← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18103

اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح

شمس الدين البرماوي

Полный текст (8 898 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

والعِقاب يُنال بأيِّ شيءٍ تُرك منه، وأما عُموم (مَن أصابَ) لمَا سبَق من الشِّرك وغيرِه؛ فمخصوصٌ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]، وبالإجماع، أو أن ذلك إشارةٌ إلى غير الشِّرك، فإنَّ العُقوبة لا تسقُط عنه في الآخِرة، ولو قُتل في الدُّنيا، ولا يقبل العفْو بدليل ما سبَق. ووجْه تخصيص الإشارة بغيره: أنَّ قَرينة (فسَتَره) تدلُّ عليه؛ لأنَّ الكُفر عمَلٌ قلبيٌّ مُقابلٌ للإيمان، وهو التَّصديق القَلْبي، فتعيَّن أنْ يكون هذا في الفِعْل الذي يُمكن إخفاؤُه وإظهاره. وقال الطِّيْبِي: قالوا: المراد منه المؤمنون خاصةً؛ لعطْفه على (فمَن وَفَى)، وهو خاصٌّ بهم لقوله: (منكم)، والتَّقدير في الثاني: ومَن أصابَ منكم أيُّها المؤمنون مِن ذلك شيئًا، فعُوقب في الدُّنيا -أي: أُقيمَ عليه الحدُّ- لا يُعاقب عليه في الآخِرة، وبأَنَّ الفاء في قوله: (فمَن) الثانية لترتيب ما بعدَها على ما قبلَها، والضمير في (منكم) للعِصابة المَعهودة، فكيف يخصَّص الشِّرك بالغير؟ فالصَّحيح أنَّ المراد بالشِّرك الرِّياء؛ لأنَّه الشِّركُ الخفِيِّ، قال تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، ويدلُّ عليه تنكير (شيئًا)؛ أي: شركًا أيًّا ما كان. قال (ك): عُرْفُ الشَّرعِ يقتضي أنَّ لفْظ (الشِّرك) عند الإطلاق يُطلق على مقابل التوحيد سيَّما في أوائل البِعْثة، وكثْرة عبَدة الأصنام. (فَهُوَ كفَّارَةٌ)؛ أي: فالعِقاب، أي: الحدُّ كفارةٌ له، يُسقِط عنه

стр. 212

الإثم حتى لا يُعاقبه في الآخِرة، وقد ذهَب أكثَر الفُقهاء إلى أنَّ الحُدود كفَّارات؛ لظاهر هذا الحديث، ومنهم من توقَّف لحديث أبي هريرة: أنَّه ﷺ قال: "لا أَدْرِي الحُدودُ كَفَّارةٌ أَم لا". والجواب: يحتمِل أنَّ ذلك قبْل حديث عُبادة، لم يكُن عَلِم، ثم عَلِم، قاله (ن) في "شرح مسلم". (إِلَى اللَّهِ)؛ أي: فمُفوَّضٌ إلى الله، إنْ شاء عفا عنه، وأدخله الجنة، وإنْ شاء عاقبَه، ثم أدخلَه النار. وفي ذلك رَدٌّ على المعتزلة في قولهم: إنَّ صاحب الكبيرة إذا ماتَ بغير توبةٍ لا يُعفَى عنه، وأنَّه إذا تاب يجب أنْ يُعفَى عنه. قال الطِّيْبِي: وفيه إشارةٌ أيضًا إلى أنَّه لا يجوز الشَّهادة بالجنة أو بالنار إلا بنصٍّ كالشَّهادة بالجنة للعشَرة ولغيرهم. واعلم أنَّ مُطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ؛ فإنَّ فيه التَّنبيه على المعنى المستحَقِّ به هذه المَنْزلة، وهو السَّبْق للإسلام، ولأوَّل مبايعةِ فيه. * * * ١٢ - بابٌ مِنَ الدِّينِ الْفِرَارُ مِنَ الْفِتَنِ (باب من الدين الفرار من الفتن) تعبيره بقوله: (الدِّين) مع أنَّ الكتاب معقودٌ للإيمان يُشعر بأنَّ معناهما واحدٌ.

стр. 213

قال الطِّيْبِي: كذا اصطَلحوا على ترادُف الإيمان والإسلام والدِّين، ولا مُشاحَّةَ في الاصطلاح. وفي إسناد حديث الباب لطيفةٌ، وهي: أنَّهم كلَّهم مَدَنيُّون. * * * ١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أنَّه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِم غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْحِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينهِ مِنَ الْفِتَنِ". (د ت ق). (يُوشِكُ) بضم أوَّله وكسر المعجَمة، وفتحُها لُغةٌ رديَّةٌ، وماضيه: أَوشَكَ، ويجوز في خبره (أنْ) وتَركها، ويُقال أيضًا: أَوشَك أنْ يجيءَ زيدٌ. (يَتْبَعُ) بياءٍ مفتوحةٍ ومُثنَّاةٍ مشدَّدةٍ، وجاء تسكينُها. قال ابن مالك: يجوز في كلٍّ من: (خير) و (غنَم) أنْ يكون اسمَ (كان) وخبرَها، ويجوز رفعُهما على الابتداء والخبر، أي: ويكون اسمُ (كان) ضميرَ الشَّأْن. وقال (ك): نصبُ (خير) هو الأكثر، ولا يضرُّ كون (غنَم) نكرةً، فإنَّه موصوفٌ بجملةِ (يَتبَعُ). (شَعَفَ) بمعجمةٍ، ثم مهملةٍ مفتوحتَين: رُؤوس الجِبال وأَعاليها،

стр. 214

واحدُه: شَعَفَة، كأَكَمَة وأَكَم، ويُروى: (شَعَاف)، كآكام، قالَه ابن السِّيْد، ويُروى: (شُعَبَ) بضم أوَّله، ومُوحَّدةٍ في آخره، جمع: شُعبة، وهي: طرَف الجبَل، وفي بعض النُّسَخ: (يَتبَعُ بها) بزيادة (بها)، والضمير للغنَم. (وَمَوَاقعَ الْقَطْرِ)؛ يعني: الأَودية، والصَّحارى. وذكر الغنَم لمَا فيها من السَّكينة والبَركة، وقد رعاها الأَنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولأنَّهَا سَهْلة الانقِياد، وخَفيفة المؤونة، كثيرة النَّفع. وذكر هذه المواضع؛ لما فيها من الخَلْوة؛ لأنَّها أسلَم غالبًا من الكَدَر. (يَفِرُّ بِدِينِهِ)؛ أي: يكون ذلك لسَلامة الدِّين لا لأمرٍ دُنيويٍّ؛ لكثْرة العلَف، وقلَّة أطماع الناس فيه، ونحو ذلك. فلما كان فيه الجمْع بين الرِّفق والرِّبح، وصِيانة الدِّين كان خيرَ الأموال التي يعتني بها المسلم. وجملة (يَفِرُّ بدِينه) حالٌ إما مِن ضمير (يَتبَع)، أو من (المسلم)، وجاز مِن المضاف إليه تَنْزيلًا للمُضاف، وهو (مالِ)، بمنزلة جزئه، على حَدِّ قوله تعالى: (مِلَّةَ إبرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥]. وفي الحديث: إخباره ﷺ بهذا، وقد وَقَع، فهو من المُعجِزات، ومدْح العُزلة عند الفتْنة، وخَوفِ الوُقوع في المعصية من المُخالطة إلا أنْ يكون له قُدرةٌ على إزالة الفِتْنة، فيجب عَيْنًا أو كفايةً إزالتُها، وإنما

стр. 215

هذا عند عدَم ذلك، وربَّما كانت الخلْطة مطلوبةً شرعًا كالجمُعة، والجَماعات، والاجتِماع في وُقوف عرَفات، ونحو ذلك؛ ولهذا لا يُنقَل اللَّقيط من بلَدٍ إلى باديةٍ، أو قريةٍ بخلاف العَكْس فيهما، بل مذهب الشافعي والأكثَرين في هذه الحالة أنَّ الخلْطة أفضَل، واكتِساب الفَوائد، وشُهود شعائر الإسلام، وتكثير سَواد المسلمين، وإِيصال الخير لهم بعِيادة المرضَى، وتَشييع الجنائز، وإفْشاء السلام، والأَمر بالمعروف، والتعاوُن على البرِّ والتقوى، وإعانة المُحتاج وغير ذلك. وقيل: العُزْلة أفضَل؛ لما فيه من السَّلامة المُحقَّقة لكنْ يُشترط توفير ما يَلزمه من العبادات. قال (ن): المُختار تفضيل الخِلْطة لمن لا يَغلب على ظنِّه الوُقوع في معصيةٍ. قال (ك): المُختار في عَهْدنا تفضيل الانعِزال، فيندُر خلوُّ المَحافِل عن المعاصي. واعلم أنَّ (ن) قال: إنَّ في مُطابقة الحديث للترجمة نظَرًا؛ لأنَّ الحديث في صِيانة الدِّين، والترجمة كون ذلك مِن الدِّين. وأجاب (ك) بأنَّ (مِن) في قوله: (مِن الدِّين) ابتدائيةٌ، أي: الفِرار من الفِتن مَنشؤه الدِّين، والحديث يدلُّ عليه؛ لأن الباء للسَّببيَّة، ثم التقرير ظاهرٌ. * * *

стр. 216

١٣ - بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللهِ"، وَأَنَّ الْمَعْرِفَةَ فِعْلُ الْقَلْبِ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] (باب: قول النبي ﷺ ، إضافة (باب) هنا متعيِّنةٌ. (أَناَ أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ) هو مَقول القَول. (وَأَنَّ) -بفتح الهمزة- عطْفًا على (قوله)، لا على الجُملة المَقولة، وإلا لكُسرتْ، وهو خلاف الرِّواية والدِّراية. (الْمَعْرِفَةَ فِعْلُ القَلْب)، فيه أنَّ مَحلَّ العِلْم الحادِث القَلْب، وهو ما دلَّ عليه السَّمع، وإنْ جاز عند أهل السنَّة أنْ يخلُقه الله تعالى في أيِّ جوهرٍ أراد، كما قال تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦]، وغير ذلك. (﴿كسَبَت﴾)؛ أي: عزَمتْ قُلوبكم؛ إذ كسب القَلْب عزْمه. ففيه حينئذٍ أنَّ المُؤاخذة بما يستقرُّ من فِعْل القَلْب، فيُحمل حديث: "إِنَّ الله تَجاوَزَ عن أُمَّتي ما حدَّثَتْ به أنفُسَها ما لم يَتكلَّموا أو يَعمَلُوا بهِ" على ما لم يَستقرَّ. ووجه تعلُّق هذه الترجمة بـ (كتاب الإيمان): أنَّ المعرفة بالله التَّصديق به، والإيمان إما التَّصديق، أو التصديق والعمَل، فالمقصود: أنَّه ﷺ أشدُّ إيمانًا منهم، وأنَّ الإيمان هو أو بعضُه فِعْلُ القَلْب ردًّا على الكَرَّاميَّة في قولهم: إنَّ الإيمان قولٌ باللِّسان، ولا يُشترط عقْد القَلْب.

стр. 217

وقيل: أراد البخاريُّ بهذا بَيانَ تفاوُت الدَّرجات في العِلْم (١)، وأنَّ بعض الناس يكون فيه أفْضل من بعضٍ، ولسيِّدنا رسول الله ﷺ أَعلاها، وإنْ كان من العَقائد وأعمال القُلوب. * * * ٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَناَ عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمَرَهُمْ أَمَرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ، قَالُوا: إِنَّا لَسْنَا كهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تأخَّرَ، فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: "إِنَّ أتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا". (خ). (ابْنُ سَلَامٍ) مخفَّف اللام على المشهور حتى قيل: التَّشديد لَحْنٌ. (إِذَا أَمَرَهُمْ)؛ أي: أمرَ النَّاسَ. (بِمَا يُطِيقُونَ)؛ أي: يُطيقون الدَّوام عليه كما دلَّ عليه السِّياق. والسِّر في ذلك أنَّ الكثْرة تُؤدِّي إلى القَطْع كما قال: "المُنبَتُّ لا أَرضًا قَطَعَ، ولا ظَهْرًا أَبْقَى"، فخير العمَل ما دام وإنْ قلَّ، ويصير مَن يقطَع في صورةِ ناقضِ العَهْد، واللائق بطالب الآخرة الترقِّي، فإنْ لم يكنُ؛ فالبَقاء على حاله. وأيضًا فمعتاد ما يَدوم يدخُل بنشاطٍ وانشراحِ، ولا يَلحقُه ملَلٌ

стр. 218

كما في حديث: "فإِنَّ الله لا يَمَلُّ حتى تملُّوا"؛ أي: لا يترُك ثوابَه حتى تقطَعوا عِبادتَه. (كَهَيْئَتِكَ)؛ أي: كحالتِك، فلا بُدَّ من تأْويلٍ في أَحد طرَفي المُشبَّه والمشبَّه به، أي: ليستْ هيئتُنا كهيئتك، أو لسْنا كمِثْلك، أي: كذاتِك، أو كنفْسك، وزِيْدَ لفْظ: الهيئة للتأْكيد نحو: مِثْلُك لا يَبخَل. واعلم أنَّ مُرادهم بهذا الكلام طلَب الإِذْن في الزِّيادة من العِبادة، والرَّغْبة في الخير، كأنَّهم يقولون: أنْتَ مَغفور لك، لا تحتاج إلى عملٍ، ومع ذلك أنْت مُواظِبٌ على الأَعمال، فكيف بنا وذُنوبنا كثيرةٌ؟ فردَّ عليهم، وقال: أَنا أَولى بالعمَل؛ لأَنِّي أَعلَمُكم، وأَخشاكُم لله. (قَدْ غَفَرَ اللَّهَ لَكَ)؛ أي: لقوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]. ومعنى الغُفران له مع أنَّه معصومٌ: قال (ك): أي: للذَّنْب الذي قبْل النُّبوَّة المتقدِّم بعضُه على بعضٍ، أو تَرْك الأَولى، أو نسَب إليه ذَنْبَ قَومه. قلتُ: كلُّ هذه ضعيفةٌ، والصَّواب: أنَّ معنى الغُفران للأنبياء الإِحالة بين الأنبياء وبين الذُّنوب، فلا يصدُر منهم ذنبٌ؛ لأنَّ الغَفْر هو السَّتْر، فالسَّتْر إما بين العبْد والذَّنْب، وإما بين الذَّنْب وبين عُقوبته، فاللائق بالأنْبياء القسم الأول، واللائق بالأُمَم الثاني. (فغضب)، وفي بعضها: (فيَغضبُ) بالمضارع بمعنى الماضي؛

стр. 219

لأنَّه حكايةٌ عن الحال الواقعة. (حَتَّى يُعْرَفَ) بالنصب، ويجوز فيه الرفع. (ثُمَّ يَقُولُ) بالنَّصب والرفع أيضًا، فإنْ قُدِّر عطْفه على (فغَضِبَ) تعيَّن الرفع. (إِنَّ أتقَاكُمْ) إشارةٌ إلى كمال القُوَّة العمَلية. (وَأَعْلَمَكُمْ) إشارةٌ إلى كمال القُوَّة العِلْمية. والتَّقوى ثلاث مَراتب: وِقاية النَّفْس عن الكُفر، وهو للعُموم، وعن المعاصي، وهو للخاصَّة، وعمَّا سِوى الله، وهو لخواصِّ الخاصَّة. والعلم بالله: إما بصِفاته، وهو المسمى بأُصول الدين، وإما بأَحكامه، وهو فُروع الدين، وإما بكلامه، وهو عِلْم القرآن وما يتعلَّق به، وإما بأَفْعاله، وهو العِلْم بحقائق أشياء العالم. ولمَّا جمع ﷺ أنواعَ التقوى وأقسامَ العُلوم كان أتقى وأَعلَم على الإطْلاق. وهذا كما يقولون البَيانيُّون: إنَّ حذْف المتعلَّق يُفيد العُموم، فرسول الله ﷺ جمَع كمالَ العِلْم، وكمالَ العمَل. فإنْ قيل: ما وَجْه تعلُّق الحديث بالجُزء الثاني من الترجمة، وهو كون المعرفة فعل القَلْب؟ قيل: قال (ك): يمكن أنْ يُوجَّه وإنْ كان احتمالًا بعيدًا بأنَّه يدلُّ عليه بحسَب السِّياق، فيتجاذب طرَفا الكلامَين، لكنْ لمَّا أَرادوا أن

стр. 220

يَزيدوا أعمالهم على عمَله؛ قال: لا يَتهيَّأ لكم؛ لأني أعلمُكم، والعِلْم من جملة الأفعال بل مِن أَشرفها؛ لأنَّه عمل القَلْب، وأنْ يُقال: غرَضه أن يتبيَّن الشِّقُّ الأول بالحديث، والثاني بالقرآن، انتهى. ثم قال: قاعدة البُخاري فيما يُترجمه كثيرًا ولا يَذكُر لذلك حديثًا: أنَّه ذكَر تراجِم ليذكُر فيها أحاديث، فكان يذكُر شيئًا فشيئًا، فمات قبل أنْ يذكُر الكلَّ. وقيل: قصد بذلك أنَّه لم يثبُت عنده حديثٌ يدلُّ عليه بشَرْطه، فيحتمل أنْ تكون هذه الترجمة منها. قال (ن): في الحديث: أنَّ الأَولى في العبادة القَصْد، ومُلازَمة ما يمكن الدَّوام عليه، وأنَّ الصالح لا يَنبغي له أن يَترك الاجتهاد اعتمادًا على صلاحه، وأنَّه يذكُر فضْلَه إذا دعت الحاجة لذِكْره، لكنْ يَنبغي أن يحرص على كتمانها خوفًا من إشاعتها زوالُها، وجوازُ الغضَب عند ردِّ أمر الشارع، فإنَّ الصحابة كانوا في الغاية من الرَّغبة في طاعة الله تعالى، والازدياد من أَنواع الخير. * * * ١٤ - بابٌ مَنْ كَرِهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ مِنَ الإِيمَانِ (باب: من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار) يجوز تنوين (باب)، وإضافته إلى ما بعده، والسكون كالوقف،

стр. 221

وعلى التقادير: (من) مبتدأ على حذف مضاف، أي: كراهة من كره، والخبر محذوفٌ دلَّ عليه السِّياق، أي: مِن الإيمان، ومعنى (يَعود): يَصير، وضُمِّن معنى الاستِقرار حتى عُدِّي بـ (في) كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [إبراهيم: ١٣]. * * * ٢١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قتادَةَ، عَنْ أَنسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإيمَانِ؛ مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ". (م س). (ثَلَاثٌ)؛ أي: خصالٌ ثلاثٌ، أو ثلاثُ خصالٍ، وهو مبتدأٌ، وخبره إما الجُملة، ويكون: (مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ) بدلًا من المبتدأ، وإما أَنْ تكون الشَّرطية صفةٌ، والخبَر هو: (مَنْ كانَ)، لكنْ لا بُدَّ على التَّقديرين من تقدير محذوفٍ، أي: محبَّةُ مَن كان الله ورسوله أحبَّ، وكراهةُ مَن كَرِهَ، وذلك المَحذوف دلَّ عليه سِياق الجُملة. وقد سَبَق الحديث قَريبًا، وشَرْحه إلا أنَّ السابق رواتُه إلى أنس غير رُواته هنا، وهو بلفْظ المضارع في: (يكون)، و (يُحبُّ)، وهنا بلفْظ الماضي، وكذا هناك بلفظ: (يَكره)، وهنا: (كَرِه)، إلا في

стр. 222

نُسخةٍ فإنَّ فيها هنا: (يكره)، وهناك: (يُحبَّ المَرءَ)، وهنا: (عَبْدًا)، وهنا زيادة: (بعدَ أَنْ أَنقذَهُ اللهُ منهُ)، وهنا: (يُلقى)، وهناك: (يُقذَف)، وأيضًا فهناك بيان أنَّ للإيمان حلاوةً، وهنا بيان أنَّ كراهة العَود في الكُفر من الإيمان، وبينهما فرقٌ. * * * ١٥ - بابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِي الأَعْمَالِ (باب: تفاضل أهل الإيمان في الأعمال) (في) متعلِّقةٌ بـ (تفاضُل)، أو الجارُّ والمجرور صفةٌ له، فيتعلَّق بمحذوفٍ، أي: الحاصِل أو نحوه، وهي للسَّببيَّة على حَدِّ قوله ﷺ : "في النَّفْس المُؤمنةِ مئةٌ من الإبِلِ". قال (ك): ويحتمل أنْ يُرفع (تفاضُل) على الابتداء، وفي الأعمال الخبَر، وباب مضافٌ إلى الجُملة. قلتُ: أي: على تقدير محذوفٍ، أي: بَيان ونحو ذلك؛ لأنَّ (باب) لا يُضاف للجُمل، فلا بُعدَ. فإنْ قيل: الحديث يدلُّ على تفاضُلهم في ثَواب العمَل لا في نفس العمَل من حيث إنَّ بعض المؤمنين يدخُل الجنة أولًا، وبعضهم يتأَخَّر دُخوله؟ فالجواب: إما لأن التفاوُت في الثَّواب بحسَب التفاوُت في

стр. 223

العمَل؛ لأن حبَّة الخَرْدل من الإيمان المراد بها أقلُّه الذي لا يُمكن أقلُّ منه، وما بعدَه إما زيادةٌ فيه، أو باعتبار العمَل إذا قُلنا: الإيمان التصديق والعمَل، وإما أنَّ تفاوُت الثواب يَستلزم تفاوُت العمَل شرعًا، وإما أنَّ المراد بقوله: (في الأَعمَال): في ثَواب الأَعمال، فحَذَف المضاف، أو عَبَّر بالسَّبب عن المُسبَّب. * * * ٢٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا قَدِ اسْوَدُّوا، فَيُلْقَوْنَ فِي نهرِ الْحَيَا -أَوِ الْحَيَاةِ، شَكَّ مَالِكٌ- فَينبُتُونَ كَمَا تنبُتُ الْحِبَّةُ فِي جَانِبِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيةً". قَالَ وُهَيْبٌ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو: "الْحَيَاةِ"، وَقَالَ: "خَرْدلٍ مِنْ خَيْرٍ". الحديث الأول (م): سنَده مَدَنيُّون. (أَخْرِجُوا) بقطع الهمزة، فالخِطاب للمَلائكة، وجوَّز (ك) أنْ تكون من الخُروج، أي: ثُلاثيًّا، فالخِطاب لمن يُؤدي بما بعدَه، أي: يا مَنْ كان في قلْبه.

стр. 224

(من النار) كذا في بعض النُّسَخ، ولا يُوجَد في الكثير. (مِثْقَالُ) مِفْعالٌ مِن الثِّقَل، أي: مِقْدار، وربَّما يُراد به في غير هذا الموضع العظيم الثِّقَل، وأما المِثْقال مِن الذَّهب مثَلًا، فقَدْر مُعيَّنٌ، وهو اثنان وسبْعون شعيرةً. (حَبَّةٍ) -بفتح الحاء-: واحد الحَبِّ مِن الحنْطة ونحوها. (من خردل) صفةٌ لـ (حبَّة)، أي: حاصلةٍ أو كائنةٍ مِن خَرْدَل، وهو نباتٌ معروفٌ يُشبَّه به البالِغ في القِلَّة. والمراد: القَدْر الذي لا يكُون مُؤمِنًا بأقلَّ منه كما سبَق. (من إيمان) صفةٌ لـ (مِثْقال)، أي: كائنٍ من إيمانٍ، وإنما نكَّره تنبيهًا على أنَّ أقلَّ ما يكون به مُؤمنًا ذلك، فالقِلَّة باعتبار انتِفاء الزِّيادة على ما يكفِي، لا لأنَّ الإيمان ببعْضِ ما يجبُ الإيمانُ به كافٍ. قال (خ): إنَّه مثَلٌ، فيكون عِيَارًا في المعرفة لا في الوَزْن حقيقة؛ لأنَّ الإيمان ليس بجسمٍ فيُوزَنَ، ولكنْ ما يُشكل من المَعقول قد يُردُّ إلى المَحسوس ليُفهم، ويُشبَّه به ليُعلَم. قال (ن): قال العُلماء: المراد بحبَّة الخَرْدَل زيادةً على أصل التوحيد، ففي روايةٍ في "الصحيح": (أَخرِجُوا مَنْ قالَ: لا إِلَهَ إِلا الله، وعَمِلَ مِن خَيْرٍ ما يَزِنُ كَذا). ثم بعد هذا يُخرج منها من لم يعمَل خيرًا قطُّ، أي: غير التوحيد، ويَجعل الله لهم علاماتٍ يُعرفون بها كما يُعرفون أنَّهم من أهل التَّوحيد،

стр. 225

قال: ففيه أنَّ ما زادَ يُسمَّى إيمانًا؛ لأنَّه قال: (مِن إيمانٍ). (اسودوا)؛ أي: صاروا سُودًا كالحُمَم من تأْثير النار. (فيلقون) بفتح القاف. (الحيا) -بالفتح والقصر-: المَطَر، ووقع للأَصِيْلِي بالمَدِّ. ولا وجْهَ له. (أو الحياة)؛ أي: النَّهر الذي مَن غُمِسَ فيه حَيِيَ. (شك مالك)؛ أي: في أَيِّهما الرِّواية. (الحبة) بكسر الحاء: بِزْر العُشب، جمعه: حِبَب كقِرْبةٍ وقِرَب. قال الجَوْهَري: بِزْر الصحراء مما ليس بقُوت، وتُسمى: الرِّجلة -بكسر الراء، وبالجيم- وهي حبَّة الحَمْقاء؛ لأنَّها لا تنبُت إلا في السَّيل. وقال الكسائي: هي حبُّ الرَّياحين، أما الحَبَّة -بفتح الحاء- مما ليس كذلك من حبِّ الحنْطة ونحوها مما سبَقَ، وإنما شُبه بالأوَّل لسُرعة نبَاته، وخُروجه من الأرض. (في جانب السيل)، ويُروى: (في حَمِيْلِ السَّيْل)، أي: ما يحمله من طِينٍ ونحوه، قيل: فإذا اتفَق فيه الحِبَّة فاستقرَّتْ على شَطِّ مَجرى السَّيل نبتتْ في يومٍ وليلةٍ، والمراد: أنَّها إذا كثُر عليها السَّيل أينعتْ وطلعتْ، وغيرها من الحبوب لا ينبُت كذلك. (صفراء) ذكَر هذا اللَّون لأنَّه يسرُّ الناظِرين، ولهذا كان سيِّد

стр. 226

رياحين الجنَّة الحِنَّاء، وهو أصفَر. (ملتوية)؛ أي: مُنعطِفة مُنْثنيةً؛ لأنَّ ذلك أيضًا يزيد الرَّيحان حُسنًا باهتِزازه وتميُّله، فمن في قلْبه حبةٌ من إيمان يخرج نَضِرًا حسَنًا منبسِطًا متبختِرًا كخُروج هذه الرَّيحانة من جانب السَّيل، وهذا يؤيد أن اللام في الحبَّة للجِنْس لا للعَهْد للبَقْلة الحمْقاء؛ لأنَّها ليستْ صَفراء إلا أنْ يُريد الشَّبه في مُجرَّد الحُسْن والطَّراوة. قال (ن): الشَّبه وقَع من حيث الإِسْراع، وضعْف النَّبات، والطَّراوة، والحُسْن، فوجه الشَّبه مُتَعَدِّدٌ، ويُسمَّى هؤلاء عُتَقاء الله. وفي الحديث: الردُّ على المُرجئة الذين يقولون: لا يضرُّ مع الإيمان معصية، فلا يدخُل العاصي النَّارَ، وعلى المُعتزلة في قولهم بتخْليد أهل الكبائر. (وهيب)؛ أي: ابن أَبي خالِد البَاهِلي، علَّقه عنه لأنَّه لم يُدركه، والمراد: أنَّه جزَم في روايته بكونه: (الحياة) بالهاء، وهو بالجرِّ على الحِكاية، أي: لم يشكَّ كما شكَّ مالكٌ، وأيضًا فقال: بدَل (مِن الإيمان): (مِنْ خَير)؛ لأنَّ الإيمان هو الخير، وأصل كلِّ خيرٍ. وقد وصلَه مسلم بالإسناد، ولم يسُق لفْظه بل أحالَه على حديث مالكٍ، نعم، في "مسند ابن أبي شيبة" روايتُه موافِقًا للفْظ البخاري المعلَّق، ووصلَه البخاري من حديث وُهَيْب بلفْظ مالك. * * *

стр. 227

٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ: أَنَّهُ سَمعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "بَيْنَا أنا ناَئِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ، وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثَّدِيَّ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّه"، قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "الدِّينَ". الحديث الثاني (م ت س): سنده أيضًا مَدَنيُّون. (بينا) أصله: (بين)، أُشبعت الفتحة فصارتْ ألفًا، والجُملة بعده مضافٌ إليها؛ لأن الظُّروف تُضاف إلى الجُمل. (رأيت) يحتمل أنَّها حُلُميَّة من الرُّؤيا، وهو الأظهر، وأنَّها بصَريةٌ من الرُّؤية، وأنَّها عِلْمية من الرأْي، وكلام (ك) يُشعر بأنَّ مصدر هذه أيضًا رُؤيا، ولا يُعرَف، وإنما الخلاف هل هو مصدرٌ مقصورٌ على الحُلُمية كما زعمَه الحَريريُّ، أو يكون في البَصَريَّة أيضًا كما هو قول الجُمهور؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]، فجَعْل (ك) الرُّؤية للحُلُمية، والرُّؤيا للبصَرية معكوسٌ. (يعرضون) في موضع نصب حالٌ إنْ جُعلت (رأَى) بصرية. قال (ك): أو حُلُميَّةً، وفيه نظَرٌ؛ فإنَّها تَنصب الجزأين كما في قوله:

стр. 228

أَراهُمْ رِفْقَتي حتى إِذا مَا ... تَجافَى اللَّيلُ وانْخَزَلَ انخِزَالا فتكون مفعولًا ثانيًا كما لو جُعلت (رأَى) عِلْمية. قال (ك): ويحتمل رفْع (النَّاس) كقوله: سَمعتُ النَّاسُ ينْتَجِعُون غَيْثًا وفيه نظَرٌ؛ لأن البيت ليس فيه (رأَى) حتى يُستشهد به على الرفْع بعدها، إنما هو (سمعتُ النَّاس) كما رواه الحسَن بن أَسَد وغيره، أي: سمعتُ هذا الكلامَ، أي: قَولَه، والقَول يُحذف كثيرًا كما في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، فيقال لهم: أكفرتُم. فإن أراد أنْ يكون ذلك من باب إلْغاء فعْل القَلْب مع تأَخُّر المفعولَين فممتنعٌ، أو يُؤوَّل إما على أن المفعول الأول ضمير الشَّأْن، أو أنَّه من تقدير لامٍ معلَّقةٍ عن العمل. (قمص) بضم القاف، وسُكون الميم أو ضمها. (الثدي) بضم المُثلَّثة أو كسرها، والدال مكسورةٌ فيهما: جمع ثَدْي. (ما دون ذلك)؛ أي: لم يَبلُغ إلى الثدي لقِلَّته. (أولت) التأويل: التَّفسير بما يَؤُول إليه الشيءُ، والمراد هنا تعبير الرُّؤيا، وأما التأْويل في الاصطِلاح الأُصولي: فهو حَمْل الشيء على احتِماله المَرجوح لدليلٍ يصير به راجِحًا.

стр. 229

(الدين) بالنَّصب مفعولُ (أَوَّلتَ)، ويجوز الرفْع مشاكلةً للمبتدأ، فالدِّين للإنسان كالقَميص يَستره، ويَقيه من المكروه، فلهذا فسَّره به. قال (ن): من فوائد الحديث: أنَّ العمل من الإيمان، وأنَّ الإيمان والدِّين بمعنًى، وتفاضُل أهل الإيمان، وعِظَم فضْل عُمر ﵁، وتعبيرُ الرُّؤيا، وسُؤال العالم بها عنها، وثَناء العالم على بعض أَصحابه حيث لا يخشى فِتْنةً بإعجابٍ أو نحوه، بل لِيُعْلِم بمنزلته، فيُعامَل بمقتضاها، ويُقتدى به، ويُتخلَّق بأخلاقه. قال أهل التَّعبير: القَميص في النَّوم: الدِّين، وجرُّه هو آثارُه الجميلة بعد وَفاته ليُقتدى بسُنَّته. واعلم أن البخاري قد أَعادَ هذا الحديث في (المناقِب) إلا أنَّ هناك: (عُرِضُوا) بدَل (يُعرَضُون)، و (اجتَرَّه) بدل (يَجُرُّه)، [وهناك: (ما يَبلُغ دُون ذلك)، وهنا: (ومنْها ما دُونَ)، وأعادَه في (التَّعبير) أيضًا بلفْظ: (يَجتَرُّه)]. ولا يُفهم من هذا الحديث: أنَّ عُمر أفْضل من أبي بكر باعتِبار أنَّ الفضْل بكثْرة الثَّواب، وكثْرة الثَّواب بكثْرة العمل؛ لأنَّه لم يحصر ذلك، ولو حصَره، فأَحاديث أفضليَّة أبي بكر متواترةٌ تواترًا معنويًّا، فلا يُعارضها آحادٌ، وأيضًا فالإجماع على أَفْضلية أبي بكر، وهو قطعيٌّ، فلا يُعارضه ظنيٌّ.

стр. 230

١٦ - بابٌ الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ (باب: الحياء من الإيمان) هما مبتدأٌ وخبرٌ، سواءٌ أُضيف (باب) أو لا. وسبَق معنى الحَياء واشتِقاقُه، وأنَّه بالمَدِّ. ووجْه كونه من الإيمان ما في حديث: "والحَيَاءُ شُعبةٌ مِن الإِيْمانِ". ٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَناَ مَالِكُ بْنُ أنس، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِم بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَياءَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "دَعْهُ، فَإنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإيمَانِ". (د س). (مر)؛ أي: اجتازَ. (على رجل) يُقال أيضًا: مَرَّ به. (الأنصار) جمع: ناصِر أو نَصير، واللام للعَهْد في الذين آوَوْه ونَصرُوه من أهل المدينة. (يعظ) الوَعْظ: التَّذْكير بالعَواقب، والنُّصح، وقيل: التَّخويف والإنْذار، وقيل: التذكير بالخير فيما تَرِقُّ به القلوب. (أخاه) ظاهره: أنَّه في النَّسَب، ويحتمل في الإسلام، فيكون

стр. 231

مجازًا لغويًّا، أو حقيقةً عرفيةً. (في الحياء)؛ أي: في تَرْكه، والإِبْعاد عنه. (دعه)؛ أي: اترُكْ هذا الوَعْظَ، أو اترُك أَخاك من هذا الوعظ؛ لأنَّ الحياء خيرٌ كلُّه، ولم يُستعمَل لـ (دع) فِعل ماضٍ إلا قليلًا. (فإن الحياء من الإيمان)؛ لأنَّ به يُكفّ عن المَناهي. قال التَّيْمِي: الاستِحياء: تَرْك الشيء لدهشَةٍ. قال (ك): إنما هو دهشة يترك بها الشَّيء لا نفْس التَّرك. واعلم أنَّ التأْكيد بـ (إنْ) يكون الذي بعده إما مُنكِر أو كالمُنكِر، أو لدفْع إنكار غيره، أو أنَّه مما يهتمُّ به فأُكِّد وإنْ لم يكن ثَمَّ مُنكِرٌ. وإنما ذكر الحديث هنا ولم يكتفِ بالحديث السَّابق: "والحيَاءُ شُعبة مِن الإيمانِ"؛ لذكْره هناك تبَعًا وبعضًا، وهنا مُستقِلًا ومقْصودًا بالذَّات. فإن قيل: إذا كان مِن الإيمان كان مَنْ لم يكن فيه خارِجًا من الإيمان، فيكون كافِرًا؟ قيل: قد يُجاب بأن المراد هنا الإيمان الكامل. قلتُ: وأيضًا فانقِسام الإيمان إلى شُعبه من انقسام الكُلِّي إلى جُزئياته لا الكُلِّ إلى أجزائه كما سبَق في حديث شُعَب الإيمان. * * *

стр. 232

١٧ - بابٌ ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] (باب: فإن تابوا) أي: عن الشِّرك؛ لقوله في الحديث: "حتى يَشْهَدُوا أنْ لا إِلَهَ إلا الله". ٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُسْنَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحٍ الْحَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ". (م). (الحرمي) بفتح المهملتين، وتشديد آخِره: علَمٌ على الرَّاوي، وغَلِطَ (ك) فيجعلَه مَنْسوبًا. وسيأتي بيان ذلك في نوع الأسماء. (واقد) بالقاف. (سمعت أبي)؛ أي: محمَّد بن زَيْد بن عبد الله بن عُمر، أي: سَمعه يحدِّث عن جَدِّه ابن عُمر.

стр. 233

(أُمرت)؛ أي: أَمرَني اللهُ؛ لأنَّه الذي يَأْمُر خلْقَه، وإنما لم يذكر الفاعل لتعيُّنه كما في: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]، فأحالَه على شهادةِ العقْل، ونحوه قَول الصَّحابي: (أُمِرْنا)، أي: أَمرَنا النبيُّ ﷺ . (أن أُقاتل)؛ أي: بأَنْ، فهي مما يطَّرِد حذْف حرف الجرِّ فيه. (الناس) قيل: المراد عبَدة الأَوثان؛ لأنَّ الذِّمِّيَّ يُقَرُّ بالجِزْية، ولا يُقاتَل بدليل: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩]. وقال الطِّيْبِي: هو من العام الذي خُصَّ؛ إذ قَول: لا إله إلا الله هو المقصود؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، كما إذا هُودِن عبَدة الأَوثان، فإنَّهم لا يقاتَلون، غايتُه يخصَّص لعارِضٍ، والتخصيص لا يُخرِجُ العامَّ عن عُمومه. قال: ويجوز أن يُراد بقوله: (حتى يشهدوا) إلى آخره إِعلاءَ كلمة الله، وإِذْعان المُخالفين: إما بالإسلام، وإلا بما يَسُوغ مِن بذْل الجِزْية، أو المُهادَنة. قال: ويحتمل أنَّ ضَرْبَ الجِزْية إنما كان بعدَ ذلك. قال (ك): أو أنَّ ضرْب الجِزْية سبَبٌ لاضطِرارهم إلى الإسلام، وسبَب السَّبَب سبَبٌ، فكأنَّه قال: حتى يُسلِموا، أو يُعطوا الجِزْية، فاكتفَى بما هو المقصود الأَصلي من الخَلْق، أو أنَّ القَصْد من المُقاتَلة هي أو ما يقُوم مَقامها، وهي الجِزْية أو المقاتَلة على الإسلام، أي: أو ما يقُوم مَقامه.

стр. 234

والغاية في: حتى إما للقِتال، أو للأَمر به. (وأن محمدًا رسول الله) التَّصديق به يتضمَّن التصديق بكلِّ ما جاءَ به حتى لو كذَّبه في شيءٍ مما جاء به كفَر وقُوتلَ، ولهذا في روايةٍ: (ويُؤمِنُوا بي، وبما جِئْتُ به). ويحتمل رواية عدَمِ التَّصريح بذلك أنَّه لم يذكُر؛ لتأَخُّره عن هذا الحديث. (ويقيموا الصلاة) إقامتها إما تعديلُ أركانها، وهيئتها المُعتبرة فيها؛ مِن أَقامَ العُودَ، وقوَّمَه، فهي عبادةٌ مفتتحةٌ بالتَّكبير مختتمةٌ بالتَّسليم، فيكون المراد بإقامتها أداؤها، وإما إدامتُها؛ مِن قامت السُّوق: إذا نفَقت، أو التجلُّد والتَّشمر في أدائها مِن قامت الحرْبُ على ساقِها (١). (ويؤتوا الزكاة) وهي القَدْر المُخرَج من النِّصاب للمستحِقِّ، فيُقاتَل مانعها كما فعَل الصدِّيق، ولا يختصُّ بالصلاة والزكاة بل سائر الواجبات كذلك، فالاقتِصار في الحديث عليهما لأنَّ العبادة إما بدَنيةٌ أو ماليةٌ، فلذلك تُسمى الصلاة عِماد الذين، والزكاة قَنْطرة الإسلام، نعَمْ، القِتال على الإسلام في الحال، وعلى ما بعدَه في وقْته. (فإذا فعلوا ذلك) المراد بالفعل الأَعمُّ من القَول؛ لأنَّه عمَل اللِّسان، أو من باب التَّغليب إلا أنَّهم إذا أقَرُّوا بالشَّهادتين أولًا حصلتْ

стр. 235

لهم العِصْمة، ثم إذا فعَلوا الصلاة عصَموا أنفُسهم من القِتال (١) عليها، وكذا الزكاة وسائر الأَركان. (عصموا) حفِظوا، وحقَنوا. (دماءهم) جمع: دَمٍ، وأصله: دَمَوٌ؛ كحَمَلٍ وأَحْمال. (إلا بحق الإسلام) هو استثناءٌ مفرَّغٌ؛ لتضمُّن (عصَم) معنى النَّفي، أي: لا يهدر الله دماءهم بعد عِصْمتهم بالإسلام بسببٍ من الأسباب إلا بحقٍّ من حُقوق الإسلام مِن قتْل النفْس، أو ترْك الصَّلاة، أو منعْ الزكاة. فإن قيل: الصلاة والزكاة داخلان تحت: (بحقِّها)، فلِمَ أُفردا بالذِّكر؟ قيل: تعظيمًا لهما، واعتناءً بشأنهما، وإشعارًا بأنَّهما في حُكم الشهادتين، أو أنَّ المراد العِصْمة مُطلَقًا بحيث لا يتجدَّد مع ذلك إهدارٌ، وذلك إنما هو عند فِعْل المَجموع، وكذا فعل غيرهما من الأركان إلا أنَّهما أَعظَم كما سبَق، فنُزِّلا منزلتها في كونها غايةً للمُقاتَلة إيذانًا بأنَّهما أُمُّ العبادات، ويُؤيده إسقاطها في رواية أبي هريرة. وإضافة (حقٍّ) إلى الإسلام يحتمل معنى: اللام، ومِنْ، وفي، والحقُّ الذي يتعلَّق بالدَّم هو كالقِصاص، وبالمال هو كالضَّمان.

стр. 236

(وحسابهم على الله)؛ أي: يجب أن يقَع، لا أنَّه -تعالى- يجب عليه شيءٌ كما زعَمه المعتزلة عقْلًا، فهو من التَّشبيه له بالواجِب على العِباد في أنَّه لا بُدَّ من وُقوعه، والمراد: أنَّ سَرائرهم إلى الله، وأما نحن فنَحكُم بالظَّاهر، أي: بمقتضَى ظاهر أَقْوالهم وأَفعالهم، أو أنَّ المراد أنَّ هذا القتال باعتبار أحكام الدنيا المُتعلِّقة بنا، وأما الأُمور الأُخروية من الجنَّة والنَّار، والثَّواب والعقاب؛ فمُفوَّضٌ إلى لله تعالى. واعلم أنَّ تعلُّق هذا الباب بـ (كتاب الإيمان) دلالة على أنَّ من آمَن عُصم، أو أنَّ الصلاة والزكاة مِن الإيمان. قال (ن): وفي الحديث قِتال مانِع الزكاة وغيرها من واجبات الإسلام، وأنَّ تارك الصلاة عَمْدًا مع اعتقاده وُجوبها يُقتَل، وهو قول الجمهور، قيل: بعد ثلاثة أيامٍ، والأصحُّ على الفَور، وأنَّه يُقتَل بترك صلاةٍ واحدةٍ إذا خرَج وقتُ الضَّرورة لها، ويُقتل بالسَّيف حدًّا خلافًا لأحمد حيث قال: كُفْرًا، ولأبي حنيفة حيث قال: يُحبَس ولا يُقتَل، وأما الصَّوم فيُحبس ويُمنع الطَّعامَ والشَّراب، والزكاة تُؤخَذ منه قَهْرًا، وأنَّ مَن يُظهر الإسلام يُكفُّ عنه، وأنَّ الزِّنديق تُقبل توبته وإنْ تكرَّر ارتداده، وهو الصحيح من الخلاف الآتي، وأنَّ المعتبَر التلفُّظ بالشهادتين لا يُكَفُّ عن قتالهم إلا بذاك. * * *

стр. 237

١٨ - بابٌ مَنْ قَالَ: إِنَّ الإِيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢]، وَقَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْم فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢، ٩٣]، عَنْ قَوْلِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١] . (باب من قال: أن الإيمان هو العمل) هو بإضافة (باب) إلى ما بعدَه، والمراد بالعمَل الأعمُّ من عمَل القَلْب واللِّسان والجوارح، وحينئذٍ فيُطابقه ما أورده من الآيات والحديث، فيرجع كلٌّ إلى ما يدلُّ عليه. (أورثتموها) ليس المراد الإرْث المعروف، وهو انتِقال المِلْك بالموت، بل إما أنَّ الكافر يُورث المؤمن ذلك الذي لولا كُفره لم يصِلْ للمُؤمن، ولكنْ بكفره ماتتْ رُوحه، وإما أنَّ الله تعالى هو المورِّث له، أي: أَعطاه مَجانًا، فأَشبَه أخْذ الوارِث من مورِّثه، أو أنَّه مجازٌ عن الإبْقاء على طريقة إطلاق الكُلِّ وإرادة الجُزْء. (بما كنتم تعملون)؛ أي: بعمَلكم، أو بالذي كنتم تعملونَه، أي: إما مصدريةٌ أو موصولةٌ. قال المفسِّرون: معنى (تعمَلون): تُؤمنون؛ فلذلك استدلَّ به البخاري.

стр. 238

ولا تنافيَ بين الآية وبين حديث: "لَنْ يَدخلَ أَحدُكم الجنَّةَ بعمَلهِ"، إما لأَنَّ الباء في الآية للمُلابَسة، أو لملابسةِ الثواب لأَعمالكم، أو للمُقابلة نحو: أَعطيتُ الشَّاةَ بدِرهمٍ، وإما لأنَّ دُخول الجنَّة برحمة الله لا بالعمَل، أو الدُّخول لجنَّةٍ عاليةٍ خاصةٍ بالعمَل، وقال (ن): ما معناه: الدُّخول بالعمل لا لذاته بل لأنَّه من تيسير الله ورحمته، وهو حسَنٌ خلافًا لما قالَه (ك). (عدة) بكسر العين، وتشديد الدَّال، أي: عددٌ قلَّ أو كثُر، وقد سَمَّى منهم: أنسَ، وابن عُمر، ومُجاهد، وغيرهم. (عن قول لا إله إلا الله) تفسيرٌ لقوله: ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤]، فيتعلَّق عن بـ (تسأل)، ولا تنافيَ بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩]؛ لأنَّه إما باعتبار مَحلَّين؛ لأنَّ للقيامة مَواقف وأَزمنةٌ، أو أنَّ المعنى: لا يُسألون سُؤالَ استخبارٍ بل سُؤال توبيخٍ، أو لا يُسأل عن ذنْبه غيرُه من الإنْس والجانّ، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. وقال (ن): الظاهر أنَّ المراد: لنَسألنَّهم عن أَعمالهم كلِّها، أي: الأعمال التي يتعلَّق بها التكليف لا عن: لا إله إلا الله فقط، ولا دليلَ على الاختِصاص. (لمثل هذا)؛ أي: الفَوز العظيم. (فليعمل العاملون)؛ أي: فليُؤمن الكافرُون، فأَطلق العمَل على الإيمان. * * *

стр. 239

٢٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونسُ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَا: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: "إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ"، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "الْجهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ"، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "حَجٌّ مَبْرُورٌ". (م س). (أحمد بن يونسُ) هو أَحمد بن عبد الله بن يُونُس، سماه الإِمام أحمد: شَيْخ الإسلام، كما سيأْتي. (سئل) السائل: أبو ذَرٍّ كما في (كتاب العِتْق). (أفضل)؛ أي: أكثَر ثَوابا عند الله. (إيمان) خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هو إيمانٌ، أو مبتدأٌ خبره محذوفٌ، أي: أفْضل؛ لتخصيص المبتدأ بمتعلَّقه. (الجهاد)؛ أي: القِتال لإعلاء كلمة الله، وإنما كان أفْضل لأنَّه بذْل النَّفس كما قال: والجُودُ بالنَّفْسِ أَقْصَى غَايَةِ الجُودِ ويجرى في إعراب (الجِهاد) الوجْهان في (إِيمان)، وكذا يجريان في: (حج مبرور)؛ أي: الذي لا يخالطه إثْمٌ، وقيل: المَقبول، وعلامة القَبول: أنْ تكون حالة الرجوع خيرًا مما قبلَه، وقيل: ما لا رياءَ فيه، وقيل: ما لا يَعقُبه معصيةٌ.

стр. 240

وأصل البِرِّ الطَّاعة والقَبول، يُقال: بَرَّ حَجُّك، بفتح الباء وضمها لازِمَين. قلتُ: دعوى (ك) لُزوم بُر -بضم الباء- فيها نظَرٌ؛ لأنَّ ضمَّ الباء إنْ قُدِّر لكونه مبنيًّا للمفعول، أي: بَرَّه الله؛ فهو مُتَعَدٍّ قَطْعًا، وإنْ قُدِّر ضمُّه على حَدِّ: لُبَّ الرجلُ، أي: صارَ لَبيبًا، فمِثْله نادرٌ يحتاج إلى نقْلٍ، ففي "الصَّحاح": أنَّ أصل: لُبٌّ الكسر، تقول: لببتَ يا رجلُ، تَلَبُّ، -أي: بالفتح- لُبابُه، أي: صِرْتَ ذا لُبٍّ، وحكى يونسُ: لُبِبت -بالضم-، وهو نادرٌ لا نظيرَ له في المضاعَف، انتهى. نعَمْ، فيه نظَرٌ؛ فإنَّ: حَبَّذا زيدٌ، أصلُه: حُبِّبْتُ -بالضم- كما قرَّره هو في موضعه، وغيرُه، وبَرَّ الله حَجَّك، أي: قَبِلَه، فيَكون مُتَعَدِّيًا. قال الجَوْهَري: وأَبرَّ اللهُ حَجَّكَ لُغةٌ فيه، أي: تعديتُه بهمزةٍ، وتعريف الجِهاد باللَّام دُون الإيمان والحجِّ؛ لأنَّ المعرَّف بلام الجِنْس كالنَّكِرة في المعنى، فلذلك تُعرَب الجُملة في نحو: ولَقَدْ أَمُرُّ علَى اللَّئيمِ يَسُبُّنِي صِفةً لا حالًا. قلتُ: وجوَّز كثيرٌ حاليَّتها باعتِبار صُورة التَّعريف باللَّام في (اللَّئيم) على أنَّ الحارِث بن أَبي أُسامة رواه في "مسنده": (جِهادًا) بالتَّنكير، وأما في المعنى فلأنَّ الإِيمان والحجَّ لا يتكرَّر وُجوبهما،

стр. 241

فنُوِّنا للإفراد، والجِهاد قد يتكرَّر، فعُرِّف، والتَّعريف للكَمال، وأما ذِكْر الجِهاد في هذا الحديث بعد الإِيمان، وفي حديث ابن مَسعُود: ٧"والصَّلاةُ لمِيْقاتِها"، وفي حديث أبي ذَرٍّ لم يُذكر الحجُّ، وفي حديث: أَيُّ الإِسلام أَفضَل؟ قال: "مَنْ سَلِمَ المُسلِمُون مِن لِسانِه وَيَدِهِ"، وفي آخَر: "أَنْ تُطعِمَ الطَّعامَ"، فقال (ن): قال العُلَماء: اختَلفت الأَجوبةُ لاختِلاف الأَحوال، فأجاب كلًّا بما تَدعُو حاجتُه إليه، أو بما لم يَعلمْه السَّائل، وأَهل المَجلِس، وتَرْك ما عَلمُوه، ولهذا سقَط ذِكْر الصَّلاة والصِّيام في حديث الباب مع تقدُّم الثَّلاث على الحجِّ والجِهاد. وقال القَفَّال: إنَّ الخَيريَّة تكون من بعض الوُجوه لا مُطلَقًا بل في شخْصٍ دون شخصٍ، وحالٍ دُون حالٍ. قلتُ: وهو يَرجع إلى مَا قبْله. وقيل: بل المُراد من خيرٍ، فحُذفت (مِن) كما يُقال: فلانٌ أعقَل النَّاس، أي: مِن أَعقَلهم، ومنه حديث: "خَيرُكم خيرُكم لأَهلهِ"، وليس المراد أنَّه خيرٌ مطلقًا. وأما تقديم الجِهاد على الحجِّ مع أنَّ الحجَّ من أَركان الإسلام، والجهاد فرضُ كفايةٍ، فلأنَّ الجهاد قد يَتعيَّن كسائر فُروض الكفاية، ولو لم يتعيَّن فلا يقَع إلا فَرْضًا، والحجُّ قد يقَع نفْلًا، فإذا قُوبل واجبُ الحجِّ بمتعيِّن الجِهاد كان الجهاد أَفضل؛ لهذا الحديث، ولأنَّ نفْع الجهاد مُتَعَدٍّ، وإنْ تَساويا في الفرَضيَّة؛ لأنَّه ذَبَّ عن بَيضة الإسلام، أو لأنَّ الجهاد كان الأَهمَّ في ابتداء الإسلام، أو أنَّ (ثُمَّ) هنا للترتيب

стр. 242

الذِّكْري نحو: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧]، أو أنَّ (ثُمَّ) لا تَقتضي الترتيب كما قال بعضهم، أو لأنَّ فرْض الكفاية أهمُّ من فرض العَين كما قاله إمام الحرمَين، أي: وجمع لإسْقاط الإثْم عن الأُمَّة. * * * ١٩ - بابٌ إِذَا لَمْ يَكُنِ الإِسْلَامُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وكان على الاستسلام أو الخوف من القتل لِقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]، فَإذَا كَانَ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَهُوَ عَلَى قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] . (باب: إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة) (إذا) هنا لمُجرَّد الوقْت لا للاستِقبال، أي: باب حينِ عدَمِ كَونِ، أو إنَّ (لم) لمَّا كانتْ لنفْي الكَون المَقلوب ماضيًا كانتْ إذا لاستِقبال ذلك النَّفي، فهي إما ظرفيَّةٌ فقط، أو شَرطيَّة، والجَزاء محذوفٌ تقديره: لا يُعتدُّ به، وحينئذٍ فليس البابُ مُضافًا لمَا بعدَه. (الاستسلام)؛ أي: الانقِياد ظاهِرًا فقط. (أسلمنا)؛ أي: دَخلْنا في السِّلْم وانْقَدْنا، لا بالحقيقة، ولذلك قال تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ [الحجرات: ١٤] الآيةَ، أي: الإيمان الشَّرعي؛

стр. 243

لأنَّ الإيمان والإسلام الشَّرعي واحدٌ كما يقول البُخاري، أو الإيمان شَرْطه كما يقُول غيرُه. (فهو على قوله)؛ أي: واردٌ على هذه الآية، أو الآيتَين لأنَّ المُراد بالإسلام فيهما على الحقيقة. * * * ٢٧ - حَدَّثنا أبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ سَعْدٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَى رَهْطًا وَسَعْدٌ جَالِسٌ، فتركَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَرَاه مُؤْمِنًا؟ فَقَالَ: "أَوْ مُسْلِمًا"، فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ، فَوَاللَّهِ إنِّي لأَرَاه مُؤْمِنًا؟ فَقَالَ: "أَوْ مُسْلِمًا"، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، وَعَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: "يَا سَعْدُ! إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ، وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، خَشْيةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ". وَرَوَاهُ يُونُسُ وَصَالحٌ وَمَعْمَرٌ وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. (م د س). في سنَده ثلاثٌ زُهريُّون مَدَنيُّون. (رهطًا) هو جماعةٌ من الرِّجال ليس فيهم امرأةٌ، قيل: ما دُون العشَرة، وقيل: دون الأَربعين، وجمعه: أَرهُط، وأَرهَاط.

стр. 244

(أعطى)؛ أي: قال: أعطَى. (رجلًا) هو جُعَيْل -بضم الجيم على التَّصغير- ابن سُرَاقة، ذكَره الواقِدي. (هو أعجبهم)؛ أي: أَفْضلهم، وأَصلَحهم في اعتِقادي. (إلي) فيه التِفاتٌ؛ حيث لم يقُل: (إليه) كما قال أوَّلًا، وسعدٌ جالسٌ، ولم يقل: أُقابل، وفي قوله: (وسَعْدٌ) التِفاتٌ آخَر عند السَّكَّاكي؛ لأنَّه لا يشترط في الانتِقال من تكلُّمٍ أو خطابٍ أو غَيبةٍ أن يكون مُحقَّقًا بل يُكتفى بالتَّقدير، فمُقتضى المقام التكلُّم، فأَتى به بلفْظ الغَيبة.٤ (مالك عن فلان)؛ أي: أيُّ شيءٍ حصَل لك أعرضْتَ به عن فُلانٍ فلا تُعطيْهِ، وفلانٌ كِنايةٌ عن اسمٍ يُسمَّى به المُحدَّث عنه الخاصُّ، وفي "مسلم": فقُمتُ إلى رسول الله ﷺ فسارَرْتُه، فقلتُ: ما لكَ عن فُلانٍ؟. (لأراه)، قال (ن): بفتْح الهمزة، أي: أَعلمُه، ولا تُضمُّ على معنى: أَظنُّه؛ لأنَّه قال: (غلَبني ما أَعلَم)، ولأنَّه راجعَ النبيَّ ﷺ مِرارًا، فلو لم يكُن جازمًا لما كرَّرَ المُراجَعة. قال (ك): يُروى بالضم أيضًا، فيكون (ما أَعلَم) معناه: ما أَظنُّ، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠]، والمُراجَعة لا تدلُّ على الجَزْم؛ لأنَّ الظَّنَّ يَلزم اتباعُه اتفاقًا.

стр. 245

قال (ش): قال القُرطُبي: الرِّواية بالضمِّ، وهو منه حَلِفٌ على ظنِّه، ولم يُنكر عليه. (أو مسلمًا) بإسكان الواو على الإضْراب عن قوله، والحُكمُ بالظَّاهر، كأنَّه قال: بل مُسلِمًا، ولا يُقطع بإيمانه، فإنَّ الباطن لا يَعلمُه إلا الله تعالى، فالأَولى أن يُعبَّر بالإسلام. قال صاحب "التحرير": إنَّ فيه الحكم بأنَّه غير مُؤمنٍ؛ وردَّه (ن) بأنَّه ليس فيه إنكارُ كونه مُؤمنًا، [بل النَّهي عن القَطْع بإيمانه لعدَم مُوجِب القَطْع، فتوهُّم الحكم بأنَّه غير مؤمنٍ غلَطٌ، بل في الحديث إشارةٌ إلى كونه مُؤمنًا] (١)، وهو قوله: "لأُعْطِي الرَّجُلَ وغيرُه أَحبُّ إِليَّ مِنْهُ". قال (ك): فعلى هذا التَّقدير لا يكون الحديث دالًّا على ما عُقد له البابُ، وأيضًا فلا يكون لرَدِّه ﷺ على سَعْد فائدةٌ، ولئِنْ سُلِّم أنَّ فيه إشارةً إليه؛ فذلك حصَل بعد تَكرار سَعْدٍ إخباره بإيمانه، وجاز أنْ يُنكر أولًا ثم يُسلِّم آخِرًا؛ لحُصول أَمْرٍ يُفيد العِلْم. قلتُ: وفيه نظَرٌ؛ فإنَّ استدلال البخاري إنما هو بإطلاقِ لفْظ (الإسلام) مقابلة للحقيقي من غير تعرُّضٍ لحاله، والإنْكار على سَعْد إنما هو على جَزْمه سواءٌ كان في نفْس الأمر كذلك أو لا. (فعدت)؛ أي: رجعتُ.

стр. 246

(لمقالتي)؛ أي: لقَولي، والمَقال معناه أيضًا. (أعطي الرجل) مفعوله الثاني محذوفٌ. (وغيره أحب) مبتدأٌ وخبرٌ، والجملةُ حالٌ. (خشية) نصب بـ (أَعطَى) على المَفعول له سواءٌ أُضيف لمَا بعدَه، فيكون معرفةً، أو نُوِّن على تقدير مِنْ في: (أن يكبه)، وهو بضمِّ الكاف؛ أي: يُلقيه مَنْكوسًا، وهو من النَّوادر أنْ يكون الرُّباعي بالهمزة لازِمًا، والثلاثيُّ بدُونها مُتَعَدِّيًا، ونحوه: أَحجَمَ، وحَجَم. والضَّمير في (يَكُبُّه) للرجل، أي: أتأَلَّف قلْبَه بالإعطاء مخافةً من كُفْره ونحوِه] إذا لم يُعطَ، والمعنى: أَنا أُعطي مَن في إيمانه ضَعْفٌ؛ لأني أَخشَى عليه لو لم أُعطه أنْ يَعرِض له اعتِقادٌ يكفر به، فيَكبَّه الله في النَّار، كأنَّه أشار إلى المُؤلَّفة، أو إلى مَن إذا مُنع نسَب النبيَّ ﷺ للبُخْل، وأما مَن قَوِيَ إيمانه فلا أَخشَى عليه، ولا يَلزم أنْ يكون ذلك الرجل ممن قَوِيَ إيمانه؛ لاحتِمال إرادةِ غيره، فيكون تَعريضًا بسَعْدٍ نفْسه ونحوه. واعلَمْ أنَّ هذا مِن نَوع الكِناية؛ لأنَّ الكَبَّ في النار لازِمٌ للكُفر، فأُطلِق اللازم وأُريد المَلْزوم، فالكناية وإنْ كان الشَّرط فيها مساواةُ اللازم للمَلزوم، والكَبُّ في النار قد يكون لمعصيةٍ غير الكُفر لكنَّ المُراد كَبٌّ خاصٌّ، وهو الكَبُّ للكُفر، فصارا مُتساوَيين، وليس مِن باب المَجاز، أي: من إطْلاق اللَّازِم على المَلْزوم؛ لأَنَّ الشَّرط فيه امتِناع اجتماع معنى الحقيقة والمَجاز بخلاف الكِناية، وهنا لا امتِناعَ

стр. 247

في اجتِماع الكُفر والكَبِّ، فيكون كنايةً لا مجازًا. قال (ن): في الحديث جواز الشَّفاعة إلى وُلاة الأُمور وغيرهم، ومرادُه الشَّفيع إذا لم يُؤدِّ إلى مَفسدةٍ، والأَمرُ بالتثبُّت وتَرْك القطْع بما لم يُعلم القطْع به، وأن الإمام يَصرِف الأَموال في مَصالح المسلمين الأَهمِّ فالأَهمِّ، وأنَّ المَشفُوع لا عتبَ عليه إذا ردَّ الشَّفاعة لمصلحةٍ، والاعتِذارُ للشَّافع، ويُبيِّن له العُذر، وأنَّه لا يُقطَع بالجنَّة لأحدٍ على التَّعيين إلا مَن ثبَت كالعشَرة، وأنَّ الإقرار باللِّسان لا يَنفع إلا باعتِقاد القَلْب. قيل: وفيه جواز قولِ: (أَنا مُؤمِنٌ) من غير أنْ يقول: إنْ شاء الله. وأما الفَرْق بين الإسلام والإيمان فقال (خ): يجتمِعان حيث استَوى الظَّاهر والباطِن، ويَفترقان إذا لم يَستويا، ويُقال له: مسلمٌ حينئذٍ بمعنى: مُستَسلِم كما في الآية، وفي هذا الحديث. (رواه يونسُ)؛ أي: إنَّ هذه الأَربعة تابَعوا شُعيبًا في رواية الحديث عن الزُّهري. قال (ن): لقَول البخاري مثْلَ هذا ثلاثُ فوائدَ: تقْويةُ الحديث ببَيان كثْرة طُرُقه، ومعرفةُ رواتهم؛ ليَتبع رواياتهم مَن يُريد جمْع الطُّرُق أو نحو ذلك، ودفْعُ توهُّم أنَّه لم يَروِه غيرُ المذكور في الإسناد، حتى لو رآه في كتابٍ آخَر عن غيره تَوهَّمه غلَطًا. قال (ك): ورابعةٌ، وهي الوَفاء بشَرطه صَريحًا؛ إذ شَرطه على ما قال بعضُهم: أنْ يكون لكلِّ حديثٍ راويان فأكثَر.

стр. 248

قلتُ: هذه مُفرَّعةٌ على ضعيفٍ لم يَصحَّ. وخامسةٌ: وهي أنْ يصير الحديث مُستفيضًا، فيكون حُجَّةً عند مَن يَشرطُه في تخصيص القُرآن بالحديث، ونحو ذلك أنْ يكون مَشهورًا، انتهى. ومتابعة يونسُ وصلَها عبد الرحمن بن عمْرو بن يَزيد الأَصبَهاني أَبو الحسَن الهَرَوي الملَقَّب: رَسْتَه في كتاب "الإيمان" له. (وصالح) وصلَها البخاري في (الزكاة)، وروايته عن الزُّهري من رِواية الأكَابِر عن الأَصاغِر؛ لأنَّه أسَنُّ من الزُّهري. (ومعمر) وصلَه عبْدُ بن حُمَيد، وابن أبي عُمَر العَدَني، والحُمَيدي، وغيرُهم في "مَسانيدهم". (وابن أخي الزُّهري) وهو محمَّد بن عبد الله بن مُسلِم، وصلَها مسلم كما سيأْتي في نَوع الأسماء. * * * ٢٠ - بابٌ إِفْشَاء السَّلَامِ مِنَ الإِسْلَامِ وَقَالَ عَمَّارٌ: ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإيمَانَ؛ الإنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالَمِ، وَالإنْفَاقُ مِنَ الإقْتَارِ. (باب: إفشاء السلام): مبتدأٌ وخبرٌ. (ثلاث)؛ أي: خِصَالِ كما سبَق في حديث: "ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيهِ

стр. 249

وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيْمانِ". (الإنصاف)؛ أي: العَدْل. (السلام) من السَّلامة، كأَنَّ المُسلم يقول: أنتَ سالمٌ مِنِّي، وأَنا سالمٌ منكَ، وأما السَّلام اسمًا لله تعالى فمَعناه: ذُو السَّلامة مما يَلحَق المَخلُوق من نقْصٍ، وسُميت الجنَّة دارَ السَّلام؛ لسَلامة مَن بها مِن الآفاتِ، والسِّلْم: الصُّلْح؛ لأنَّهم يَتسالَمون به، ويجوز: سلامٌ، والسَّلامُ عليكم. وأَمَّا في التشهُّد في الصَّلاة فاختارَ الشَّافعيُّ: سلامٌ؛ لحديث ابن عبَّاس، ورجَّحه على حديث ابن مَسْعود؛ لأنَّه من مُتأَخِّري الصَّحابة، ورجَّح جمعٌ: السَّلام؛ لمَا فيه من الزِّيادة، وقيل: هما سَواءٌ؛ لأنَّ التَّنوين يقُوم مَقام الأَلف واللام. (للعالم) بفتْح اللام، أي: لكلِّ الناس مَن عرَف، ومَن لم يَعرف. (والإنفاق من الإقتار) جَمَعَ عمَّار في كلِماته الخيرَ كلَّه؛ لأنكَ بالإنْصاف من نفْسك تبلُغ الغايةَ بينك وبين خالقك، وبينك وبين النَّاس، والأَمْرُ بالسَّلام على كل أَحدٍ حَضٌّ على مَكارم الأَخلاق، واستِئْلاف النُّفوس، والإنفاقُ من الإقْتار غايةُ الكرَم، قال تعالى: ﴿وَيُؤثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [الحشر: ٩]، والإنْفاق شامِلٌ لما على العِيال والأَضْياف، وكلِّ نفقةٍ في طاعة الله تعالى. ففيه أنَّ نفَقة المعسِر على أهله أَعظَم أَجْرًا من نفَقة الموسِر.

стр. 250

قال (ك): جمعت خِصالَ الإيمان كلَّها؛ لأنَّها إما ماليةٌ أُشيرَ إليها بالإنْفاق المتضمِّن للوُثوق بالله تعالى، والزُّهدِ في الدُّنيا، وإما بدَنيةٌ، وهي إما مع الله تعظيمًا لأَمْره أُشير إليها بالإنْصاف، أو مع النَّاس بالشَّفَقة على خلْق الله تعالى أُشيرَ إليها ببَذْل السَّلام. * * * ٢٨ - حدَّثَنَا قتيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيُّ الإسْلَامِ خَيرٌ؟ قَالَ: "تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ". (م د س ق). (أي الإسلام أفضل)؛ أي: أَيُّ خَصْلةٍ من خِصاله؟ (تطعم)؛ أي: أنْ تُطعمَ. وسبَقَ بيان ما في الحديث. وإنما كَرَّره باعتِبار تعدُّد ما اشتَمل عليه، وإنما لم يعقد للكُلِّ بابًا واحدًا؛ لاحتِمالِ أنْ يكون عمْرو بن خالِد الرَّاوي هناك ذكَره في مَعرِض بَيانِ أنَّ الإطعام من الإيمان، وقُتَيبة ذكَره في مَعرِض أنَّ السَّلام منه، فمَيَّزها البُخاريُّ بذِكْرهما في موضعَين بترجمتَين. * * *
следующие страницы →