث:
(أمكن) هو بمعنى مكَّنَ -بالتَّشديد-.
(فأنصتَ)؛ أي: سكَتَ، أي: لم يُكبِّر للهُوِيِّ في الحال.
(هُنيئة) بضَمِّ الهاء، أي: قَليلًا، وسبَق بيانه في (باب: ما يَقول بعد التَّكبير).
(قال)؛ أي: أبو قِلابَة.
(شيخنا أبي يزَيْد)، قال الغَسَّاني: بالتَّحتانيَّة، والزَّاي، غيرُ منصرِف: عَمْرو بن سلِمَة -بكسر اللام- الجَرْمي، كذا في طرُق البُخاري سِوى ما ذكَره أبو ذَرٍّ الهَرَوي، عن الحَمُّوي، عن الفَرَبْري: أنَّه أبو بُرَيد
стр. 1670
بموحَّدةٍ مضمومةٍ وبراءٍ، وهكذا كنَّاه مسلم، وقال عبد الغني المِصْري: لم أسمعْه من أحدٍ إلا بالزَّاي، لكنْ مسلمٌ أعلمُنا بأسماء المحدِّثين، وسبَق مباحث الحديث في (باب: من صلَّى بالنَّاس وهو لا يُريد إلا أنْ يُعلِّمهم).
* * *
١٢٨ - بابٌ يَهْوِي بالتَّكْبِيرِ حِينَ يَسْجُدُ
وَقَالَ ناَفِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَضَعُ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ.
(باب الهُوِيِّ بالتَّكبير)
(وقال نافع) وصلَه ابن خُزَيْمَة، والبيهقيُّ، وغيرهما مرفوعًا.
(يضع يديه) هذا مذهبُ مالكٍ، قال: لأنَّه أحسَنُ في سكينة الصَّلاة ووَقارها، وعنه روايةٌ: يضَع أيَّهما شاء، وقال الثَّلاثة: يضَع ركبتَيه قبلَ يدَيه؛ لأنَّ الرُّكبتين أقرب إلى الأرض فتُوضَع أوَّلًا، وكذا رواه وائِل عن فِعْل النبيِّ ﷺ .
* * *
٨٠٣ - حَدَّثَنا أَبُو اليَمانِ قَالَ: حَدَّثَنا شُعَيْبٌ، عنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أبو بَكْرِ بنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ الحارثِ بْنِ هِشَامٍ، وَأَبُو
شرح الحديث مرارًا.
(إن كانت)، (إن) مُخَفَّفةٌ من الثَّقيلة، واسمها ضمير الشَّأْن.
(يدعو) خبرٌ لـ (كان) بعد خبَر، أو عطفٌ بدُون عاطفٍ، كما قال (ن): في التَّحيَّات المُبارَكات: إنَّ تقديره: والمُبارَكات، حُذفت منه الواو اختصارًا، وهو جائزٌ معروفٌ في اللُّغة، وفي بعضها: (ثُمَّ يَدْعُو).
(لرجال)؛ أي: من المُسلمين.
(الوليد) بفتح الواو، وكسر اللَّام، هو أخو خالِد، أُسر يوم بدْرٍ كافرًا، فلمَّا فُدِي أسلَم، فقيل له: هلَّا أسلمتَ قَبْل أن تَفتدي، فقال: كرهتُ أن يُظَنَّ بي أنِّي أسلمتُ جزَعًا، فحُبِس بمكَّة، ثم أُفلتَ من إسارهم بدعائه ﷺ ، ولَحِقَ بالنبيِّ ﷺ .
(وسلَمة) بفتح اللام، هو أخو أبي جهل، إسلامُه قديمٌ، وعُذِّب في الله، ومُنع من الهجرة للمدينة، استُشهد سنة أربعَ عشْرةَ أوَّلَ خلافة عمر.
(وَعَيَّاش) بفتح المُهمَلة، وشَدَّة التَّحتانيَّة، وبالمُعجَمَة.
(ابن أبي ربيعة)؛ أي: عمرو، وهو أخو أبي جهل لأُمه، أسلَم قديمًا، وأوثَقَه أبو جهل بمكَّة، قُتِل يوم اليَرْموك بالشَّام، وهؤلاء الثَّلاثة جدُّهم المُغيرة، وهم أسباطٌ، كلُّ واحدٍ منهم ابن عمِّ الآخَر.
(والمستضعفين) عامٌّ بعد خاصٍّ.
(وَطْأتك) بفتح الواو، وسكون المُهمَلة، وفتح الهمزة: البَأْس
стр. 1673
والعُقوبة، من الوَطْء الذي هو شِدَّة الاعتِماد بالرِّجْل.
(مُضَر) بضَمِّ الميم، وفتح المُعجَمَة، غير منصرِف، أي: ابن نِزَار، والمُراد القَبيلة.
(واجعلها)؛ أي: الوَطْأَة.
(كسني يوسف) أي: في القَحْط، وامتدادِ زمان المِحْنة والبَلاء، وغاية الشِّدَّة، وجمعه بالواو والنُّون شذوذٌ؛ لأنَّه غير عاقلٍ، ولتغيُّر مفرده بكسر أوَّله، ولهذا أعربَه بعضهم بحركاتٍ على النُّون كالمُفرد، كما في قوله:
دَعَانِيَ مِنْ نَجْدٍ فإِنَّ سِنيْنَهُ ... لَعِبْنَ بِنَا شِيْبًا وشَيَّبْنَنا مُرْدا
قال (خ): فيه إثباتُ القُنوت، وأنَّه حين الرَّفْع من الرُّكوع، وأنَّ تسمية من يُدعا له وعليه لا تُبطل الصَّلاة.
* * *
٨٠٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: سَقَطَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ فَرَسٍ -وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: مِنْ فَرَسٍ- فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ نَعُودُهُ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى بِنَا قَاعِدًا وَقَعَدْناَ -وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: صَلَّيْنَا قُعُودًا- فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا ركعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا
стр. 1674
قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا".
قَالَ سُفْيَانُ: كَذَا جَاءَ بِهِ مَعْمَرٌ؟ قُلْتُ: نعمْ، قَالَ: لَقَدْ حَفِظَ، كَذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَلَكَ الْحَمْدُ، حَفِظْتُ مِنْ شِقِّهِ الأَيْمَنِ، فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ الزُّهْرِيِّ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ -وَأَناَ عِنْدَهُ-: فَجُحِشَ سَاقُهُ الأَيْمَنُ.
الحديث الثَّاني:
(وربما) أصلها للتَّقليل، ولكن تُستعمل للتَّكثير كثيرًا.
(من)؛ أي: بدل (عن).
(جُحِش) بضَمِّ الجيم؛ أي: خدش.
(قعودًا) مصدرٌ، أو جمعُ قاعدٍ، وسبَق أنَّ ذلك نُسِخَ بصلاتهم قِيامًا في مرَض مَوته ﷺ قاعدًا.
(كذا جاء به مَعْمَر)؛ أي: أَكَذا، فهمزةُ الاستفهام فيه مقدَّرةٌ، أي: قال سُفيان سائِلًا من ابن المَدِيْنِي: أَوردَه مَعْمَرٌ مثلَ الذي رويتُه أنا؟، فقال ابن المَدِيْنِي: (قلتُ: نعم، قال)؛ أي: سُفيان.
(لقد)؛ أي: واللهِ لقَدْ.
(ذلك)؛ أي: بالواو، وهذا تفسيرُ بيانٍ لقوله كذا قال، أي: حَفِظ كما قالَه الزُّهري، فابن المَدِيْنِي كما يَرويه عن سُفيان، عن الزُّهري، يرويه عن مَعْمَر، عن الزُّهري، لكنْ أراد سُفيان بهذا الاستِفهام تَقرير
стр. 1675
روايته برواية مَعْمَرٍ له، وفيه تحسينُ حفْظه.
(حفظت من شقه الأيمن)؛ أي: حفظتُ من الزُّهري أنَّه قال: فَجُحِشَ مِنْ شِقِّه الأيمن.
(ابن جُرَيْج)؛ أي: عبد المَلِك بن عبد العَزيز بن جُرَيْج.
(وأنا عنده)؛ أي: وأنا كُنْت عند الزُّهري، فقال: ساقُه بدَلَ شِقِّه، فهو عطْفٌ على مقدَّرٍ، أو جملةٌ حاليَّةٌ من فاعل (قال) مقدَّرًا، أي: قال الزُّهري، وأنا عنده، ويحتمل أنَّ هذا مقولُ سُفيان لا مَقول ابن جُرَيْج، والضَّمير حينئذٍ راجعٌ لابن جُرَيْج لا للزُّهري.
* * *
١٢٩ - بابُ فَضْلِ السُّجُودِ
٨٠٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَني سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُمَا: أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: "هَلْ تُمَارُونَ فِي الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ؟ "، قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "فَهَلْ تُمَارُونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ"، قَالُوا: لَا، قَالَ: "فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ، يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْ،
(باب فضْلِ السُّجود)
(نرى)؛ أي: رُؤية البصَر، وإلا فرُؤية العِلْم تحتاج لمفعولَين، ولمَا كان للتقييد بيوم القيامة فائدةٌ.
(تُمارون)؛ أي: تشكُّون، وهو بضَمِّ أوَّله، من المُفاعَلة، وفي بعضها بفتحها من التَّفاعُل، وأصله تَتَمارَون؛ حذفتْ إحدى تاءَيه.
(كذلك)؛ أي: بلا مِرْية بل بظهورٍ وجَلاءٍ، ولا يَلزم مسامتةٌ ولا جهةٌ؛ لأن اعتبار ذلك بالعادة، والعقلُ يجوِّز ذلك بدُونه.
(فيقول)؛ أي: الله تعالى، أو: فيقول القائل.
(فليتبع) بإسكانِ المُثنَّاة، وتَشديدها، ويُروى: (فليَتْبَعْهُ).
(الطواغيت) جمع طاغُوت، وهو الشَّيطان، وكلُّ رأسٍ في الضَّلال، بوَزْنِ لاهوت؛ لأنَّه مقلوبٌ، لأنَّه من طَغَى.
(فيها منافقوها)؛ أي: يَستهزئون بهم كما كانوا في الدُّنْيا، واتبعوهم لعلَّهم ينتفعون بذلك، حتَّى ضُرِبَ بينهم بسُورٍ له بابٌ باطنُه فيه الرَّحمة، وظاهرُه من قِبَله العذابُ.
(فيأتيهم الله) كِنَايةٌ عن الظُّهور لاستِحالة التَّحوُّل عليه تعالى؛ لأنَّ الإتيان مستلزمٌ للظُّهور على المأتيِّ إليه، وأما تَكرار ذلك فلأنَّه في الأُولى ظُهور غير واضحٍ؛ لبقاء بعض الحجُب أولًا، والثَّاني غايةٌ في الظُّهور، أو أنَّه أبهم أولًا، ثم فسر ثانيًا بزيادةِ بيانٍ، والجائي أوَّلًا هو الملَك، ففيه إضمارٌ، لأنَّ الملَك معصومٌ، فكيف يقول: أنا ربُّكم،
стр. 1679
فقال (ك): لا نُسلِّم عصمتَه من مثْل هذه الصَّغيرة، أو جاز ذلك لامتِحان المؤمنين، وهذا عجيبٌ؛ فإنَّه يلزم أنْ يكون قَولُ فِرْعون وغيره: أنا ربُّكم = من الصَّغائر، وأيضًا فإساءةٌ على الملائكة، فالصَّواب طرْح ذلك كلِّه لما قرَّره.
(مكاننا) بالرَّفْع خبرُ المبتدأ.
(فيقولون: أنت ربنا) ومعرفتهم له إما بأنَّ الله يخلق فيهم عِلْمًا به، وإما بما عرَفوا من وصْفِ الأنبياء لهم في الدُّنْيا، وإما بأنَّ جميع العُلوم تصير يوم القيامة ضَروريًّا، فإنْ قيل: ظاهرُه أَنَّ المُنافقين يرَون ربَّهم، قيل: ليس في الحديث إلا أنَّ الأُمَّة يَرونَه، ولا يدلُّ على رؤية الجميع، بل هو كما يُقال: قتَلَه بنو تَميم، وإنْ كان القاتل بعضَهم، ثم لو ثبَتَ العُموم صريحًا كان مخصوصًا بالإجماع، وسائر الأدلة.
واعلم أنَّ هذا الحديث من المُتشابه، ففيه مذهبَا التَّفويض والتَّأْويل.
قال (خ): الرُّؤية هنا غير الرُّؤية التي يُكرم الله بها أولياءَه في الجنَّة؛ لأنَّ هذا امتحانٌ ليتميَّز عابدوه من عابدي الشَّمس ونحوها، فيَتبع كلُّ فريقٍ معبودَه، ولا إنكارَ في [أنَّ] هذا الامتحان يبقى إلى الفراغ من الحساب، ثم يقع الجزاء بالثَّواب والعقاب.
قال: وأما الإتيان فتَأويله: أنَّ طُروَّ الرُّؤية بعد أن لم يكن بمنزلة
стр. 1680
إتيان الآتي من حيث لم يكونوا شَاهدوه من قبلُ، ويُشبه أن يكون حَجَبهم عن تحقُّق الرُّؤية في الأُولى، حتَّى قالوا: هذا مكاننُا من أجل أنَّ معهم منافقون لا يستحقُّون الرُّؤية، وهم عن ربِّهم محجوبون، فلمَّا تميَّزوا ارتفعت الحُجُب، فقالوا عندما رأَوه: أنتَ ربُّنا، ويحتمل أنَّ الأَوَّل قول المُنافقين، وهذا الأخير قول المؤمنين، وقد رواه البُخاري كما سيأتي بلفظ: (فيَأْتيهمُ اللهُ في غير الصُّورة التي يَعرِفُون، فيقول: أَنا رَبُّكُمْ)، وهذا يؤكِّد أنَّه قول المُنافقين، ولفظه وإنْ كان عامًّا فالمُراد خاصٌّ، وأما الصُّورة فالمراد بها الكيفيَّة، كما تقول: صُورة هذا الأمر كذا، أي: صفتُه، أو أنَّه خرَج على نَوعٍ من المُطابقة؛ لأنَّ سائر المَعبودات المذكورة صورةٌ، وقال (ع): يحتمل أن يقال: يَظهَر لهم في صُورة ملائكته التي لا تُشبه صفاتِ الإله اختِبارًا، فإذا قال لهم: أَنا ربُّكم؛ أنكَروا لمَا رأَوه من علامة المخلوق، ويستعيذون بالله منه.
قلتُ: وكان شيخنا شيخ الإسلام البُلقيني ﵀ يُقرِّره لنا بوجهٍ جميلٍ، وهو: أنَّ الله تعالى تَعبَّد عبادهُ بصفاتٍ فيه يَعرفونَها، واستَأْثر بعلمِ صفاتٍ أُخرى، فإذا تَجلَّى لهم يوم القيامة بصفةٍ لم يتعبَّدْهم بها أنكَرُوها، فإذا تَجلَّى لهم بالصِّفة التي تعبَّدَهم عرَفوها، وقالوا: أنْتَ ربنُّا، فلم يبقَ بعد ذلك في الحديث إشكالٌ أصلًا.
(ظَهْرانيَ) بفتح الظَّاء، وسكون الهاء، وفتح النُّون، أي: ظَهْرَي، فزِيْدتِ الألف والنُّون للمُبالغة، وقيل: لفْظ الظَّهر مُقحمٌ أيضًا، وأنَّ
стр. 1681
المُراد: يُمَدُّ الصِّراط عليها.
وفيه إثبات الصِّراط، وهو جِسْرٌ على متْن جهنَّم أرَقُّ من الشَّعْر، وأحدُّ من السَّيف، يَمرُّ عليه النَّاس كلُّهم.
(يجوز)، في رواية: (يُجيْزُ)، لأنَّ جازَ وأَجازَ بمعنًى واحدٍ، وهو قطع المسافة.
(لا يتكلم)؛ أي: لشدَّة الأهوال، والمُراد حال الإجازة، وإلا فيَتكلَّم النَّاس في مواطنَ في القيامة، وتُجادِلُ كلُّ نفس عن نفسها.
(سلم سلم) هو مِن كمال شفَقة الرُّسُل على الخلْق.
(كَلاليب) جمع كلُّوب بفتح الكاف، وضمِّ اللَّام، وهو الحديدة التي يُعلَّق فيها اللَّحم، ويقال لها أيضًا: كُلَّاب بضَمِّ الكاف.
(السَعْدَان) بفتح المُهمَلة الأُولى، وسُكون الثَّانية، وبإهمال الدَّال: نَبْتٌ له شَوكٌ عظيمٌ من كل الجوانب مثل الحسَك، وهو أفضل مَراعي الإبِل يُضرَب به المثَل، فيُقال: ولا كالسَّعْدان.
(تخطف) بفتح الطَّاء، وكسرها.
(بأعمالهم)؛ أي: بسبب أعمالهم القبيحة، أو على حسَب أعمالهم وبقَدْرها.
(يوبق) بالبناء للمَفعول، قال ابن قُرْقُوْل: بموحَّدةٍ، مِن وبَقَ الرَّجلُ: هلَكَ، وأوبقَه الله: أهلكَه، وقال الطَّبَري: بالمُثلَّثة من الوِثَاق.
(يخردل) بخاءٍ معجمةٍ، ودالٍ مُهمَلةٍ، وقال أبو عُبيدة: بإعجام
стр. 1682
الدَّال، وللأَصِيْليِّ بالجيم بمعنى الإِشْراف على الهَلاك، ومعنى الأَوَّل: أنَّه يقطع كالخَرْدَل.
(من أهل النَّار)؛ أي: الدَّاخلين، والمُراد بالمُنجَى المؤمنين، وإلا فالكافِر لا ينجو من النَّار أبدًا.
(أثر السُّجود)؛ أي: موضع أثَره، فيشمَل الأعضاءَ السَّبعة، وقال (ع): المُراد الجبهة خاصةً.
(كل ابن آدم)؛ أي: كل أَعضائه.
(امتحشوا) بالفَوقانيَّة، والمُهمَلة المفتوحتَين، وبإعجام الشِّين، أي: احتَرَقُوا، كذا ذكره (ع) عن المُتقنين، ورُوي بضَمِّ التَّاء، وكسر الحاء، والمُراد: انقَبضُوا، أو اسوَدُّوا.
(الحبة) بكسر الحاء المُهمَلة: حبٌّ بالصَّحْراء.
(حميل) بفتح المُهمَلة: ما جاء به السَّيْل من طِيْنٍ ونحوِه، شبِّهَ به؛ لأنَّه أسرعُ في الإنبات، وسبَق في (باب تفاضُل أهل الإيمان) بيانُ ذلك.
(يفرغ) الإسناد فيه مجازيٌّ؛ لأَنَّ الله تعالى لا يَشْغَلُه شأْنٌ عن شأنٍ، فالمُراد: إتْمام الحُكم بين العبَاد.
(دُخولًا) تَمييزٌ، أو بمعنى الدَّاخِل حالًا.
(قِبَل) بكسر القاف، وفتح المُوحَّدة، أي: جِهَةَ.
(قَشَبَني) بالقاف والمُعجَمَة والمُوحَّدة المَفتوحات، أي: سَمَّني
стр. 1683
وأهلَكَني، وكلُّ مسمومٍ قَشيبٌ، أي: صار ريحُها كالسُّمِّ في أنْفي.
(ذكاها) بالقَصْر، وإعجام الذَّال. قال (ن): إنَّه الأشهر، أي: لَهَبها، يُقال: ذكَت النَّار تَذكُو ذَكاءً: اشتَعلَتْ، قيل: وبالمدِّ أيضًا.
(عسيت) بفتح السِّين، وكسْرها.
(ذلك)؛ أي: الصَّرْف.
(فيعطى)؛ أي: الرَّجل.
(بهجتها)؛ أي: حُسْنها، وهذه الجملة بدلٌ من جُملة: (أقبل على الجنَّة).
(أشقَى)؛ أي: كافِرًا.
ووجه مُطابقة جوابه لقوله: (أَلَيْسَ قد أَعْطَيتَ): أنَّ كرَم الله أطمَعَه، ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٧٨].
(فما عسيت)، (ما) استفهاميَّةٌ.
(أن تسأل) خبر (عسى).
(ذلك)؛ أي: التَّقديم إلى باب الجنَّة، والجملة معترضةٌ، وفي بعضها: (أَنْ لا تَسأَلَ)، بزيادة لفظ: (لا)، إما زائدةً كما في: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: ٢٩]، وإما نافيةً، ونفي النَّفي إثباتٌ، أي: عسَيت أن تسأل غيرَه، وإنَّما قال الله تعالى ذلك -وهو عالمٌ بما كان وما يكون- إظهار ما عُهد من بني آدم من نقْض العهْد، وأنَّهم أحقُّ بأن يُقال لهم ذلك، فمعنى (عسَى) راجعٌ للمُخاطَب لا لله تعالى.
стр. 1684
(فسكت) بالفاء، وجواب (إذا بلغ) محذوفٌ، أي: تَحيَّر فسكت.
(من النضرة) بنونٍ مفتوحةٍ، وضادٍ معجمةٍ ساكنةٍ، أي: البَهْجة.
(ويحك) نصب بفعلٍ محذوفٍ؛ أي: الْزَمْ، وهي كلمةُ رحمةٍ، ووَيْل كلمة عذابٍ، وقيل: هما بمعنًى.
(يا ابن آدم) يُروى بحذف حرف النِّداء.
(ما أغدرك) صيغة تعجُّبٍ من الغَدْر، [و] هو تَرْك الوفاء.
(فيضحك) مجازٌ، والمراد لازِمُه، وهو الرِّضا وإرادةُ الخير، كسائر الإسناد في مثله مما يستحيل عليه تعالى، فإنَّ المراد لوازمُها.
(أقبل يذكره)؛ أي: يُذكِّره الأماني.
(أمانيك) مشدَّد الياء جمع أُمْنيَّة، وهو بدَلٌ من جملةِ (قال الله تعالى)، وفي بعضها: (قَبْل) ظرفًا؛ أي: زِدْ من جنس أمانيك التي كانت لك قبل أنْ أذكِّرك بها.
(ربه) على رواية (أقْبَل) تَنازعَ فيه عاملان.
(لك ذلك وعشرة أمثاله) لا يُنافي رواية: (ومِثْلُه معَهُ)؛ لاحتمال أنَّ هذا كان أوَّلًا، ثم تكرَّم الله فزاد، فأخبر به النبيَّ ﷺ ، ولم يَسمعْه أبو هريرة.
وفي الحديث: أنَّ الصَّلاة أفضل الأعمال لمَا فيها من السُّجود، وقد قال ﷺ : "أقْربُ ما يكونُ العبدُ من رَبِّه إذا سجَدَ"، وأنَّ الله أكرمُ الأكرمين.
* * *
стр. 1685
١٣٣ - بابُ السُّجُودِ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمِ
(باب السُّجود على سَبْعة أَعظُم)
قال (ك): في بعض النُّسخ هنا بابان (١) قبلَ هذا: (باب: يُبدي ضَبْعَيه)، و (باب: يَستقبل بأطراف رجلَيه القِبْلة)، وفيهما حديثان سبَق شرحهما في (باب فضل استقبال القِبْلة)، فلا نُعيده.
أما أحاديث الباب فثلاثةٌ:
٨٠٩ - حَدَّثَنا قَبِيْصَةُ قَالَ: حَدَّثَنا سُفْيَانُ، عَن عَمْرِو بنِ دِيْنَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ ابنِ عَبَّاسٍ: أُمِرَ النبيُّ ﷺ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ، وَلَا يَكُفَّ شَعَرًا، وَلَا ثَوْبًا؛ الْجَبْهَةِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ.
الأول:
(أمر) بالبناء للمفعول، أي: أمرني الله تعالى؛ لأنَّ ذلك من المعلوم، فهو من قَبيل مرسَل الصَّحابي، ولكن عرَفه ابن عبَّاس بإخبار النبيِّ ﷺ له أو لغيره، ولو باجتهاده ﷺ ، فإنَّه ما يَنطق عن الهوَى.
(يَكُف) بضمِّ الكاف، أي: لا يَضمُّه، أي: عن الوُقوع في