مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُو".
(أو بين) هو للتَّنويع، لا للشَّكِّ، ولا التَّرديد، ولم يَقل هنا: وفي الأرض، كما في الحديث السَّابق تَفنُّنًا، فإنهما واحد، أو ليكن أصرحَ في شمول الجِنِّ.
(ليتخير)؛ أي: يختار.
(أعجبه)؛ أي: أحسنَه، وهذا شاملٌ لما شابَهَ لفظ القرآن وغيره، وللمأثور وغيره.
* * *
١٥١ - بابُ مَنْ لَمْ يَمْسَحْ جَبْهَتَهُ وَأنفَهُ حَتَّى صلى
(باب مَنْ لم يَمْسح جبهتَه)
٨٣٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْجُدُ فِي المَاءِ وَالطِّينِ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ.
(جبهته)؛ أي: في شيءٍ لا يكون ساترًا يمنع مباشرةَ الجبهة كما سبق.
(ثم أحد) عطفٌ على الأنصاري، أي: ثم السَّالِمي، أو على عِتْبان، أي: سمعتُ أيضًا أحَدَ، فيكون السَّماع من اثنين، والظَّاهر حينئذٍ تفسير هذا المبهم: الحُصَيْن بن محمَّد الأَنْصاري، نعَمْ، سبَق في (باب: المساجد في البُيوت): أن الزُّهري هو الذي سمع محمود، أو أحدَ بني سَالِم، لكنْ لا منافاةَ بينهما؛ لاحتمال أن الزُّهريَّ ومحمدًا كلاهما سَمع من الحُصين.
قال (ك): ولو صحَّت الرِّواية برفْع أحدٍ لوافَق ما سبق بأنْ يكون عطفًا على محمود.
(فلوددت)؛ أي: واللهِ لوَدِدْتُ.
(أتخذه) بالرَّفع والجزم؛ لوقوعه جواب التَّمني المُستفاد من (وَدِدْت).
(واشتد)؛ أي: ارتفَع النَّهار.
(فأشار)؛ أي: النبيُّ ﷺ إلى المكان الذي هو محبوبٌ لعِتْبان أنْ يصلي فيه، ويحتمل أن (مِن) للتَّبعيض، ولا يُنافي ما في الرِّواية السابقة: فأشَرت؛ لاحتمال أنَّ كلًّا منهما أشار معًا، أو متقدِّمًا ومتأخِّرًا.
قال التَّيْمِي: كان مسجد (١) المُهاجرين يُسلِّمون واحدةً ولا يردُّون
стр. 1721
على الإمام (١)، ومسجد (٢) الأنصار تسليمتَين، وقال مالك: يسلِّم المأموم عن يمينه، ثم يردُّ على الإمام، ومن قال بتسليمتَين من أهل الكوفة يجعلون التَّسليمة الثَّانية ردًّا على الإمام.
* * *
١٥٥ - بابُ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ
(بَابُ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ)
٨٤١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو: أَنَّ أَبَا مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄، أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ المَكْتُوبَةِ كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُنْتُ أَعْلَمُ إِذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إِذَا سَمِعْتُهُ.
الحديث الأول:
(أعلم)؛ أي أَعْرِفُ.
(إذا انصرفوا)؛ أي: وقْتَ انصرافهم.
стр. 1722
(على عهد) دليلٌ على أنَّ ابن عباس حين حدَّث بذلك لم يَرَ الصَّحابة يفعلونه، كأنَّه لكونه ليس بلازمٍ، فترَكوه خشيةَ أن يظُنَّ غبيٌّ أنَّه لا تَتمُّ الصَّلاةُ إلا به، وقال بعض المالكية: يُستحبُّ التَّكبير في العسَاكر والثُّغور إثْرَ الصُّبح والعِشاء تكبيرًا عاليًا ثلاثَ مرَّاتٍ، وهو قديمٌ من شأن النَّاس.
* * *
٨٤٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِالتَّكْبِيرِ.
الحديث الثاني:
(بالتكبير)؛ أي: بذكر الله تعالى، قال بعضهم: أي: كان يكبر الله في الذكْرِ المعتاد بعد الصَّلاة، فَأعرفُ انقضاء صلاته به.
(أصدق) التَّفضيل فيه باعتبار أفراد الخبَر، وإلا فنفس الصِّدق لا يتفاوت.
(نافذ) بالنُّون، والفاء المكسورة، والذَّال المعجمة على الأصح.
* * *
٨٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ
стр. 1723
الفُقَرَاءُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ مِنَ الأَمْوَالِ بِالدَّرَجَاتِ العُلا وَالنَّعِيمِ المُقِيمِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَلَهُمْ فَضْلٌ مِنْ أَمْوَالٍ يَحُجُّونَ بِهَا، وَيَعْتَمِرُونَ، وَيُجَاهِدُونَ، وَيَتَصَدَّقُونَ، قَالَ: "أَلا أُحَدِّثُكُمْ إِنْ أَخَذْتُمْ أَدْرَكْتُمْ مَنْ سَبَقَكُمْ وَلَمْ يُدْرِكْكُمْ أَحَدٌ بَعْدَكُمْ، وَكُنْتُمْ خَيْرَ مَنْ أَنْتُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ إلا مَنْ عَمِلَ مِثْلَهُ: تُسَبِّحُونَ، وَتَحْمَدُونَ، وَتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ"، فَاخْتَلَفْنَا بَيْنَنَا، فَقَالَ بَعْضُنَا: نُسَبِّحُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَنَحْمَدُ ثَلَاثًا وَثَلاثِينَ، وَنُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلاثِينَ، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ: تَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، حَتَّى يَكُونَ مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ.
الثَّالث:
(الدثور) جمع دَثْر، قال الجوهري: بفتح الدَّال، وسكون المثلَّثة، وبكسر الدَّال، وسكون الموحَّدة: المَال الكثير، وكذا قال (خ)، قال: ويقع في رواية البخاري: (الدُّور)، وهو غلَطٌ، والصَّواب الذي رواه الناس كلهم: (الدُّثُور) بالمثلَّثة.
(من الأموال) بيانٌ للمذكور، وتأكيدٌ، أو وصفٌ؛ لأنَّ الدُّثُور تجيء بمعنى الكثرة، يُقال: مالٌ دَثْر، أي: كثيرٌ.
(العُلا) جمع عَلْياء تأنيث الأَعلى.
(المقيم) تعريضٌ بالنَّعيم العاجِل الذي لا يصفُو، وإنْ صفَا فسريعُ الزَّوال.
стр. 1724
(بما)؛ أي: بشيءٍ، وفي بعضها: (بأمرٍ).
(أدركتم)؛ أي: مَنْ سبقكم من أهل الأموال في الدَّرجات العُلا.
(ولم يدرككم أحد) لا يَمتنع أنْ يفوق هذا مع سُهولته الأعمال الشَّاقَّة من الجهاد ونحوه، أو يُساويه، وإن ورد: "أَفْضَلُ العِبَاداتِ أَحْمزُها"؛ لأنَّ في الإخلاص في الذِّكْر من المشَقَّة -ولا سيَّما الحمد في حال الفقر- ما يصير به أعظم الأعمال، أو أنَّه لا يلزم أن الثَّواب بقدْر المشقَّة مطلقًا؛ فإنَّ ثَواب الشَّهادتين أكثر من العِبادات الشاقَّة، ونحوه كلمةٌ فيها تمهيدُ قاعدةٍ من الدِّين يعمُّ خيْرُها، وقد قال العلماء: إدراك صحبة النبي ﷺ لحظة لا يُوازي خيرَها وفضلَها عملٌ.
ثم إنَّه بيَّن أنهم لو كانوا أغنياء لعملوا مثل عملهم وزيادة، ونيَّة المؤمن خيرٌ من عمله، فلهم ثواب النية، وهذه الأذكار.
(وكنتم خير) لا تَنافي بينه وبين قوله: (أدركتُم)، الذي ظاهره المُساواة؛ لأنَّا نمنع ذلك، ونقول: الإدراك أعمُّ من المساواة، فربَّما تَفوق أيضًا.
(بين ظهرانيه)؛ أي: بينه، وسبق تقريره مرَّاتٍ.
(إلا من عمل)؛ أي: إلا الغنيَّ الذي يُسبِّح؛ فإنه خيرٌ منكم أو مثلُكم، وهذا الاستثناء يعود لكل ما سبق على قاعدة الشَّافعي، فإذا كان عائدًا للأُولى يلزم قطعًا أن يكون الأغنياء أفضل، أو معناه: إنْ
стр. 1725
أخذتم أدركتُم إلا من عمل مثلَه، فإنكم لا تدركون، نعَمْ، زوال شكوى الفقراء مع أن الأغنياء إذا عملوا رجَحوا عليهم بأنَّ لهم الدَّرَجات العُلا والنَّعيم المقيم كما لهم، وهو قصدهم، لا نَفي زيادتهم مطلقًا، وفيه أنَّ الغني الشَّاكر أفضلُ من الفقير الصَّابر.
(تسبحون) إلى آخره، فيه تنازع ثلاثة أفعال في اثنين ظرْفٍ ومصدرٍ.
(ثلاثًا وثلاثين) هذا وإن احتمل أنَّ كلَّ واحدٍ أحدَ عشَر، والمجموع ثلاثة وثلاثين إلا أن آخر الحديث يدل على المراد أن يكون من كل ثلاثة وثلاثين.
(أربعة) في بعضها: (أربعا)؛ لأن التَّمييز إذا لم يُذكر يجوز تذكير العدد وتأنيثه.
(فاختلفنا)؛ أي: في أنَّ كلَّ واحدٍ ثلاثة وثلاثون، أو المجموع، أو أن تَمام المائة بالتَّكبير، أو بغيره.
(كلهن) بكسر اللام، تأكيدٌ للضمير المجرور.
(ثلاثًا وثلاثين) هي أكثر الروايات، ويُروى بالرَّفع على أنه اسمُ (كان)، وهو أظهر، والأول بتقدير أنَّه خبرها، أي: حتى تكون الكلماتُ ثلاثةً وثلاثين، وحِكْمة اختصاص هذه الأذكار أنَّ التَّسبيح تنزيهٌ عن النَّقائص، والتَّحميد إثباتُ الكمالات، والتَّكبير أنَّ حقيقة ذاته أكبرُ من أن تُدركَها الأوهام، وتعرفها الأفهام، وفيه أنَّ العالم إذا
أي: بدلَها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً﴾ [الزخرف: ٦٠].
وقيل: المراد بالجَدِّ أبو الأب، أو أبو الأم، أي: لا ينفعُه نسَبُه؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١].
قال (ن): المشهور فتح الجيم، أي: لا ينفع ذا الغِنى منك غِناؤُه، أو لا يُنجيه حظُّه منك، وإنما ينفعُه العمل الصَّالح، ويُروى بالكسر، وهو الاجتهاد، أي: لا ينفعُه الاجتهاد بل ينفعُه رحمتك.
(الغنى) مقصورٌ.
(وقال شعبة) وصلَه الطَّبَراني في "الدعاء"، والسَّرَّاج.
(مُخَيْمِرَة) بضمِّ الميم، وفتح المُعجَمة.
* * *
١٥٦ - بابٌ يَسْتَقْبِلُ الإِمَامُ النَّاسَ إذَا سلمَ
(باب: يَستقبِلُ الإمامُ النَّاسَ)
٨٤٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ.
٨٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ صالح بْنِ
стр. 1728
كَيْسَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ "، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ".
الحديث الأول:
(بالحُدَيبية) بحاءٍ مضمومةٍ، ودالٍ مفتوحةٍ، مهملتين، مخفَّفة الياء عند بعض المحقِّقين، وأكثر المحدِّثين بالتَّشديد، سُميت ببئْرٍ هناك على مرحلةٍ من مكة أو أكثر.
(أثر) بفتح الهمزة، والمثلثة، أو بكسرٍ فسكونٍ.
(انصرف)؛ أي: من الصَّلاة.
(بِنَوْء) بفتح النُّون، وسكون الواو، وبالهمزة، قال (خ): الكوكب، وكذا تُسمى نجوم منازل القمر أنواء، وسمي نَوءًا؛ لأنَّه يَنوء طالِعًا عند مَغيب مُقابله بناحية الغَرْب.
(من عبادي) المراد الجميع بدليل التَّقسيم.
(كافر) لأنَّه فعَل ما يُفضي إلى الكفر، وهو اعتقاد أنَّ الفعل
стр. 1729
للكوكب، والفعل إنما هو لله تعالى لا شريكَ له، وهو المُنعِم عليهم بالغَيث.
قال (ن): اختُلف في كُفر قائل ذلك، فقيل: المراد الكفر بالله حقيقةً، أي: إذا اعتقَد أنه المُنشئ للمطَر كما يَزعُمه أهل الجاهلية، أما إذا قصَد أنَّ الفعل لله، وهذا مِيْقاتٌ له وعلامةٌ بالعادة فلا يَكْفُر، وقيل: المراد كُفر النِّعمة؛ لإضافة الغَيث إلى الكوكب، وهذا فيمن لا يعتقد تدبير الكوكب.
وقال ابن الصَّلاح: النَّوء ليس نفْسَ الكوكب بل مصدرُ ناءَ: إذا سقَط، وقيل: نَهَض وطلَع، وبيانه أنَّ ثمانيةً وعشرين نَجْمًا معروفةُ المَطالِع في أزمنة السُّنَة، وهي المعروفة بمَنازِل القمَر، تسقط في كلِّ ثلاثة عشَر ليلةً نجم منها في المغرب مع طلوع مُقابِله في المَشرق، فكانوا يَنسبون المطَر للغارِب، وقال الأصمعي: للطَّالِع، فتَسمية النَّجم نَوءًا تسميةً للفاعل بالمصدر.
* * *
٨٤٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، سَمِعَ يَزِيدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: أَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّلَاةَ ذَاتَ لَيْلَةٍ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَلَمَّا صَلَّى أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: "إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا وَرَقَدُوا، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ".
стр. 1730
الحديث الثاني:
(ذات ليلة)، (ذات) مقحمة، أو من إضافة الشَّيء إلى نفْسه كما سبَق مرَّاتٍ.
(الناس) اللام فيه للعهد، أي: الحاضرين في المسجد.
(في صلاة)؛ أي: في ثوابها.
* * *
١٥٧ - بابُ مُكث الإِمَامِ فِي مُصَلاهُ بَعْدَ السلامِ
(باب مُكْث الإمامِ في مُصلَّاهُ)
٨٤٨ - وَقَالَ لنا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي فِي مَكَانِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْفَرِيضَةَ.
وَفَعَلَهُ الْقَاسِمُ.
وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: لَا يتطَوَّعُ الإمَامُ فِي مَكَانِهِ، وَلَمْ يَصِحَّ.
٨٤٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَليدِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ النَّبِي ﷺ كَانَ إِذَا سَلَّمَ يَمْكُثُ فِي مَكَانِهِ يَسِيرًا.
стр. 1731
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَنُرَى -وَاللهُ أَعْلَمُ- لِكَيْ يَنْفُذَ مَنْ يَنْصَرِفُ مِنَ النِّسَاءَ.
(قال لنا آدم) لم يقل حدَّثنا؛ لأنَّه ذكَره له مذاكرةً لا تحميلًا، فهو أحطُّ رتبةً.
(القاسم)؛ أي: القاسم بن محمد بن الصدِّيق، صلَّى النَّفل في موضع صلاته الفَريضة.
(ويذكر عن أبي هريرة) وصلَه أبو داود.
(رفعه) مصدرٌ مضافٌ للفاعل مرفوعٌ نيابةً عن الفاعل في (يُذكر)، ومفعوله جملة: (لا يتطوَّع).
(ولم يصح) هو من قول البُخاريِّ.
(فَنُرَى) بضم النون، أي: نظنُّ أنَّ مُكثَه في مكانه لذلك، وسبق قريبًا.
* * *
٨٥٠ - وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ: أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ كَتَبَ إِلَيْهِ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي هِنْدُ بِنْتُ الحَارِثِ الفِرَاسِيَّةُ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ -وَكَانَتْ مِنْ صَوَاحِبَاتِهَا- قَالَتْ: "كَانَ يُسَلِّمُ فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ، فَيَدْخُلْنَ بُيُوتَهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَنْصَرِفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
(ابن أبي عَتيق) بفتح المُهمَلَة، هو محمد بن عبد الله بن أبي عَتيق محمد بن عبد الرَّحمن بن أبي بكر الصديق ﵃.
(امرأة) هي هِنْد.
(ابن وهب)؛ أي: عبد الله، وغرَض البخاري من هذه الطُّرُق: بيان أنَّ الزُّهري نسب هند إلى بَنِي فِراس في ثلاث رواياتٍ، وإلى قُرَيشٍ في ثلاث روايات، وقال في السَّابعة: امرأةٌ من قُريش، فللَّه دَرُّه، فأما رواية ابن وَهْب فوصلَها النَّسائي، ورواية عثمان بن عمر وصلَها البخاري في (باب انتظار النَّاس قِيامَ الإمام)، ورواية الزُّبَيدي وصلَها الطَّبَراني في "مسند الشَّاميين"، ورواية شُعيب وصلَها الذُّهْلي في "الزُّهريات"، وكذا رواية ابن أبي عَتيق، ورواية اللَّيث.
* * *
١٥٨ - بابُ مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَذَكرَ حَاجَةً فَتَخَطَّاهُمْ
(باب مَنْ صلَّى بالنَّاس فذَكَر حاجةً)
٨٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ العَصْرَ فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا، فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إِلَى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَفَزِعَ النَّاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ، فَخَرَجَ
стр. 1734
عَلَيْهِمْ، فَرَأَى أَنَّهُمْ عَجِبُوا مِنْ سُرْعَتِهِ فَقَالَ: "ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ عِنْدَنَا فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي، فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ".
(تخطى)؛ أي: تَجاوَز، ولا يُقال بالهمز.
(ففزِع) بكسر الزَّاي.
(تبر) هو الذَّهب غير المَضروب.
(يحبسني)؛ أي: يشغَلني عن التوجُّه إلى الله تعالى، أي: شأنه ذلك، فهو تشريعٌ، ويُروى أنَّه كان تِبْر الصَّدَقة.
قال (ط): ففيه أنَّ من حبَس صدقةً للمسلمين يُخاف عليه أن يُحبَس يوم القيامة في المَوقف، وأنَّ للإمام أنْ ينصرف متى شاء قبل انصراف النَّاس، وأنَّ التَّخطِّي لمَا لا غِنَى عنه مباحٌ، وأنَّ مَن وجَب عليه فرضٌ، فالأفضل مبادرتُه إليه.
* * *
١٥٩ - بابُ الانْفِتَالِ وَالانْصِرَافِ عَنِ اليَمِينِ وَالشِّمَالِ
وَكَانَ أَنَسٌ يَنْفَتِلُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ، وَيَعِيبُ عَلَى مَنْ يَتَوَخَّى، أَوْ مَنْ يَعْمِدُ الانْفِتَالَ عَنْ يَمِينِهِ.
(باب الانفتال والانصِرافِ)
(ينفتل)؛ أي: يَنصرفُ، وهو من مقْلوب لَفَت.
стр. 1735
(يتوخى)؛ أي: يقصد، ويتحرَّى.
* * *
٨٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَا يَجْعَلْ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِهِ، يَرَى أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ إلا عَنْ يَمِينِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ كَثِيرًا يَنْصَرِفُ عَنْ يَسَارِهِ.
(يرى) بيانٌ لمَا قبله، وهو الجعل، أو استئنافٌ بيانيٌّ.
(أن لا ينصرف) خبر (أَنَّ)، واستُشكل بأنَّه معرفةٌ، فكيف يكون اسمها نكرةً، وهو معرفةٌ، كما صرَّح به الزَّمَخْشَري وغيره، وأجيب: بأنَّ النكرة المخصوصة كالمعرفة، أو من باب القَلْب، أي: يَرى أنَّ عدم الانصراف حقٌّ عليه، وفي بعضها: (أنْ) مخففةٌ من الثَّقيلة، و (حقًّا) مفعولٌ مطلقٌ لفعلٍ محذوفٍ، أي: حقَّ حقًّا، و (أنْ لا يَنصرف) فاعلُ الفعل المقدَّر، و (أنْ) مصدريةٌ.
ثم لا كراهةَ في الانصراف يمينًا ولا شمالًا، نعَمْ، اليمين أَولى؛ لأنَّه ﷺ كان انصرافه عن اليمين أكثَر، ويُحبُّ التَّيمُّن في شأنه كلِّه، وإنما نَهى ابن مَسعود عن التزامِ الانصراف عن اليمين، واعتقاد أنَّه واجبٌ.
* * *
стр. 1736
١٦٠ - بابُ مَا جَاء فِي الثوم النَّيِّ وَالْبَصَلِ وَالْكراثِ
وَقَوْلِ النَّبِي ﷺ : "مَنْ أكلَ الثُّومَ أَوِ الْبَصَلَ مِنَ الْجُوعِ أَوْ غيْرِهِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجدَناَ".
(باب ما جاءَ في الثُّومِ النِّيئ والبصَلِ والكُرَّاث) النِّيئ: بكسر النُّون، والمدِّ، والهمز، أي: الذي لَم يُطبَخ، والكُرَّاث: بضمِّ الكاف، وشدَّة الراء.
(وقول النبي ﷺ ) كأنَّه إشارةٌ إلى حديث جابر، وهو في "مسلم": نَهى النبيُّ ﷺ أكْل البصَل والكُرَّاث، فغلبَتْنا الحاجة فأكلْنا منها، فقال: "مَنْ أكلَ مِن هذه الشَّجَرة المُنتِنَةِ فلا يَقربَنَّ مَسجدنا" الحديثَ، فالحاجة شاملةٌ للجُوع وغيره.
* * *
٨٥٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي ناَفِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ: "مَنْ أكلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ -يَعْنِي الثُّومَ- فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجدَناَ".
الحديث الأول:
(فلا يغْشَنا)؛ أي: فلا يَجِئْ، وفي بعضها: (يغْشَانا) بألفٍ إجراءً
стр. 1737
للمُعتَلِّ مُجرى الصَّحيح، كقوله:
ولا تَرَضَّاها ولا تَمَلَّقِ
أو هذه الألف من إشباع فتحة (يغشَنا)، أو هو خبرٌ بمعنى النَّهي.
(قلت) هو من قَول عَطاء.
(ما يعني)؛ أي: النبي ﷺ .
(به)؛ أي: بالثُّوم، أَنِيْئًا أم نَضِيْجًا؟
(فقال)؛ أي: جابر.
(أراه)؛ أي: أظنُّه.
(إلا نيئه)؛ أي: حتى لو أكلَه نَضِيْجًا لم يُكره دخولُه المسجد.
(مَخْلد) بفتح الميم، وسُكون المُعجَمة.
(نَتْنَهُ) بفتح النُّونيَن، وسكون الفَوقانيَّة بينهما: الرَّائحة الكَريهة.
* * *
٨٥٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبو عَاصمٍ، قَالَ: أَخْبَرَناَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَني عَطَاءٌ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ أكلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ -يُرِيدُ الثُّومَ- فَلَا يَغشَاناَ فِي مَسَاجِدِناَ"، قُلْتُ: مَا يَعْنِي بِهِ؟ قَالَ: مَا أُرَاهُ يَعْنِي إِلَّا نِيئَهُ.
وَقَالَ مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ: عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ إِلَّا نتنَهُ.
стр. 1738
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ: عَنِ ابْنِ وَهْبٍ: أُتِيَ بِبَدْرٍ، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: يَعْنِي طَبقًا فِيهِ خَضِرَاتٌ. وَلَمْ يَذْكُرِ اللَّيْثُ، وَأَبُو صفْوَانَ، عَنْ يُونسُ قِصَّةَ الْقِدْرِ، فَلَا أَدْرِي هُوَ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ أَوْ فِي الْحَدِيثِ.
الحديث الثاني:
(الشجرة) سمى الثُّوم بذلك، والشَّجَر ما كان على ساقٍ، وما لا ساقَ له يسمى نَجْمًا؛ لأنَّ اسم كلٍّ منهما قد يُطلق على الآخَر.
قال (خ): في الحديث أنَّ مثل هذا الذي لا أغصانَ له، بل ينبسِط على الأرض يسمى شجرًا، وإنْ كان العامة لا يُطلِقون إلا لمَا له ساقٌ، لكن العرب تُطلق على كلِّ ما له أَرُومة في الأرض يخلُف ما قُطع من ظاهره: شجَرٌ، وإلا فنجْمٌ، قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦].
قال (ن): قيل: يختصُّ النهي بمسجد النبيِّ ﷺ لقوله: (مَسجِدنا)، والجمهور على أنه لكلِّ مسجدٍ، لرواية: (فلا يَقرَبَنَّ المَساجِد)، وحُكي عن بعض الظَّاهرية تحريم أكْل الثُّوم ونحوه، لأنَّه يَمنع من الجماعة، وهي عندهم فرض عين، وإجماعُ من يُعتدُّ به على خلافه.
قال: ويُلحق بالثُّوم كل ذي رِيْح كريهةٍ، وأَلحق بعضهم من بفِيْهِ بَخَرٌ، أو لجُرحه رائحةٌ، وقاس العلماء مصلَّى العيد ونحوه من مَجامع
стр. 1739
العبادات من عِلْمٍ أو ذكرٍ على المسجد، وفيه المنع من المسجد وإنْ كان خاليًا؛ لأنَّه محلُّ الملائكة.
* * *
٨٥٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: زَعَمَ عَطَاءٌ: أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ زَعَمَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أكلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا -أَوْ قَالَ- فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجدَناَ، وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ"، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ، فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا، فَسَأَلَ فَأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْبقولِ، فَقَالَ: "قَرِّبُوهَا" إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ كَانَ مَعَهُ، فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أكلَهَا قَالَ: "كُلْ فَإِنِّي أنُاَجِي مَنْ لَا تُنَاجِي".
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالح بَعْدَ حَدِيثِ يُونسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: وَهْوَ يثبِتُ قَوْلَ يُونسُ.
الثَّالث:
(زعم) المُراد هنا القَول المُحقَّق المختار، قال (خ): لأنه مختلَفٌ فيه، والزَّعْم يُعبَّر به فيما يُرتاب فيه، أو يختلف فيه.
(بِقِدْرٍ) بقافٍ مكسورةٍ، وقال في "المَطالِع": صوابه: (ببَدْرٍ) بموحَّدة، أي: طبَقٍ شُبِّه بالقمر في استدارته ممتلئ نورًا، وكذا قال (خ)، قال: ولعلَّ القِدْر تصحيفٌ.
стр. 1740
قال (ش): وقد رواه البخاري في (كتاب الأحكام): ببدرٍ، بالموحَّدة، وأن رواية ابن وهب، قال: يعني طبقًا، وكذا رواه أبو داود.
قلت: وسيأتي في الباب تعليقًا، وتبين وصلُه، وعلى هذا فلا إشكال؛ لأنَّ الطَّبق يُشعر بأنها نِيْئة بخلاف القِدْر، إلا أن يُؤوَّل بأن الرائحة لم تَمُت منها وكأنها نِيْئة.
(خَضِرات) بفتح الخاء، وكسر الضَّاد المُعجَمتين، وقيل: بضمِّ الخاء، وفتح الضَّاد، جمع خَضرة، ويجوز في مثله مع الفتح في الضَّاد ضمُّها وسكونها.
(قربوها)؛ أي: القِدْر، أو الخَضراوات، أو البُقول.
(لبعض أصحابه) روايةٌ بالمعنى، وإلا لقال: بعض أصحابي، فلعلَّه قال: لفلانٍ، وفلانٍ، من بعض أصحابه، أو أنَّ فيه محذوفًا، أي: مشيرًا، أو أشار إلى بعض أصحابه.
(من لا تناجي)؛ أي: الملَك، ففيه أنَّ الملائكة تتأذَّى مما يتأذَّى منه بنو آدم.
قلتُ: وفيه أنَّ الملائكة أفضلُ من بني آدم، وهو ظاهر الفَساد، وأن النَّهي للتنْزيه لا للتحريم؛ لأنه قال له: (كُلْ).
(وقال أحمد بن صالح) وصلَه البخاري في (الاعتصام).
(ولم يذكر) قال (ك): لعلَّه قول أحمد، وكذا: فلا أدري، ويحتمل أنَّه قول ابن وهب، أو البخاري أو سعيد تعليقًا.
стр. 1741
ورواية أبي صالح وهو عبد الله بن سَعيد وصلَها البخاري في (الاعتصام) أيضًا.
(قول الزُّهري: أو في الحديث)؛ أي: لا أدري هل نقلَه الزُّهري مرسلًا عن النبي ﷺ ، ولهذا لم يَروه اللَّيث، وأبو صَفْوان، أو مسندًا كباقي الحديث.
* * *
٨٥٦ - حَدَّثَنَا أبو مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: سَألَ رَجُلٌ أَنَسًا: مَا سَمِعْتَ نبَيَّ اللهِ ﷺ فِي الثُّومِ؟ فَقَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ أكل مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلَا يَقْرَبْنَا، أَوْ لَا يُصَلِّيَنَّ مَعَنَا".
الحديث الرابع:
(سمعت) بفتح التَّاء.
قال (ك): وفي تحريم الثُّوم ونحوه على النبي ﷺ خلافٌ، فظاهر الحديث المنع.
* * *
١٦١ - بابُ وضوء الصِّبْيَانِ، وَمَتَى يَجِبُ عَلَيْهِمُ الْغَسلُ وَالطُّهُورُ؟ وَحُضُورِهِم الْجَمَاعَةَ وَالْعِيدَيْنِ وَالْجَنَائِزَ، وَصُفُوفهِمْ .
стр. 1742
(باب وُضُوءَ الصِّبيان) إلى آخره.
(وحضورِهم) بالجرِّ عطفٌ على: (وضوءِ)، وكذا: (وصفوفهم).
* * *
٨٥٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنِي غندرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ، قَالَ: أَخْبَرني مَنْ مَرَّ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى قَبْرٍ مَنْبُوذٍ، فَأمَّهُمْ وَصَفُّوا عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَمْرٍو! مَنْ حَدَّثَكَ؟ فَقَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ.
الحديث الأول:
(قبرٍ منبوذٍ) بمعجمةٍ، إما بإضافة (قبرٍ) إليه، أي: قبرِ لَقِيْطٍ، أو بوصف القبر بمنبوذٍ، أي: في ناحيةٍ عن القُبور.
(عليه)؛ أي: على القبر، أي: هذه في الصَّلاة عليه، ففيه الصَّلاة على الميت بعد دفْنه، وعلى الإضافة أنَّ اللَّقيط في دار الإسلام له حكم المسلمين في الصَّلاة عليه وغير ذلك.
(يا أبا عمرو) هو كُنية الشَّعبي.
ووجْهُ مطابقة الحديث للتَّرجمة: أنَّ ابن عباس كان صغيرًا وحضَر الجماعة، وحين توفي النبي ﷺ كان ابن ثلاث عشرة سنة.
* * *
كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ".
٨٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَالِك، عَنْ يَحْيَى ابْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَوْ أَدْرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ. قُلتُ: لِعَمْرَةَ أوَ مُنِعْنَ؟ قَالَتْ: نعمْ.
الخامس:
سبق شرحه في (باب: من أخف الصَّلاة)، وأن معنى (فأتجوز) أُخفِّف.
(كراهة) فى بعضها: (مَخافةَ).
(أحدث)؛ أي: من قِلَّة المبالاة بما يجب من الحياء ونحوه، وإنما قالت عائشة ذلك، وما تضمَّنه من الملازَمة والهمِّ بالمنع، وهو من أحكام الله تعالى بما شاهدَتْ من القواعد الدِّينية المقتضِية لحسْم موادِّ الفساد.
(أوَ مُنعن) بهمزة الاستفهام، وواو العطف، وبناء الفعل للمفعول، والضمير لنساء بني إسرائيل.
قال التَّيْمِي: فيه أنَّ النِّساء لا يخرجن إذا حدَث الفساد.
قال أبو حنيفة: أكره للنِّساء شُهود الجمُعة، وأرخِّص للعجوز أن تشهد العِشاء والفجْر، وأما غيرها من الصَّلوات فلا، وقال أبو يوسف: لا بأسَ أن تخرج العجائز في الكلِّ، وأكرهه للشَّابَّة، وقال الثَّوري: ليس للمرأة خُروجٌ من بيتها وإن كانتْ عجوزًا، وقال ابن
стр. 1751
مسعود: المرأة عورةٌ، وأقرب ما تكون إلى الله في قَعْر بيتها.
* * *
١٦٤ - بابُ صَلاةِ النِّساءِ خَلْفَ الرِّجالِ
(باب صلاةِ النِّساء خلْف الرِّجال)
٨٧٠ - حَدَّثَنا يَحْيَى بنُ قَزَعَةَ قَالَ: حَدَّثَنا إِبْرَاهيمُ بنُ سَعْدٍ، عنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدَ بِنتِ الحَارِثِ، عن أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا سَلَّم قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ، وَيَمْكُثُ هُوَ فِي مَقَامِهِ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ، قَالَ: نَرَى -وَاللهُ أَعْلَمُ- أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِكَي يَنْصَرِفَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ مِنَ الرِّجَالِ.
٨٧١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِسْحَاقَ، عَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ، فَقُمْتُ وَيتيِمٌ خَلْفَهُ، وَأُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا.
فيه حديثان سبق أحدُهما في (باب التَّسليم).
(قال: نرى ...) إلى آخره، أي: قال الزُّهري، فهو إدراجٌ.
والثَّاني (١) في (باب: الصَّلاة على الحصير).
стр. 1752
(ويتيم) عطفٌ على الضَّمير المرفوع بلا تأكيدٍ، وهو مذهب الكوفيين، أما البصريين فيُوجبون في مثله النصب مفعولًا معه، وسبق أن اليتيم ضُمَيرة.
* * *
١٦٥ - بابُ سُرْعَة انصِرَاف النِّسَاءِ مِنَ الصُّبْحِ وَقِلَّةِ مَقَامِهِنَّ فِي الْمَسْجِدِ
(باب سُرعةِ انصِراف النِّساء)
(مقامهن) بفتح الميم، أي: قيامهنَّ.
٨٧٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسم، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ بِغَلَسٍ فَيَنْصَرِفْنَ نِسَاءُ الْمُؤْمِنِينَ، لَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ، أَوْ لَا يَعْرِفُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا.
(فينصرفن نساء) هو على لُغة: أكلوني البَرَاغِيْث، أو مؤَوَّلٌ على أنَّ (نساء) بدلٌ من ضمير النِّسوة.
(المؤمنين) في بعضها: (المؤمنات)، إما على تأويله بنِساء الأنفُس المؤمنات، أو الإضافة بيانيةٌ نحو: شجَر الأَراك، أو المراد:
стр. 1753
بنساءٍ فاضلاتٍ كما سبق.
وفيه وجوب قطع الذرائع الدَّاعية للفِتنة، وسبب إخلاص الفكر لاشتغال النفس بما جُبلت عليه من أُمور النِّساء.
* * *
١٦٦ - بابُ اسْتِئْذَانِ الْمَرْأَةِ زوجَهَا بِالْخُرُوجِ إِلى المَسْجِدِ
(باب استِئذان المرأة زوجَها)
٨٧٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِم بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "إِذَا اسْتَأذَنَتِ امْرأةُ أَحَدِكُمْ فَلَا يَمْنَعْهَا".
(فلا يمنعها) بالجزم والرفع.
ووجه دلالة الحديث على التَّرجمة، وهي مقيَّدةٌ بالخُروج للمسجد أنَّ المعنى في الحديث التقييد كما في الحديث السابق قريبًا، أو أنه إذا جازَ على الإطلاق فإلى موضع العِبادة أَولى، قالوا: وفي معناه العيد، وعيادة المَرضَى، ونحو ذلك.
* * *
стр. 1754
١١ - كتاب الجمعة
стр. 1755
١١ - كتاب الجمعة
(كتاب الجمعة)
بسكون الميم، أي: اليوم المجموع فيه؛ لأن فُعْلةٌ بالسُّكون للمفعول كهُزْءة، وبضمِّ الميم تثقيلًا كعُشُر في عُشْر، وبفتحها بمعنى فاعل، أي: اليوم الجامع، فهو كهمَزَة على هذا، فتاؤُه للمبالغة لا للتَّأنيث، وإلا لَمَا وُصِف به: يوم، قال في "الكَشَّاف": وقُريء بهنَّ جميعًا.
١ - بابُ فَرْضِ الْجُمُعَةِ
لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
٨٧٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ شُعَيْب، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو الزِّناَدِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّهُ سَمعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "نَحْنُ الآخِرُونَ