فإذا بَقِيَ من قَراءته نَحوًا مِن كذا.
قال (ط): استَنبط البُخاريُّ لترجمته على الفرْض مما في الحديث، وهو صلاة النَّفْل أنه إذا جازَ القُعود فيها لغير علَّةٍ تَمنع من القيام، وكان يقُوم فيها قبل الرُّكوع كانت الفَريضة التي لا يَجوز القُعود فيها إلا لعدَم القُدرة على القيام أَولى أن يَلزم القيام فيها إذا ارتفعَت العِلَّة المانعة منه، وقال أيضًا: طرَيان العَجْز بعد القُدرة كطَرَيان القُدرة بعد العَجْز.
* * *
стр. 2032
اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح
تأليف
الإمام شمس الدين البرماوي أبي عبد الله محمد بن موسى النعيمي العسقلاني المصري الشافعي
(المولود في مصر سنة ٧٦٣ هـ والمتوفى في القدس سنة ٨٣٧ هـ) رحمه الله تعالى
تحقيق ودراسة
لجنة مختصة من المحققين
بإشراف
نور الدين طالب
[المجلد الخامس]
جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظة
الطَّبْعةُ الأُولَى
١٤٣٣ - هـ - ٢٠١٢ م
ردمك: ٧ - ٦٩ - ٤٥٩ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨ ISBN
الرقيم
للِبُحُوثِ وَالدِّراساتِ
قطر - الدوحة
فاكس: ٠٠٩٧٤٤٤٤٤١٨٧٠
E-mail: arraqeem@gmail.com
دَارُ النَّوادِرِ
سورية - لبنان - الكويت
مؤسسة دَارُ النَّوادِرِ م. ف - سُورية * شركَة دَار النَّوَادِر اللبنانية ش. م. م - لبنان * شركَة دَار النَّوَادِر الكويتية ذ. م. م - الكويت
سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هَاتِف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١)
لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هَاتِف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١)
الكويت - الصالحية - برج السَّحَاب - ص. ب: ٤٣١٦ حَولي - الرَّمْز البريدي: ٣٢٠٤٦
هَاتِف: ٢٢٢٧٣٧٢٥ - فاكس: ٢٢٢٧٣٧٢٦ (٠٠٩٦٥)
info@daralnawader.com
www.daralnawader.com
أسسها سنة: ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م نور الدّين طَالب المدير الْعَام والرئيس التنفيذي
стр. 2036
١٩ - أبواب التّهجد
стр. 2037
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أبواب التهجد (١٩)
١ - باب التَّهَجُّدِ بالليْلِ، وَقوِلِه : ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾
(باب التَّهجُّد)
هو التيقُّظ من النَّوم باللَّيل، أي: تَرْك الهُجود وهو النَّوم.
(اسْهَرْ) (١) بلفظ الأَمْر: تفسيرٌ للتهجُّد في الآية.
(نافلة)؛ أي: زيادةً على الفرائض الخمس، فهو من خصائصه.
قلتُ: صحَّح (ن) أنه نُسِخَ عنه التهجُّد كما نُسخ عن الأُمة، قال: ونقلَه الشَّيخ أبو حامِد عن النَّصِّ، وهو الأصحُّ، أو الصَّحيح، ففي "مسلم" عن عائشة ما يدلُّ عليه.
١١٢٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ:
فلا يَسبقُه عدَمٌ، ولا يلحقُه عدَمٌ، وما عداه بخلاف ذلك، ولهذا كان أَصدق كلِمةٍ قالها الشَاعر كلمةُ لَبِيْد:
أَلا كُلُّ شَيءٍ ما خَلا اللهَ باطِلٌ
وأما إطلاق الحقِّ على ما بَعُدَ من اللِّقاء والسَّاعة والوَعْد، فلأنَّها كائنةٌ باختياره تعالى، فيجب أن يُصدِّق بها، فعبَّر فيها بالحقِّ تأكيدًا وتَفخيمًا.
(ووعدك)؛ أي: إخبارُك بخيرٍ أو شَرٍّ، ولكن أكثر ما يُستعمل في الخير، ويقال: في الشِّرِّ وعيدٌ، ومن القليل: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾ [البقرة: ٢٦٨].
(ولقاؤك) هو البعث، أو رُؤية الله تعالى، وهو داخلٌ فيما قبلَه، فهو من عطفِ خاصٍّ على عامٍّ، كما عُطف عامٌّ على خاصٍّ في قوله: وقولُك، أو المراد بالوعد المصدر، ثم ذكَر بعده المَوعودَ به.
(وقولك حق)؛ أي: مدلولُه ثابتٌ، فصِدْق القَول مُطابقته للواقع، وحقيقةٌ بالنظَر للواقع المطابِق للقَول، فهما متلازِمان، وفي "مسلم": "وقولُكَ الحَقُّ" بالتَّعريف.
قال (ك): وتعريف الحقِّ في بعضها، وتَنكيره في البعض؛ لأنَّ المعرَّف بلام الجنس مقارِب للنَّكِرة في المعنى، لكنْ في المعرَّف باللام إشارةٌ للماهيَّة بخلاف النَّكِرة، وقال الطِّيْبِي: عرَّفَ في حقِّ الله؛ لأن ما سِواه في مَعرِض الزَّوال، وفي وعده لاختصاصه بالإنجاز دون وَعْد غيره، والتَّنكير في البَواقي للتَّعظيم، وخصَّ محمدًا ﷺ ،
стр. 2040
وعمَّم في النَّبيين؛ للإشارة إلى مُغايرته بأنَّه فائقٌ عليهم بما خصَّه الله به، فإنَّ تغيير الوَصْف بمنزلة تغايُر الذات.
قلتُ: وكان شيخنا شيخ الإسلام البُلْقِيْني يقول: التعريف في حقِّه واضحٌ؛ لما سبق، وفي وعْده؛ لأن ما بعدَه كالمُتفرِّع عليه، فلهذا نكَّر فيها، وعلى رواية "مسلم"، فالقَول يكون مثْل الوَعْد.
(أسلمت)؛ أي: استَسلمتُ لأَمْرك ونهيك.
(توكلت)؛ أي: فوَّضْتُ الأَمْرَ إليك قاطِعًا نظَري عن الأسباب العادية.
(أنبت)؛ أي: رجعتُ إليك مُقبِلًا بالقَلْب عليك.
(خاصمت)؛ أي: رفعتُ إليك مَنْ يَجحَدُ الحق، وجعلتُك الحاكم بيني وبينهم لا غيرُك ممن كان يتحاكَمُ إليه الجاهلية من صنَمٍ، وكاهنٍ، ونارٍ، ونحوه.
وقدَّم صِلاتِ هذه الأفعال للتخصيص، وإفادةِ الحَصْر.
(فأغفر) هو تواضعٌ وإجلالٌ الله تعالى، وتعليمٌ للأُمة، وإلا فهو معصومٌ مما يُغفَر.
ولا يَخفى ما اشتمَل عليه من جَوامع الكَلِم؛ إذْ لفظ القَيم إشارةٌ إلى أنَّ وُجودَ الجواهر وقوامَها منه، والنُّور إلى أنَّ الأَعراض منه، والمَلِك إلى أنَّه حاكِمٌ فيها إيجادًا وإعدامًا يَفعل ما يَشاء، وكلُّه نِعَمٌ من الله، فلذلك قَرَن كُلًّا بالحمْد، وخصَّص الحمْد به، وقوله: (أنت الحق): إشارةٌ إلى المَبدأ، والقَول ونحوه إلى المَعاش، والسَّاعة
стр. 2041
ونحوها إلى المَعاد.
وفيه الإشارة إلى النُّبوَّة، وإلى الجزاء ثَوابًا وعِقابًا.
وفيه وجوب الإيمان، والإسلام، والتوكُّل، والإنابة، والتضرُّع إلى الله، والاستغفار.
(أنت المقدم وأنت المؤخر)، قال (ط): أشار إلى أنه ﷺ أُخِّر عن غيره في البعْث، وقُدِّم عليهم يومَ القيامة في الشَّفاعة وغيرها، كقوله: "نَحنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ".
(قال سفيان: وزاد عبد الكريم) هو متصلٌ عنده من رواية علي بن عبد الله المَذكور في السَّنَد، كما بيَّنه أبو نُعيم وغيره خلافًا لمَنْ قال: إنه معلَّقٌ.
(قال سفيان: قال سليمان) هو متصلٌ كالذي قبلَه، نعَمْ، وقَع في رواية أبي ذَرٍّ الهَرَوِيِّ: قال عليُّ بن خَشرَم: قال سُفيان، فالظَّاهر حينئذٍ أن يكون من رواية الفِرَبْرَي عن علي بن خَشرَم.
* * *
٢ - بابُ فضل قِيَام الليْلِ
(باب فَضْل قِيَام اللَّيل)
١١٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّد، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَعْمَرٌ، وَحَدَّثَنِي مَحْمُودٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ
стр. 2042
مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا رَأَى رُؤْيَا قَصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فتمَنَّيْتُ أَنْ أَرَى رُؤْيَا فَأقُصَّهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَكُنْتُ غُلَامًا شَابًّا، وَكُنْتُ أَناَمُ فِي الْمَسْجدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كأنَّ مَلَكَيْنِ أَخَذَانِي فَذَهَبَا بِي إِلَى النَّارِ، فَإِذَا هِيَ مَطْوِّيةٌ كَطَيِّ الْبِئْرِ، وإذَا لَهَا قَرْناَنِ، وَإِذَا فِيهَا أُناَسٌ قَدْ عَرَفْتُهُمْ، فَجَعَلْتُ أقولُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ النَّارِ، قَالَ: فَلَقِينا مَلَكٌ آخَرُ فَقَالَ لِي: لَم تُرَعْ.
١١٢٢ - فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ، فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ، لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ"، فَكَانَ بَعْدُ لَا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا.
(رؤيا) بلا تَنوينٍ كرُجْعَى، وهي مُختصَّةٌ بالمَنام كالرَّائي بالقلْب، والرُّؤية بالعَين.
(قرنان)؛ أي: جانِبَا الرَّأْس، أو ضَفيرتان، وفي بعضها: (قَرْنيَن) على حذْفِ مضافٍ، وتَركِ المُضاف إليه على إعرابه كقراءة: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧]، أي: عَرَضَ الآخرة، أو إذا المُفاجَأَة تتضمَّن معنى الوجدان، أي: فإذا وجَدتُ له قرنيَن، يقول الكوفيِّين في مسألة الزنبُور: فإذا هو إيَّاها، أي: فإذا وجدتُه هو إياها.
(لم تُرَعْ) بضمِّ التاء، وفتح الرَّاء، وجزْم المهملَة، أي: لا تَخَفْ، أي: لا يَلحقُك خَوْفٌ.
(لو كان) للتمنِّي لا شَرطيَّةٌ.
стр. 2043
قال المُهَلَّب: إنما فسَّرها بقيام الليل؛ لأنه لم يرَ شيئًا يغفُل عنه من الفرائض، فيذكِّر بالنار، وعَلِمَ مَبيتَه في المسجد، فعبَّر ذلك بأنه مُنبِّهٌ على قيام الليل فيه، ففي الحديث أن قيام الليل يُنجي من النار، وفيه تَمنِّي الخير؛ لأن الرُّؤيا الصالحة جُزءٌ من ستةٍ وأربعين جُزءًا من النبوَّة، وتفسيره ﷺ لها من العِلْم.
* * *
٣ - بابُ طُولِ السُّجُودِ فِي قِيَامِ الليْل
(باب طُولِ السُّجود في قِيَام اللَّيل)
١١٢٣ - حَدَّثَنا أَبُو اليَمانِ، قَالَ: أَخْبَرناَ شُعيبٌ، عَن الزُّهريِّ، قَالَ: أَخْبَرَني عُروةَ أَنَّ عَائِشةَ ﵂ أَخْبَرتهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّى إِحْدَى عَشْرَةَ ركعَةً، كَانَتْ تِلْكَ صَلَاتَهُ، يَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، وَيَرْكَعُ رَكعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، ثُمَّ يَضْطَجعُ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُنَادِي لِلصَّلَاةِ.
(تلك)؛ أي: الإحدى عشْرة.
(السجدة)؛ أي: الجنس يشمل سُجودَ الأحدَ عشر، والتاء فيها لا تُنافي ذلك.
(قدر) نُصِبَ بنَزْع الخافض، أي: بقدْرِ ثلث، ولو جُعل وصفًا لمصدرٍ محذوفٍ لم يَمتنع، أي: سُجودًا قدْرَ، أو يَمكُث مُكثًا قدْرَ.
стр. 2044
(الصلاة)؛ أي: الصُّبح.
قال (ط): تَطويلُه السُّجودَ للاجتهاد فيه بالدُّعاء والتضرُّع شُكرًا على نِعَم الله، وقد غُفر له ما تقدَّم من ذَنْبِه وما تأَخَّر، وكان السلَف يفعلون ذلك أُسوةً حسنةً.
قال يَحيَى بن وَثَّاب: كان ابنُ الزُّبير يَسجُد حتى تنزِلَ العصافير على ظَهره كأنه حائِطٌ.
* * *
٤ - بابُ تَرْك الْقِيَامِ لِلْمَرِيضِ
(باب تَرْك القِيام)؛ أي: قيام اللَّيل.
١١٢٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَسْوَدِ، قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدَبًا يَقولُ: اشْتكَى النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَقمْ لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ.
١١٢٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، قَالَ: أَخْبَرَناَ سُفْيَانُ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبدِ اللهِ ﵁ قَالَ: احْتبَسَ جِبْرِيلُ ﷺ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتِ امْرَأةٌ مِنْ قُرَيْشٍ: أَبْطَأ عَلَيْهِ شَيْطَانُهُ. فَنَزَلَتْ: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾.
الحديث الأول، والثاني:
(امرأة) هي أُمُ جَمِيْل بنت حَرْب، أُخت أبي سُفيان، امرأةُ أبي
стр. 2045
لَهَب، حَمَّالة الحطَب، رواه الحاكم في "المستدرك" عن زيد بن أَرْقَم، وغَلِطَ (ط) ومَنْ تَبِعَه كابن المُنَير في قولهما: إنها خديجةٌ، وما يجترئ على حكاية هذا القَول إلا لاشتِهار قائله، فنبَّه على الوهْم فيه.
(شيطانه) بالرَّفْع فاعلُ (احتبَس)، وهي الشَّيطانةُ في الحقيقة بلُؤْمها واعتقادها السيئ.
ووجْهُ مطابقته للتَّرجمة: أنه تتمة الحديث الأوَّل، وسيأتي في (التفسير) في (سورة الضُّحى) جمعُها في حديثٍ واحدٍ.
* * *
٥ - بابُ تَحْرِيضِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى صلَاةِ الليْلِ وَالنَّوَافِلِ مِنْ غَيْرِ إيجَابٍ
وَطَرَقَ النَّبِيُّ ﷺ فَاطِمَةَ وَعَلِيًّا ﵉ لَيْلَةً لِلصَّلَاةِ.
(باب تَحريضِ النبي ﷺ علَى قِيَام الليل) هو مفصلٌ فيما سيأتي من الأحاديث.
* * *
١١٢٦ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَناَ عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَناَ مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الْحَارِثِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: أَن النَّبِيُّ ﷺ اسْتَيقَظَ لَيلَةً فَقَالَ: "سُبحَانَ اللهِ! مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيلَةَ مِنَ الْفِتْنَةِ؟
стр. 2046
مَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الْخَزَائِنِ؟ مَنْ يُوقظُ صَوَاحِبَ الْحُجُرَاتِ؟ يَا رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيةٍ فِي الآخِرَةِ".
الحديث الأول:
سبق شرحه في (العلم) في (العِظَة باللَّيل).
(يا رب) المُنادَى محذوفٌ، أي: يا قَومُ رَبِّ.
(عارية) بالجرِّ صفةٌ لـ (كاسيَة)، وبالرَّفع كما سبَق بيانه في (كتاب العِلْم)، وهو وإنْ ورَد على أزواجه ﷺ لكنَّ العِبْرة بعُموم اللَّفظ، أي: يا رُبَّ نفْسٍ كاسيةٍ.
وفي الحديث: إعلامُه بأنه يُفتح من الخزائن لأُمته، وأنَّ الفِتَن مقرونةٌ بها، ولذلك آثَرَ كثيرٌ من السَّلَف القِلَّة على الغِنَى، وقد استعاذَ ﷺ من فتنة الغِنَى كما استعاذَ من فِتْنة الفَقْر، والمُراد منه مَنْ يُوقظُهنَّ لصلاة اللَّيل.
وفيه أن الصَّلاة تُنجي من شَرِّ الفتن، ويُعتَصم بها من المِحَن.
* * *
١١٢٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَني عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ طَرَقَهُ وَفَاطِمَةَ بِنْتَ النَّبِيِّ ﵇ لَيْلَةً فَقَالَ: "أَلَا تُصَلِّيَانِ؟ "، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَنْفُسُنَا بِيَدِ
стр. 2047
اللهِ، فَإِذَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثنا بَعَثنَا، فَانْصَرَفَ حِينَ قُلْنَا ذَلِكَ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيَّ شَيْئًا، ثُمَّ سَمِعْتُهُ وَهْوَ مُوَلٍّ يَضْرِبُ فَخِذَهُ وَهْوَ يَقُولُ: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ ".
الحديث الثاني:
(طرقه)؛ أي: جاءه باللَّيل.
(بيد الله) من المُتشابه، وفيه طَريقتا التَّفويض، والتَّأويل.
(بعثنا) بفتح المثلَّثة.
(مول)؛ أي: مُعرِضٌ مُدبِرٌ.
قال (ط): فيه أنه ليس للإمام أن يشدِّد في النَّوافل، فإنه ﷺ قَنِعَ بقوله: (أنفسُنا بيَدِ الله)، فهو عُذْرٌ في النَّافلة لا في الفَريضة، وفيه أنَّ نَفْسَ النَّائِم مُمسَكَةٌ بيد الله، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ الآية [الزمر: ٤٢]، وأما ضَرْب الفَخِذ فإنَّه يدلُّ أنه ظنَّ أنه أحرجَهم وضيَّق عليهم، وقال (ن): إنه تعجَّبَ مِن سُرعة جوابه، وعدَمِ مُوافقته له على الاعتِذار، وقيل: ضَرَب وقال ذلك تَسليمًا لعُذرهما، وأنَّه لا عتْبَ عليهما.
* * *
١١٢٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيَدع الْعَمَلَ وَهْوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ
стр. 2048
النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ، وَمَا سَبَّحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سُبْحَةَ الضحَى قَطُّ، وإنِّي لأسَبِّحُهَا.
الثالث:
(إن كان) هي المخففة من الثَّقيلة، وفيها ضمير الشأن.
(خشية) متعلِّقٌ بقوله: (لَيَدَع).
(لأسبحها) بالسين، والباء الموحَّدة (١)، أي: أُصليها، ووقَع في "الموطأ": لأستَحبُّهما، من الاستحباب.
ووجْهُ دُخوله في التَّرجمة: أنه ﷺ يُحبُّ صلاة الضحى؛ ومحبة الشَّيء (٢) تحريضٌ على فِعْله.
قال (خ): هذا من عائشة إخبارٌ عمَّا عَلِمَتْه دون ما لم تَعلَم، وقد ثبت أنه ﷺ صلاها يومَ الفتْح، وأَوصَى بها أبا ذَرٍّ وأبا هريرة.
* * *
١١٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلى ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي الْمَسْجدِ فَصَلى بِصَلَاتِهِ ناَسٌ، ثُمَّ صَلَّى مِنَ الْقَابِلَةِ فَكَثُرَ الناسُ، ثُمَ اجْتَمَعُوا مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ أَوِ
стр. 2049
الرَّابِعَةِ، فَلَم يَخْرُجْ إِلَيْهِم رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: "قَدْ رَأَيْتُ الَّذِي صَنَعْتُمْ، وَلَمْ يَمنَعْنِي مِنَ الْخُرُوجِ إِلَيْكُمْ إِلَّا أنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ"، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ.
الحديث الرابع:
(القابلة)؛ أي: الليلة الثانية.
(صنعتم)؛ أي: مِن اجتماعكم وحِرْصكم على الجماعة.
(وذلك) هو مُدرَجٌ من قول عائشة، وسبقت فوائد فيه (١) في (باب صلاة اللَّيل) آخر (أبواب الجماعة).
وقال (ط): وفيه أن قِيام رمضان بالجماعة سنَّةٌ خلافًا لمن زَعم أنه من فِعْل عُمر، قال: وأجمعوا أنه لا يجوز تعطيل المساجد عن قيام رمضان، فهو واجبٌ على الكفاية، واختُلف في صلاة رمضان، هل الأفضل الإفرادُ أو الجماعة؟
* * *
٦ - بابُ قِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ حتَّى تَرِمَ قَدَماهُ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: حَتَّى تَفَطَّرَ قَدَمَاهُ.
стр. 2050
وَالْفُطُورُ الشُّقُوقُ. ﴿اَنفَطَرَتْ﴾: انْشَقَّتْ.
(باب قِيام النَّبيِّ ﷺ حتَّى تَرِم)، بلفظ المضارع مِن الوَرَم، وهو بالنَّصب، ورُوي بالرَّفْع.
(وقالت عائشة) وصلَه في الباب بلفْظِ التَّرجمة.
(تفطر)؛ أي: تشقَّق.
* * *
١١٣٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ زِيَادٍ، قَالَ سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ ﵁ يَقُولُ: إِن كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَيقُومُ لِيُصَلِّيَ حَتَّى تَرِمُ قَدَمَاهُ أَوْ سَاقَاهُ، فَيُقَالُ لَهُ، فَتقُولُ: "أفلَا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا".
(أفلا أكون) مسبب عن محذوفٍ، أي: أَتركُ تَهجُّدي لما غفر لي، فلا أَكونُ، أي: بل المغفرة سببٌ للتهجُّد شُكرًا.
قال (ط): فيه التَّشديد في العبادة، وإنْ أَضرَّ ببدَنه، وإنْ كان له الرُّخصة في غيره طلبًا للأفضل، وهذا فيمَن علِم حالَه الكاملة، فكيف بمن لا يَعرفُ أيُعذَّب أم لا؟ وإنَّما أَلزم الأنبياءُ أنفسَهم شُكر الخَوف؛ لعلمهم عِظَم نعمة الله عليهم، وأنه ابتدأَهم بها، فبذَلوا مَجهودَهم في شُكره، مع أنَّ حُقوق الله أعظَمُ مِنْ أن تقوم بها العبادة.
* * *
стр. 2051
٧ - بابُ مَنْ نَامَ عِنْدَ السَّحَرِ
(باب مَن نامَ عند السَّحَر)
١١٣١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَهُ: "أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللهِ صَلَاةُ داوُدَ ﵇، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللهِ صِيَامُ داوُدَ، وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا".
الحديث الأول:
(أحب)؛ أي: أكثَرُ ما يكون مَحبُوبًا، وهذا قليلٌ، والأكثَرُ ما يكون في التَّفضُّل أن يكون من فِعْل الفاعل، ونِسْبة المَحبَّة فيها إلى الله تعالى على معنَى إرادة الخيْرِ لفاعلها.
(ويقوم ثلثه)؛ أي: وهو الوقْت الذي فيه يُنادي الرَّبُّ تعالى: هل مِن سائلٍ؟ هل من مُستغفِرٍ؟.
(وينام سدسه)؛ أي: يَستدرِكُ من النَّوم ما يَستريح فيه من نَصَب القِيام في بقيَّة اللَّيل، وإنما كان هذا أحبَّ إلى الله؛ لأنه أخْذٌ بالرِّفْق على النُّفوس التي يُخشى منها السآمة التي هي سببٌ إلى تَرْك العبادة، فإنَّه تعالى يحبُّ أن يُديم فضلَه، ويُواليَ إحسانَه.
* * *
стр. 2052
١١٣٢ - حَدَّثَنِي عَبْدَانُ، قَالَ: أَخْبَرَني أَبِي، عَنْ شُعْبةَ، عَنْ أَشْعَثَ، سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ مَسْرُوقًا قَالَ: سَألْتُ عَائِشَةَ ﵂: أَيُّ الْعَمَلِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَتِ: الدَّائِمُ، قُلْتُ: مَتَى كانَ يَقُومُ؟ قَالَتْ: يَقُومُ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ سَلَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَناَ أَبُو الأَحْوَصِ، عَنِ الأَشْعَثِ، قَالَ: إِذَا سَمعَ الصَّارِخَ قَامَ فَصَلَّى.
الحديث الثاني، والثالث:
(الدائم)؛ أي: الدَّوام العُرفي لا شُمول الأزمنة الدَّاخل في ما لا يُطاق، ولذلك عقَّبَتْه بقولها: (فيَقومُ إذا سَمِعَ).
(الصارخ)؛ أي: الدِّيْك، قال ابن ناَصِر: وأوَّل ما يَصيح على نِصْف اللَّيل، ففيه أن الدَّائم -وإنْ قلَّ- خيرٌ من المُنقطع الكثير؛ لأن العمَل المُشِقَّ يُؤدِّي إلى القَطْع والتَّرك، بخلاف ما لا مشَقَّةَ شديدةٌ فيه، فإنَّ فيه نشاطَ النفْس، وانشراح القَلْب.
* * *
١١٣٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ذَكَرَ أَبِي، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا ألفَاهُ السَّحَرُ عِنْدِي إِلَّا ناَئِمًا، تَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ ".
الرابع:
(ألفاه) بالفاء: وجَدَه، والمراد نَومُه بعد القيام على ما هو المُراد
١١ - بابُ قيامِ النَّبِيِّ ﷺ بالليلِ، وَنَوْمِهِ، وَمَا نُسِخ مِنْ قيامِ الليلِ
وَقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إلا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾، وَقَوْلهِ: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: نَشَأَ: قَامَ بِالْحَبَشِيةِ، وِطَاءً قَالَ: مُوَاطَأةَ الْقُرْآنِ أَشَدُّ مُوَافَقَةً لِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَقَلْبِهِ؛ ﴿ليُوَاطِئُوا﴾: لِيُوَافِقُوا.
(باب قِيَام النبي ﷺ )
(بالحبشية) إنَّما دخَل في القُرآن مع أنه عرَبي؛ لأنه صار بالتَّعريب داخلًا في لُغة العرب، أو أن القَليل لا يُخرج القرآن عن أن يكون عرَبيًّا.
قلتُ: ومَن يَمنع وُقوعَ المُعرَّب في القرآن يقول: إنه مِن تَوافُق الوصفَين، وقد بسطتُ المسألة في "شرح الألفية".
(وطْأ) بكسر الواو، وسُكون الطَّاء؛ بمعنى المُواطَأَة، غير
стр. 2058
قياسيٍّ، كذا في أصل (ك)، والقراءة إنما هي بكسر الواو، والمَدِّ، أو بفتح الواو، وسُكون الطَّاء، أما كسر الواو، وسكون الطَّاء فقراءةٌ شاذَّةٌ.
(بالقرآن)؛ أي: لقُرآنه، أو لمُقتضاه خُشوعًا لأجل حُضور القَلْب واجتماع الحواسِّ.
(أشد موافقة) كأنه تفسيرٌ لقوله: (أَشدُّ مُواطَأَةً للقُرآن).
قال الزَّمَخْشَرِي: النَّاشئة مصدرٌ مِن نشَأ: إذا قامَ، وهو على فاعِلَة كعاقِبة، وقالت عائشةُ: النَّاشئة: القِيام بعد النَّوم، أو هو اسم فاعلٍ؛ أي: النفْسُ النَّاشئة التي تَنشأ من مَضجَعها للعبادة، أي: تَنهَض، و (أشدُّ وَطْأ)، أي: مُواطأَةَ القلب للسان، أو أشد موافقةَ لِمَا يُراد من الخُشوع، وقُرئ: (وطاءً)، بالفتح، والكسر، أي: أشدُّ ثَباتًا للقَدَم.
* * *
١١٤١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ: أَنَّهُ سَمعَ أَنسًا ﵁ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نظُنَّ أَنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ، وَيَصُومُ حَتَّى نظُنَّ أَنْ لَا يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانَ لَا تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلَّا رَأَيْتَهُ، وَلَا ناَئِمًا إِلَا رَأيتَهُ.
تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ وَأَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، عَنْ حُمَيْدٍ.
стр. 2059
(تابعه سليمان) وصلَها البُخاري في (الصوم).
(ابن خالد الأحمر) (قال (ك): في نسُخٍ: (وأبو خالِد الأَحمَر) بالواو، فلا بُدَّ أن يكون سُليمان المذكور عن سُليمان المكنى بأبي خالد، ولولاه لكان شَخصًا واحدًا مذكورًا بالاسم والكُنية والصِّفة، انتهى.
وقال غيره: أبو خالد الأحمر هو سُليمان بن حَيَّان، وما وجدتُه من حديث سليمان بن بلال -أي: حتى يُحكَم بالمُغايرة بينهما-، قال: فيحتمل أن الواو زائدةٌ.
* * *
١٢ - بابُ عَقْدِ الشَّيْطَانِ عَلَى قَافِيَةِ الرَّأْسِ إِذَا لَمْ يُصَلِّ بِالليْلِ
(باب عَقْد الشَّيطان)
١١٤٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَالِك، عَنْ أَبِي الزِّناَدِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيهِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ ناَمَ ثَلَاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَأَصْبَحَ نشَيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كسْلَانَ".
стр. 2060
الحديث الأول:
(يعقد) كنايةٌ عن تَثقيله بالنَّوم وتثبيطه، ورواية ابن ماجه: (يَعقِدُ في حَبْلٍ)، وهو مناسبٌ لقَوله: ليلٌ طَويلٌ، وهو من باب عَقْد السَّواحِر النَّافِثات في العُقَد، وذلك بأنْ يأخُذْنَ خيطًا، فيعقِدْن عليه عُقدةً منه، ويتكلَّمن عليه بالسِّحر؛ ليتأَثَّر المَسحور حينئذٍ بمرَضٍ، أو تحريكِ قَلْبٍ، أو نحوه.
قال (ن): قيل: عقْدُ السِّحر للإنسان، ومَنْعه من القيام، فهو قَولٌ يقولُه فيؤثِّر في تَثبيط النائم كتأثير السِّحر، أو كفِعْل النَّافثات في العُقد، وقيل: هو من عَقْد القلب وتصميمه، وكأنه يُوسْوِسُه بأنَّ عليك ليلًا طويلًا، فيتأخَّر عن القيام، وقيل: مجازٌ عن تَثبيط الشَّيطان عن قِيام اللَّيل.
قال في "النِّهاية": كأنَّه شدَّ عليه شِدادًا، وعَقَد عليه عُقَدًا.
(قافية رأس) مُؤَخَّرهُ، وقافية كلِّ شيءٍ مُؤَخَّره، ومنه قافية الشِّعْر، وقال (ك): أي: القَفا بالقصْر، وهي مؤخَّر العنُق.
(ثلاث عقد) قال البَيْضَاوي: الثَّلاث إمَّا للتَّأكيد، وإمَّا ما يُحَلُّ كلٌّ بواحدٍ من الذِّكر، والوضوء، والصلاة.
قال: وتخصيص القَفا؛ لأنَّه محلُّ الواهِمة، ومَجال تصرُّفها، وهي أَطْوَعُ القُوى للشيطان وأَسرعها إجابةً لدعوته.
(ويضرب كل) رُوي: (عند كل).
стр. 2061
(عليك ليل) مبتدأٌ، وخبر مقدَّم، أو فاعلٌ لمحذوفٍ، أي: بقِيَ عليك ليلٌ، والجملة مَقول قولٍ محذوفٍ، أي: قائلًا هذا الكلام.
قال (ط): هو تفسير لمعنى العَقْد كأنَّه يقولها إذا أراد النائم الاستيقاظ، وفي رواية لمسلم بالنَّصب على الإغراء، لكنَّ الأوَّل أَولى وأَمكن في المعنى من حيث إنه يُخبره عن طُول اللَّيل، ثم يأمره فيقول له.
(فارقد) فإذا كان إغراءً كان أمرًا بمُلازمة طُول الرُّقاد، فلا يبقى لقوله: (فارقُد) معنًى.
(فإن صلى انحلت عقدة) رُوي بالإفراد وبالجمع، ويُؤيده رواية البخاري في (بَدء الخلق): (عُقَدُهُ كلُّها).
(نشيطًا)؛ أي: لسُروره بما وفَّقه الله من الطاعة.
(طيب النفس)؛ أي: لمَا بارك الله له في نفسه من هذا التصرُّف الحسَن.
(وإلا أصبح خبيث النفس)؛ أي: بتركه ما كان اعتاده، أو نَواه من فعل الخير، ولا يُعارِض هذا حديث: "لا يَقُلْ أحَدُكم خَبُثَتْ نَفْسي"؛ لأن النهي لمَن يقول ذلك، وهنا إنما أخبَر عنه أنه كذلك.
(كسلان)؛ أي: ببقاء أثَر تَثبيط الشَّيطان، ولشُؤْم تفريطه، وظَفَرِ الشيطان به بتَفويته الحَظِّ الأوفَر من قيام اللَّيل، فلا يَكاد تَخِفُّ عليه صلاةٌ ونحوها من القُرَب، وهو غير مُنصرِفٍ؛ للوصْف وزيادةِ الألف
стр. 2062
والنون، ومؤنَّثه: كَسْلَى، وظاهر قوله: (وإلا): أنَّ مَن لم يفعل الأُمور الثلاثة يُصبح كذلك، ولو أَتى ببعضها.
قال المَازَرِي: ترجمة الباب: العَقْد على رأْس مَن لم يُصلّ، والذي في الحديث: العَقْد على كل المُكلَّفين، فيُؤوَّل ما في التَّرجمة بالذي (١) يُستَدام العقْدُ عليه لا ابتداءُ العقْد.
* * *
١١٤٣ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءً، قَالَ: حَدَّثَنَا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ فِي الرُّؤْيَا قَالَ: "أَمَّا الَّذِي يثلَغُ رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفِضُهُ، وَيَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ".
الحديث الثاني:
(مؤمل) بفتح الميم.
(يُثْلَغ) بالبناء للمَفعول، وهو بمثلَّثةٍ، ومعجَمةٍ، أي: يَشُقُّ، أو يَشْدَخ، والشَّدْخ: كسْر الشَّيء الأَجْوَف، والاقتِصار هنا في (أمَّا) بلا معادِلةٍ أُخرى، لأنَّه بعض حديثٍ يأتي في (الجنائز) في (باب: أَولاد المُشركين).
(فيرفضه) بضمِّ الفاء، وكسرها، أي: يتْرك حِفْظه والعمَل به.
стр. 2063
(عن الصلاة)؛ أي: ذُهولًا عنها، حتى يَخرُج وقتُها، قيل: هي صلاة الصُّبح؛ لأنها التي تَفوت بالنَّوم.
* * *
١٣ - بابٌ إِذَا نَامَ وَلَمْ يُصَلِّ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذنُهِ
(باب: إذا نامَ ولم يُصَلِّ بالَ الشَّيطان في أُذُنه)
لم يذكر (ك): هذه الترجمة، بل أدخلَها في الترجمة السابقة.
١١٤٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁، قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ فَقِيلَ: مَا زَالَ ناَئِمًا حَتَّى أَصْبَحَ، مَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَقَالَ: "بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ".
(أذنه) بضمِّ الذال وسكونها، ثم يحتمل أن بولَه في أذُنه حقيقةٌ، فليس بِمُحالٍ، ويحتمل صَرْفَه عن الصَّارخ بما يُقِرُّه في أذُنه حتى لا يَنتبه، وكأنه ألقَى في أذُنه بولًا اختلَّ بها سمعُه، فهو تمثيلٌ، شُبِّه تثاقلُ نَومه وإغفالُه عن الصلاة بمَنْ يُبال في أذُنه؛ قاله (خ)، ويحتمل أنه كنايةٌ عن استرذاله وجعْل أذُنه كالمحلِّ الذي يُبال فيه، فإنَّ مِن عادة المُستَخِفِّ بالشيء أن يَبول عليه، وقال ابن قُتَيْبَة: معناه: أَفسَد، يقال: بال في كذا: إذا أفسَدَه.
стр. 2064
قال الطَّحَاوِي: هو استعارةٌ عن تحكُّمه فيه، وانقياده له، وقال التُّوْرِبِشْتي: يحتمل أنه ملأَ سمعه بالأباطيل، فأحدَث في أذُنه وَقْرًا عن استماع دعوة الحقِّ، وخصَّ الأذُن بالذِّكْر وإنْ كانت العين في النَّوم أنسَبَ إشارةً إلى ثِقَل النَّوم؟ فإن المَسامِع هي موارد الانتباه، وخصَّ البول؛ لأنه أسهَلُ في الدُّخول في التجاويف، وأسرعُ نُفوذًا في العُروق، فيُورِثُ الكسَل في جميع الأعضاء.
* * *
١٤ - بابُ الدُّعَاء وَالصَّلَاةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ
وَقَالَ: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾؛ أَيْ: مَا يَنَامُونَ، ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾.
(باب الدُّعاء والصلاة مِن آخر اللَّيل)
(يهجعون)؛ أي: يَنامون، و (ما) إما زائدةٌ، و (قليلًا) ظرفٌ، أو صفةٌ لمصدر، أي: هُجوعًا قليلًا، أو مصدريةٌ، أو موصولةٌ، أي: كانوا قليلًا من اللَّيل، أي: هجوعهم، أو ما يَهجعون فيه، وارتفاعه بـ (قليلًا) على الفاعلية.
* * *
١١٤٥ - حَدَّثَنا عَبدُ اللهِ بنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَن ابنِ شِهَابٍ،
стр. 2065
عَن أَبِي سَلَمَةَ، وأَبِي عَبْدِ اللهِ الأَغَرِّ، عَن أَبِي هُريرةَ ﵁: أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَالَ يَنْزِلُ رَبنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءَ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ يَقُولُ: مَنْ يَدْعُوني فَأسْتَجيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْألنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُني فَأَغْفِرَ لَهُ؟ ".
(عن أبي عبد الله الأغر) كنَّاه احترازًا عن أبي مُسلِم الأَغَرِّ، يرويان عن أبي هريرة.
قال الغَسَّانِي: ومنهم مَنْ جعلهما كذلك واحدًا.
(ينزل) هو من المُتشابه، بفتح أوَّله لتنزُّهه تعالى عن الحرَكة، وما يليق بالأجْسام، وفيه الطَّريقان: التَّفويض مع التَّنزيه، والتَّأويل.
قال (خ): ولما سُئل عن ذلك ابن المُبارك قال بالفارسيَّة: ينزل كما يشاء، فقيل: يَنزل أمرُه، أو ملائكتُه، قيل: استعارةٌ، أي: التلطُّف بالدَّاعِين والإجابة لهم، وقال: البَيْضَاوي: المراد دُنوُّ رحمته، وقد رُوي: "يَهبِطُ من السَّماء العُليا إلى السَّماء الدنيا"، أي: ينتقل من صفات الجلال التي تقتضي الأنَفة من الأَراذل، وقَهْر الأعداء، والانتقام من العُصاة إلى مقتضى الإكرام للرأْفة والرَّحمة والعفْو، وقيل: إنما هو (يُنزَل) بضمِّ أوله، فمفعوله محذوف، أي: يُنزِل ملَكًا، ورواية الحذْف يُحمل عليها على حذْف مضاف كما سبق، نحو: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، ويؤيِّده رواية النَّسائي: (أمَرَ اللهُ ملَكًا يُنادي).
стр. 2066
قال في "المُفهِم": وبه يرتفع الإشكال.
قال (ش): لكن في ابن حِبَّان: "يَنزِلُ اللهُ إلى سَماءِ الدُّنيا، فيقول: لا أَساَلُ عن عبادي غَيري".
﵎ ما أحسَن الاعتراض بها بين الجُملتين؛ لدلالتها على التَّنزيه في مقام إسنادِ ما لا يَليقُ إسنادُه حقيقة.
(الآخر) بالرَّفع صفةٌ لـ (ثلُث)، والتَّخصيص بهذا الثُّلُث؛ لأنه وقْتُ التعرُّض لنفَحات رحمة الله تعالى، وزمانُ عبادة المخلصين، ففيه أن آخِر الليل أفضلُ للدُّعاء والاستغفار، قال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧].
(من يدعوني) إلى آخر الثَّلاثة، إما أنها بمعنًى واحدٍ، فذكَرها للتوكيد، وإما لأن المَطلوب رفْعُ ما لا يُلائم، أو جَلْب المُلائم، وهذا إما دنيويٌّ أو دينيٌّ، فأشير بالاستغفار للأوَّل، وبالسُّؤال للثَّاني، وبالدُّعاء للثالث، وإما أن السؤال فيه طلَب، والدُّعاء ما لا طلَب فيه نحو: يا الله، يا رحمن.
(فاستجيب) قال أبو البقاء: الجيِّد نَصْب هذه الأفعال في جواب الاستفهام نحو: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾ [الأعراف: ٥٣]، أو يجوز الرفْع على تقدير مبتدأ، أي: فأنا أُعطِيه.
* * *
(أربع) لا يُنافي ما سبق من صلاته الثَّلاثَ عشرَ مَثْنى ثم واحدةً؛ لأن ذلك في وقتٍ آخر، فالأَمران جائزان.
(أتنام قبل أن توتر) قد يُعارِض هذا ما سبق أن الوِتْر من الثلاث عشرة؛ لأن قولها ذلك كان قَبْل أن يُكمل الإحدى عشرةَ بالوتر، فالفاء في قولها: (فقلتُ) عطفٌ على الإخبار السَّابق، وفي بعضها: (قلتُ) بلا فاءٍ، والغرَض أنه كان يُوتر أحيانًا بعد النَّوم.
(ولا ينام قلبي) سبق في (باب: الصَّعيد وَضوء المُسلم) أن نَومه في الوادي حتى طلَعت الشَّمس؛ الجمْع بينه وبين هذا: بأن طُلوع الفجْر متعلِّقٌ بالعين لا بالقلب، أو هو من المَحسوسات لا مِنَ المَعقولات.
* * *
١١٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ هِشَامٍ، قالَ: أَخْبَرَني أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي شَيْءٍ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ جَالِسًا، حَتَّى إِذَا كبِرَ قَرَأَ جَالِسًا، فَإذَا بقِيَ عَلَيْهِ مِنَ السُّورَةِ ثَلَاثُونَ أَوْ أَرْبَعُونَ آيَةً قَامَ فَقَرَأَهُنَّ ثُمَّ ركعَ.
الحديث الثاني:
(كَبِرَ) بكسر الموحَّدة، أي: أسَنَّ، أما المضموم، فبمعنى عَظُم.
* * *
стр. 2070
١٧ - بابُ فَضلِ الطُّهُورِ بِالليْلِ وَالنَّهَارِ، وَفَضْلِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْوُضُوء بِالليْلِ وَالنَّهَارِ
(باب فَضْل الطُّهور باللَّيل والنَّهار)
١١٤٩ - حَدَّثَنا إِسحَاقُ بنُ نصرٍ، حَدَّثَنا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ، عَن أَبِي زُرْعَةَ، عَن أَبِي هُريرةَ ﵁: أَنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ: "يَا بِلَالُ! حَدِّثْنِي بِأرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الإسْلَامِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ". قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي أَنِّي لَمْ أتطَهَّرْ طُهُورًا فِي سَاعَةِ لَيْلٍ أَوْ نهارٍ إِلَّا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: دَفَّ نَعْلَيْكَ: يَعْنِي تَحْرِيكَ.
(بأرْجى) بمعنى المَفعول لا بمعنى الفاعل.
(سمعت)؛ أي: في النَّوم؛ فإنه لا يدخل أحدٌ الجنَّةَ، وإنْ كان النبيُّ ﷺ يدخل يقَظةَ كما دخَل ليلة المعراج إلا أنَّ بلالَا لم يَدخل، فـ (في الجنَّة) ظَرْفٌ للسَّماع، والدَّفُّ بين يديه يكون خارجًا عنها.
(دف)؛ أي: صَوت النَّعْل عند المَشي، والدَّفيف الذَّهاب، وهو السَّيْر اللَّيِّن، ودفَّ الطائرُ إذا حرَّكَ جناحَيه، وقال المُحِبُّ الطَّبَري: هو بإعجام الذَّال، ويُروى بالمهملَة.
(أَنِّي) بفتح الهمزة: على تقدير (مِن) قبلَها، وفصَلَ بالظَّرف،