المُراد: يُمَدُّ الصِّراط عليها.
وفيه إثبات الصِّراط، وهو جِسْرٌ على متْن جهنَّم أرَقُّ من الشَّعْر، وأحدُّ من السَّيف، يَمرُّ عليه النَّاس كلُّهم.
(يجوز)، في رواية: (يُجيْزُ)، لأنَّ جازَ وأَجازَ بمعنًى واحدٍ، وهو قطع المسافة.
(لا يتكلم)؛ أي: لشدَّة الأهوال، والمُراد حال الإجازة، وإلا فيَتكلَّم النَّاس في مواطنَ في القيامة، وتُجادِلُ كلُّ نفس عن نفسها.
(سلم سلم) هو مِن كمال شفَقة الرُّسُل على الخلْق.
(كَلاليب) جمع كلُّوب بفتح الكاف، وضمِّ اللَّام، وهو الحديدة التي يُعلَّق فيها اللَّحم، ويقال لها أيضًا: كُلَّاب بضَمِّ الكاف.
(السَعْدَان) بفتح المُهمَلة الأُولى، وسُكون الثَّانية، وبإهمال الدَّال: نَبْتٌ له شَوكٌ عظيمٌ من كل الجوانب مثل الحسَك، وهو أفضل مَراعي الإبِل يُضرَب به المثَل، فيُقال: ولا كالسَّعْدان.
(تخطف) بفتح الطَّاء، وكسرها.
(بأعمالهم)؛ أي: بسبب أعمالهم القبيحة، أو على حسَب أعمالهم وبقَدْرها.
(يوبق) بالبناء للمَفعول، قال ابن قُرْقُوْل: بموحَّدةٍ، مِن وبَقَ الرَّجلُ: هلَكَ، وأوبقَه الله: أهلكَه، وقال الطَّبَري: بالمُثلَّثة من الوِثَاق.
(يخردل) بخاءٍ معجمةٍ، ودالٍ مُهمَلةٍ، وقال أبو عُبيدة: بإعجام
стр. 1682
الدَّال، وللأَصِيْليِّ بالجيم بمعنى الإِشْراف على الهَلاك، ومعنى الأَوَّل: أنَّه يقطع كالخَرْدَل.
(من أهل النَّار)؛ أي: الدَّاخلين، والمُراد بالمُنجَى المؤمنين، وإلا فالكافِر لا ينجو من النَّار أبدًا.
(أثر السُّجود)؛ أي: موضع أثَره، فيشمَل الأعضاءَ السَّبعة، وقال (ع): المُراد الجبهة خاصةً.
(كل ابن آدم)؛ أي: كل أَعضائه.
(امتحشوا) بالفَوقانيَّة، والمُهمَلة المفتوحتَين، وبإعجام الشِّين، أي: احتَرَقُوا، كذا ذكره (ع) عن المُتقنين، ورُوي بضَمِّ التَّاء، وكسر الحاء، والمُراد: انقَبضُوا، أو اسوَدُّوا.
(الحبة) بكسر الحاء المُهمَلة: حبٌّ بالصَّحْراء.
(حميل) بفتح المُهمَلة: ما جاء به السَّيْل من طِيْنٍ ونحوِه، شبِّهَ به؛ لأنَّه أسرعُ في الإنبات، وسبَق في (باب تفاضُل أهل الإيمان) بيانُ ذلك.
(يفرغ) الإسناد فيه مجازيٌّ؛ لأَنَّ الله تعالى لا يَشْغَلُه شأْنٌ عن شأنٍ، فالمُراد: إتْمام الحُكم بين العبَاد.
(دُخولًا) تَمييزٌ، أو بمعنى الدَّاخِل حالًا.
(قِبَل) بكسر القاف، وفتح المُوحَّدة، أي: جِهَةَ.
(قَشَبَني) بالقاف والمُعجَمَة والمُوحَّدة المَفتوحات، أي: سَمَّني
стр. 1683
وأهلَكَني، وكلُّ مسمومٍ قَشيبٌ، أي: صار ريحُها كالسُّمِّ في أنْفي.
(ذكاها) بالقَصْر، وإعجام الذَّال. قال (ن): إنَّه الأشهر، أي: لَهَبها، يُقال: ذكَت النَّار تَذكُو ذَكاءً: اشتَعلَتْ، قيل: وبالمدِّ أيضًا.
(عسيت) بفتح السِّين، وكسْرها.
(ذلك)؛ أي: الصَّرْف.
(فيعطى)؛ أي: الرَّجل.
(بهجتها)؛ أي: حُسْنها، وهذه الجملة بدلٌ من جُملة: (أقبل على الجنَّة).
(أشقَى)؛ أي: كافِرًا.
ووجه مُطابقة جوابه لقوله: (أَلَيْسَ قد أَعْطَيتَ): أنَّ كرَم الله أطمَعَه، ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٧٨].
(فما عسيت)، (ما) استفهاميَّةٌ.
(أن تسأل) خبر (عسى).
(ذلك)؛ أي: التَّقديم إلى باب الجنَّة، والجملة معترضةٌ، وفي بعضها: (أَنْ لا تَسأَلَ)، بزيادة لفظ: (لا)، إما زائدةً كما في: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: ٢٩]، وإما نافيةً، ونفي النَّفي إثباتٌ، أي: عسَيت أن تسأل غيرَه، وإنَّما قال الله تعالى ذلك -وهو عالمٌ بما كان وما يكون- إظهار ما عُهد من بني آدم من نقْض العهْد، وأنَّهم أحقُّ بأن يُقال لهم ذلك، فمعنى (عسَى) راجعٌ للمُخاطَب لا لله تعالى.
стр. 1684
(فسكت) بالفاء، وجواب (إذا بلغ) محذوفٌ، أي: تَحيَّر فسكت.
(من النضرة) بنونٍ مفتوحةٍ، وضادٍ معجمةٍ ساكنةٍ، أي: البَهْجة.
(ويحك) نصب بفعلٍ محذوفٍ؛ أي: الْزَمْ، وهي كلمةُ رحمةٍ، ووَيْل كلمة عذابٍ، وقيل: هما بمعنًى.
(يا ابن آدم) يُروى بحذف حرف النِّداء.
(ما أغدرك) صيغة تعجُّبٍ من الغَدْر، [و] هو تَرْك الوفاء.
(فيضحك) مجازٌ، والمراد لازِمُه، وهو الرِّضا وإرادةُ الخير، كسائر الإسناد في مثله مما يستحيل عليه تعالى، فإنَّ المراد لوازمُها.
(أقبل يذكره)؛ أي: يُذكِّره الأماني.
(أمانيك) مشدَّد الياء جمع أُمْنيَّة، وهو بدَلٌ من جملةِ (قال الله تعالى)، وفي بعضها: (قَبْل) ظرفًا؛ أي: زِدْ من جنس أمانيك التي كانت لك قبل أنْ أذكِّرك بها.
(ربه) على رواية (أقْبَل) تَنازعَ فيه عاملان.
(لك ذلك وعشرة أمثاله) لا يُنافي رواية: (ومِثْلُه معَهُ)؛ لاحتمال أنَّ هذا كان أوَّلًا، ثم تكرَّم الله فزاد، فأخبر به النبيَّ ﷺ ، ولم يَسمعْه أبو هريرة.
وفي الحديث: أنَّ الصَّلاة أفضل الأعمال لمَا فيها من السُّجود، وقد قال ﷺ : "أقْربُ ما يكونُ العبدُ من رَبِّه إذا سجَدَ"، وأنَّ الله أكرمُ الأكرمين.
* * *
стр. 1685
١٣٣ - بابُ السُّجُودِ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمِ
(باب السُّجود على سَبْعة أَعظُم)
قال (ك): في بعض النُّسخ هنا بابان (١) قبلَ هذا: (باب: يُبدي ضَبْعَيه)، و (باب: يَستقبل بأطراف رجلَيه القِبْلة)، وفيهما حديثان سبَق شرحهما في (باب فضل استقبال القِبْلة)، فلا نُعيده.
أما أحاديث الباب فثلاثةٌ:
٨٠٩ - حَدَّثَنا قَبِيْصَةُ قَالَ: حَدَّثَنا سُفْيَانُ، عَن عَمْرِو بنِ دِيْنَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنْ ابنِ عَبَّاسٍ: أُمِرَ النبيُّ ﷺ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ، وَلَا يَكُفَّ شَعَرًا، وَلَا ثَوْبًا؛ الْجَبْهَةِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ.
الأول:
(أمر) بالبناء للمفعول، أي: أمرني الله تعالى؛ لأنَّ ذلك من المعلوم، فهو من قَبيل مرسَل الصَّحابي، ولكن عرَفه ابن عبَّاس بإخبار النبيِّ ﷺ له أو لغيره، ولو باجتهاده ﷺ ، فإنَّه ما يَنطق عن الهوَى.
(يَكُف) بضمِّ الكاف، أي: لا يَضمُّه، أي: عن الوُقوع في
стр. 1686
الأرض، وأكثر الرِّوايات على نصبه عطفًا على المأمور به.
* * *
٨١٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أُمِرْنَا أَنْ نسجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، وَلَا نَكُفَّ ثَوْبًا وَلَا شَعَرًا".
الثاني:
(عن النبي ﷺ ) بهذا اتصلَ الحديثُ السَّابق.
(أُمرنا)؛ أي: أنا وأُمَّتي.
(أعْظُم)؛ أي: أعضاء كما في الرِّواية الأُخرى، فسمَّى العُضوَ عظمًا، وإن اشتمل على عظامٍ كثيرةٍ.
* * *
٨١١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ، حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ -وَهْوَ غَيْرُ كَذُوبٍ- قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِي ﷺ فَإذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَضَعَ النَّبِيُّ ﷺ جَبْهَتَهُ عَلَى الأَرْضِ.
الثَّالث:
(وهو غير كذوب) سبق شرحه في (باب متى يَسجد مَن خَلْفَ الإمام).
стр. 1687
(ولم يحن) بفتح الياء، وكسر النُّون، وضمِّها، أي: لم يُقوِّسْ ظهرَه.
ووجه مناسبة هذا الحديث للتَّرجمة: أنَّ العادة في وضع الجبهة أنْ يُستَعان بالستَّة الأعضاء الأُخرى غالبًا.
* * *
١٣٤ - بابُ السُّجُودِ عَلَى الأَنْفِ
(باب السُّجود على الأَنْف)
٨١٢ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاس قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ؛ عَلَى الْجَبْهَةِ -وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ- وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ، وَلَا نَكْفِتَ الثِّيَابَ وَالشَّعَرَ".
(على الجبهة) هو بدلٌ مِن (على سبْعةٍ)، أو حالٌ متعلِّقة بمحذوفٍ، أي: حاصلًا، والأَولى متعلِّقةٌ بـ (أُمِرتُ).
(وأشار) جملةٌ معترضةٌ؛ أي: أنَّهما كالعُضْو الواحد، وإلا لَزِم أنَّ الأعضاء ثمانيةٌ، وذلك لأنَّ عظْم الجبهة هو الذي منه عظم الأنف، أو أنَّ الأنْف من توابع الجبْهة وتتمَّتِها عند السُّجود، نعم، قيل: في
стр. 1688
الحديث استعمالُ (أَمَرَ) في حقيقته، وهو الوجوب والنَّدب على قول الشَّافعي أنَّ وضْع غير الجبهة سنةٌ؛ لأن الشَّافعي حَمَل اللَّفظ على حقيقته ومجازه، إلا أن يقال: ذاك إنَّما هو في صيغة افْعَل، أما لفظ أَمَر، فيشمل الإيجاب والنَّدب من باب التَّواطُؤ.
(نكفت) بكسر الفاء، أي: نضُمَّ، من كفَت الشَّيء: ضمَّه إلى نفسه، والمُراد: جَمْع الشَّعر أو الثَّوب باليدَين عند الركوع والسُّجود.
وفي الحديث وجوب السُّجود على الجبهة، فلا يجوز على كَور العِمامة، قال (خ): لا الأنف؛ لأنَّه إنما ذُكر بالإشارة، فكان مندوبًا، والأوَّل هو الواقع في صريح اللَّفظ.
قال التَّيْمِي: فللشَّافعي قولٌ أنَّه إذا سجَد على جبهته دون أنفه يُجزئه، وقال أبو حنيفة: إنْ سجد على أنفه دون جبهته يكفي، وقال أحمد: يجب عليهما، وعنه رواية: أن السُّجود على الأعضاء السَّبعة واجبٌ، وكأنَّ البخاريَّ مال إلى هذا.
قلتُ: قد سبق أن للشَّافعي قولًا كذلك، وأنَّه المختار عند (ن) وجمعٍ.
قال (ن): واتفقوا على النَّهي عن الصَّلاة وثوبُه مشمَّرٌ أو كُمُّه، أو رأْسُه مَعقوصٌ، أو مَردودٌ شعرُ [هـ] تحت عِمامته، أو نحو ذلك، وهو كراهة تنزيهٍ، والحِكْمة فيه أنَّ الشَّعر يسجد معه، وقد رأَى ابن عمر رجلًا يسجد معقوصًا شعرُه، فقال له: أرسِلْه يَسجدْ معك.
(لا آلو)؛ أي: لا أُقصِّر.
(ونسي) بالفتْح والتَّخفيف، أو الضمِّ والتَّشديد، سبق في (باب حَدِّ إتمام الرُّكوع).
* * *
١٤١ - بابٌ لَا يَفْتَرِش ذِرَاعَيْهِ فِي السُّجُودِ
وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: سَجَدَ النَّبِي ﷺ وَوَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا.
(باب لا يَفتَرِشُ ذراعَيه)؛ أي: ساعدَيه على الأرض، ويتكئ عليهما، وفي: (يفتَرش) الجزم والرَّفع.
(ولا قابضهما)؛ أي: بأنْ لا يُجافيَهما عن جنبيه، ويضمُّهما، ويُسمي الفقهاء تركَ ذلك التَّجْويه، وقال (خ) (١): وضْع اليدين في السُّجود غير مُفترش، فهو أنْ يضَع كفّيه على الأرض ويُقِلَّ ساعدَيه ولا يضعهما على الأرض، ويُريد بقوله: (ولا قابضَهما) أنَّه يَبسط كفَّيه مدًّا ولا يقبضُهما بأنْ يضمَّ أصابعهما، ويحتمل أن يُراد بذلك ضمُّ السَّاعدَين والعضُدَين فيُلصقهما ببطنه، ولكن يُجافي مِرفَقيه عن جنبيه.
* * *
الثاني:
(وحدثني الليث)، في بعضها: (ح) للتَّحويل إلى إسنادٍ آخر.
(نفر) في "سنن أبي داود"، وابن خُزَيْمة: أنَّهم كانوا عشرةً من الصَّحابة بينهم أبو قَتَادة، وأبو أُسَيْد، وسَهْل بن سَعْد.
(هصر) أي: عطَفَ وأَمالَ، قال (خ): أي: ثَناهُ ثَنيًا شديدًا في استواءٍ من رقَبته ومَتْن ظهره، ولا يُقوِّسُه، ولا يتجاوز في ركوعه.
(غير مفترش)؛ أي: السَّاعدَين.
(ولا قابض)؛ أي: ولا قابضِهما، أو: ولا قابضٍ أصابعَ اليدين، والرِّواية: (ولا قابضهما).
(على رجله) هو الافتراش.
(وقدم رجله) وهو جُلوس التَّورُّك، وقد اختُلف في كيفية الجلَسات، فقال أبو حنيفة: يفترش في الكلِّ، ومالك: يتورَّك في الكلِّ، والشَّافعي: في الأَخير، ويفترش فيما سواه لهذا الحديث، وحديثُ ابن عمر وإنْ لم يفصِّل فيه لكن المُطلَق يُحمل على المُقيَّد.
قال (خ): وفيه رفع اليدَين حَذْو المَنكِبين عند التَّكبير، وهيئة الجلوس كما سبق.
(وسمع الليث) إلى آخره، بيانُ أنَّ المُعنْعن هنا كلُّه سماعٌ بالتَّصريح.
(وقال أبو صالح) هو عبد الغَفَّار البَكْري، والمراد أنَّه وافق يحيى، عن اللَّيث في رواية: (كلُّ فِقار)، بدون الضَّمير، وقد وصلَه
стр. 1704
الطَّبَراني، والفَقَار -بفتح الفاء-: عظامُ الظَّهر، نعم، في "المَطالع" عن ابن السَّكَن: أن هذه الرِّواية بكسر الفاء، وهو أقرب إلى الصَّواب، وحُكي عن الأَصِيْلي تقديم القاف على الفاء، وهو تصحيفٌ.
(وقال عبد الله)؛ أي: ابن المبارك: كلُّ فقاره، بالإضافة إلى الضَّمير، أو بتاء التَّأنيث، على اختلافٍ فيه، وهذا وصلَه جعفر الفِرْيَابي في "كتاب الصَّلاة" له.
* * *
١٤٦ - بابُ مَنْ لَمْ يَرَ التَّشَهُّدَ الأَوَّلَ وَاجِبًا؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ مِنَ الرَّكعَتَيْنِ وَلَمْ يَرْجِعْ
(باب مَن لَم يَرَ التَّشهُّد الأوَّلَ واجبًا)
(ولم يرجع)؛ أي: إلى التَّشهُّد الأوَّل، ولو كان واجبًا لرجَع وتداركَه، ولكنَّه جبَره بسجود السَّهو.
وخالَف في ندب التَّشهُّد الأوَّل أحمدُ، فقال: يجب؛ لفعله ﷺ ، وقال: "صَلُّوا كمَا رأَيتُمُوني أُصَلِّي"، لكنْ جبْرُه بسجود السَّهو دليلٌ عليه؛ لأنَّ الواجب لا يُجبر بذلك كما في الرُّكوع والسُّجود وغيرهما.
٨٢٩ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ، مَوْلَى بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ -وَقَالَ مَرَّةً مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ الحَارِثِ-: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُحَيْنَةَ -وَهُوَ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ
стр. 1705
وَهُوَ حَلِيفٌ لِبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ لَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ، وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ.
(أَزْد) بفتح الهمزة، وسكون الزَّاي.
(شَنُوءَة) بفتح المعجمة، وضم النُّون، وفتح الهمزة.
(وهو حليف لبني عبد مناف)؛ أي: لأَنَّ جدَّه حالَف المطَّلب بن عبد مَناف.
قال (خ): ففيه تبعيَّة المأمومين في ترك الإمام الجلوسَ حتى يقوم، وأن سجود السَّهو قُبيل السَّلام، وضعف الفَرْق بين الزِّيادةِ فيكون بعد السلام، والنقصِ فيكون قبلَه، وسجودُه في حديث ذي اليدين بعده إنَّما كان نسيانًا.
قال (ك): الفارِق مالكٌ، والفرق صحيحٌ؛ لأنَّ السُّجود في النَّقص يُجبر ما فات؛ فناسب أن يتدارك في نفس الصلاة، وفي الزِّيادة لترغيم الشَّيطان؛ فناسب خارجَها.
وقال (ن): أقوى المذاهب فيه مذهب مالك، ثم مذهب الشَّافعي، ولا حاجةَ لتأويله بأنَّه فعلَه بعد السَّلام نسيانًا؛ للإجماع على جواز الأمرين، ونزاعُهم في الأفضل، فتأخيره لبيان الجواز.
* * *
стр. 1706
١٤٧ - بابُ التَّشَهُّدِ فِي الأُولى
(باب التَّشهُّد في الأُولى)
والفَرْق بين هذه التَّرجمة والتي قبلَها: أنَّ الأُولى في عدم الوجوب، والثَّانية أنها مشروعةٌ.
٨٣٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرٌ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ فَقَامَ وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ، فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ.
(جلوس)؛ أي: للتشهد الأوَّل.
* * *
١٤٨ - بابُ التشهدِ في الآخِرَةِ
(باب التَّشهُّد في الآخِرة)
أي: في الجلْسة الأخيرة، وسُمِّي تشهُّد لاشتماله على كلمتَي الشَّهادة.
٨٣١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ
стр. 1707
سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُل: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمُوهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ".
(جبريل) فيه سبع لغاتٍ بوزن فعليل، وبحذف الياء، وبحذف الهمزة، وبوزن قِنْديل، وبهمز ولام مشدَّدة، وبوزن جِبْراعِيْل، وجِبْراعِل، ومُنع صرفه للتَّعريف والعلمية.
(وميكائيل) وفيه خمسٌ لغاتٍ: بوزْن قِنْطار، ومِيْكاعيل، ومِيكَعِل، ومِيْكَعيل.
(إن الله هو السَّلام) هو ردٌّ عليهم فيما جاء في الرواية الآتية في (باب: ما يتخيَّر من الدُّعاء بعد التَّشهُّد) أنهم كانوا يقولون: السَّلام على الله، فردَّ عليهم بأنَّ كلَّ سلامةٍ ورحمةٍ له ومنه، وهو مالكُها ومعطيها.
قال (خ): ومعناه أنَّه ذو السَّلام فمنه بدَأَ وإليه يعود؛ لأنَّه المُبرَّأ من كلِّ نقصٍ وعيبٍ، وسالم منه، أو أنَّ حظَّ العبد فيما يطلبه من السَّلامة من الآفات هو من الله.
стр. 1708
وقال (ن): إنَّ السَّلام من أسمائه تعالى، أي: السَّالم من النَّقائص، وقيل: بمعنى المسلِّم لأوليائه، وقيل: المسلِّم عليهم.
(فليقل)، قال (ن): أمر إيجاب، فقال الشَّافعي: في الآخِر، وأما الأوَّل فسنة، وقال أبو حنيفة، ومالك: سنةٌ فيهما، وأحمد: واجبٌ فيهما، وفي رواية عنه: واجب في الأول، فرضٌ في الثاني، ومَن لم يوجب الأخيرَ وافَق على وجوب القعود بقَدْره.
قال التَّيْمِي: ليس كل للوجوب، فقد أمر بالتسبيح في الركوع والسُّجود حين نزل: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤]، وقال: "اجعلوها في ركوعكم"، وحين نزلت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى:١]، قال: "اجعلوها في سجودكم"، والجلسةُ الأخيرة وإنْ وجبتْ فإنَّما هي للسَّلام لا للذِّكر.
قال (ك): الأمر للوجوب، فإنْ دلَّ على خلافه دليلٌ عُمل به ليُقام الإجماع على عدم وجوب التسبيح، ودعوى أن القعود للسلام ممنوعةٌ بدليل فرضيَّته بقدر التَّشهُّد، وإلا لاكتُفي بلحظة.
قال صاحب "الهداية": القَعدة بقَدْره فرضٌ، والتَّشهدُ فيه، والقعدةُ الأولى واجبتان.
وقال في موضع آخر: الكل واجبٌ.
(التحيات) جمع تحيَّة، قال (ن): وهي المُلْك، وقيل: البقاء، وقيل: العظَمة، وقيل: الحياة، وجُمع لأنَ المُلوك كان كلُّ واحدٍ منهم
стр. 1709
يُحييه أصحابُه بتحيةٍ مخصوصة، فقيل: جميعُها لله، وهو المستحِقُّ لها حقيقةً.
قال (خ): كانت العرَب تُحيي بكلمات مخصوصةٍ نحو: أَبَيْتَ اللَّعْنَ (١)، أنْعِمْ صَباحًا، وكانت العجَم تقول: بَشوِي هَزَار سال، أي: عِشْ ألفَ سنة، وهذه لا يصلح شيءٌ منها للثَّناء على الله بها، فتُركت أعيانها، واستُعمل معنى التَّعظيم، فقيل: قولوا: التَّحيَّات، أي: أنواع التعظيم لله.
(والصَّلوات)، قال (ن): أي: الخمس المعروفة وغيرها، وقيل: الدَّعَوات، وقيل: الرَّحمة، أي: يتفضَّل بها الله.
(والطيبات)؛ أي: الكلمات الطيِّبات التي يصلُح أنْ يثنى على الله بها، وقيل: الأعمال الزَّاكية.
(لله)؛ أي: فهذه لا تصلُح حقيقتها لغيره.
قال (ن): حذف الواو في الصَّلوات في حديث ابن عبَّاسٍ اختصارًا، والتقدير: والصلوات والطيِّبات كما هو حديث ابن مَسعود، وحذْفُها جائزٌ معروفٌ في اللغة.
قال البَيْضَاوي: يحتمل أنَّ الواو في: (والصَّلوات والطَّيِّبات)، لعطفه على التحيَّات، أو أنَّه مبتدأٌ حُذِف خبره، فيكون من عطْف الجُمَل.
стр. 1710
قال: واختار الشَّافعي حديث ابن عبَّاسٍ؛ لأنَّه أفقَه.
قال (ن): والاتفاق على صحة الصَّلاة بكلِّ من الحديثَين، وإنَّما الخلاف في الأفضل، ففضل الشَّافعيُّ روايةَ ابن عبَّاس؛ لزيادة لفظ: (المباركات) فيها موافقةً لقوله تعالى: ﴿تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١]، وفضَّل أبو حنيفة وأحمد تَشهُّدَ ابن مسعود؛ لأنه أصحُّ، وإن كان الكل صحيحًا، وقال مالك: تشهُّد عُمر الموقوف عليه أفضل؛ لأنه علَّمه للنَّاس على المِنْبَر، ولم يُنازعه أحد، وهو: (التَّحيَّات لله، الزَّاكيات لله، الطَّيِّبات لله، الصَّلوات لله).
(السَّلام عليك)، قيل: معناه التعوُّذ بالله؛ فإنَّ السَّلام اسمٌ من أسمائه تعالى تقديره: الله عليك؛ أي: حفيظٌ، وكما يُقال: الله معك، أي: بالحفْظ، وقيل: السَّلام بمعنى السَّلامة، كاللَّداد واللَّدادة، أي: السَّلام والنَّجاة لك.
قال (ن): وحذْف الألف واللام جائزٌ، ولكن المعرَّف أفضل، وأما سلام التَّحيات، فقيل: يجوز الأمران، والجمهور على وجوبه معرَّفًا، لأنَّه لم يُنقَل إلا معرَّفًا، ولأنَّه عائدٌ إلى ما تقدَّم ذكْره في التَّشهُّد، فينبغي أن يعرَّف.
وقال الطِّيْبي: تعريفه للعهد التَّقديري، أي: ذلك السَّلام الذي وجِّه إلى الأنبياء المتقدِّمة موجهٌ إليك أيُّها النبي، والسَّلام الذي وجِّه إلى الأمم السَّالفة والصُّلَحاء علينا وعلى إخواننا، وإمَّا للجنس؛ أي: حقيقة السَّلام الذي يَعرفه كلُّ أحد أنَّه ما هو؟، وعمَّن يصدُر، وعلى من يقول عليك
стр. 1711
وعلينا، وإما للعهد الخارجي إلى قول الله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩]، وإنما قال: عليكَ، ومُقتضى الظَّاهر عليه؛ لأنَّه اتباعٌ للفظ الرسول بعينه حين علَّم الحاضرين من أصحابه.
(الصالحين)؛ أي: القائمين بحقوق الله، وحقوق العباد، وهو عمومٌ بعد خصوصٍ.
(قلتموها)؛ أي: هذه الكلمة، وفيه أنَّ الجمع المحلَّى باللام للاستغراق، والتَّفرقة في مدلول جمع القلَّة والكثْرة إنما هي عند تنكرهما (١).
(محمدًا) هو مَنْ كثُرت خصاله الحميدة، فسمي بذلك نبيُّنا ﷺ ؛ لعلم الله بكثرة ذلك فيه.
(ورسوله) فيه ردٌّ على مَن زَعم أنَّه لا يكفي إلا أن يقول: رسول الله، كما وَهِمَ فيه صاحب "تَعليْقَة الحَاوي". قال (ك): وهو سهوٌ منه؛ إذْ لا خلاف في تأَدِّي الفرْض بذلك من تشهُّد ابن عبَّاس، وابن مَسعود.
قلتُ: هو السَّاهي، فإن مُرجَّح الرَّافعي، والنَّوَوِي اعتبارُ الإضافة للظَّاهر، وأنَّ رسوله لا يَكفي، نعَمْ، وقَع في "الرَّوضة" ما يُوهم أنَّ ذلك ترجيح الرَّافعي، وليس كذلك، لكن المُختار أنَّه يجوز:
стр. 1712
ورسولُه، كما ثبَت في "مسلم"، ورواه البخاري هنا، لكن كيف يقول: لا خلافَ؟
واعلم أنهم كانوا يُسلِّمون على الله أوَّلًا ثم على أشخاصٍ معينين، فأمرهم ﷺ بكيفية الثناء على الله، ثم أعلَمهم أنَّ الدعاء للمؤمنين، وأنَّه يكون شاملًا، وأمرهم بإفراد السَّلام عليه بالذِّكر لشرَفه ومزيد حقِّه ﷺ ، ثم أثبت بشهادة التوحيد لله، والرِّسالة لنبيه ﷺ ؛ لأنَّها أصل الخير، وأساس الكمال، ثم عَقَّب بالصلاة عليه ليجمع له فضيلتَي الصَّلاة والسلام.
* * *
١٤٩ - بابُ الدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلَامِ
(باب الدُّعاء قَبْلَ السَّلام)
٨٣٢ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَفِتْنَةِ المَمَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ المَأْثَمِ وَالمَغْرَمِ"، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ المَغْرَمِ؟ فَقَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ".
стр. 1713
٨٣٣ - وَعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَعِيذُ فِي صَلَاتِهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ.
الحديث الأول:
(في الصَّلاة) ظاهره قُبَيل السَّلام؛ لأنَّ لكلٍ مما سبق شيءٌ يُقال فيه، فتعيَّن أن هذا الدُّعاء هنا، وبه يُطابق التَّرجمة، ويتأكَّد المراد بالحديث الذي في الباب بعده.
(المسيح) لأنَّ إحدى عينَيه ممسوحةٌ، فهو فَعِيْل بمعنى مَفعول، أو لأنه يمسح الأرض، أي: يقطعها في أيامٍ معدودةٍ، فهو بمعنى فاعلٍ.
(الدجال) قيَّد به ليَمتاز عن عيسى ﵇ سُمِّي دجَّالًا لكثرة خَلْطه الباطلَ بالحقِّ.
(فتنة المحيا)؛ أي: الحياة، وهي الابتلاء مع زوال الصَّبر، وترْك طريق الهدى.
(وفتنة الممات)؛ أي: سؤال الملكين، وما في القَبْر من الشَّدائد والأهوال، وهما من ذكْرِ عام بعد خاصٍّ على وجه اللَّفِّ والنَّشر غير المرتَّب؛ فإنَّ فتنة المَحيَا أعمُّ من الدَّجَّال، وفِتْنة الممات أعمُّ من عذاب القبر.
قال (ع): هذا تعليمٌ للأمة الدعاء، وإلا فقد عصمه الله تعالى من ذلك كلِّه، فدعاه بدوام الخوف والافتقار إلى الله تعالى.
стр. 1714
(المأثم)؛ أي: ما يَأثم به الإنسان، أو هو الإثْم نفسه، وُضِع المصدر موضعَ الاسم.
(والمغرم)؛ أي: الدَّين، فيما يَكرهُه الله، أو فيما يجوز لكنْ عجَز عن وفائه، فأما دينٌ احتاجه وهو قادر على أدائه فلا استعاذةَ منه، فالمَغْرَم إما مصدرٌ وُضع موضعَ الاسم، وإما المراد الغُرم نفسه، والأول إشارةٌ إلى حق الله، والثَّاني إلى حقِّ العباد.
(ما أكثر) فعل تعجُّبٍ.
(ما تستعيذ) في محلِّ نصبٍ به.
(حدث) جواب (إذا).
(فكذب ووعد) عطفٌ على حدَّث، وفي بعضها: (وإذا وعَدَ أخلَف)، وفيه إثبات عذاب القبر، وخُروج الدَّجَّال، وإفتانه.
* * *
٨٣٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁: أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، قَالَ: "قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ".
الحديث الثاني:
(مغفرة) تَنكيره للتعظيم، وأنَّها لا يُعرف كُنْهُها، وزاد ذلك بقوله:
стр. 1715
(من عندك)؛ فإنَّ الذي من عنده لا يحيط به وصفُ الواصفين، كما في: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥]، أي: لا تُحوجني إلى سؤالٍ، فيكون تَمامها على يديه.
(كثيرًا) بمثلَّثةٍ أو موحَّدةٍ، وقد جوَّز الشَّافعية دعاءَ المصلي في صلاته بما شاء من دنيا وآخرة ما لم يكن إثمًا، وقال ابن عُمر: إني لأَدعو في صلاتي حتى بشَعير حِماري، ومِلْح بيتي، وقالت الحنفية: يدعو بما يُشبه ألفاظ القُرآن، وبالأدعية المأثورة.
* * *
١٥٠ - بابُ مَا يُتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاء بَعْدَ التَّشَهدِ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ
(باب ما يتخيَّر من الدُّعاء بعد التَّشهُّد) بضمِّ أول (يُتخير).
٨٣٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ الأَعْمَشِ، حَدَّثَنِي شَقِيقٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تَقُولُوا السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ فِي السَّمَاءِ أَوْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ
стр. 1716
مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُو".
(أو بين) هو للتَّنويع، لا للشَّكِّ، ولا التَّرديد، ولم يَقل هنا: وفي الأرض، كما في الحديث السَّابق تَفنُّنًا، فإنهما واحد، أو ليكن أصرحَ في شمول الجِنِّ.
(ليتخير)؛ أي: يختار.
(أعجبه)؛ أي: أحسنَه، وهذا شاملٌ لما شابَهَ لفظ القرآن وغيره، وللمأثور وغيره.
* * *
١٥١ - بابُ مَنْ لَمْ يَمْسَحْ جَبْهَتَهُ وَأنفَهُ حَتَّى صلى
(باب مَنْ لم يَمْسح جبهتَه)
٨٣٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْجُدُ فِي المَاءِ وَالطِّينِ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ.
(جبهته)؛ أي: في شيءٍ لا يكون ساترًا يمنع مباشرةَ الجبهة كما سبق.
(ثم أحد) عطفٌ على الأنصاري، أي: ثم السَّالِمي، أو على عِتْبان، أي: سمعتُ أيضًا أحَدَ، فيكون السَّماع من اثنين، والظَّاهر حينئذٍ تفسير هذا المبهم: الحُصَيْن بن محمَّد الأَنْصاري، نعَمْ، سبَق في (باب: المساجد في البُيوت): أن الزُّهري هو الذي سمع محمود، أو أحدَ بني سَالِم، لكنْ لا منافاةَ بينهما؛ لاحتمال أن الزُّهريَّ ومحمدًا كلاهما سَمع من الحُصين.
قال (ك): ولو صحَّت الرِّواية برفْع أحدٍ لوافَق ما سبق بأنْ يكون عطفًا على محمود.
(فلوددت)؛ أي: واللهِ لوَدِدْتُ.
(أتخذه) بالرَّفع والجزم؛ لوقوعه جواب التَّمني المُستفاد من (وَدِدْت).
(واشتد)؛ أي: ارتفَع النَّهار.
(فأشار)؛ أي: النبيُّ ﷺ إلى المكان الذي هو محبوبٌ لعِتْبان أنْ يصلي فيه، ويحتمل أن (مِن) للتَّبعيض، ولا يُنافي ما في الرِّواية السابقة: فأشَرت؛ لاحتمال أنَّ كلًّا منهما أشار معًا، أو متقدِّمًا ومتأخِّرًا.
قال التَّيْمِي: كان مسجد (١) المُهاجرين يُسلِّمون واحدةً ولا يردُّون