١١ - بابُ مَنْ قَرَأَ السَّجْدَةَ فِي الصَّلَاةِ فَسَجَدَ بِهَا
(باب مَن قَرأَ السجدةَ في الصَّلاة)
١٠٧٨ - حَدَّثنا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي بَكْرٌ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، قالَ: صلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْعَتَمَةَ فَقَرَأَ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] فَسَجَدَ فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ؟ قَالَ: سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ أَبِي الْقَاسِم ﷺ فَلَا أَزَالُ أَسْجُدُ فِيهَا حَتَّى ألقَاهُ.
(ما هذه)؛ أي: التي سجدتَ بها.
(ألقاه)؛ أي: ألقى النبيَّ ﷺ ، والمراد: حتى أَموتَ.
قال (ط): فيه حُجةٌ لقول الشافعي: يَسجد للتِّلاوة في المَكتوبة، وكَرِهَ مالكٌ السجدةَ في الفَريضة مطلقًا، وروي عن أبي حنيفة: أنه لا يَقرأ في السِّرِّية، ويقرأ في الجهريَّة.
стр. 1997
١٨ - كتاب التَّقصير
стр. 1998
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١٨ - كتاب التقصير
١ - بابُ مَا جَاءَ فِي التَّقْصِيرِ، وَكمْ يُقِيمُ حَتَّى يَقْصُرَ
(باب ما جاءَ في التَّقصير)، أي: تقصير الصلاة، وهو رَدُّ الرُّباعية إلى ثِنْتين، يُقال: قصَر الصلاة -مُخفَّفًا-، وقصَّرها -بالتشديد-، وحكى الوَاحِديُّ: أَقصَرَها، ومصدر الأُولى قَصْرًا، والثانية تَقصيرًا، وقياس الثَّانية إِقْصارٌ.
(حتى يقصر): بمعنى: كي يقصر، أي: لأنَّ عدَد أيام الإِقامة الآتي بَيانُه سببٌ لجَواز القَصْر، حتى لو زادَ لا يقصُر، وحينئذٍ فالمراد بالإقامة المُكْث، وإلا فالإقامة المُقابلة للسَّفَر إذا زادتْ على ثلاثةٍ تمنَع من القَصْر.
١٠٨٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو عَوَانةَ، عَنْ عَاصِمٍ وَحُصَيْنٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، قَالَ: أقامَ النَّبِيُّ ﷺ -
стр. 1999
تِسْعَةَ عَشَرَ يَقْصُرُ، فَنَحْنُ إِذَا سَافَرْناَ تِسْعَةَ عَشَرَ قَصَرْناَ، وَإِنْ زِدْناَ أتمَمْنَا.
الحديث الأول:
(تسعة عشر)؛ أي: يومًا، وذلك إذا كان يتوقَّع قضاءَ حاجته يومًا فيومًا، لكن يُشكل ترجيح الشافعية ثمانيةَ عشر حينئذٍ إلا أن يكون لُوحِظَ فيها يوما النُّزول والتَّرحال، فسمَّاهما تسعةَ عشرَ بهذا الاعتبار، وأما عند التَّحديد فثمانية عشر.
قلتُ: ومجيء رواية ثمانية عشر يقتضي ذلك، فيُجمع بينهما به.
* * *
١٠٨١ - حَدَّثَنا أَبُو مُعَمِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنا يَحيَى بنُ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعتُ أَنسًا يَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَكَانَ يُصَلِّي رَكعَتَيْنِ رَكعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ. قُلْتُ: أقمْتُمْ بِمَكَّةَ شَيْئًا؟ قَالَ: أَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا.
الثاني:
(عشرًا)؛ أي: عشرةَ أيامٍ، وإنما حُذفت التاء؛ لأن المَعدود لم يُذكر، فيجوز الوجهان، قالوا: وهذا في حَجَّةِ الوداع، أي: في مكة وفيما حَولَها؛ لأنه قَدِمَ مكَّة في الرَّابع، وخرج في الثَّامن إلى مِنَى، ونفَر منها في الثَّالث عشَر إلى مكة، وخرَج إلى المدينة في الرَّابع عشر، وكان يَقصرُ الصلاة فيها كلِّها.
стр. 2000
قال (ط): إقامة التِّسعة عشرَ في الحديث الأول، والعشَرة في الثاني ليس استيطانًا؛ لئلا يكون رُجوعًا عن الهجرة، وقال ابن عبَّاس في التِّسعة عشر: إنَّه كان فيها مُحاصرًا للطَّائف، أو حَرْب هَوازِن، فلم يَجعل العِلَّة في قَصْره نيَّة الخُروج متى انقضت حاجته وهي: الفَتْح، بل جعل المُدَّةَ حدًّا بين التقصير والإتمام، وهو مذهبٌ تَفرَّد به عن قول الفُقهاء أنَّه لم يكن عَازِمًا على الاستِقرار، بل مُنتظِرًا للفتح، ثم يَرحَل.
* * *
٢ - بابُ الصَّلَاةِ بِمِنى
(باب الصلاةِ بمِنى)
بالصَّرف مراعاةً للمكان، والمنْع مراعاةً للبُقعة.
١٠٨٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَني ناَفِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: صلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمِنًى رَكعَتَيْنِ، وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمرَ، وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ إِمَارتهِ، ثُمَّ أتمَّهَا.
(صدرًا)؛ أي: أوَّلَ، وكانت إمارتُه ستَّ سنين، أو ثمان، على خلافٍ فيه، أي: وأتَمَّ بعد ذلك؛ لأنهما جائزان، والإتمامُ فيه زيادةُ مشقَّةٍ.
стр. 2001
قال (ش): إنه فعَل ذلك سَبعْ سنين من خلافته، وكان قبلَها يقصر كما سيأتي في (باب: مَن لم يتطوَّع في السفَر): أنَّ عُثمان كان لا يَزيد على ركعتَين.
* * *
١٠٨٣ - حَدَّثَنَا أبو الْوَليدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبةُ، أَنْبَأناَ أبو إِسحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ ابْنَ وَهْبٍ، قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ آمَنَ مَا كانَ بِمِنًى رَكعَتَيْنِ.
الثاني:
(أنبأنا) سبق أن ابن عيَيْنة قال: معناه ومعنى أخبَرَنا واحدٌ.
(آمن ما كانت)؛ أي: حالةَ كونه في آمَنِ أكوانه، وفي بعضها: (ما كان)، وأما الشَّرط في قوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١]، فخرَجَ مَخْرَج الغالِب، فلا يُعمل بمفهومه، وقد قال يَعلَى بن أُمَيَّة لعمر ﵁: ما بالُنا نَقصرُ وقد أَمِنَّا؟، فقال: عَجِبْتُ مما عَجِبْتَ منه، فسأَلتُه ﵁، فقال: "إنَّما هيَ صَدَقةٌ تصدَّقَ اللهُ بها علَيكُم، فاقْبَلُوا صدَقتَه".
قال (خ): فهو دليلٌ على أنَّها رُخصةٌ؛ لأنَّ الواجِب لا يُسمَّى صدَقةً.
قال الطِّيْبِي: وفيه تعظيم شأْن النبي ﷺ حيث أَطلَق ما قيَّده الله، ووسَّع على عباده، ونسَب فعلَه إلى الله.
* * *
стр. 2002
١٠٨٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، عَنِ الأَعْمَشِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ، يَقُولُ: صَلَّى بِنَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ بِمِنًى أَرْبَعَ ركَعَاتٍ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، فَاسْتَرْجَعَ ثُمَّ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِمِنًى رَكعَتَيْنِ، وَصلَّيْتُ مَع أَبِي بَكْرٍ ﵁ بِمِنًى رَكعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ ابْنِ الْخَطَّابِ ﵁ بِمِنى رَكعَتَيْنِ، فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعِ ركَعَاتٍ ركعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ.
الحديث الثالث:
(بمنى) متعلِّق بـ (يصلِّي).
(فاسترجع)؛ أي: قال: إنَّا لله وإنا إليه راجعون كراهةَ مُخالفته الأفضلَ لا لكون الإتمام لا يُجزئ، وإلا لمَا قال: فلَيت حظِّي من أَربعِ ركعاتٍ؛ لأن ما لا يُجزئ لا حَظَّ فيه؛ لأنه فاسدٌ، وقال الدَّاوُدِي: خَشيَ أن لا تُجزئه الأربعُ، وليس كذلك لمَا ذكرناه.
(حظي)؛ أي: نَصِيْبي.
(من أربع) تحتمل البدَليَّةَ، نحو: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨]، وفي ذلك تعريضٌ بعُثمان، أي: لَيتَه صلَّى ركعتَين بدَلَ الأربع كما كان ﷺ وصاحباه يفعلون، وهو إظهارٌ لكراهة مُخالفتهم، وابنُ مسعود موافقٌ على جَواز الإتمام؛ فإنَّه كان يُصلِّي متِمًّا خلْفَ عُثمان، فهما جائزان كما هو ظاهر القُرآن، وعليه
стр. 2003
الجُمهور خلافًا لقول أبي حنيفة أنَّ القَصْر واجبٌ، ولا يجوز الإتمام.
قال (خ): استرجاعُه إنما كان من أَجْل الأُسوة، ولولا جوازُ الإتمام لم يتابع هو والملأُ من الصحابة عُثمانَ عليه، وأهل الموسم من الآفاق، ثم قال: مخالفةُ الإمام تُغتفر فيما فيه التَّخيير؛ إذ لو كان بدعةً لكان مُخالفته فيه خيرًا وصلاحًا.
* * *
٣ - بابٌ كمْ أقَامَ النبِي ﷺ فِي حَجتِهِ
١٠٨٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْب، قَالَ: حَدَّثَنَا أيُّوبُ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الْبَرَّاء، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁، قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصحابُهُ لِصُبْحِ رَابِعَةٍ يُلَبُّونَ بِالْحَجِّ، فَأمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً إِلَّا مَنْ مَعَهُ الْهَدْيُ.
تَابَعَهُ عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرٍ.
(باب: كم أقامَ النبيُّ ﷺ في حَجَّتِه)؛ أي: للوَداع.
(البرَّاء) بالتَّشديد والمَدِّ؛ لأنه كان يَبْرِي النَّشَّاب.
قال الغَسَّانِي: أبو العَالِيَة اثنان تابعيَّان بصْريَّان، يرويان عن ابن عبَّاس: رُفيع بضمِّ الراء، روى عنه قَتادة، وزِيادة بكسر الزَّاي، رَوى عنه أيوب السخْتِيَاني، والبُخاريُّ روى لهما.
стр. 2004
(رابعة)؛ أي: رابعِ ذي الحِجَّة، وهو يوم الأَحَد، وسبق في حديث أنَس بَيان العشَرة أيام.
(يلبون) كنايةٌ عن الإحرام.
(هَدْي) بفتح الهاء، وسكون الدال، وبكسر الدال، وتشديد الدال: اسمٌ لمَا يُهْدَى إلى الحرَم من النَّعَم قُربةً، ووجْهُ استثناء المُهدي أنَّه لا يجوز له التحلُّل حتى يَبلُغ الهديُ مَحِلَّه.
(تابعه عطاء) وصلَها البخاريُّ في (الحجِّ).
* * *
٤ - بابٌ فِي كمْ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ ؟
وَسَمَّى النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا وَلَيلَةً سَفَرًا.
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃ يَقْصُرَانِ وَيُفْطِرَانِ فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ وَهْيَ ستَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا.
(باب: في كَمْ يقصر الصلاة)
والإشارة إلى الحديث الآتي.
(السفر يومًا وليلةً) في بعضها بتأخير السفَر، وهو أنسَبُ كـ: سمَّيتُ فُلانًا زيدًا.
(بُرد) بضمِّها جمع بَرِيْد، وهو اثنا عشَر مِيْلًا.
стр. 2005
(فرسخًا) هو فارسيٌّ معرَّبٌ.
* * *
١٠٨٦ - حَدَّثَنا إِسْحَاقُ بنُ إِبرَاهِيمَ الحَنْظَليُّ، قَالَ: قُلتُ لأَبِي أُسَامَةَ، حَدَّثَكُمْ عُبَيدُ اللهِ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنْ ابنِ عُمَرَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا تُسَافِرِ الْمَرْأةُ ثَلَاثَةَ أيامٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ".
الثاني:
(حدثكم) إذا قيل للشيخ: حدَّثَكم فلانٌ مع قَرينة الإجابة كفَى.
(ثلاثة أيام) في بعضها: (ثلاثةً).
(ذي محرم) قال الجَوْهَرِي: أي: حرامٍ، والمراد: من لا يَحِلُّ نكاحها.
* * *
١٠٨٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تُسَافِرِ الْمَرأةُ ثَلَاثًا إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ".
تَابَعَهُ أَحْمَدُ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
الثالث:
(تابعه أحمد) ليس أحمدَ بن حنبل؛ لأنه لم يسمعْ من ابن
стр. 2006
المُبارَك، فيحتمل أنه أحمد ابن محمَّد المَرْوَزي، وقد قال الغَسَّانِي: روى البخاري في مواضعَ: ثنا أحمد بن محمَّد عن بن المُبارك، فقال أبو عبد الله النَّيْسابُوري: إنه أحمد بن محمد بن موسى المَرْوَزي، يُكنى أبا العبَّاس، ويلَقَّب: مَردَوَيْهِ.
(حرمة)؛ أي: مَحْرَم، واعلم أنه قال في الأول: فَوق ثلاثة، وفي الثاني: ثلاثة، وفي الثالث: يومين، ولا تَنافيَ؛ لأن مفهومَ العدد لا اعتبارَ به.
قال (ط): اختُلف في ذلك، فقال مالكٌ، والشافعيُّ، وأحمد: أربعة بُرُدٍ، والأَوْزَاعِي: يومٌ تامٌّ، والكوفيون: ثلاثة أيَّام، وأهل (١) الظَّاهر: السفر قليلًا أو كثيرًا إذا جاوَزَ البُنيان، ولو قصد إلى بُستانه.
قال: واختلاف الأحاديث فلأنه جواب لاختلاف السَّائلين على حسَب ما سألَه كلُّ واحدٍ.
قال (خ): يَستدلُّ بالحديث الثاني مَن جعَل سفَر القَصْر ثلاثًا؛ لأن المرأة يجوز لها الخُروج في أقلَّ منها لِقِصَر المسافة وخفَّة الأمر، وإنما الرُّخصة في طويلٍ فيه (٢) مشقَّةٌ وتعَبٌ، وردَّه بأنه لو كانت العِلَّة ذلك لجازَ لامرأةٍ السفَر فيما دُون الثَّلاث بلا مَحرَم، لكن لم يَجُز،
стр. 2007
وقال الأَوْزَاعِي: يَقصِرُ في مسيرةِ يومٍ.
وفيه أن المرأة إذا لم تَجِدْ مَحرَمًا لا يلزمُها الحجُّ.
* * *
١٠٨٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيد الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا حُرْمَةٌ".
تَابَعَهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ وَسُهَيْلٌ وَمَالِكٌ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁.
(تابعه يحيى) وصلَ ذلك أحمد.
(سهيل) وصلَه أبو داود، وابن حِبَّان، والحاكم.
(ومالك) وصلَه مسلم، وأبو داود، وغيرهما.
(المَقْبُرِي)؛ أي: أبو سَعيد.
قال (ن): يُقال لكل واحدٍ من الأب والابن: المَقْبُري، وإنْ كان الأصل هو الأب.
* * *
стр. 2008
٥ - بابٌ يَقصُرُ إذَا خَرَجَ مِنْ مَوْضِعِهِ
وَخَرَجَ عَلِيٌّ ﵇ فَقَصَرَ وَهْوَ يَرَى الْبُيُوتَ، فَلَمَّا رَجَعَ قِيلَ لَهُ: هَذِهِ الْكُوفَةُ. قَالَ: لَا حَتَّى نَدْخُلَهَا.
(باب: يَقصِر إذا خرَجَ مِن مَوضِعه)
١٠٨٩ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ أَنسٍ ﵁، قَالَ: صلَّيْتُ الظُّهْرَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَبِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكعَتَيْنِ.
الحديث الأول:
(ذو الحُلَيفة) بضمِّ المهملَة، وفتح اللام: على ستة أميالٍ من المدينة، ولا حُجَّة فيه للظَّاهرية في القصْر في السفَر القصير؛ لأنه ﷺ كان قاصدًا مكةَ لا أن الحُلَيفة غايةُ سفَره.
* * *
١٠٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتِ: الصَّلَاةُ أَوَّلُ مَا فُرِضَت رَكعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَقُلْتُ لِعُرْوَةَ: مَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ؟ قَالَ: تأوَّلَتْ مَا تأوَّلَ عُثْمَانُ.
стр. 2009
الثاني:
(أول) بالرَّفْع بدلٌ من الصَّلاة، أو مبتدأٌ ثانٍ، ويُنصب على الظَّرفية، أي: في أوَّل.
(ركعتان) خبر المبتدأ، ورُوي: (ركعتين) بالياء على أنه حالٌ سدَّ مَسَدَّ الخبَر، كقول الشاعر:
الحربُ أولُ ما تكون فتيَّةً ... تَسعى بزينتها لِكُلِّ جَهول
واعلم أن الحديث لا دلالةَ فيه للحنفيَّة على وُجوب القَصْر لوجوه، منها:
منها: لو كان هذا على ظاهره لمَا جاز لعائشة أن تُتِمَّ، وأيضًا هي (١) راوية (٢) الحديث، وقد خالفتْهُ، فلا يُعمل بالرِّواية عندهم.
ومنها: أنه خبرُ واحدٍ لا يُعارِض القُرآن في: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا﴾ [النساء: ١٠١] المُقتضي أنَّها في الأصل عامٌّ، وأيضًا فقوله: (الصلاة)، مخصَّصٌ بغير المغرب والصُّبح، وفي حُجَّة العامِّ إذا خُصَّ خلافٌ.
وقال (ط): (فَرَضَ) يأتي لغير الإيجاب بمعنى: قدَّرَ؛ كـ: فرَض القاضي النَّفَقة، أو: بين نحو: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢].
وقال الطَّبَري: فُرِضت لمن اختار ذلك من المُسافِرين، ونظير
стр. 2010
التَّخيير بين الإتمام والقَصْر التخيير بين النَّفْر الأوَّل والثاني للحاجِّ من مِنى.
وقال (ن): فُرضت ركعتين لمَن أراد الاقتصار عليها، فزِيدَ في الحضَر ركعتان تحتيمًا، وأُقِرَّت صلاة السفَر على جَواز الإتمام، وقد ثبت دلائلُ الإتمام، فوجَب المصير إليه جمعًا بين الأدلَّة.
(ما تأول عثمان) الصَّحيح في معنى تأويله: أنَّه رأَى القصْر والإتمام جائزَين، فأخذ بأحدهما وهو الإتمام، لا لمَا قيل: إنَّ عثمان تأهَّلَ بمكة؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ سافَر بأزواجه، فقصَر، ولا لأنَّ النبيَّ ﷺ إمام المؤمنين، وعائشة أُمُّهم، فكأنما في منازلهما؛ لأنه ﷺ أَولى بذلك، ولا لأَنَّ الأعراب حضَروا معه لئلا يظُنُّوا أن فَرْض الصلاة (١) ركعتان حضَرًا وسفَرًا؛ لأن هذا المعنى كان موجودًا في زمنه ﷺ ، كيف وأَمْرُ الصلاة في زمَن عُثمان كان أشهَر، ولا لأنَّه نَوى الإقامةَ بمكة بعد الحجِّ؛ لأنها حرامٌ على المُهاجِر فوقَ ثلاثة أيامٍ.
ووجْهُ مطابقة الحديث للتَّرجمة: أن السفَر صادقٌ بمجرَّد خُروجه من مَوضعه.
* * *
(وزاد الليث) وصلَه الذُّهْلِي في "الزُّهْرِيات".
(استصرخ) بالبناء للمفعول، أي: أُخبِرَ بموت زوجته بنتِ أبي عُبَيْدُ الثَّقَفيَّة أُخت المُختار بن أبي عُبَيْدُ.
(الصلاة) بالنَّصْب على الإغراء، أو بالرَّفع مبتدأٌ حُذِفَ خبره، أو بالعكس.
(ميلين) المِيْل أربعة آلاف خُطوةٍ، وهو ثلُث فَرْسَخٍ.
(قل ما)؛ أي: قلَّ لُبثُه، فـ (ما) مصدريةٌ.
(يسبح)؛ أي: يُصلِّي، والسُّبْحة صلاة النَّفل، وإنما لم تُقصَر المغرب؛ لأنها وِتْرُ النَّهار.
وفيه أنه لا يَفصل بين الصَّلاتَين إلا قليلًا، وبيانُ القَصْر والجمع، قال (ط): وهذا عامٌّ في جميع الأَسفار، فمَن خصَّ ببعضٍ فعليه الدَّليل، وفيه تأكيدُ قيام اللَّيل؛ لأنه ﷺ كان لا يتركُه سفَرًا، فالحضَر أَولى.
* * *
٧ - بابُ صلاةِ التطوُّع على الدَّواب
(باب صلاةِ التَّطوُّع على الدَّوابِّ)
١٠٩٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ:
стр. 2013
رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ.
١٠٩٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي التَّطَوُّعَ وَهْوَ رَاكِبٌ فِي غيْرِ الْقِبْلَةِ.
١٠٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبةَ، عَنْ ناَفِعٍ، قَالَ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ ويُوترُ عَلَيْهَا، ويُخْبِرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَفْعَلُهُ.
الحديث الأوَّل، والثَّاني، والثَّالث، وفي ترجمةٍ (١) أُخرى عَقِبَ هذه (٢): (باب: الإيماء على الدَّابَّة) فيها حديثٌ بمعنى ذلك.
(في التطوع) قال المُهَلَّب: يُخصُّ به قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، أن ذلك في المكتوبات، وأما: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، ففي التطوُّع، سواءٌ طويلُ السفَر وقَصيرُه، خلافًا لقول مالك: لا يصلِّي كذلك إلا في سفَر القصر، لأنه ﷺ كان يصلِّي على راحلته في سفَره إلى خَيْبَر، وبالقياس على الفِطْر والقَصْر، وحُجَّة الجمهور هذه الأحاديث، والقياس على التَّيمُّم.
* * *
الحديث الأول:
(يُسبح)؛ أي: يُصلِّي النَّفْلَ.
(قِبل) بكسر القاف: مُقابِل، أي: جِهة.
(وقال الليث) وصلَه الإِسْمَاعِيْلي.
(ويوتر) هذا الحديث ونحوه حُجَّةٌ على أن الوِتْر ليس بواجبٍ خلافًا لقول الحنفية بوجوبه، ولا يُصلَّى على الرَّاحلة، ولا يقدحُ أنه كان واجبًا عليه في الاستدلال بعدَم وجوبه علينا بصلاته على الرَّاحلة؛ لأن المُمتنِع على الرَّاحلة ما كان وجوبه على العُموم كالظُّهر، وإلا فقد فعلَه عليها لبيان أنه تطوُّعٌ لنا، وأما قولهم: إن الوتر واجبٌ، والظُّهر فرضٌ؛ ففرقٌ اصطلاحيٌّ لهم لا يَقتضيه شرعٌ ولا لغةٌ، ولو سُلِّم لم يَحصُل به غرَضُهم.
* * *
١٠ - بابُ صلَاةِ التَّطَوُّع عَلَى الْحِمَارِ
(باب صَلاة التَّطوُّع على الحِمَار)
لم يذكر (ك): هذه التَّرجمة، بل أدخَل الحديثَ المذكور فيها في التَّرجمة التي قبلَها.
وقال (ش): إن الإِسْمَاعِيْليَّ نازَعَ البُخاريَّ في التَّرجمة بذلك على حديث أنَس؛ لأنَّ الذي في صلاة النبيِّ ﷺ هو تطوُّعٌ على
стр. 2016
مركوبٍ في السَّفَر لغير القِبْلة لا أنَّه رُوي أنه ﷺ صلَّى على حِمارٍ، لا سيَّما وقد ورَد بلفظ: (الدَّابَّة)، فإفراد هذا الباب من جِهَة السنَّة في الحِمار لا وجْهَ له.
* * *
١١٠٠ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثنا حَبَّانُ، قَالَ: حَدَّثَنا هَمَّامٌ، قَالَ: حَدَّثَنا أَنسُ بنُ سِيرينَ، قَالَ: استَقبلْنَا أَنسًا حِينَ قَدِمَ مِنَ الشَّأْمِ، فَلَقِينَاهُ بِعَيْنِ التَّمْرِ، فَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ وَوَجْهُهُ مِنْ ذَا الْجَانِبِ، يَعْنِي عَنْ يَسَارِ الْقِبْلَةِ، فَقُلْتُ: رَأَيْتُكَ تُصَلِّي لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ؟ فَقَالَ: لَوْلَا أنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَعَلَهُ لَمْ أَفْعَلْهُ!
رَوَاهُ ابْنُ طَهْمَانَ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(بعين التمر) بالمثنَّاة فوق: مَوضِعٌ.
(طَهمان) بفتح الطَّاء المهملَة.
قال (ط): لا فَرْقَ في ذلك بين الحِمار والبَغْل وغيرهما، وله إمساك عِنَانها وضَربُها، وتحريكُ رجلَيه إلا أنه لا يتكلَّم ولا يَلتفت، ولا يَسجُد على قُرْبُوسٍ سرْجه، بل يكون السُّجود أخفَضَ من الرُّكوع، وهو رحمةٌ من الله ورِفَقٌ بعباده.
* * *
стр. 2017
١١ - بابُ مَنْ لَمْ يَتَطَوَّعْ فِي السَّفَرِ دُبُرَ الصَّلَاةِ وَقَبْلَهَا
(باب مَن لَم يتطوَّعْ في السَّفَر دُبُر) بضمِّ المهملَة، والموحَّدة، وبسكونها، أي: بعدَها.
١١٠١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَّ حَفْصَ بْنَ عَاصِم، حَدَّثَهُ قَالَ: سَافَرَ ابْنُ عُمَرَ ﵁: صَحِبْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمْ أَرَهُ يُسَبِّحُ فِي السَّفَرِ، وَقَالَ اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
١١٠٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عِيسَى بْنِ حَفْصِ ابْنِ عَاصِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: صَحِبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَكَانَ لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكعَتَيْنِ، وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَذَلِكَ ﵃.
الحديث الأول، والثاني:
(يُسبح)؛ أي: صلاة النَّفْل.
(وعثمان كذلك)؛ أي: في صَدْرٍ من خلافته كما في "مسلم"، وقد سبق أنه أتَمَّ في آخر عمُره، ولعلَّ ابن عُمر أَراد في هذه الرِّواية
стр. 2018
إتمامَ عُثمان في سائر أَسفاره في غير مِنَى؛ لأن إتمامه كان بمنَى.
* * *
١٢ - بابُ مَنْ تَطَوَّعَ فِي السَّفَرِ فِي غَيْرِ دُبُرِ الصَّلَوَاتِ وَقَبْلَهَا
وَركعَ النَّبِيُّ ﷺ ركعَتَي الْفَجْرِ فِي السَّفَرِ.
(باب مَن تطوَّعَ في السفَر)، (دُبُر) هذا أخصُّ من التَّرجمة قبلَها؛ لأن تلك في دُبُرها، وقُبلها.
(وركع النبي ﷺ ) وصلَه "مسلم" في حديث أبي قَتادة في قصَّة النَّوم عن الصُّبح.
١١٠٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: مَا أَنْبَا أَحَدٌ أنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ صلَّى الضُّحَى غَيْرُ أُمِّ هَانِئٍ ذَكَرَتْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ اغتَسَلَ فِي بَيْتِهَا، فَصَلَّى ثَمَانِ ركَعَاتٍ، فَمَا رَأَيْتُهُ صَلَّى صَلَاةً أَخَفَّ مِنْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكوعَ وَالسُّجُودَ.
١١٠٤ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونسٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرٍ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى السُّبْحَةَ بِاللَّيْلِ فِي السَّفَرِ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ.
стр. 2019
١١٠٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ، يُومِي بِرَأْسِهِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ.
الحديث الأول، والثاني، والثالث:
(ثماني) هو في الأصل منسوبٌ إلى الثُّمُن؛ لأن الجُزء الذي صيَّر السبعةَ ثمانية ثُمُنها، ثم فَتحوا أوَّله؛ لأنَّهم يغيرون (١) في النَّسب، وحذَفوا منها إحدى (٢) ياءَي النَّسَب، وعوَّضوا منها الألِف، وقد يُحذف منه الياء، ويُكتفى بكسرة النُّون، أو تُفتح تخفيفًا.
(وقال الليث) وصلَه الذُّهْلي.
(كان يُسبح) لا يُنافي ما سبَق من قوله: (لم أَره يُسبِّح)؛ إذْ معناه: لم أره يُصلِّي النَّافلة على الأرض في السفَر.
قال (ط) (٣): لأنه قد رُوي أنه كان يقومُ جَوفَ اللَّيل في السفَر ويتهجَّد فيه، فغيرُ ابن عُمر رآه، فيقدَّم المُثبِت، ويحتمل أنَّ ترْكه ﷺ لبَيان التَّخفيف في نَفْل السفَر.
وفيه النَّفل على الأرض؛ لأنه إذا جازَ على الرَّاحلة، ففي الأرض
стр. 2020
أجوَز، وكذا صلاتُه الضُّحى في الفتْح على الأرض، وكانت نافلةَ سفَرٍ.
قال: وليس قول ابن أبي ليلى بحجَّةٍ تُسقط صلاة الضُّحى؛ لأن فعلَه ﷺ مرَّةً تكتفي به الأُمة، كيف وقد روى أبو هريرة، وأبو الدَّرْداء: أنَّه ﷺ أَوصاهما برَكعتَي الضُّحى.
* * *
١٣ - بابُ الْجَمْعِ فِي السَّفَرِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ
١١٠٦ - حَدَّثَنا عَليُّ بنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنا سُفْيَانُ، قَالَ: سَمِعتُ الزُّهْرِيَّ، عَن سَالمٍ، عَن أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ النبيُّ ﷺ يَجْمعُ بينَ المَغْربِ والعِشَاءِ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيرُ.
(باب الجمْع في السفَر بين المَغرِب والعِشَاء)
الحديث الأول:
(جد به السير)؛ أي: عزَم، وترَكَ الهُوَيْنا، وأخذ بمعناه، ونِسْبة السَّير إلى الفِعل مجازٌ، وإنما اقتصر ابن عُمر على ذِكْر المغرب والعشاء دون جمع الظُّهر والعصر؛ لأنَّ الواقعَ له جمع المغرب والعشاء، وهو ما سأَل عنه نافعٌ فأجابه حين استُصرِخَ على امرأته فاستعجَلَ، فجمَع بينهما، وقيل: أجاب بما ذكر.
هذا عامٌّ، وذاك ذكَر بعضَ أفراده؛ فلا تَخصيصَ به.
قال (ط): كُلُّ راوٍ رأى ما روا، وكُلٌّ سُنَّة، قال: والجمهور على جواز الجمع في الظهر والعصر، وفي المغرب والعشاء مطلقًا، أي: في سفَر القصْر، وقال أبو حنيفة: لا يُجمع بين الظُّهر والعصر إلا بعرَفات، ولا بين المَغرب والعشاء إلا بمُزْدلفَة مُحتجًّا بأن مواقيت الصلاة قد صحَّت، فلا تُترك بأخبار الآحاد، وأُجيب: بأنها مستفيضةٌ، وأيضًا فلا فَرْقَ بينها وبين حديث الجمْع بعرفاتٍ ومزدلفةَ، بل لو لم يَرِد من فعله إلا ما كان بعرفاتٍ ومزدلفةَ كان دليلًا على جواز الجمْع في السفَر.
قال الزُّهْرِي: سألتُ سالِمًا، هل يجمع بين الظهر والعصر في السفَر؟ فقال: نعم، ألا تَرى إلى صلاة النَّاس بعرفةَ.
(وتابعه علي بن المبارك) وصلَه الحُسَين بن سُفيان، وأبو نُعيم في "المُستَخرَج".
* * *
١٤ - بابٌ هَلْ يُؤَذِّنُ أَوْ يُقِيمُ إِذَا جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ؟
(باب: هل يُؤذِّن أو يُقيم)
١١٠٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،
ويحتمل أنه ابنُ إبراهيمَ الحَنْظَليُّ، قال الكَلابَاذِي: إنَّه وإسحاق بن مَنْصُور يَرويان عن عبد الصَّمَد.
(يجمع) يحتمل جمعَ التَّقديم والتَّأخير.
ووجْهُ مطابقة الحديثَين للتَّرجمة: أن الرَّاوي لمَّا (١) لم يتعرَّض لترْك الأذان والإقامة كأنَّه (٢) أراد الصَّلاتين بأركانهما، وشروطهما، وسننهما من الأَذان والإقامة وغيرهما.
* * *
١٥ - بابٌ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إِلَى الْعَصْرِ إِذَا ارْتَحلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشمْسُ
فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(باب يُؤخِّر الظُّهر إلى العَصْر)
(فيه ابن عباس) تقدَّم وصلُه قبلُ ببابٍ، وهو وإنْ لم يكن فيه ذكْرُ الارتحال؛ لكن يُؤخذ من قوله: (على ظَهْرِ سَيْرٍ).
* * *
стр. 2025
١١١١ - حَدَّثَنَا حَسَّانُ الْوَاسِطِي، قَالَ: حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ ابْنُ فَضَالَةَ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنس بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْس أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، وإذَا زَاغتْ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ ركبَ.
(تزيغ)؛ أي: تَميل، وذلك إذا فاءَ الفيءُ.
(فإذا زاغت)؛ أي: قبل أن تَرتَحل كما صرَّح به في الآية الآتية، وفي بعضها: (فإذا)، لكنْ لا صراحةَ فيها أنَّه بعد الارتحال؛ لأن الفاءَ قد تأْتي لتَعقيب الإخبار بالجُمل، أو يكون بمعنى الواو، وقال (ط): يجوز جمعُ التَّقديم والتأْخير، وقال أبو حنيفة: يُصلي الظُّهر آخرَ وقْتِها، والعصرَ أوَّل وقتها، ولا جمعَ إلا بعرَفة والمُزدلفة، وهو مخالفٌ للآثار، وأيضًا، فهو أشدُّ حرَجًا من الإتيان بكل صلاةٍ في وقتها؛ لمُراعاة طرَفي الوقتَين، وإلا كان يجوز جمع العصر والمغرب، والعشاء والصُّبح، على ذلك النَّهْج، وهو خلاف الإجماع، وأثبتا في ذلك حديث معاذ في "أبي داود": (كان ﷺ في غَزوة تَبوك إذا زاغَت الشَمس قبل أن يرتَحل جمعَ بين الطهر والعصر، وإن تَرحَّل قبل أنْ تَزيغ أخَّر الظَّهر إلى العصر، وفي المغرب والعِشاء كذلك).
* * *
ابْنُ حُصَيْنٍ -وَكَانَ مَبْسُورًا- قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ قَاعِدًا، فَقَالَ: "إِنْ صلَّى قَائِمًا فَهْوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِم، وَمَنْ صَلَّى ناَئِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ".
الحديث الأول، والثاني، والثالث:
(شاك) هو المريض يشكُو عن مِزاجه انحرافًا عن الاعتدال.
(أو فَجُحِش) بضمِّ الجيم، وكسر المهملَة، وبالمعجَمة، شكٌّ من الرَّاوي، ومعناهما واحدٌ، سبق شرحهما في (باب: إنَّما جُعل الإمام ليُؤتم به)، وأنه نُسِخَ بصلاته ﷺ في مرَض موته جالسًا، والناس خَلْفَه قيامًا.
(مبسورًا) بالموحَّدة، أي: به عِلَّةُ البَواسير، وأصله من البَسَر، وهو الكراهة بتقطيبٍ، وذكَر التِّرْمِذيُّ: أنه بالموحَّدة: عجَميٌّ، وبالنُّون: عربيٌّ.
(نائمًا) أي: مُضطجِعًا على هيئة النَّائم، كذا رواه أبو داود وغيره، وزعَم الإِسْمَاعِيْلي، و (ط) (١)، وغيرهما (٢)؛ أنه تصحيفٌ، وإنما هو: بإيماءٍ (٣) -بالموحَّدة- جارَّةً لـ (إيماء) بالمدِّ، أي: الإشارة، وليس كما قالوا، بل المُراد الاضطِجاع كما سبَق.
стр. 2028
واعلم أن تَرتيب الأَجْر فيما ذُكِرَ في المُتنفِّل، وإلا فالعاجِز عن القيام في الفرْض يُصلِّي قاعدًا، فإنْ عجَز فمُضطجِعًا، فإنْ عجَز فبالإيماء، فإنْ عجَز فيُجري الأركان بقَلْبه، وأَجْرُه في الكلِّ سواءٌ، والعاجِز في النَّفْل كذلك، وشَذَّ مَن قال: إنه يَجوز بالإيماء مع القُدرة على ما قبلَه، نعم، قال (خ): إن المُراد المُفترِض الذي يُمكنه القيام بمشقَّةٍ، وزِيادة ألمٍ، فجُعل أجْره على النّصف تَرغيبًا له في القيام لزيادة الأجر، وإن كان يجوز قاعدًا، وكذا في الاضطِجاع بالنسبة للقُعود.
قال: ولعلَّ هذا كان فُتيا أفتاها، وجوابًا له على حالهِ في علَّته، وليس علَّة الباسُور على ما فيها من الأَذى مانعًا من القيام في الصلاة مع الرُّخصة له في القُعود إذا اشتدَّت مشقتُه عليه.
* * *
١٨ - بابُ صَلَاةِ الْقَاعِدِ بِالإِيمَاءِ
(باب صلاةِ القاعِد بالإيْماء)
١١١٦ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْن الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ: أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ وَكَانَ رَجُلًا مَبْسُورًا -وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ مَرَّة: عَنْ عِمْرَانَ- قَالَ: سَألْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَهْوَ قَاعِدٌ فَقَالَ: "مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهْوَ
стр. 2029
أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِم، وَمَنْ صَلَّى ناَئِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: ناَئِمًا عِنْدِي: مُضْطَجعًا، هَهُنَا.
(وقال أبو مَعْمَر مرة)؛ أي: رواه مفصَّلًا بلا ذكر الوسائط.
ووجه مطابقته للتَّرجمة: أن النَّائم لا يَقدر على الإتيان بالأفعال، فلا بُدَّ فيها من الإشارة إليها، فكنَّى بالنَّوم عن ذلك.
وفي الحديث: أنه لو قدَر على الجَنْبِ لا يجوز له الاستِلقاء.
* * *
٢٠ - بابٌ إِذَا صَلَّى قَاعِدًا ثمَّ صحَّ أَوْ وَجَدَ خِفةً تَمَّمَ مَا بَقِيَ
وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنْ شَاءَ الْمَرِيضُ صلَّى رَكعَتَيْنِ قَائِمًا وَركعَتَيْنِ قَاعِدًا.
(باب: إذا صلَّى قاعدًا ثُمَّ صَحَّ أو وجَدَ خِفَّةً تَمَّمَ)؛ أي: يَبني، ولا يَستأنِف.
* * *
١١١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا
فإذا بَقِيَ من قَراءته نَحوًا مِن كذا.
قال (ط): استَنبط البُخاريُّ لترجمته على الفرْض مما في الحديث، وهو صلاة النَّفْل أنه إذا جازَ القُعود فيها لغير علَّةٍ تَمنع من القيام، وكان يقُوم فيها قبل الرُّكوع كانت الفَريضة التي لا يَجوز القُعود فيها إلا لعدَم القُدرة على القيام أَولى أن يَلزم القيام فيها إذا ارتفعَت العِلَّة المانعة منه، وقال أيضًا: طرَيان العَجْز بعد القُدرة كطَرَيان القُدرة بعد العَجْز.
* * *
стр. 2032
اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح
تأليف
الإمام شمس الدين البرماوي أبي عبد الله محمد بن موسى النعيمي العسقلاني المصري الشافعي
(المولود في مصر سنة ٧٦٣ هـ والمتوفى في القدس سنة ٨٣٧ هـ) رحمه الله تعالى
تحقيق ودراسة
لجنة مختصة من المحققين
بإشراف
نور الدين طالب
[المجلد الخامس]