١١ - بابُ مَا قِيلَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُحَوِّلْ رِدَاءَهُ فِي الاِسْتِسْقَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
(باب ما قيل: إن النبي ﷺ لم يحوِّل رداءَه)
١٠١٨ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ، عَنِ الأَوْزَاعِي، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ هَلَاكَ الْمَالِ وَجَهْدَ الْعِيَالِ، فَدَعَا اللهَ يَسْتَسْقِي، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ حَوَّلَ رِدَاءَهُ، وَلَا اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ.
"هلاك المال"؛ أي: من قلة الماء.
"وجهد العيال"؛ أي: من القَحْط، والرواية بفتح الجيم؛ أي: الغاية أو المَشَقَّة، وقيل: وبالضم؛ أي: الطاقة.
"لم يذكر"؛ أي: أنس.
قال الإسماعيلي: لا يلزم من كونه لم يُذْكر أن لا يكون، فكيف يقول البخاري: (لم يحول)، وقال غيره: إنَّ تقييده بيوم الجمعة، وليس في هذا الحديث لأنَّه اختصره من حديث مطوَّل، واعلم أن عدم التحويل والاستقبال متَّفقٌ عليه في الاستسقاء في غير الصحراء، وإنما الخلاف فيها.
* * *
стр. 1928
١٢ - بابٌ إِذَا اسْتَشْفَعُوا إِلَى الإِمَامِ لِيَسْتَسْقِيَ لَهُمْ لَمْ يَرُدُّهُمْ
(باب إذا استشفعوا)
١٠١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ أَنَسَ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! هَلَكَتِ الْمَوَاشِي، وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللهَ، فَدَعَا اللهَ، فَمُطِرْناَ مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! تَهَدَّمَتِ الْبُيُوتُ وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ وَهَلَكَتِ الْمَوَاشِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ عَلَى ظُهُورِ الْجبَالِ وَالآكَامِ وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ". فَانْجَابَتْ عَنِ الْمَدِينَةِ انْجيَابَ الثَّوْب.
"لم يردهم"؛ أي: بل يشفع لهم؛ أي: لأنَّ للعامة حقًّا على الإمام، فيستقي لهم إذا طلبوا، وإن كان ممن يرى تفويضَ الأمرِ إلى الله والإحالة على قدره، لأنه راعٍ ومسؤول عن رعيَّته.
"منابت الشجر"؛ أي: ما حولها؛ أي: مما يَصْلُح أن ينبت فيه، لأن نفس المنبت لا يقع عليه المطر.
* * *
واعلم: أن هذا مما وهَّموا فيه البخاريَّ في وصله حديثًا بحديث، فإنَّ دوام المطر والدعاء بكشفه إذا كان لأهل المدينة ومَنْ حولَهم من المسلمين كما رواه أنسٌ يومَ الجمعة لا عُلقة له بدعائه لأهل مكة بالمطر، حتى يسأل أهلُ المدينة كشفَه، قيل: فتكون الترجمةُ أيضًا وهْمًا لبنائها على وهم.
قلت: يمكن أن يجاب بأن معنى: (وزاد)، أي: في التحديث بواقعة أُخرى، فيكون سفيان يروي عن منصور واقعةَ مكة، وسؤالُ أهل مكَّةَ له وهو بمكَّةَ قبل الهجرة كما قاله (ط): وزاد عليه: أسْباط عن منصور بذكر الواقعتين، لا أن الثانيةَ مسبَّبةٌ عن الأولى، ولا أن السؤال فيهما معًا كان بالمدينة، وبالجملة فهذه الزيادة وصلها البيهقيُّ في "السنن"، و"الدلائل".
"الغيث" مفعول ثانٍ لـ (سقى).
"فأطبقت"؛ أي: دامت وتواترت.
"سبعًا"؛ أي: سبعة أيام، فسقطت منه التاء لعدم ذكر المميّز، فإنه يجوز فيه الأمران حينئذ.
"الناس" نصٌّ على الاختصاص؛ أي: أعني الناس الذين في المدينة وحولها، ويجوز رفعُه بدلًا من الواو، في: (فسقوا)، أو على لغة: أكلوني البراغيث وفي بعضها: (فسقى الناس)، وهي واضحة.
قال (ط): فيه إجابة استشفاع المشركين بالمسلمين إذا رُجِي رجوعُه للحق، وأن الإمام إذا طَمِعَ بإسلامهم يرفُق بهم ويدعو لهم،
стр. 1931
وإلا فلا، ويدعو عليهم، بل ويقطع ثمارَهم وزَرْعَهم، وفيه إقرار المشركين بفضله ﷺ ، وقربِه من الله تعالى، وإجابة دعائه، وإلا لَمَا لجؤوا إليه في كَشْفِ ضُرِّهم، وهو أدلُّ دليلٍ على معرفتهم بصدقه، ولكن حَمَلَهم الحسدُ على معاداته.
* * *
١٤ - بابُ الدُّعَاءِ إِذَا كَثُرَ الْمَطَرُ: "حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا "
(باب الدعاء إذا كثر المطر: حوالينا ولا علينا)
(الدعاء) مبتدأ خبره (حوالينا)، ويحتمل أن (الدعاء) عامل في (حوالينا)، وإن كان عملُ المصدرِ والمعرفُ باللام قليلًا، وعليه فيكون (الدعاء) مجرورًا بإضافة (باب) إليه؛ إذ لو كان مبتدأ و (إذا كثر) خبره = لزمَ الفصلُ بين المصدر ومعمولِه بأجنبي وهو الخبر، أو يكون (حوالينا) بيانًا للدعاء أو بدلًا.
١٠٢١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ جُمُعَةٍ، فَقَامَ النَّاسُ فَصَاحُوا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! قَحَطَ الْمَطَرُ وَاحْمَرَّتِ الشَّجَرُ وَهَلَكَتِ الْبَهَائِمُ، فَادْعُ اللهَ يَسْقِينَا. فَقَالَ: "اللَّهُمَّ اسْقِنَا"، مَرَّتَيْنِ، وَايْمُ اللهِ مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً مِنْ سَحَابٍ، فَنَشَأَتْ
١٥ - بابُ الدُّعَاءِ فِي الاِستِسْقَاءِ قَائِمًا
(باب الدعاء في الاستسقاء)
١٠٢٢ - وَقَالَ لَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، عَنْ زُهَيْرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: خَرَجَ عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ الأَنْصَارِيُّ وَخَرَجَ مَعَهُ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ ﵃ فَاسْتَسْقَى، فَقَامَ بِهِمْ عَلَى رِجْلَيْهِ عَلَى غَيْرِ مِنْبَرٍ فَاستَغْفَرَ، ثُمَّ صَلَّى رَكعَتَيْنِ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ وَلَمْ يُؤَذِّنْ، وَلَمْ يُقِمْ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَرَأَى عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ النَّبِيَّ ﷺ .
الحديث الأول:
"قال لنا" سبق مراتٍ الفرقُ بينه وبين (حدثنا): أنَّ (قال) دونها؛ لأنها تكون في المذاكرة.
"فقام"؛ أي: عبد الله.
"وروى" في بعضها: (ورأى)، أي: النبيُّ ﷺ وعلى أنه (روى)؛ أي: أُريد برواية ما صَدَرَ عنه من الصلاة والجهر وغير ذلك كان مرفوعًا، وإنْ أُريد أنَّه روى عنه في الجملة، فيكون مرفوعًا، وعلى الرفع، ففيه الجهر بالقراءة، وأنه لا أذانَ ولا إقامة فيها.
* * *
١٠٢٣ - حَدَّثَنَا أَبو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،
стр. 1934
قَالَ: حَدَّثَنِي عَبَّادُ بْنُ تَمِيمٍ أَنَّ عَمَّهُ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ - أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي لَهُمْ، فَقَامَ فَدَعَا اللهَ قَائِمًا، ثُمَّ تَوَجَّهَ قِبَلَ الْقِبْلَةِ، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ فَأُسْقُوا.
الثاني:
"قِبَل" بكسر القاف؛ أي: جهة.
"فَأُسْقُوا" وفي بعضها: (فَسُقُوا)، وكلاهما مبني للمفعول بمعنى واحد، ولعل السرَّ في دعائه قائمًا زيادةُ الخشوع والخضوع.
* * *
١٧ - بابٌ كَيْفَ حَوَّلَ النَّبِيُّ ﷺ ظَهْرَهُ إِلَى النَّاسِ
(باب كيف حول النبي ﷺ ظهره)، ترجم بالكيفيَّة والحديث فيه.
١٠٢٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ خَرَجَ يَسْتَسْقِي قَالَ: فَحَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَاسْتَقْبَل القِبْلَةَ يَدْعُو، ثمَّ حَوَّلَ رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى لنا رَكعَتَيْنِ جَهَرَ فِيْهِمَا بِالقِرَاءَةِ.
"فحوَّل" من غير بيان كيفية، لأنَّ كون التحويل وهو داع ومقدم على تحويل الرداء والصلاة، يصدُق عليه كيفية.
قال (ط): وفيه أن الخطبة قبل الصلاة، لأن (ثم) للترتيب،
стр. 1935
ولكن مالك، والشافعي قالا: الخطبة بعدها، لأنها أشبهُ بالعيد، وما وقع هنا معارَضٌ بما سيأتي أنَّه ﷺ استسقى، فصلَّى ركعتين، وقَلَب رداءَه، والاتفاقُ أنَّ قلبَ الرداءِ إنما هو في الخطبة.
قال (ك): لا دلالة فيه على تقديم الصلاة لاحتمالِ أنَّ الواو في (وقلب) للحال أو للعطف، لكن لا تدلُّ على ترتيب.
* * *
١٩ - بابُ الاِسْتِسْقَاءِ فِي الْمُصَلَّى
(باب الاستسقاء في المصلى)
١٠٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ: سَمِعَ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمُصَلَّى يَسْتَسْقِي، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَصَلَّى رَكعَتَيْنِ، وَقَلَبَ رِدَاءَهُ، قَالَ سُفْيَانُ: فَأَخْبَرَنِي الْمَسْعُودِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: جَعَلَ الْيَمِينَ عَلَى الشِّمَالِ.
تقدم قول (ط): أن حديث أبي بكر المذكور في هذا الباب دليلُ تقديم الصلاة على الخطبة. قال: ولأنه أضبطُ للقصَّة من أبيه عبد الله الذي ذَكَرَ تقديمَ الخطبة.
قال (ك): لا نزاع في جواز الأمرين؛ بل في الأفضل، فيحمل
стр. 1936
حديثُ تقديمِ الخطبة على بيان الجواز.
قلت: فيه نظر.
وفي الحديث: نَدْبُ الخروج للمصلَّى، لأنه أبلغ في التواضع، وأوسع، لأنَّ النَّاسَ كلَّهم يحضرون، بل والبهائم.
قال (ط): وفيه أنه ﷺ كان يلبس الرِّداءَ كما يلبس أهلُ الأندلس ومِصْرَ وبغداد، وهو غير الاشتمال به، لأنه حوَّل ما على يمينه على يساره، وبالعكس، ولو كان اشتمالًا لقيلَ: قَلَبَ أسفله أعلاه، أو حَلَّ رداءَه فَقَلَبه.
"قال سفيان" ليس تعليقًا، بل هو مِنْ تحديث سفيان للبخاري؛ كتحديث عبد الله بن محمد، فهو كالمعطوف عليه وإن لم يكن فيه عاطف، وكذا ساقه الحُميدي في "مسنده" عن سفيان ... إلى آخره.
"المسعودي" هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عُتبة بن عبد الله بن مسعود.
* * *
٢٠ - بابُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فِي الاِسْتِسْقَاءِ
(باب استقبال القبلة في الاستسقاء)
١٠٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: أَخْبَرَناَ عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَني أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ: أَنَّ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ
стр. 1937
أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ زَيْدٍ الأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى يُصَلِّي، وَأَنَّهُ لَمَّا دَعَا -أَوْ أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ- اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَحَوَّلَ رِدَاءَ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: ابْنُ زَيْدٍ هَذَا مَازِنيٌّ، وَالأَوَّلُ كُوفِيٌّ هُوَ ابْنُ يَزِيدَ.
"والأول"؛ أي: المذكور في (باب الدعاء في الاستسقاء قائمًا).
"هو ابن يزيد"؛ أي بلفظ المضارع بخلاف هذا، فإنه بلا ياء في أوَّله، وهما معًا غيرُ عبد الله بنِ زيدِ بن عبد ربه.
قال (ط): السنَّة للخطيب أن يستقبلَ الناسَ إلا في دعاء الاستسقاء فيستقبل القبلة، لأن الدَّعاء مستقبلها أفضل.
قال (ن): يلحق بالدعاء الوضوء والغُسل والأذكار والقراءة، وسائر الطاعات إلا ما خَرَجَ بدليل كالخُطبة.
* * *
٢١ - بابُ رَفْعِ النَّاسِ أَيْدِيَهُمْ مَعَ الإِمَامِ فِي الاِسْتِسْقَاءِ
(باب رفع الناس أيديهم)
١٠٢٩ - قَالَ أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: سَمِعْتُ أَنس بْنَ مَالِكٍ،
стр. 1938
قَالَ: أَتَى رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ مِنْ أَهْلِ الْبَدْوِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! هَلَكَتِ الْمَاشِيَةُ، هَلَكَ الْعِيَالُ، هَلَكَ النَّاسُ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيْهِ يَدْعُو، وَرَفَعَ النَّاسُ أَيْدِيَهُمْ مَعَهُ يَدْعُونَ، قَالَ: فَمَا خَرَجْنَا مِنَ الْمَسْجدِ حَتَّى مُطِرْناَ، فَمَا زِلْنَا نُمْطَرُ حَتَّى كَانَتِ الْجُمُعَةُ الأُخْرَى، فَأَتَى الرَّجُلُ إِلَى نبَيِّ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! بَشِقَ الْمُسَافِرُ، وَمُنِعَ الطَّرِيقُ.
"قال أيوب بن سليمان" وصله أبو عَوانة، والإسماعيلي، والبيهقيُّ وغيرهم.
"أبو بكر" هو عبد الحميد بن أبي أويس.
"فأتى الرجل" اللام للعهد فهو الأول، ولا ينافي ما سبق من قوله: (لا أدري)، لاحتمال أنه نَسِيَ ثم ذكر، أو كان ذاكرًا ثم نَسِي.
"بشق" بفتح الموحدة والمعجمة، وقيل بكسر المعجمة وبالقاف.
قال البخاري: أي: ملَّ، وقال غيره: اشتَّد عليه السفرُ، وهو ما حكاه أبو الفرج عن البخاريِّ، وقيل: تأخَّر، وقيل: حُبس، وقيل: ضَعُف؛ مشتق من الباشق؛ طائر إذا أصابه المطر وَحَلَ.
قال (خ): بشق ليس بشيء إنما هو (لثق) بالمثلثة من اللثق وهو الوَحْل، يقال: لثق الثوب: إذا أصابه ندى المطرِ ولَطخُ الطين، ويحتمل أنه (مشق) بالميم فحسِبه السامع بالباء لتقارب مَخْرج الباء
стр. 1939
والميم؛ يريد: أن الطرق صارت مزلقة زلقًا، ومنه مشق الخط، وقال (ط): لم أجد في اللغة لـ (بشق) بالموحَّدة معنى، وإنما (نشق) بالنون وكسر المعجمة فمعناه: نشب.
قال (ش): إنَّه روي كذلك، وقال صاحب "المُجمل": بشق الظبي في الحِبالة: عَلِق، ورجل بَشِقٌ: يقع في الأمر لا يكاد يَخلُصُ منه، وقال الحافظ يحيى القرشي: لعله: (شنق) بتقديم المعجمة على النون: أي: جَذَبه ومنعه؛ مِنْ شَنَقتُ رأسَ البعير: شددته إلى أعلى شجرةٍ.
قال (ط): ورفع اليد في الاستسقاء مستحب، لأنه خضوع وتضرع، ففي الحديث مرفوعًا: "إنَّ الله حييٌّ يستحيي إذا رَفَعَ العبدُ يَدَيه أن يَرُدَّهما صِفْرًا"، وكان مالك يرى رفع اليدين في الاستسقاء بطونهما إلى الأرض، وذلك العمل عند الاستكانة والخوف، وهو الرَّهب، وأما عند الرغبة والسؤال فيبسط الأيدي هو الرغَبُ، قال تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠].
ونقل (ن) في هذه التفرقة عن جمع من أصحابنا: أنها سنة.
* * *
٢٢ - باب رَفْعِ الإِمَام يَدَهُ فِي الاِسْتِسْقَاءِ
١٠٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ،
стр. 1940
عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قتادَةَ، عَنْ أَنَسَ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِن دُعَائِهِ إِلَّا فِي الاسْتِسْقَاءِ، وإِنَّهُ يَرْفَعُ حَتَّى يُرَى بَياضُ إبْطَيهِ.
"وقال الأُوَيْسي" بضم الهمزة وفتح الواو وسكون المثناة تحت والمهملة هو: عبد العزيز، وصله البخاري في (كتاب الدَّعوات).
"إبْطيه" بسكون الموحدة، وأُريد برؤية بياض إبطيه، لأنه ليس كالناس في غمره بالشعر والأرواح، بل أبيض عطر.
قال (ن): هذا الحديث يوهم أنَّه ﷺ لم يرفع يديه إلا في الاستسقاء، ولكن قد رَفَعَ في أكثرَ مِنْ أن تُحْصَرَ، فيؤوَّل هذا الحديث أنه لم يَرفع الرفعَ البليغَ بحيث يرى بياض إبطيه إلا في الاستسقاء، أو أن المراد: لم أَرَهُ يرفع، وقد رآه غيرُه، والمُثْبِت مقدَّم.
* * *
٢٣ - بابُ ما يُقالُ إذا أمْطَرَتْ، وقالَ ابنُ عَبَّاسٍ: كَصَيِّبِ المَطَرُ، وقالَ غَيْرُهُ:
صابَ وأصابَ يَصُوبُ.
(باب ما يقال إذا أمطرت السماء)، يحتمل أن (ما) موصولة، أو موصوفة، أو استفهامية.
стр. 1941
"وقال ابن عباس" أي: في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة:١٩]، وتعرَّض لذلك البخاري هنا لمناسبته لِمَا في الحديث: (صيبًا نافعًا).
قال في "الكشاف": الصيِّب: المطر، يصوب؛ أي: ينزل، ويقال للسحاب أيضًا: صيِّب.
"بصوب" راجعًا إلى صاب أي: مضارعه بصوب، فهو أجوف واوي، وأما أصاب فمثل صاب في المعنى.
* * *
١٠٣٢ - حَدَّثَنا مُحَمَّدٌ هُوَ ابنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ المرْوَزِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَناَ عَبْدُ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا رَأَى الْمَطَرَ قَالَ: "صَيِّبًا ناَفِعًا"، تَابَعَهُ الْقَاسمُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، وَرَوَاهُ الأَوْزَاعِيُّ وَعُقَيْلٌ، عَنْ ناَفِعٍ.
"صيبًا" منصوب بفعل مقدَّر؛ أي: اجعلْهُ مطرًا نافعًا، وفي بعضها: (صبًّا)؛ أي: اُصْبُبه صَبًّا.
"ورواه الأوزاعي" وصلها أحمد، والنسائي، ولم يقل في الأوزاعي (تابعه)، كما قال في القاسم، إما لأنَّ الرواية أعمُّ من المتابعة، وإما لأنهما لم يرويا عن نافعٍ بواسطة عبيد الله بخلاف القاسم، فلا يصحُّ عطفُهما عليه، وفيه الدعاء بالازدياد من الخير.
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! تَهَدَّمَ الْبِنَاءُ، وَغَرِقَ الْمَالُ، فَادْعُ اللهَ لَنَا، فَرَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَيْهِ وَقَالَ: "اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا"، قَالَ: فَمَا جَعَلَ يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى ناَحِيَةٍ مِنَ السَّمَاءِ إِلَّا تَفَرَّجَتْ، حَتَّى صَارَتِ الْمَدِينَةُ فِي مِثْلِ الْجَوْبَةِ، حَتَّى سَالَ الْوَادِي -وَادِي قَنَاةَ- شَهْرًا، قَالَ: فَلَمْ يَجئْ أَحَدٌ مِنْ ناَحِيَةٍ إِلَّا حَدَّثَ بِالْجَوْدِ.
"الجَوبة" بفتح الجيم: الفُرجة.
"قَناة" بفتح القاف: موضع، قيل: الوادي الذي عند قَبر حمزةَ، وهو يأتي من الطائف.
"الجَود" بفتح الجيم: المطرُ الكثير.
وسبق شرحُ الحديث في (كتاب الجمعة).
وفي الحديث: الاستزادةُ من المطر وإن بَلَّ الثياب وغيرَها؛ لحاجة الناس إليه.
* * *
٢٥ - بابٌ إِذَا هَبَّتِ الرِّيحُ
(باب إذا هبت الريح)
١٠٣٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: أَخْبَرَناَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا يَقولُ: كَانَتِ الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ
стр. 1944
إِذَا هَبَّتْ عُرِفَ ذَلِكَ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ .
"ذلك"؛ أي: هبوبها؛ أي: أثره من التغيُّر وظهور الخوف من إطلاق السَّبب وإرادة المسبِّب، ووجهُ الخوفِ: أنه قد يكون عذابًا ينزل بأمته؛ أي: يخشى أن تصيبَهم عقوبةُ ذنوبِ العامة، كما أصاب الذين قالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤].
وفيه التحذيرُ من عملِ الأممِ الخاليةِ، وعصيانِهم مخافةَ أن يَحِلَّ بهم ما حَلَّ بأولئك.
* * *
٢٦ - بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "نُصِرْتُ بالصَّبَا "
(باب قول النبي ﷺ : نصرت بالصَّبَا)؛ بالقصر؛ أي: الريح الشرقية.
قال الجوهري: مهبُّها المستوي موضع مطلع الشمس إذا استوى الليلُ والنهارُ.
١٠٣٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ".
"عاد" هم قوم هودٍ ﵇.
стр. 1945
"بالدَّبُور" بفتح الدال: الريح الغربية المقابلة للصَّبَا، قيل: الصَّبَا التي تجيءُ من ظَهْرِكَ إذا استقبلتَ القبلة، والدَّبُور تجيء من قِبَل الوجه إذا استقبلتَها، روي: أن الأحزاب لمَّا حاصروا المدينة يومَ الخندق هبَّتِ الصَّبَا، وكانت شديدة قَلَعَتْ خيامَهم، وألقى الله الرعبَ في قلوبهم، فهَربوا، وأما قصة عاد فمشهورةٌ مذكورةٌ في التفاسير.
قال (ط): فيه تفضيلُ بعضِ المخلوقات على بعض، وإخبارُ المرءِ عن نفسه بما فضَّله اللهُ به للشكر لا للفخر، والإخبارُ عن الأمم الماضية وإهلاكُها.
* * *
٢٧ - بابُ مَا قِيلَ فِي الزَّلَازِلِ وَالآيَاتِ
(باب ما قيل في الزلازل والآيات)؛ أي: علامات القيامة، أو قدرتُه تعالى.
١٠٣٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، قَالَ: أَخْبَرَناَ أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ، وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ -وَهْوَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ- حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ فَيَفِيضُ".
стр. 1946
الحديث الأول:
"يقبض العلم"؛ أي: بموت العلماء، وكثرة الجهلاء.
"ويتقارب الزمان" هذا مفسَّر برواية: (حتى يتقاربَ الزمانُ)، فتكون السنةُ كالشهر، والشهرُ كالجمعة، والجُمعة كاليوم، واليومُ كالساعة، والساعةُ كالضِّرْمَةِ بالنار، ويحتمل أنَّ المعنى: تقارُبُ أهل الزمانِ في ثُبوت الجهل لهم وانتفاءُ العلمِ عنهم، وتقاربُ الليلِ والنهار في عدم ازدياد الساعات، وانتقاصُها بأن يتساويا طولًا وقَصْرًا.
وقال أهل الهيئة: تنطبق دائرةُ منطقةِ البُروج على دائرة معدَّل النهار، فيلزمُ التساوي ضرورةً، وقيل: تقصُرُ أعمارُ أهلِه.
وقال البيضاوي: هو تسارعُ الدُّول إلى الانقضاء، فتتقاربُ أيامُ الملوكِ.
وقال (ن): معناه: يقرب الزمانُ من القيامة، وردَّه (ك) بأنَّ حاصله: لا تكون القيامة حتى تَقْرُبَ القيامةُ، وهو مُهْمَلٌ.
قلت: ليس بمهمل، بل معناه: لا تقوم الساعة فَجْأَةً، بل بتدرج أزمان كلِّ زمان أقرب إليها مِنَ الذي قبله، فيشتمل مِنْ آياتها على ما لا يُحصى، فهو المراد من التقارب، لا ذات الأزمنة على ما فهمه (ك).
"حتى يكثر" هو غاية لكثرة الهَرْج؛ لقلَّة الرجال، وقلة الرَّغَبات، وقِصَر الآمال، ويحتمل أنه عطف على (ويكثر الهرج)، ولكن حَذَف العاطف كما سبق في: (التحيَّات المباركات): أن تقديره: والمباركات.
стр. 1947
"فيفيض" بالنصب والرفع؛ قاله (ش)، استعارة من فيض الماء لكثرته كما في (١):
شكوتُ وما الشَّكوى لمثلي عادة ... ولكن تَفيضُ الكأسُ عند امتلائها
وأفاضَ الرجلُ إناءَه؛ أي: ملأه حتى فاض.
* * *
١٠٣٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لنا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا، قَالَ: قَالُوا: وَفِي نَجْدِناَ، قَالَ: قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لنا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا، قَالَ: قَالُوا: وَفِي نَجْدِناَ، قَالَ: قَالَ: هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ، وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ.
الحديث الثاني:
"الحسين بن الحسن"؛ أي: ابن بشار البصري.
قال الكَلابَاذِيُّ: روى عنه محمَّد بن المثنَّى حديثًا موقوفًا، وهو في الأصل مُسْنَدٌ في (الاستسقاء)، وفي أصل النَّسَفي: قال أبو عبد الله -أي: البخاري-: هذا الحديث مرفوع إلى النبي ﷺ إلا أنَّ ابنَ عَون كان يقتصِر على ابن عُمر، وقال (ط): سقط لفظةُ (عن النبي ﷺ ) إذ
стр. 1948
مِثْلُ ذلك لا يدرك بالرأي.
"شامنا ويمننا"؛ أي: الإقليمين، ويحتمل البلاد التي عن يَمننا وعن يسارنا، يقال: نظره يمينه وشماله؛ أي: يمينًا ويسارًا.
"نجدنا" النَّجْد خلاف الغَور الذي هو تِهامة، فكلُّ ما ارتفعَ من تِهامة إلى أرض العراق فهو نَجْدٌ.
قال (ط): ظهورُ الزلازلِ والآيات وعيدٌ لأهل الأرض، قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إلا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]، وإنما ترك الدعاءَ لأهل المَشْرق ليضعُفُوا (١) عن الشَّر الذي هو موضوعٌ في جهتهم لاستيلاء الشَّيطان بالفتن عليها.
"قرن الشيطان"؛ أي: أمته وحِزْبه.
قال كعب: يخرج الدجال من العراق، وأما علامات الساعة، فنحن فيها: قُبِضَ العلمُ، وظهرتِ الفتن، وكَثُر القتل والمال لا سيما عند الأراذِل.
* * *
٢٨ - بابُ قَوْلِ اللهِ تعَالَى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: شُكْرَكُمْ.
стр. 1949
(باب قول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾)
(شكركم)؛ أي: أطلق الرزق على لازمه وهو الشكر مجازًا، أو أراد شكر رزقكم، فهو إضمار، أو الرزق من أسماء الشكر، والحديث سبق شرحه (١) في (باب يستقبل الإمام الناس إذا سَلَّم).
قال (ط): وجه تعلُّقِه بالترجمة: أنهم كانوا ينسِبون الأفعال لغير الله، فيظنُّون النجمَ يُمْطِرهم ويرزقهم، فهذا تكذيبهم، فَنُهوا عن نسبة الغيث إلا لله لا للأَنْواء، وأُمِروا أن يشكُروا للهِ نعمتَه.
١٠٣٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ زيدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لنا رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْح بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ "، قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْناَ بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ".
* * *
стр. 1950
٢٩ - بابٌ لَا يَدْرِي مَتَى يَجِيءُ الْمَطَرُ إِلَّا اللهُ
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا الله".
(باب لا يدري متى يجيءُ المطرُ إلا اللهُ
" وقال أبو هريرة" سبق وصلُ البخاري له في (كتاب الإيمان).
* * *
١٠٣٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مِفْتَاحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللهُ، لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا يَكُونُ فِي غَدٍ، وَلَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا يَكُونُ فِي الأَرْحَامِ، وَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا، ومَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، ومَا يَدْرِي أَحَدٌ مَتَى يَجِيُء المَطَرُ".
"مفتاح" استعارةٌ بالكناية بأن يجعل الغيب مَخزونًا مُغلقًا، وذَكَر ما هو من خواصِّ المشبَّه به، وهو المخزن وهو المفتاح، أو استعارةٌ مُصرّحة بأن يجعل ما يُتوصل به إلى معرفة الغَيب للمخزن، ولفظ الغيبِ قرينةٌ له.
"خمس" ذكر هذه وإن كان الغيب لا يتناهى ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]، إمَّا لأنَّ العددَ لا ينفي زائدًا عليه، أو أنَّ هذه الخَمس هي التي كان القومُ يدَّعون علمَها، أو أنَّهم كانوا يسألونه عنها، أو لأنها
стр. 1951
أمهاتُ الأمور، لأنها إما أنْ تتعلَّق بالآخرة وهو علم الساعة، أو بالدنيا بالجمادات وأشير إليه بالغَيث، أو بالحيوان في مبدأه وهو ما في الأرحام، أو معاشِه وهو الكَسب، أو معاده وهو الموت؛ نعم لم يصرِّح في الحديث بعلم الساعة كما صرَّح في الآية لشُمول علمِ ما في الغدِ له.
"نفس" عبَّر في هذا وفيما بعدَه بـ (نفس)، وفي الثلاثة الأخرى بلفظ: (أحد)، لأنَّ النَّفسَ هي الكاسبة، وهي التي تموت، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ [الزمر: ٤٢]، فلو عبَّر بـ (أحد) لاحتمل أنْ يفهم منه: لا يعلم أحد ماذا تكسِبُ نفسُه، أو بأيِّ أرضٍ تموت نفسُه، فتفوتُ المبالغة بنفي علم النفسِ أحوالها، فكيف غيرها.
"وما تدري" الدِّراية أخصُّ من العلم، لأنها علمٌ باحتيال؛ أي: لا تَعْلَم وإن علمت حيلتها، وإنَّما ذَكَر نفي العلم في: ﴿مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [القمان: ٣٤]، ولفظ القرآن: ﴿وَمَا تَدْرِي﴾، لإرادة زيادة المبالغة؛ إذ نفي الأعم يستلزمُ نفيَ الأخصِّ بلا عكس.
قال (ط): في الحديث: إبطالُ دعوى المنجِّمين عِلْمَ ما أخبرَ اللهُ بانفراده في علمه، فمنِ اعتقدَ ذلك فقد كَذَّب اللهَ ورسولَه؛ فيكفُر.
стр. 1952
١٦ - كِتابُ الكسُوُفِ
стр. 1953
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١٦ - كِتابُ الكسُوُفِ
هو التغيير للسواد تقول: كَسَفَ وجهُه: تغيَّر، وهو هنا: ذهابُ النورِ أو بعضُه، وهو والخسوفُ بمعنًى، سواء أُسند للشمس أو للقمر، يبنى فعلُهما للفاعل أو للمفعول، أو أتى بصيغة انفعل انكسف أو انخسف، وقيل: يختصُّ ما بالكاف بالشمس، وما بالخاء بالقمر، والأصحُّ أنَّ هذا في الغالب، ثم الجمهورُ على أنَّهما يكونانِ لذهاب ضوءِ الشمس والقمر بالكلِّية، وللبعض، قيل: بالخاء للكلِّ، وبالكاف للبعض، وقيل: بالخاء لذهاب اللَّون، وبالكاف للتغيير.
١ - بابُ الصلاة في كسوف الشمس
(باب الصلاة في كسوف الشمس)
١٠٤٠ - حَدَّثَنا عَمْرُو بنُ عَوْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَن يُونسُ، عَن الحَسَنِ، عَن أَبِي بَكْرَةَ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَانْكَسَفَتِ
стр. 1954
الشَّمْسُ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجدَ، فَدَخَلْنَا فَصَلَّى بِنَا رَكعَتَيْنِ، حَتَّى انْجَلَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ ﷺ : "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا، وَادْعُوا، حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ".
الحديث الأول:
"رأيتموها"؛ أي: الكَسْفة أو الآية (١)؛ لأنَّ الكسوفَ آية، وفي بعضها: (رأيتموهما) بالتثنية، قيل: فيه دلالة على أنَّ الصلاةَ لا تُقطع حتى تَنجلي.
قال الطحاوي: لا تتعيَّن الصلاةُ، بل إما هي، أو الدعاء؛ لقوله (٢): (فصلُّوا وادْعُوا).
وفيه ما كان ﷺ عليه مِنْ خوفِ الله تعالى، والمبادرةِ إلى طاعته، فقام يجرُّ رداءه من شدة الخوف والمبادرة، وإنما الذم في جَرِّ الثوب خُيلاء، وإبطال اعتقاد أنَّ الكسوف لموتِ أحدٍ من العظماء.
* * *
١٠٤١ - حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ، قال: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ يَقُولُ: قَالَ
стр. 1955
النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَقُومُوا فَصَلُّوا".
الثاني:
"آيتان"؛ أي: علامتانِ لقُرب القيامة، أو لعذاب الله، أو أنَّهما مُسخَّرتان بقدرة الله تعالى، وسبقَ سببُ الكسوف في (كتاب العلم) في (باب مَنْ أجاب الفُتيا).
* * *
١٠٤٢ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ كَانَ يُخْبِرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَصَلُّوا".
الثالث:
"فإذا رأيتموهما فصلوا"، قال (خ): لمَّا كان مُعتَقَد الجاهلية أنَّ الكسوفَ يوجِب حدوثَ تغييرٍ في العالم كما يَزْعُم المنجِّمون من نسبة الأحكام للنجوم، لأن السُّفليات مربوطةٌ بالعُلْويات = أَعْلَمَ النبيُّ ﷺ ذلك، وأنَّهما آيتانِ وخَلْقان مُسخَّرانِ لا قدرةَ لهما على الدَّفع عن أنفسهما، فلا يستحقَّانِ أنْ يُعْبَدَا كما قال تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ [لقمان: ٣٧]، فلذلك أمرَ عند كسوفِهما أنْ يفزَعَ إلى الصلاة، والسجود لله إبطالًا لاعتقاد الجُهَّال ما يعتقدون، ويحتمل
стр. 1956
أنَّ الأمرَ بالصلاة للتضرُّع إلى الله في دفعِ الآيات التي تتوهمها الأنفسُ تحقيقًا لإضافة الحوادث إلى الله تعالى، ووجهٌ ثالثٌ: أنها من آياتِ قربِ القيامة خَوَّفَ اللهُ بها الناسَ ليفْزَعوا إلى التوبة والاستغفار، قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إلا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩].
* * *
١٠٤٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ زيَادٍ بنِ عِلَاقَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ، فَقَالَ النَّاسُ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإذَا رَأَيْتُمْ فَصَلُّوا وَادْعُوا الله".
الرابع:
"إبراهيم"؛ أي: ولد النبيِّ ﷺ من سُرِّيته مَارِية القِبطية، وُلِدَ بالمدينة في ذي الحِجَّة سنةَ ثمان، ومات في ذي الحجة سنةَ عشرٍ، ودُفن بالبقيع، وقيل: وفاتُه يومَ الثُّلاثاء، عاشر ربيع الأول، سنةَ عشر.
"آيتان" قال القاضي الباقلَّاني: رؤية الأهلَّة، وحدوثُ الحرِّ والبرد، وكلُّ ما أجرى اللهُ العادةَ بحُدوثه على وتيرة، وإن كانت من آياته، لكن خُصَّتا بالذِّكر، لإخباره تعالى أنَّ القيامة تقوم وهما
стр. 1957
منكسفتان، فأمَرَ بالصلاة والتوبة ونحوهما خوفًا مَنْ أن يكون الكسوفُ لقيام الساعة.
قال المُهَلَّب: وكان هذا قبلَ أن يعلم بأشراط الساعة ومقدِّماتِها.
"ولا لحياته" ذكر هذا وإن لم يَقُل أحدٌ أن الانكساف يكون لحياة أحدٍ لا سيما في سياق موتِ إبراهيم لدفع توهُّم أنه إذا لم يكن لموت أحدٍ فيكون لنقيضِ الموت، فعمَّم النفيَ فيهما.
* * *
٢ - بابُ الصَّدَقَةِ فِي الْكُسُوفِ
(باب الصدقة في الكسوف)
١٠٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالنَّاسِ، فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، وَهْوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، وَهْوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ مَا فَعَلَ فِي الأُولَى، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدِ انْجَلَتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأثنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ لَا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللهَ وَكَبِّرُوا، وَصَلُّوا
стр. 1958
وَتَصَدَّقُوا"، ثُمَّ قَالَ: "يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ! وَاللهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ! وَاللهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا".
"أغير" هو في الأصل من الغَيرة، وهي الحَمِيَّة، فيقال: غار على أهله؛ أي: أخذتْهُ الحميَّةُ عليهم، ونَسْبَتُهُ إلى الله تعالى مجازٌ.
قال ابنُ فُوْرَك: المراد به الزَّجر والتحريم، ولهذا جاء (ومِنْ غَيرته حَرَّم الفواحش).
قال (ك): محمولٌ على غاية إظهار غضبِه على الزاني استعارة مصرحة تَبَعِيَّة، شبَّه حالةَ ما يفعله الله تعالى مع عبده الزاني من الزجر والتعزير، وقيل: المعنى: ليس أحدٌ أمنع للمعاصي من الله، ولا أشد كراهةً لها منه، ويجوزُ في (أغير) الرفع على أن (ما) تميمية، فهو خبر المبتدأ الذي هو (أحد)، والنصب على أنها حجازية، و (من) زائدة مؤكِّدة، فيكون (أغير) خبرها، ويجوز أن تكون فتحة (أغير) علامة الجر فيه، لكونه صفة للمجرور باعتبار اللفظ، والخبر محذوف؛ أي: موجود، ويجوز في الرفع أن يكون (أغير) صفة لـ (أحد) باعتبار محلِّه، والخبر محذوف.
"أن يزني"؛ أي: من أن، فحذف الجار، وهو متعلق بـ (أغير)، ووجهُ تعلُّقِ الكلام بما قبلَه: أنه لمَّا خَوَّف أمتَه من الكسوف وحَرَّضهم على الالتجاء إلى الله تعالى بالخيرات أرادَ التعرُّضَ للأهل والزوج اللذَين أصلُ الغيرةِ أن تكونَ فيهما.
стр. 1959
"لو تعلمون"؛ أي: مِنْ عِظَمِ انتقام الله من أهل الجرائم، وشدة عقابه، وأهوالِ القيامة وأحوالها كما علمتُه = لَمَا ضَحِكْتُم أصلًا؛ إذ السياقُ يقتضي التعبيرَ بالقليل عن العدم.
وفيه بيان أن صلاة الكسوف ركعتانِ، في كلِّ ركعة ركوعانِ وقيامان، وأنَّ حكم الشمس والقمر واحد فيهما، وقال مالك وأصحاب الرأي: يصلِّي بلا زيادة ركوع، ولا في جماعة.
وفيه: أنَّ لها خطبة بعدها، وأنَّ الإمام عند الآيات يَعِظُ الناسَ ويأمرهم بأعمال البر، وينهاهم عن المعاصي، ويذكِّرهم نِعَمَ اللهِ، وأنَّ الصدقة والصلاة والاستغفار تَكشف النِّقمةَ.
* * *
٣ - بابُ النِّدَاءِ بِـ (الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ فِي الْكُسُوفِ)
(باب النداء بالصلاة جامعة)
١٠٤٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: أَخْبَرَناَ يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامِ بْنِ أَبِي سَلَّامٍ الْحَبَشِيُّ الدِّمَشْقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثيرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، قَالَ: لَمَّا كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ نُودِيَ: إِنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ.
стр. 1960
"إسحاق" قال الغسَّاني: يُشبه أن يكون ابن منصور.
"سلام" بتشديد اللام في اللَّفظين.
"الحبشي" بفتح المهملة والموحدة نسبة لبلاد الحبشة، وقال ابن مَعين: الحبش حي من حِمْير، وقال الأَصِيليُّ: بضم الحاء وسكون الموحدة، كما يقال: عَجم وعُجم.
"إن الصلاة" نصب على الإغراء؛ أي: الزموها.
"جامعة" نصب على الحال، وفي (إن) حرف جَرٍّ مقدرٌ، أي: بأنَّ، ولا تأثير له في اللفظين، بل هما على وجه الحكاية، وقال بعض الفقهاء: يرفعان، ويرفع الأول وينصب الثاني، وبالعكس، وأما (إن) ففي بعضها بالتخفيف على أن تكون مفسّرة، وفي بعضها بالتشديد، فيكون خبرها محذوف؛ أي: حاضرة إلا أن نثبت رواية رفع: (جامعة).
* * *
٤ - بابُ خُطْبَةِ الإِمَامِ فِي الْكُسُوفِ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ وَأَسْمَاءُ: خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ .
(باب خطبة الإمام في الكسوف)
" وقالت عائشة، وأسماء" وصلهما البخاريُّ كما سيأتي.
"ثم قال في الركعة الآخرة مثل ذلك"؛ أي: عمل فيها مِثْلَ ما عَمِلَ في الأولى.
"ثم قام فأثنى" هو موضع الدَّليل للترجمة.
قال (ط): قال الشافعي: يُندب أن يخطُبَ لها بعد الصلاة كالعيد، وقال مالك، والكوفيون: لا خطبةَ فيهما، لأنَّ النبيَّ ﷺ إنما كانت للرد عليهم في قولهم إن ذلك لموت إبراهيم، فعرفهم أنها لا تكون لموت أحد ولا لحياته.
"فافزعوا"؛ أي: التجئوا.
"وكان يُحدث كثيرًا" هذا من قول الزُّهري عطفًا على: (حدثني عروة)، ولهذا قال الكَلَاباذِيُّ: إنَّ الزهري روى عن كثير عن ابن عباس في الكسوف.
"فقلت"؛ أي: قال الزُّهْرِي: فقلت.
"لعروة: إن أخاك"؛ أي: عبد الله بن الزبير أمير المؤمنين.
"أجل" حرف جواب بمعنى نعم.
"أخطأ السنة"؛ أي: جاوزَها، إما سهوًا، وإما عمدًا؛ أي: أدَّى إليه اجتهادُه، فقد قال كثير من العلماء: يجوز أنْ يصلِّيَ كسائر الصلوات، وإن كان الأكمل الهيئة المشهورة.
قال (ن) في "شرح المهذب": إنه مقتضى كلامِ أصحابنا.
* * *