قال (ط): وأن الأكل في يوم النحر قبل الصلاة لا مستحبٌّ ولا منهيٌّ عنه، فإنه ﷺ لم يحسِّنه ولا عنَّفه، إنَّما بيَّنَ له محلَّ الحاجة مِنْ سنَّة الذبح، وعَذَره في قصدِه إطعامَ جيرانه ولم يُحسِّنه، بل جوَّز له الجَذعة، وإنما كان يأكل في عيد الفطر قبلَ الصلاةِ ليتميَّز وقتُ الصوم من الفطر، وليس قبلَ النحرِ صيامٌ يحتاج لتمييزه.
* * *
٦ - بابُ الخُرُوجِ إِلَى المُصَلَّى بغَيرِ منْبَرٍ
(باب الخروج إلى المصلى بغير منبر)
٩٥٦ - حَدَّثَنا سَعِيدُ بنُ أبِي مَريَمَ قَالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي زَيْدٌ، عَنْ عِياضِ بنِ عَبدِ اللهِ بنِ أَبِي سَرْحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالأَضْحَى إِلَى الْمُصَلَّى، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ، وَالنَّاسُ جُلُوسٌ عَلَى صُفُوفِهِمْ، فَيَعِظُهُمْ وَيُوصِيهِمْ وَيَأْمُرُهُمْ، فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ بَعْثًا قَطَعَهُ، أَوْ يَأْمُرَ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى خَرَجْتُ مَعَ مَرْوَانَ وَهْوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ، فَلَمَّا أتيْنَا الْمُصَلَّى إِذَا مِنْبَرٌ بَنَاهُ كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ، فَإِذَا مَرْوَانُ يُرِيدُ أَنْ يَرْتَقِيَهُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَجَبَذْتُ بِثَوْبِهِ فَجَبَذَنِي فَارْتَفَعَ، فَخَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَقُلْتُ لَهُ: غَيَّرْتُمْ وَاللهِ، فَقَالَ:
стр. 1857
أَبَا سَعِيدٍ، قَدْ ذَهَبَ مَا تَعْلَمُ، فَقُلْتُ: مَا أَعْلَمُ وَاللهِ خَيْرٌ مِمَّا لَا أَعْلَمُ، فَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ لَمْ يَكُونُوا يَجْلِسُونَ لنا بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَجَعَلْتُهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ.
"فأول" خبر مقدم، والصلاة مبتدأ، لأنه معرفة، وإن تخصص (أول)، فلم يخرج عن التنكير.
"فيعظهم"؛ أي: يخوفهم.
"ويوصيهم"؛ أي: بما ينبغي الوصيةُ به.
"بعثًا" بمعنى مبعوث؛ أي: جيشًا لو أراد بعث غيرِهم لغزو وبَعْثٍ.
"يأمر" بالنصب، وليس تكرارًا مع قوله أولًا: (يأمرهم)، لأن هذا أمر خاص.
"على ذلك"؛ أي: على الابتداء بالصلاة.
"مروان"؛ أي: ابن الحكم، استعمله معاويةُ على المدينة.
"مِنبر" بكسر الميم مبتدأ خبره مقدَّر، أي: هناك فيكون.
"بناه" حال، أو هو خبر المبتدأ، أو العامل في (إذا) و (لمَّا) معنى المفاجأة التي في (إذا)؛ أي: فجاءنا مكان للمنبر زمان الإتيان، وقيل: (إذا) حرف لا يحتاج إلى عامل، وقيل: (إذا خبر) لمبتدأ وهو مِنبر.
"غيرتم"؛ أي: سنة رسول الله ﷺ من تقديم الصَّلاة على الخطبة.
"ما أعلم"؛ أي: الذي أعلمه.
стр. 1858
"خير"؛ أي: لأنه السنة، ففيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن كان المنكر عليه واليًا، والإنكار باليد حيثُ أمكنَ، فلا يكفي اللسان، وصحة الصلاة بعد الخطبة، وهو اتفاق، والفرق بينه وبين الجمعة: أن خطبتَها واجبة، فلو أُخِّرت لكان ربما انتشروا قبل سماعها، فيقدح في الصلاة، وأيضًا فالجمعة لا تؤدَّى إلا جماعة، فقدمت الخطبة ليتلاحق الناس، قيل: فقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠]، فعُلِم أنه ليس بعدها جلوس لخطبة ولا غيرها، وفيه العمل بالاجتهاد، في ترك ما كان أولى إذا كان لمصلحة، فإنَّ مروانَ لم يغيِّرِ السنة إلا لأنه ﷺ فعله في الجمعة، فقاسَ العيدَ عليها على أنه قد سبق بذلك.
واختلف في أول مَنْ بدأ به، فقال مالك: أولُ مَنْ قدَّم الخطبةَ عُثمان، وقال الزهري: مُعاوية، وقد روى فعلَهما ذلك عبدُ الرزاق في "مصنفه"، على أنه سيأتي في (باب الخطبة بعد العيدين) عن عُثمانَ خلافُ ذلك.
* * *
٧ - بابُ الْمَشْي وَالرُّكُوبِ إِلَى الْعِيدِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ
(باب المشي والركوب إلى العيد)
ليس في الحديثين في الباب تعرُّضٌ لمشي ولا ركوب إلا أن
стр. 1859
يكون أُخِذَ من عدم التعرض لهما جوازُهما، أو أشار بذكرهما في الترجمة مع عدم ذكر حديث فيهما أنه لم يجد حديثًا على شرطه فيهما.
"بغير أذان ولا إقامة" قد يُفهم ذلك من الحديث الثاني.
* * *
٩٥٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي فِي الأَضْحَى وَالْفِطْرِ، ثُمَّ يَخْطُبُ بَعْدَ الصَّلَاةِ.
الحديث الأول:
"ثم يخطب" صريح في تأخُّر الخطبة.
* * *
٩٥٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَناَ هِشَامٌ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمَ الْفِطْرِ، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ.
٩٥٩ - قَالَ: وَأَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي أَوَّلِ مَا بُويعَ لَهُ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ بِالصَّلَاةِ يَوْمَ الْفِطْرِ، إنَّمَا الْخُطْبَةُ بَعْدَ الصَّلَاةِ.
أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ نَحَرَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنَ النُّسْكِ فِي شَيْءٍ"، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ: يَا رَسُولَ اللهِ! ذَبَحْتُ وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ، فَقَالَ: "اجْعَلْهُ مَكَانَهُ، وَلَنْ تُوفِيَ أَوْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ".
"تلقي المرأة" ذكره بعد: (تلقين)، للتفصيل والبيان.
"خُرصها" بضم المعجمة وكسرها: الحَلقة من ذهب أو فضة.
"وسخابها" بمهملة مكسورة ثم معجمة وبموحدة: خيط فيه خَرز، وجمعه: سُخب؛ ككتاب وكُتُب، وقال البخاري: هو قِلادة من طِيب أو مِسْك وغيره أو قُرنفل ليس فيه من الجوهر شيء.
ووجه مطابقة الحديث للترجمة: أن أمر النساء بذلك، كأنه (١) من الخطبة.
"زُبَيد" بضم الزاي وفتح الموحدة.
"أن يصلي" الأجود أن يجعل اسم (أن)، ويجوز كونه خبرها، وعائد (ما) محذوفٌ؛ أي: يبدأ به.
ووجه المطابقة للترجمة: أنه لو قدَّم الخطبة على الصلاة لم تكن أولَ ما بدأ به.
قلت: فيه نظر، فإنَّه بدأ باعتبار الذبح، ويكون المراد الصلاة لمتعلَّقها سواء كان قبلُ أو بعدُ.
стр. 1863
"ذبحت" الفرقُ بينه وبين النَّحرِ: أن النحر في الإبل؛ أي: في اللُّبة، والذبح في الحَلْق مطلقًا.
"مسنة" هي ثَنيَّة المعز.
"اجعله مكانه" ذكر الضميرين مع عودهما لمؤنث بتأويلهما بذي سنة وذي سنتين؛ أي: أو باعتبار المذبوح.
"يُوفي" بضم أوله وفتحه.
قال (خ): وَفَى وأوفى بمعنى واحد.
"أو تجزئ" بالفتح؛ أي: تقضي، أو بالضم مِنْ أجزأ، أي: كفى.
قال (خ): ليس هذا من النسخ بل تخصيص لبعض، فإن النسخ إنما يكون عمومًا.
قال (ط): وغَلِطَ النسائي في ترجمته على هذا الحديث بأن الخطبةَ قبلَ الصلاة مِنْ حيثُ إنه قال: (أول ما يبدأ به أن يصلي)، وهذا قاله في الخطبة فيكون قبل، لكن العربَ قد تضعُ المستقبل موضعَ الماضي، فكأنه قال: أول ما بدأنا به الصلاة كقوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلا أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ [البروج: ٨]، أي: إلا الإيمان المتقدِّم منهم.
قال (ك): كون المستقبل بمعنى الماضي مجاز، والأصل خلافُه، فالأَولى أَنْ يُجابَ بأنه لا يلزم مِنْ قوله ذلك قبل الصلاة أن تكون الخطبة قبل.
"فنزعتها"؛ أي: السِّنان بتأويله بالسلاح، وهو مؤنَّث، أو بحديدة أو الضمير المقدَّم من باب القَلْب كـ: أدخلت الخُفَّ في الرِّجل.
"بمنى" يُصرف ولا يصرف، سُمِّيت بذلك لما يُمْنَى فيها من الدماء؛ أي: يُراق، أو: أنَّ جبريلَ لمَّا أرادَ مفارقَة آدمَ قال: تمنَّ، قال: أتمنَّى الجنةَ، أو لتقدير الله فيها الشِّعار؛ من مَنَى: أي: قدَّر.
"فجاء" في بعضها: (فجعل).
"لو نعلم" جوابها محذوف؛ أي: لجازيناه أو للتمني، فلا جواب لها.
"أصبتني"؛ أي: تسببت في ذلك، فهو من إسناد الفعل لسببه.
قال (ك): ويأتي أصاب متعديًا لاثنين؛ أي: كما هنا؛ أي: أصبتني سنانه.
"في يوم"؛ أي: يومَ العيدِ.
"في الحرم"؛ أي: فخالفت السنةَ في الزمان والمكان، وفيه أن مِنى مِنَ الحَرَمِ.
* * *
٩٦٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: دَخَلَ الْحَجَّاجُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ وَأَناَ عِنْدَهُ، فَقَالَ: كيْفَ هُوَ؟ فَقَالَ: صَالِحٌ، فَقَالَ: مَنْ
стр. 1866
أَصَابَكَ؟ قَالَ: أَصَابَنِي مَنْ أَمَرَ بِحَمْلِ السِّلَاحِ فِي يَوْمٍ لَا يَحِلُّ فِيهِ حَمْلُهُ، يَعْنِي الْحَجَّاجَ.
الحديث الثاني:
"يعني"؛ أي: يريد بذلك الحَجَّاج بأمره بذلك.
قال (ط): فيه كراهةُ حملِ السلاح في المشاهد التي لا تحتاج لحرب لِمَا يُخشى من الأذى عند التزاحم، وأما الحرم فلأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧].
قال: وفيه دليلُ قطعِ الذَّرائع؛ لأنَّ ابن عمر لامَ الحجَّاجَ على ما أدَّى إلى أذاه وإن لم يقصِدْهُ الحجاجُ.
* * *
١٠ - بابُ التَّبْكِيرِ إِلَى الْعِيدِ
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ بُسْرٍ: إِنْ كُنَّا فَرَغْنَا فِي هَذِهِ السَّاعَةِ، وَذَلِكَ حِينَ التَّسْبِيح.
(باب التكبير للعيد)
" وقال عبد الله بن بُسْر" بضم الموحدة وسكون المهملة، وهذا حديث مرفوع رواه أحمد، وأبو داود، والحاكم، والطبراني، ولفظ
стр. 1867
أحمد: (خرج مع الناس، فأنكر إبطاء الإمام، وقال: إنْ كنَّا مع النبيِّ ﷺ قد فَرَغْنا ساعتَنا هذه، وذلك حينَ التسبيحِ)، وفي رواية الطبراني: (حين تسبيح الضحى).
"إن" هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن.
"فرغنا" قيل: صوابه (لقد).
"حين التسبيح"؛ أي: حينَ صلاةِ الضُّحى، وحين صلاة العيد، لأنها سُبحة ذلك اليوم.
* * *
٩٦٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زُبَيْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ قَالَ: "إِنَّ أَوَّلَ مَا نبدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ عَجَّلَهُ لأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ"، فَقَامَ خَالِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَناَ ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أُصَلِّيَ وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ، قَالَ: "اجْعَلْهَا مَكَانها -أَوْ قَالَ: اذْبَحْهَا- وَلَنْ تَجْزِيَ جَذَعَةٌ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ".
"ثم نرجع" بالرفع والنصب.
"جذعة"؛ أي: من المعز، لأنَّ الضَّأن جائزٌ للكلِّ؛ لِمَا سبق من رواية العَنَاق.
стр. 1868
قال (ط): أجمعوا على أن العيد لا تُصلَّى قبل الشُّروق، بل حتى تطلُعَ [الشمسُ] وترتفع؛ لأن ذلك حين جواز التنفُّل، ولذلك قال ابن بُسْر: (حين التسبيح)؛ لأنها سُبْحةُ اليوم، فلا تؤخَّر عن وقتها لقوله ﷺ : (أول ما نبدأ به أنْ نصلِّي)، فهو معنى ترجمة البخاري بالتنكير.
واختلفوا في وقت الغُدو للعيد، فكان ابنُ عُمرَ يغدو بعد صلاة الصبح، ورافع بن خَديج بعد طلوع الشمس، وقال الشافعي: يُسْرع في الأضحى، فيخرجُ عندَ بروزِ الشمس، ويؤخِّر في الفِطْر عن ذلك قليلًا.
* * *
١١ - بابُ فَضْلِ الْعَمَلِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ: أَيَّامُ الْعَشْرِ، وَالأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتكْبِيرِهِمَا، وَكَبَّرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ خَلْفَ النَّافِلَةِ.
(باب فضل العمل في أيام التشريق)
" معلومات" لم يُرِدْ ابنُ عباس التلاوة، لأنها: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ
стр. 1869
اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨]، ومراده أنَّ الأيام المعلومات عشر ذي الحجة.
"والمعدودات"؛ أي: في قوله تعالى: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣].
"أيام التشريق"؛ أي: لأنها يُشرق فيها اللحم؛ أي: يُقدَّد، أو: لأنَّ الهَدْي لا يُنْحر حتى تُشرق الشمس، وهي الحادي عشر المسمَّى بيوم القَر، والثاني عشر وهو يوم النَّفر الأول، والثالث عشر وهو يوم النفر الثاني.
"الأيام العشر"، في رواية: (أيام العشر).
"خلف النافلة" الظاهر أنَّ مراده: في أيام العشر، فلا يناسب بالترجمة إلا أنَّ البخاريَّ كثيرًا ما يذكر الترجمة ثم يُضيف إليها ما له أدنى ملابسةٍ استطرادًا.
* * *
٩٦٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: "مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ أَفْضَلَ مِنَ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ"، قَالُوا: وَلَا الْجِهَادُ؟ قَالَ: "وَلَا الْجهَادُ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ".
"منها"؛ أي: من الأعمال في هذه الأيام، فـ (العمل) مبتدأ،
стр. 1870
و (في أيام) متعلِّق به، و (أفضل) خبر المبتدأ، و (منها) متعلق بـ (أفضل)، والضمير للعمل بتقدير الأعمال كما في: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ﴾ [النور: ٣١]، ورواه سيبويه في "كتابه" بلفظ: "ما مِنْ أيَّامٍ أحبُّ إلى اللهِ فيها الصومُ مِنْ عَشْرِ ذي الحِجَّة"، ومثل به مسألة الكحل في رفع أفعل التفضيل الظاهر، أما رواية الصحيح فليست من ذلك.
"إلا رجل" على حذف مضاف؛ أي: إلا جهاد مَنْ خرج.
"يخاطر" أي: يُكافح العدوَّ من المخاطرة، وهي ارتكابُ ما فيه خَطر.
قال (ط): فهذا العملُ أفضلُ في هذه الأيام من غيرها، لكن لا يمنع صَاحبه من العمل المقصود في هذه الأيام المعدودات، والذي في الحديث: في الأيام المعلومات، فتأمله!
(بشيء)؛ أي: لا نفسه ولا ماله كليهما؛ بأن يقتل شهيدًا أو لا بماله، إذ صِدْقُ هذه السَّالبة يحتمل أن يكون بعدم الرجوع به.
قال (ط): العمل في أيام التشريق هو التكبيرُ المسنون، وهو أفضلُ من صلاةِ النافلة، لأنَّ الصلاة والصيام ليس مقصودًا فيها؛ لقوله ﷺ : "إنَّها أيامُ أكلٍ وشُربٍ"، ونهى عن صيامها. قال الطحاوي: الذي أذهب إليه أن الأيام المعلومات: يومُ النحر ويومانِ بعدَه، أي: كمذهب مالك للآية؛ أي: التي يعلم النالس أنها أيامُ الذبح، فيتوخَّى المساكينَ القصدَ فيها، فَيُعْطَون.
قال: وأما التكبير في الأسواق فالفقهاء لا يَروْنه، إنما التكبير
стр. 1871
عندهم مِنْ وقت رمي الجمار، لأنَّ الناس فيه تَبَع لأهل مِنى، ولا يَرون التكبيرَ إلا خَلْفَ الفرائضِ خلافًا للشافعية.
قال (ك): العمل في أيام التشريق لا ينحصِرُ في التكبير، بل المتبادَر أنه المناسك من الرمي وغيره التي تجتمع مع الأكل والشرب، بل إذا حُمل كلام البخاري على التكبير لم يبقَ لقوله بعدَه (باب التكبير أيام مِنى) معنًى، بل تكرارٌ مَحْضٌ.
* * *
١٢ - بابُ التَّكْبِيرِ أَيَّامَ مِنًى، وَإِذا غَدَا إِلَى عَرَفَةَ
وَكَانَ عُمَرُ ﵁ يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ بِمِنًى فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ الْمَسْجدِ، فَيُكَبِّرُونَ وَيُكَبِّرُ أَهْلُ الأَسْوَاقِ، حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُكَبِّرُ بِمِنًى تِلْكَ الأَيَّامَ وَخَلْفَ الصَّلَوَاتِ، وَعَلَى فِرَاشِهِ وَفِي فُسْطَاطِهِ وَمَجْلِسِهِ وَمَمْشَاهُ تِلْكَ الأَيَّامَ جَمِيعًا، وَكَانَتْ مَيْمُونة تُكَبِّرُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَكُنَّ النِّسَاءُ يُكَبِّرْنَ خَلْفَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزَ لَيَالِيَ التَّشْرِيقِ مَعَ الرِّجَالِ فِي الْمَسْجدِ.
(باب التكبير أيام مِنى)
" ترتج" يقال ارتجَّ البحر: إذا اضطربَ، والرَّجُّ: التحريك.
"فُسْطاطه" هو بيت شَعر، ويقال فيه: فُسْتاط وفُسَّاط بقلب التاء سينًا وإدغامها مع ضم أوله وكسره، فهذه ستُّ لغات.
стр. 1872
"وتلك الأيام" كرَّر توكيدًا، وأكَّد أيضًا بـ (جميعًا)، وفي بعضها: (تلك) بلا واو، فيكون ظرفًا للمذكورات.
قال (ن): اختلف في التكبير عَقِبَ الصلوات في عيد الأضحى، هل الابتداء مِنْ صُبح عرفةَ أو ظهرِه، أو صبح يوم النحر أو ظهره؟ وهل انتهاؤه ظهرَ النحرِ أو ظهرَ أولِ يومِ النفرِ، أو صبحَ آخرِ التشريق أو ظهرَه أو عصره؟.
قال (ك): فيجتمع منها تسعةَ عشر قولًا مِنْ ضربِ أربعةٍ في خمسة، سقط من العشرين: أن يكون ظهر النحر مبتدأ ومنتهى كليهما معًا، ثمَّ إذا ضمَّ إليها اعتبارَ كونِها أداءً أو تجري في القضاء، أو كونها فرضًا أو تجري في النفل على الخلاف: يكون ستة وسبعين.
* * *
٩٧٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الثَّقَفِي قَالَ: سَألْتُ أَنَسًا وَنَحْنُ غَادِيَانِ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ عَنِ التَّلْبِيَةِ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ: كَانَ يُلَبِّي الْمُلَبِّي لَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ، وَيُكَبِّرُ الْمُكَبِّرُ فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ.
الحديث الأول:
"كان يُلبي" اسم (كان) ضمير الشأن؟
قال (خ): السُّنَّة أن لا يقطعَ التلبية إلا في أوَّل حَصَاة من جَمرةِ العَقَبة، فيحتمل قول أنس هذا أن يكون التكبير من المكبر شيئًا من
стр. 1873
الذكر يُدخلونه في أثناء التَّلبية لا بترك التَّلبية بالكلِّية.
* * *
٩٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: كنَّا نُؤْمَرُ أَنْ نَخْرُجَ يَوْمَ الْعِيدِ، حَتَّى نُخْرِجَ الْبِكْرَ مِنْ خِدْرِهَا، حَتَّى نُخْرِجَ الْحُيَّضَ، فَيَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ، فَيُكَبِّرْنَ بِتكْبِيرِهِمْ، وَيَدْعُونَ بِدُعَائِهِمْ يَرْجُونَ بَرَكَةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَطُهْرَتَهُ.
الثاني:
"حتى يخرج" إما غاية للغاية قبلَها، وإما معطوفة عليها بواو مقدَّرة.
"وطُهرته" بضم الطاء، أي: طهارته، ففيه نَدبُ التكبير في الفِطر، والأضحى.
ووجهُ مطابقةِ الترجمة: قياس التشريق على العيد بجامع أنَّ الكلَّ أيام مشهودات.
قال (ط): حكمةُ التكبيرِ في هذه الأيام الإشارة إلى رفع ما كان عليه الجاهلية من الذبح لطواغيتهم، وأن الذبح إنما هو لله، فلا يذكر غيره، وقال أبو حنيفة: لا يكبِّر في عيد الفطر، وقال الشافعي: يكبر حتى يحرم الإمام بصلاته؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ولأنَّ العيدين سواء في الخطبة وفي السُّنن،
стр. 1874
فكذا التكبير. قال: وفيه خروجُ النساءِ للمصلَّى رجاءَ بركتِه ورغبةً في دعاء المسلمين، لأن الجماعة لا تخلو عَنْ فاضلٍ من الناس، وفيه تكبيرُ النساءِ خلافًا للحنفية.
* * *
١٣ - بابُ الصَّلَاةِ إِلَى الْحَرْبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ
(باب الصلاة إلى الحَربة يوم العيد)
٩٧٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ تُرْكَزُ الْحَرْبَةُ قُدَّامَهُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ ثمَّ يُصَلِّي.
"تركز"؛ أي: تغرز في الأرض لتكون سترةً في صلاته، وأما صلاتُه بمِنى إلى غير جدار، فلبيانِ أنها ليست بفريضة بل سنَّة.
* * *
١٤ - بابُ حَمْلِ الْعَنَزَةِ أَوِ الْحَرْبَةِ بَيْنَ يَدَيِ الإِمَامِ يَوْمَ الْعِيدِ
(باب حمل العنزة)
سبق تفسيرُها مراتٍ بأنها أقصرُ من الرُّمح في طرفها زُجٌّ.
"أو قالت" الشك من أيوب في أنها قالت: (ذوات)، بواو، أو بلا واو، ومعناها صواحب، ويعرب إعراب مسلمات.
"يعتزلن" إثبات النون على لغة: أكلوني البراغيث، وتركهن ذلك لئلا يقع اختلافُ الناس في صلاة بعضٍ وترك بعض، أو تنجس الموضع، أو لئلا تؤذي جارتَها إنْ حَدَث أذى.
* * *
١٦ - بابُ خُرُوجِ الصِّبْيَانِ إِلَى الْمُصَلَّى
(باب خروج الصِّبيان)
٩٧٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى، فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ.
"وذكرهن" إما تفسير لقوله: (وعظهن)، أو تأكيد له إذ الوعظُ: الإنذارُ بالعقاب، والتذكير: الإخبار بالثواب أو التذكير لأمرٍ عُلِمَ سابقًا.
وفي الحديث الصلاة قبل الخطبة.
ووجه مطابقة الترجمة: أن ابن عباس كان طفلًا، لأنه عندَ وفاةِ
طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ: شَهِدْتُ الْفِطْرَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃ يُصَلُّونهُا قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ يُخْطَبُ بَعْدُ، خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيهِ حِينَ يُجْلِسُ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ يَشُقّهُمْ حَتَّى جَاءَ النِّسَاءَ مَعَهُ بِلَالٌ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ الآيَةَ، ثُمَّ قَالَ حِينَ فَرَغَ مِنْهَا: "آنتنَّ عَلَى ذَلِكَ"، قَالَتِ امْرَأةٌ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ لَمْ يُجبْهُ غَيْرُهَا: نعمْ، لَا يَدْرِي حَسَنٌ مَنْ هِيَ؟، قَالَ: "فتصَدَّقْنَ"، فَبَسَطَ بِلَالٌ ثَوْبَهُ ثُمَّ قَالَ: هَلُمَّ لَكُنَّ فِدَاءً أَبِي وَأُمِّي، فَيُلْقِينَ الْفَتَخَ وَالْخَوَاتِيمَ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَاقِ: الْفَتَخُ الْخَوَاتِيمُ الْعِظَامُ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
"زكاة" خبر مبتدأ محذوف، وفيه استفهام؛ أي: أذلك زكاة.
"فتخها" بفاء ومثناة فوق ومعجمة مفتوحات، وفي بعضها بمثناة بعد الخاء؛ حكاه (ش): حلقة من فِضَّة لا فَصَّ فيها، وسيأتي عن عبد الرزاق تفسيره.
"ويلقين" مفعوله محذوف؛ أي: كل نوع مِنْ حليهنَّ، وكرَّر الإلقاءَ لإفادة العموم، وفيه: أن هذا ليس زكاة الفطر، لأنها صاعُ قوتٍ.
"أترى" بفتح أوله.
"ثم يخطب"؛ أي: كلٌّ منهم بعد الصلاة؛ قاله (ك)، وقال (ش): هو بضم أوله وفتح ثالثه.
"يجلس" بضم أوله وإسكان ثانيه، ويروى بكسر ثالثه مع التشديد، أي: يأمرهم بالجلوس.
стр. 1881
"ذلك" بكسر الكاف.
"حسن"؛ أي: ابن مسلم راوي الحديثِ عن طاوس، ووقع في "مسلم": (لا يدري حينئذ)، وهو تصحيف من حسن.
"هلم" اسم فعل متعدٍّ نحو: هلمَّ الثوب؛ أي: قَرِّبه، ولازم نحو ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨]؛ أي: تعال، مركَّب من هاء التنبيه محذوفة الألف ولم عند البصريين، ومن هلم وأم محذوفة الهمزة عند الكوفيين، واسم مفرد عند الحجازيين بلفظ واحد في الأحوال كلها، وبنو تميم يقولون: هلما هلموا إلى آخره.
"فداء" إنْ كُسِرَ أولُه مُدَّ وقُصِر، وإن فُتح قُصِر فقط.
قال الجوهري وغيره: وهو خبر عن المبتدأ وهو "أبي"، ويجوز النصب، واللام في (لكن) متعلقة به.
قال (ط): إتيانه ﷺ النساءَ خاصٌّ به، لأنه أبٌ لهنَّ، وأجمعوا على أنَّ الخطيبَ لا يلزمه خطبةٌ أُخرى للنساء، ولا يقطع الخطبة ليتمَّها لهنَّ.
* * *
٢٠ - بابٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ فِي الْعِيدِ
(باب إذا لم يكن لها جِلباب)
٩٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا
"في كذا"؛ أي: في خروج النساء.
"بأبي"؛ أي: هو مفدَّى بأبي.
"ليخرج"؛ أي: سمعته ﷺ يقولُ ذلك، فهو مرفوعٌ لا موقوف.
وسبقَ شرحُ الحديثِ في (كتاب الحيض) في (باب شُهود الحائض).
قال (ط): فيه تأكيدُ خروجهنَّ للعيد، لأنه إذا أَمَرَ مَنْ لا جلبابَ لها، فَمَنْ لها جِلبابٌ أولى، وقال أبو حنيفة: مُلازِماتُ البيوتِ لا يخرجْنَ، وقال الطحاوي: يحتمل أن ذلك أول الإسلام والمسلمون قليلٌ، فأُريد التكثير بهنَّ ترهيبًا للعدو، وأما اليوم فلا يُحتاجُ لذلك، ورُدَّ بأنه يتوقَّف على معرفة تاريخ الوقت والنَّسخ لا يثبته إلا بيقين، وأيضًا فالترهيب لا يحصل بهنَّ، ولذلك لا جهادَ عليهنَّ.
* * *
٢١ - بابُ اعْتِزَالِ الْحُيَّضِ الْمُصَلَّى
(باب اعتزال الحُيَّض المُصلَّى)
٩٨١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: أُمِرْناَ أَنْ نَخْرُجَ فنخْرِجَ الْحُيَّضَ وَالْعَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ -قَالَ ابْنُ عَوْنٍ: أَوِ الْعَوَاتِقَ
стр. 1884
ذَوَاتِ الْخُدُورِ- فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَدَعْوَتَهُمْ، ويَعْتَزِلنَ مُصَلَّاهُمْ.
سبق قريبًا شرحُ الحديث فيه.
"أَمرنا" بفتح الهمزة.
"أن نخرج" بفتح النون وضم الراء.
"فَنُخْرِج" بضم النُّون وكسر الراء.
"أو" للشك (١) في (ذوات) بالواو ودونها، والمعنى: في أمرهنَّ بالاعتزال.
* * *
٢٢ - بابُ النَّحْرِ وَالذَّبْحِ يَوْمَ النَّحْرِ بالْمُصَلَّى
(باب النحر والذبح)؛ أي: النحر في الإبل وفي اللُّبة، والذبح في غيرها، وفي الحَلْق.
قال (ط): الناس تَبَعٌ للإمام في الجماعات، وأفعال العيد، فلا يذبح أحدٌ حتى يمضيَ قدرُ ما يذبح، سواء ذبح أو لا، فأجمعوا على أن مَنْ رمى الجمرةَ يذبح، وإن لم يذبح الإمامُ إلا بعد، فالمدار على
٩٨٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ جُنْدَبٍ، قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ ذَبَحَ فَقَالَ: "مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيَذْبَحْ أُخْرَى مَكَانها، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْم اللهِ".
الثالث:
"الأسود"؛ أي: ابن قيس العَبْدي.
"جُنْدُب" بضم الدال وفتحها.
"فليذبح"، قيل: اختلف في الأضحية؛ فالجمهور: سنة، والمشهور عن أبي حنيفة: واجبة على المُقيم بالمِصْر المالكِ نِصَابًا.
"باسم الله" قيل الباء بمعنى اللام؛ أي: لله، أو فيه إضمار، أي: بسنة الله، أو تبركًا باسمه، وسيجيء تحقيقُ الخلافِ في المسألة وأدلتها؛ [و] فيه أنَّ الكلام في الخطبة بما كان من أمر الدين جائزٌ للسائل والمسؤول.
* * *
٢٤ - بابُ مَنْ خَالَفَ الطَّرِيقَ إِذَا رَجَعَ يَوْمَ الْعِيدِ
(باب مَنْ خالف الطريق)
٩٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: أَخْبَرَناَ أَبُو تُمَيْلَةَ يَحْيَى بْنُ وَاضحٍ، عَنْ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ
стр. 1888
النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ.
تَابَعَهُ يُونسٌ بنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ فُلَيْحٍ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ أَصَحُّ.
"محمد"؛ أي: ابن سَلَام.
"أبو تُمَيْلة" بضم المثنَّاة فوق وفتح الميم.
"واضح" بمعجمة ثم بمهملة.
"كان" تامة تكتفي بمرفوعها.
"خالف"؛ أي: يرجِعُ من طريقٍ غيرِ طريقِ الذهاب، وحكمتُه شُمولُ البركةِ الطريقينِ، أو أنه يُسْتَفتى فيهما، أو يدعو لأهل قُبورهما، أو يتصدَّق على فقرائهما، أو: ليزدادَ غيظُ المنافقين أو: لئلا تذكر الزحمة، أو: إشاعة ذكر الله، أو التحرُّز عن كيد الكفار، أو: يقصد أطولَهما ذهابًا لتكثر الخطوات فيزيد الثواب، وأقصرهما رجوعًا.
قال (ط): أو ليرى المشركين كثرة المسلمين ويُرْهِبُهم بذلك.
"تابعه يونس" وصله الإسماعيلي من طريق ابن أبي شيبة.
"وحديث جابر أصح" قال الغسَّاني: كذا رووه عن الفِرَبْرِي، ولكن طريق النسفي عن البخاري ليس فيها ذلك، وعليها فالمفضل عليه غير مذكور، لكن الترمذي أخرجه عن محمد بن الصَّلْت، عن فُليح، عن أبي هريرة. قال: وهو غريب. قال (١): وروى أبو تُميلة، ويونس هذا عن فُليح، عن سعيد، عن جابر، وذكره في كتابه أبو
стр. 1889
مسعود الدمشقي: قال البخاري في (كتاب العيدين): قال محمد بن الصلت عن فُليح، عن أبي سعيد، عن أبي هريرة بنحو حديث جابر، انتهى. فوضح الحال بذلك، لكن قال الغسَّاني: لم يقع لنا حديث محمد بن الصلت إلا من طريق أبي مسعود، ولا غناء بالباب عنه لقول البخاري: وحديث جابر أصح، انتهى.
قال (ك): وحاصله أن الصواب إما طريقة النسفي التي بالإسقاط، وإما طريقة أبي مسعود بزيادة تحديثِ ابن الصَّلت، لا طريقة الفِرَبْرِي، وأما نقلُه كلامَ الترمذي؛ فللإعلام بأن يونس إنما يرويه من طريق جابر لا من طريق أبي هريرة، فلا يقال: حديث أبي هريرة هو المفضَّل عليه، ورواية ابن الصَّلت وصلها الدارمي أيضًا كما سبق عن الترمذي وصلُها.
* * *
٢٥ - بابٌ إذَا فَاتَهُ الْعِيدُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَكَذَلِكَ النِّسَاءُ، وَمَنْ كَانَ فِي الْبُيُوتِ وَالْقُرَى
لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "هَذَا عِيدُناَ أَهْلَ الإِسْلَامِ"، وَأَمَرَ أَنسُ بْنُ مَالِكٍ مَوْلَاهُمُ ابْنَ أَبِي عُتْبَةَ بِالزَّاوِيَةِ، فَجَمَعَ أَهْلَهُ وَبَنِيهِ، وَصَلَّى كَصَلَاةِ أَهْلِ الْمِصْرِ وَتَكْبِيرِهِمْ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: أَهْلُ السَّوَادِ يَجْتَمِعُونَ فِي الْعِيدِ يُصَلُّونَ رَكعَتَيْنِ كمَا يَصْنَعُ الإمَامُ، وَقَالَ عَطَاءٌ: إِذَا فَاتَهُ الْعِيدُ صَلَّى رَكعَتَيْنِ.
стр. 1890
(باب إذا فاته العيد)؛ أي: مع الإمام؛ أي: أن الجماعة لا تشترط في العيد، وأنه عند الفوات ركعتان كما يقوله الشافعي ومالك، لا أربع كما يقوله أحمد إلحاقًا لها بالجمعة إذا فاتت، ولا أنه مخيَّر بين أربعٍ وركعتين كقول أبي حنيفة.
"لقول النبي ﷺ " أشار به البخاريُّ إلى حديث عائشة في الجاريتين اللتين كانتا تُغنيانِ عند النبيِّ ﷺ ، وفيه: (دعهما فإنَّ لكل قوم عيدًا، وهذا عيدنا)، وقد سبق في (باب سنة العيدين)، وإلى حديث عُقبةَ بنِ عامر: أنه ﷺ قال في يوم عرفة، وأيام التشريق: "عيدنا أهل الإسلام"، رواه أبو داود، والنسائي، وابن خُزيمة، والحاكم وغيرهم.
"أهل الإسلام"؛ أي: يا أهلَ الإسلام، فحذف حرف النداء.
قال (ك): وجه استدلال البخاري بذلك: أنَّ قولَه هذا إشارة للركعتين، وعمَّم بقوله: (يا أهل الإسلام) مَنْ كان مع الإمام أو لم يكن: النساء والقرى وغيرهم.
"ابن أبي عُتبة" بضم المهملة وسكون المثناة فوق والموحدة، بالنصب بدل عن (مولى)، أو بيان، وفي بعضها: (مولاهم)؛ أي: مولى أنسٍ وأصحابه.
"بالزاوية" هي موضع على فرسخين من البصرة.
* * *
стр. 1891
٩٨٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ فِي أَيَّامِ مِنًى تُدَفِّفَانِ وَتَضْرِبَانِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ مُتَغَشٍّ بِثَوْبِهِ، فَانتهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ، فَكَشَفَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ وَجْهِهِ فَقَالَ: "دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ! فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ"، وَتلْكَ الأَيَّامُ أَيَّامُ مِنًى.
٩٨٨ - وَقَالَتْ عَائِشَةُ: رَأَيتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْتُرُنِي، وَأَناَ أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجدِ، فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ، فَقَالَ النَّبِيَّ ﷺ : "دَعْهُمْ، أَمْنًا بَنِي أَرْفِدَةَ". يَعْنِي مِنَ الأَمْنِ.
"فانتهرهما"؛ أي: زَجَرهما.
"فإنها"؛ أي: الأيام العشرة، يفسِّره قولُه بعدَه: "أيام عيد" فأضافها لزمانها، ثمَّ قال: "أيام مِنى" أضافها إلى المكان.
"فزجرهم"؛ أي: أبو بكر، وفي بعضها: (فزجرهم عُمر).
"أمْنًا" قال (خ): مصدرٌ أُقيم مقام الصِّفة؛ كرجل صوم؛ أي: صائم، أو معناه: ائتمنوا أمنًا؛ أي: فيكون مفعولًا مطلقًا، وقال غيرُه: نصب على الاختصاص؛ أي: فيكون حالًا بمعنى آمنين، أو بدل من الضمير.
"أَرْفِدة" بفتح الهمزة وسكون الراء وكسر الفاء والدال مهملة.
"يعني من الأمن" قيل: أراد البخاري بذلك أنَّ التنوين في (أمنًا) للتقليل والتبعيض كما قاله الزمخشري في (ليلًا) من: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ
стр. 1892
لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١]، أو بيان أنَّ (أمنًا) منصوب مفعولًا لأجله أو تمييز، ومعناه: اتركهم من جهة أنَّا أمناهم، أو أنه مشتق من الأمن لا مصدر، يعني: أنه جَمْعُ آمن؛ كصاحب وصَحْب، أو أن (أمنًا) منصوب بنزع الخافض، أو أنه يُراد منه الأمن لا الأمان الذي للكفار.
وأما مناسبةُ الحديثِ للترجمة فسبقت الإشارةُ إليه مِنِ اشتراك كلِّ مسلم رجالًا ونساءً في إضافة العيد لليوم، فإذا فاتت يصلِّي ركعتين حيثُ كان ولا يترك. وفي الحديث دخول المحارم على الزوجات، وضرب الدُّف للسُّرور كما في العيد نحو الخِتان، والإملاك، وقدوم السفر، ونحو ذلك.
* * *
٢٦ - بابُ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْعِيدِ وَبَعْدَهَا
وَقَالَ أَبُو الْمُعَلَّى: سَمِعْتُ سَعِيدًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَرِهَ الصَّلَاةَ قَبْلَ الْعِيدِ.
(باب الصلاة قبل العيد)؛ أي: صلاته.
* * *
٩٨٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَليدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَدِيُّ
стр. 1893
ابْنُ ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمَ الْفِطْرِ، فَصَلَّى رَكعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا وَمَعَهُ بِلَالٌ.
"وبعدها"؛ أي: بعد صلاة العيد.
"قبلهما"؛ أي: قبل ركعتي العيد، وفي بعضها: (قبلها)، أي: قبل صلاة العيد.
قال (ط): قال مالك، وأحمد: لا يصلِّي قبلها ولا بعدها، والشافعي قال: يصلِّي قبلَها وبعدها كالجمعة، وأبو حنيفة: يصلي بعدها لا قبلها.