(لمقالتي)؛ أي: لقَولي، والمَقال معناه أيضًا.
(أعطي الرجل) مفعوله الثاني محذوفٌ.
(وغيره أحب) مبتدأٌ وخبرٌ، والجملةُ حالٌ.
(خشية) نصب بـ (أَعطَى) على المَفعول له سواءٌ أُضيف لمَا بعدَه، فيكون معرفةً، أو نُوِّن على تقدير مِنْ في: (أن يكبه)، وهو بضمِّ الكاف؛ أي: يُلقيه مَنْكوسًا، وهو من النَّوادر أنْ يكون الرُّباعي بالهمزة لازِمًا، والثلاثيُّ بدُونها مُتَعَدِّيًا، ونحوه: أَحجَمَ، وحَجَم.
والضَّمير في (يَكُبُّه) للرجل، أي: أتأَلَّف قلْبَه بالإعطاء مخافةً من كُفْره ونحوِه] إذا لم يُعطَ، والمعنى: أَنا أُعطي مَن في إيمانه ضَعْفٌ؛ لأني أَخشَى عليه لو لم أُعطه أنْ يَعرِض له اعتِقادٌ يكفر به، فيَكبَّه الله في النَّار، كأنَّه أشار إلى المُؤلَّفة، أو إلى مَن إذا مُنع نسَب النبيَّ ﷺ للبُخْل، وأما مَن قَوِيَ إيمانه فلا أَخشَى عليه، ولا يَلزم أنْ يكون ذلك الرجل ممن قَوِيَ إيمانه؛ لاحتِمال إرادةِ غيره، فيكون تَعريضًا بسَعْدٍ نفْسه ونحوه.
واعلَمْ أنَّ هذا مِن نَوع الكِناية؛ لأنَّ الكَبَّ في النار لازِمٌ للكُفر، فأُطلِق اللازم وأُريد المَلْزوم، فالكناية وإنْ كان الشَّرط فيها مساواةُ اللازم للمَلزوم، والكَبُّ في النار قد يكون لمعصيةٍ غير الكُفر لكنَّ المُراد كَبٌّ خاصٌّ، وهو الكَبُّ للكُفر، فصارا مُتساوَيين، وليس مِن باب المَجاز، أي: من إطْلاق اللَّازِم على المَلْزوم؛ لأَنَّ الشَّرط فيه امتِناع اجتماع معنى الحقيقة والمَجاز بخلاف الكِناية، وهنا لا امتِناعَ
стр. 247
في اجتِماع الكُفر والكَبِّ، فيكون كنايةً لا مجازًا.
قال (ن): في الحديث جواز الشَّفاعة إلى وُلاة الأُمور وغيرهم، ومرادُه الشَّفيع إذا لم يُؤدِّ إلى مَفسدةٍ، والأَمرُ بالتثبُّت وتَرْك القطْع بما لم يُعلم القطْع به، وأن الإمام يَصرِف الأَموال في مَصالح المسلمين الأَهمِّ فالأَهمِّ، وأنَّ المَشفُوع لا عتبَ عليه إذا ردَّ الشَّفاعة لمصلحةٍ، والاعتِذارُ للشَّافع، ويُبيِّن له العُذر، وأنَّه لا يُقطَع بالجنَّة لأحدٍ على التَّعيين إلا مَن ثبَت كالعشَرة، وأنَّ الإقرار باللِّسان لا يَنفع إلا باعتِقاد القَلْب.
قيل: وفيه جواز قولِ: (أَنا مُؤمِنٌ) من غير أنْ يقول: إنْ شاء الله.
وأما الفَرْق بين الإسلام والإيمان فقال (خ): يجتمِعان حيث استَوى الظَّاهر والباطِن، ويَفترقان إذا لم يَستويا، ويُقال له: مسلمٌ حينئذٍ بمعنى: مُستَسلِم كما في الآية، وفي هذا الحديث.
(رواه يونسُ)؛ أي: إنَّ هذه الأَربعة تابَعوا شُعيبًا في رواية الحديث عن الزُّهري.
قال (ن): لقَول البخاري مثْلَ هذا ثلاثُ فوائدَ: تقْويةُ الحديث ببَيان كثْرة طُرُقه، ومعرفةُ رواتهم؛ ليَتبع رواياتهم مَن يُريد جمْع الطُّرُق أو نحو ذلك، ودفْعُ توهُّم أنَّه لم يَروِه غيرُ المذكور في الإسناد، حتى لو رآه في كتابٍ آخَر عن غيره تَوهَّمه غلَطًا.
قال (ك): ورابعةٌ، وهي الوَفاء بشَرطه صَريحًا؛ إذ شَرطه على ما قال بعضُهم: أنْ يكون لكلِّ حديثٍ راويان فأكثَر.
стр. 248
قلتُ: هذه مُفرَّعةٌ على ضعيفٍ لم يَصحَّ.
وخامسةٌ: وهي أنْ يصير الحديث مُستفيضًا، فيكون حُجَّةً عند مَن يَشرطُه في تخصيص القُرآن بالحديث، ونحو ذلك أنْ يكون مَشهورًا، انتهى.
ومتابعة يونسُ وصلَها عبد الرحمن بن عمْرو بن يَزيد الأَصبَهاني أَبو الحسَن الهَرَوي الملَقَّب: رَسْتَه في كتاب "الإيمان" له.
(وصالح) وصلَها البخاري في (الزكاة)، وروايته عن الزُّهري من رِواية الأكَابِر عن الأَصاغِر؛ لأنَّه أسَنُّ من الزُّهري.
(ومعمر) وصلَه عبْدُ بن حُمَيد، وابن أبي عُمَر العَدَني، والحُمَيدي، وغيرُهم في "مَسانيدهم".
(وابن أخي الزُّهري) وهو محمَّد بن عبد الله بن مُسلِم، وصلَها مسلم كما سيأْتي في نَوع الأسماء.
* * *
٢٠ - بابٌ إِفْشَاء السَّلَامِ مِنَ الإِسْلَامِ
وَقَالَ عَمَّارٌ: ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإيمَانَ؛ الإنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالَمِ، وَالإنْفَاقُ مِنَ الإقْتَارِ.
(باب: إفشاء السلام): مبتدأٌ وخبرٌ.
(ثلاث)؛ أي: خِصَالِ كما سبَق في حديث: "ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيهِ
стр. 249
وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيْمانِ".
(الإنصاف)؛ أي: العَدْل.
(السلام) من السَّلامة، كأَنَّ المُسلم يقول: أنتَ سالمٌ مِنِّي، وأَنا سالمٌ منكَ، وأما السَّلام اسمًا لله تعالى فمَعناه: ذُو السَّلامة مما يَلحَق المَخلُوق من نقْصٍ، وسُميت الجنَّة دارَ السَّلام؛ لسَلامة مَن بها مِن الآفاتِ، والسِّلْم: الصُّلْح؛ لأنَّهم يَتسالَمون به، ويجوز: سلامٌ، والسَّلامُ عليكم.
وأَمَّا في التشهُّد في الصَّلاة فاختارَ الشَّافعيُّ: سلامٌ؛ لحديث ابن عبَّاس، ورجَّحه على حديث ابن مَسْعود؛ لأنَّه من مُتأَخِّري الصَّحابة، ورجَّح جمعٌ: السَّلام؛ لمَا فيه من الزِّيادة، وقيل: هما سَواءٌ؛ لأنَّ التَّنوين يقُوم مَقام الأَلف واللام.
(للعالم) بفتْح اللام، أي: لكلِّ الناس مَن عرَف، ومَن لم يَعرف.
(والإنفاق من الإقتار) جَمَعَ عمَّار في كلِماته الخيرَ كلَّه؛ لأنكَ بالإنْصاف من نفْسك تبلُغ الغايةَ بينك وبين خالقك، وبينك وبين النَّاس، والأَمْرُ بالسَّلام على كل أَحدٍ حَضٌّ على مَكارم الأَخلاق، واستِئْلاف النُّفوس، والإنفاقُ من الإقْتار غايةُ الكرَم، قال تعالى: ﴿وَيُؤثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [الحشر: ٩]، والإنْفاق شامِلٌ لما على العِيال والأَضْياف، وكلِّ نفقةٍ في طاعة الله تعالى.
ففيه أنَّ نفَقة المعسِر على أهله أَعظَم أَجْرًا من نفَقة الموسِر.
стр. 250
قال (ك): جمعت خِصالَ الإيمان كلَّها؛ لأنَّها إما ماليةٌ أُشيرَ إليها بالإنْفاق المتضمِّن للوُثوق بالله تعالى، والزُّهدِ في الدُّنيا، وإما بدَنيةٌ، وهي إما مع الله تعظيمًا لأَمْره أُشير إليها بالإنْصاف، أو مع النَّاس بالشَّفَقة على خلْق الله تعالى أُشيرَ إليها ببَذْل السَّلام.
* * *
٢٨ - حدَّثَنَا قتيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيُّ الإسْلَامِ خَيرٌ؟ قَالَ: "تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ".
(م د س ق).
(أي الإسلام أفضل)؛ أي: أَيُّ خَصْلةٍ من خِصاله؟
(تطعم)؛ أي: أنْ تُطعمَ.
وسبَقَ بيان ما في الحديث.
وإنما كَرَّره باعتِبار تعدُّد ما اشتَمل عليه، وإنما لم يعقد للكُلِّ بابًا واحدًا؛ لاحتِمالِ أنْ يكون عمْرو بن خالِد الرَّاوي هناك ذكَره في مَعرِض بَيانِ أنَّ الإطعام من الإيمان، وقُتَيبة ذكَره في مَعرِض أنَّ السَّلام منه، فمَيَّزها البُخاريُّ بذِكْرهما في موضعَين بترجمتَين.
* * *
стр. 251
٢١ - بابُ كُفْرَانِ الْعَشِيرِ، وَكُفْرِ بعد كُفْرِ فِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ -.
(باب: كفران العشير)
الكُفْران مِن الكَفْر -بالفتح-، وهو السَّتْر، ولهذا يُقال للزَّارع كافِرٌ؛ لأنَّه يُغطِّي البِذْر، والكُفر الذي هو ضِدُّ الإِيمان من هذا لأنَّه سَتْرٌ على الحق، وهو توحيدُ الله تعالى، وما يجبُ له، وعلى نِعَمه؛ فإنَّ الكُفْر يُطلَق أيضًا على جَحْد النِّعمة ضِدُّ الشُّكر، إلا أنَّ الأكثَر في هذا كُفرانٌ، وفي مُقابِل الإيمان كُفْرٌ.
والعَشِيْر المُعاشِر؛ كأَكِيْل بمعنى: مُؤَاكِل، والمُعاشَرة المُخالَطة، وقيل: المُلازَمة.
(وكفر دون كفر) إشارةٌ إلى ما يُطلَق عليه اللَّفْظ من الأَنواع الآتية، وفي نُسخةِ: (وكُفْرٌ بَعدَ كُفْرٍ)؛ أي: بعدَه في المَرتَبة.
(فيه عن أبي سعيد)؛ أي: في الباب روايةُ أبي سَعيد الخُدْري، وقد ذكَرها البخاري في (باب الحَيْض)، وهو حديث: "يَا مَعْشَر النِّسَاء! تَصدَّقْنَ"، وفي (باب الزكاة) أيضًا كذلك.
وزعَم بعضهم أنَّه في (باب العِيدَين)، ولم أَرَه بهذا اللَّفْظ فيه، فلعلَّ مُرادَهم أَصْل الحديث.
* * *
стр. 252
٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أُرِيتُ النَّارَ، فَإِذَا أَكثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ يَكْفُرْنَ"، قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: "يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ".
(م د س).
وإسناد الحديث المَذكُور عن ابن عبَّاس كلُّه مَدَنيُّون.
(أُريت) بضمِّ الهمزة بمعنى: التَّبصِير، وتاء المتكلِّم أحَد مفعولَيه أُقيمَ مُقام الفاعِل.
(النار) مَفعولُه الثَّاني، وبعدَه في نسخةٍ: (فَرأَيْتُ أَكثَرَ أَهلِها النِّسَاءَ)، وفي أُخرى: (فَإِذا أَكَثَرُ أَهلِها النِّساءُ)، وفي أُخرى -وعليها شرح (ك) - (النار التي أكثَر أهلِها النِّساء)، فقال: (التي) صفةٌ للنَّار مُوضِّحةٌ؛ لأنَّها لازِمةٌ.
(أكثر أهلها النساء) جُملةٌ هي صِلَة الموصول، وفي نُسخةٍ بدُونِ (التي) مع نَصْب (أكثَر) و (النِّساء) مفعولَين ثانيًا وثالثا لـ (أُريتُ)، على أنْ تكون عِلْميَّةً، ورفعِهما على أنَّ الجُمَل حالٌ بدُون الواو على حَدِّ: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦]، أو صِفةٌ؛ لأنَّ ما بعد المُحلَّى بلام الجِنْس فيه الوَجْهان، أو استئنافيةٌ، فهي جوابُ السُّؤال عن عِلَّةِ ذلك.
стр. 253
وفي رواية: (بكُفْرِهِنَّ)، والباء للسَّببيَّة مُتعلِّقةٌ بـ (أكثَر)، أو بفِعْل الرُّؤْية.
(أيكفرن بالله) الاستِفسار دَليلٌ على أنَّه محتمِل؛ لاحتِماله الكُفْرَ بالله تعالى، وكُفْرانِ النِّعمة.
(يكفرن العشير) لم يُعَدِّه بالباء كما عَدَّى الكُفْر بالله؛ لأنَّه ليس مُتضمِّنًا لمعنى الاعتِراف بخلافِه.
والعَشِيْر هنا الزَّوْج بدلالة السِّياق، ويحتمِل العُمومَ، ويحتمل الجِنْسَ، بل هو الأَرجَح؛ لأنَّه الأَصْل في اللام.
(ويكفرن الإحسان) كالبَيان لمَا سبَقَ؛ لأن المَقصودَ كُفْران إحسانِ العَشير لا كُفْر ذاتِه.
(إن أحسنت)، في روايةٍ: (لَو أَحْسَنْتَ)، على أنَّ (لو) بمعنى: (إنْ) لا بمعناها الأَصليِّ، وهو الامتِناع لامتِناعٍ.
ويحتمل أنْ يكون مِن قَبيل: (نِعْمَ العَبدُ صُهيبٌ، لو لَم يخَفِ اللهَ لم يَعصِهِ)، حتى يكون الحكمُ ثابتًا على النَّقيضَين؛ لكون الطَّرَف المَسكُوت عنه أَولى من المذكور.
والخِطاب ليس خاصًّا بل كلُّ مَن يتألَّى أنْ يكون مُخاطَبًا حُكمه ذلك، فهو مجازٌ؛ لأنَّ الحقيقة أَنْ يكون المُخاطَب خاصًّا، فهو على حَدِّ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ [السجدة: ١٢]، على أنَّه قد اختُلف في نحو الضَّمير والإِشارة هل هو موضوعٌ لجزئيٍّ أو لكُليٍّ نظَرًا إلى أنَّه لا يكُون إلا لخاصٍّ في الاستِعمال، والوَضْع لمَا فيه يُستعمَل، أو أنَّه
стр. 254
لمَّا كان يُستعمل فيما تغشاه المتكلِّم لم يتعيَّن.
قلتُ: ورجَّحَ كثيرٌ أنَّه كُلِّيٌّ وَضْعًا، جُزئيٌّ استِعمالًا، وهو حسَنٌ.
(الدهر) نصبٌ على الظَّرفيَّة معناه: الأَبَد، والمراد هنا: دَهْر الرجل، أي: عمُره، أو الدَّهر مطلقًا بتقدير: لو بَقِيَ، فهو أبَدٌ بالفرَض مبالغةً في كفرانهنَّ، وسُوء مِزاجِهنَّ.
(شيئًا) تنوينُه للتَّحقير، أو للتقليل، أو لهما فقط.
(قط) بفتح القاف، وتشديد الطاء مضمومةً في الأفْصح: ظرف زمانٍ لاستِغراق ما مضَى.
قال بعضهم: الكُفر أربعة أنواعٍ: إنْكارٌ، وجُحودٌ، ومُعاندةٌ، ونفاقٌ.
فالإنكار ما بقلْبه ولسانه، فلا يَعرف ما يُذكر له من التوحيد، والجحود أنْ يَعرف بقلْبه، ولا يُقِرَّ بلسانه ككُفر إبليس، والمعانَدة أنْ يعرِف بقلْبه، ويُقِرَّ بلسانه، ويَأْبى أن يُظهره، ككُفر أبي طالِب، وكُفْر النِّفاق ظاهرًا، وأما كُفران النِّعَم فخارجٌ عن الأَربعة كما في هذا الحديث، وفي حديث: "لا تَرجِعُوا بَعدي كُفَّارًا يَضرِبُ بعضُكم رِقَابَ بعضٍ".
وفي الحديث: وَعْظ الرَّئيس المَرؤُوس، وتحريضُه على الطاعة، ومُراجعة المتعلِّم العالمَ، والتابعِ المتبوعَ فيما لا يَظهر له معناه، وتَحريمُ كُفْران الحُقوق والنِّعم وإلا لَمَا دخَل النار، وأنَّ النار مَخلوقةٌ
стр. 255
اليوم كما هو مذهب أهل السنَّة.
وفيه أنَّ هذا كبيرةٌ عند مَن يَعرفها لما توعَّد عليه.
قال (ط): كُفرُ نِعْمة الزَّوج هو كفرُ نِعْمة الله؛ لأنَّها من الله تعالى أَجراها على يَده، وفيه أنَّ المَعاصي تُنقص الإيمان؛ لأنَّه جعله كُفرًا، وأنَّ إيمانهنَّ يَزيد بشُكر نِعمة العَشير، فثبَت أنَّ الأعمال من الإيمان.
* * *
٢٢ - بابٌ الْمَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيةِ، وَلَا يُكَفَّرُ صاحِبُهَا بارْتِكَابِهَا إِلَّا بالشِّرْك لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّة"، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] .
(باب: المعاصي من أمر الجاهلية)
المَعاصي جمع: مَعصيةٍ، وهي تَرْك واجبٍ، أو فِعْل حرامٍ كبيرة كانت أو صغيرةً، والجاهلية زمان الفَتْرة قبل الإسلام، سُمي بذلك لكثْرة الجَهالة فيه.
(ولا يكفر صاحبها)؛ أي: خلافًا لقَول الخَوارج: إنَّه بالكبيرة يكفر، وقول المعتزلة: إنَّه بين منْزلتين، لا مؤمنٌ ولا كافرٌ.
стр. 256
(بارتكابها)؛ أي: الإتْيان بها، فعبَّر عنه بالارتكاب مجازًا.
قال (ن): احِرازًا عن الاعتقاد، فإنَّه لو اعتقَد ما هو حرامٌ من المَعلوم من الدِّين بالضَّرورة حلالًا كُفرٌ بلا خِلافٍ.
(جاهلية)؛ أي: شيءٌ من أَخلاق الجاهلية، ففي استِدلاله بالحديث والآيةِ على شِقَّي التَّرجمة لَفٌّ ونشرٌ.
نعَمْ، وجْه الاستدلال بنفْي الغُفران على الكُفر كونُه يستلزمه إلا عند المُعتزلة القائلين: يخلد ولا يُكفر، وإلا فليس في الآية إلا نفْي الغُفران، وفي بعض النُّسَخ تعقيبُ آية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] الآيةَ، ثم بحديثِ الأَحْنَف بن قَيْس الآتي ذِكْره، وفي بعضها ذِكْرهما في ترجمةٍ أُخرى، وعليها شَرَح (ك)، فتَبعناه.
* * *
٣٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاصِلٍ الأَحْدَبِ، عَنِ الْمَعْرُورِ قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا، فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا أَبَا ذَرٍّ! أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ، إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ".
стр. 257
(م).
(بالربذة) بحركاتٍ، ومُوحَّدة، ثم معجمةٍ: موضعٌ على ثلاث مَراحِل من المدينة.
(حُلة) بضم المهملة: إِزارٌ ورِداءٌ، ولا تكون حُلَّةً حتى تكون ثَوبَين، وذلك إشارةٌ إلى تَساويهما في لُبْس الحِلَّة.
(فسألته) سبَب السُّؤال أنَّ عادة العرَب وغيرهم أنْ تكون ثِياب المَملوك دُون ثيابِ سيِّده.
(ساببت)؛ أي: شاتَمتُ، أو شتَمتُ.
(رجلًا) هو عبدٌ بدليل السِّياق.
(فعيرته بأمه)؛ أي: عِبْتُه، ونَسبتُه للعار، وهو معنى: سابَبتُه إلا أنَّ بينهما تغايرًا بحسَب المفهوم، فلذلك عطَف عليه بالفاء التَّفسيرية كقوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، ورواه البخاري في (الأدب): (كانَ بَيْني وبين رجلٍ كلامٌ، وكانتْ أُمُّه عجَميَّةً، فنِلْتُ منها) الحديثَ، ويُروى أنَّه قال لأَبي ذَرٍّ: "ارفَعْ رأْسَكَ، ما أَنْتَ أفْضَلَ ممَنْ تَرى مِن الأَحمرِ والأَسوَدِ إلا أنْ تَفضُلَ في دِيْنِ اللهِ"، ورُوي: أنَّ هذا الرَّجل الذي عَيَّرَه أَبو ذَر هو بِلالُ بن حَمَامَة، وبها اشتُهر، وكانتْ نُوبيَّةً، وفي روايةٍ: أَنَّه قال له: يا بنَ السَّوداءِ! ويُروى: أنَّه لمَّا شَكاهُ بِلالٌ للنبيِّ ﷺ قال له: "شَتَمتَ بِلالًا وعَيَّرتَه بسَوادِ أُمِّه"، قال: نعمْ، قال: "أَحسِب أنَّه بَقِيَ فيك شيءٌ من
стр. 258
كِبْر الجاهليَّة"، فأَلقَى أبو ذَرٍّ خَدَّه على التُّراب، ثم قال: لا أَرفَع خَدِّي منها حتى يَطَأَ بلالٌ خَدِّي بقَدَمه.
(يا أبا ذر) وفي روايةٍ: (أَبا ذَرٍّ) بحذْف حرف النداء.
(أعيرته) الاستِفهام فيه للإنْكار التَّوبيخي.
(خولكم) بفتح المعجمة، والواو: الواحد خائِلٌ، وقد يُطلَق الخَوَل على الواحد، ومعنى الخَوَل: الحشَم من التَّخويل، وهو التَّمليك، وقيل: الخَوَل الخَدَم، وسُموا به لأنَّهم يَتخوَّلون الأُمور؛ أي: يُصلحونها.
قال (ش): إِخوانُكم خوَلَكم -بالنَّصب-؛ أي: احفَظوا، ويجوز الرفْع على معنى: هم إِخوانُكم، قال: أبو البَقاء: والنَّصب أَجوَد، نعَمْ، رواه البخاري في (كتاب حُسْن الخُلُق): (هُمْ إِخوَانكمْ)، وهو يُرجِّح الرَفْع.
فإنْ قيل: القَصْد الإِخبار عن الخَوَل بالأُخوَّة لا العَكْس؛ قيل: تَقديم إخوانكم إما للاهتِمام بشأْن الأُخوَّة، وإما لحصْر الخَوَل في الإِخْوان؛ لأنَّ تقديم الخبَر يُفيد الحصْر، أي: ليسُوا إلا إِخوانًا، وللحَصْر مُقتضَى آخَر؛ لأنَّ تعريف المبتدأ والخبر يُفيد ذلك، وإما أنَّه من باب القَلْب تَلْميحًا للكلام كقوله:
نَمْ وإِنْ لَم أَنَمْ كَرايَ كَراكا ... شَاهِدِي الدَّمْعُ إِنَّ ذاك كَذَاكَا
وقال التَّيْمِي: كأنَّه قال: هُم إِخوانكم، ثم أَراد إِظْهار هؤلاء
стр. 259
الإِخْوان، فقال: خَوَلَكم.
قلتُ: لا يَخفَى ما في كلِّ ذلك [مِنْ نَظرٍ، وأُخوَّة الخَوَل للمَخول إما مجازٌ عن القُدرة، أو الملْك، أو المراد مُطلَق القَرابة؛ لأنَ الكلَّ] (١) من آدَم، أو أُخوَّة الإسلام، فالمماليك الكفَّار إما أنْ يُجعلوا في ذلك تبَعًا للمؤمنين، وإما أنْ يُقيَّد الخَوَل بالإيمان.
(تحت يده) إمَّا مِن إطلاق اليَد على القُدرة، أو المُلْك مجازًا.
(فليطعمه) وكذا ليُلبسه -بضم أَوَّلهما-، وإنما قال: مما يَأكل، ولم يقل مما يَطعَم كما في: (وليلبسه مما يلبس) بفتح أوَّل يَلبَس؛ لأنَّ الطَّعم الذَّوق كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩]، فلو قال: مما يَطعَم لتُوهِّم أنه تجب الإذاقةُ مما يذُوق، وذلك غير واجبٍ، والأمر في هذَين للاستحباب عند الأكثر وإنْ كان الأصل في الأَمر الوُجوب.
(ولا تكلفوهم) نهيُ تحريمٍ.
(ما يغلبهم)؛ أي: ما تَعجَز قدرتُهم عنه؛ لعظَمته، أو لصُعوبته.
(كلفتموهم)؛ أي: ما يَغلبُهم، فحذف المفعول الثاني؛ لدلالةِ ما سبَقَ عليه.
قال (ط): يُريد أنَّك في تعييره بأُمه على خلُقٍ من أخلاق الجاهلية؛ لأنَّهم كانوا يَتفاخرون بالأَنْساب، فجَهلتَ وعصَيتَ الله تعالى، ولم
стр. 260
تستحقَّ بهذا الفعل أنْ تكون كأهل الجاهلية في كُفْرهم بالله تعالى. أي: فهذا التَّقدير يُعلم منه الأَمران المذكوران في الترجمة.
قال: والمُراد من التفرقة في الآية لمن ماتَ بلا توبةٍ، أَمَّا مَن تابَ فلا فَرْقَ.
نعم، تعقَّب (ك) كَون ما أَورده البخاريُّ رادًّا على الخَوارج؛ لأنَّ خلافَهم في الكبيرة، والتَّعيير بالأُم صغيرةٌ.
وفي الحديث النَّهي عن يسَبِّ العَبيد، وتَعييرهم بآبائهم، والحضُّ على الإحسان إليهم، وإلى مَن في معناهم مِن أَجيرٍ وخادمٍ، وفيه أنَّ الدوابَّ ينبغي أن يُحسَن إليها، ولا تُكلَّف من العمل ما لا تُطيق الدَّوام عليه، والنَّهي عن الترفُّع على المُسلم وإنْ كان عبدًا، والمُحافظة على الأمر بالمعروف، والنَّهي عن المُنكر، وغير ذلك.
* * *
٢٢ / -م - بابٌ ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]، فسَمَّاهُمُ الْمُؤْمِنِينَ
(باب: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا)
كذا في نُسخةٍ هذه الترجمة، وشَرَح عليها (ك)، وفي نسُخ إدخال الحديث الذي فيها في الباب السَّابق، وذكَر هذه الآيةَ في أوَّل الباب.
стр. 261
وأصل الطائفة القِطْعة من الشيء، ثم استُعمل مرةً في واحدٍ أو اثنين [من الناس نحو: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢]، وأقلُّ الفِرقة ثلاثةٌ، فالطائفة منهم إما واحدٌ أو اثنان، (١)، ولهذا يُحتجُّ به في قَبول خبر الواحد.
وإنما جمع بعده الضَّمير في: ﴿لِيَتَفَقَّهُواْ﴾، ﴿وَلِيُنذِرُاْ﴾ باعتبار مجموع الطَّوائف من كلِّ قريةٍ نحو: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢]، فالمراد ثلاثةٌ بدليل: ﴿وَلْيَأْخُذُوا﴾ [النساء: ١٠٢]، وربَّما جاء مُرادًا به أربعةً، وهو قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]؛ لأن ذلك نِصاب شُهود الزنا، أي: فيحضر قَدْر عددهم، وقال: ﴿اقتَتَلُوا﴾، وقال بعده ﴿بينَهُمَا﴾ مُراعاةً لآحاد الطائفتين في الأوَّل، وللفْظ الطائفة في الثاني.
(فسماهم مؤمنين)؛ أي: فلم يُخرج صاحب الكبيرةِ عن كونه مؤمنًا.
* * *
٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيْدٍ، حَدَّثَنَا أيُّوبُ ويُونسُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: ذَهَبْتُ لأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ، فَلَقِيَنِي أَبو بَكْرَةَ فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ، قَالَ: ارْجِعْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا
стр. 262
الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ"، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: "إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ".
(م د س).
سنَده بصريُّون، وفيه ثلاثةٌ تابعيُّون.
(هذا الرجل)؛ يعني: عليًّا ﵁، وذلك في وَقْعة الجمَل، وقيل: يعني: عُثمان ﵁.
(قلت: أنصر هذا الرجل): إلى مكانِ أنصُر؛ لأنَّ السؤال عن المكان، والجواب بالفِعْل، فيُؤوَّل بذلك.
(فالقاتل والمقتول في النار)؛ أي: حيث لم يكُونا من الصَّحابة المُجتهدين، فإنَّ القاتل والمقتُول منهم إنما كانَ أَمرهما عن اجتهادٍ وظن للصَّلاح الدِّيني، فتقاتُلُ المتقاتلَينِ منهم إنما هو بهذا القَصْد، ومَن أصابَ في اجتهاده فله أَجْران، ومَن أَخطأَ فله أجرٌ.
وإنما منعَ أبو بَكْرة الأَحنَفَ، وامتنعَ هو أيضًا؛ لأنَّه ممن اعتَزَل الفريقَين في ذلك؛ لأنَّ اجتهاده أدَّاه إلى ذلك.
فإنْ قيل: ظاهر قوله: (في النار) يَشهد لقَول المُعتزلة بالتَّخليد لذَوي الكبائر؟
قيل: المَعنى: أنَّهما يستحقَّان، وقد يُعفى عنهما أو عن أحدٍ منهما، فلا يَدخُلان كما قال تعالى: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣]،
стр. 263
أي: هذا جزاؤُه، وليس بلازمٍ أن يُجازى.
(هذا القاتل) مبتدأٌ وخبرٌ، أي: هذا يستحق النارَ؛ لأنَّه قاتلٌ، فالمَقتول كيف يستحقُّ ذلك؟
(كان حريصًا) لا يُنافي قولَه تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] حيثُ رتَّب في الخبَر على ما ليس فيه فِعْلٌ وعِلاجٌ بل يكون بمجرَّد النيَّة، وفي الشر بخلاف ذلك، فلا مَدخَل له في النيَّة، وأيضًا فقد قال ﷺ : "إِنَّ الله تَجاوَز عن أمتي ما حدَّثتْ به أنفُسَها ما لم يَعمَلُوا أو يَتكلَّفوا به"، وحديث: "إِذَا هَمَّ عَبْدِي بسَيِّئةٍ؛ فلا تَكتبوها"؛ لأنَّ المراد هنا مَن وطَّنَ نفْسَه على أنْ يقتل، وصمَّم على المَعصية، وما سبَق فيما إذا لم يُوطِّنْ نفسَه، ولكنْ مرَّ ذلك بفِكْره من غير استقرارٍ، ويُعبَّر عن التَّصميم بالعَزْم تُكتب سيئةً، فإذا عمِل كان معصيةً ثانية.
فإنْ قيل: كيف أَدخل الحِرْصَ على القتل وهو صغيرةٌ في سِلْك القتْل وهو كبيرةٌ؟
قيل: إنما أدخلَها في سِلْك الدُّخول للنار، وهو أَعمُّ.
وقال (ن): فإن قيل: إنما سَمى الله تعالى في الآية الطائفتَين مؤمنتَين، وسماهما النبيُّ ﷺ مُسلمَين حالَ الالتقاء لا القِتال وبعدَه؛ قيل: قد قال تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]، سمَّاهما أخوَين، وأمَر بالإصلاح بينهما، ولأنَّهما عاصيان قبْل القتال، وذلك
стр. 264
من حين سَعَيا إليه وقصَداه، والحديث محمولٌ على معنى الآية.
* * *
٢٣ - بابٌ ظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ
(باب: ظلم دون ظلم)
يحتمل أنْ يكون (دُون) بمعنى (غير)؛ إشارةً إلى أنَّ الظُّلْم أنواعٌ، ويحتمل أنْ يكون بمعنى (أَدنى)؛ أي: بعضُه أشدُّ من بعضٍ.
وسبق قريبًا ذِكْره في ترجمةٍ فيها: (كُفْرٌ دُون كُفْرٍ).
٣٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، ح قَالَ: وَحَدَّثَنِي بِشْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا نزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
(م س ت).
في إسناده تحويلٌ يُبيِّن أنَّ له طريقَين.
قلتُ: لكن الأُولى أعلى، والثانية فيها غُنْدَر، وهو أثْبت الناس في شُعبة، فقام ذلك مَقامَ العُلوِّ في الأُولى.
(ولم يلبسوا)؛ أي: لم يخلِطوا، والمراد بذلك كما قال التَّيْمِي: لم
стр. 265
يُفسِدوا إيانهَم، ولم يُبطلوه بكُفْر، وإلا فالخلْط لا يُتصوَّر، ويحتمل أنَّ المراد: لم يُنافِقوا، لأنَّه جمع بينهما ظاهرًا وباطنًا وإنْ كانا لا يجتمعان.
(أينا لم يظلم)، وفي نسخةٍ: (نَفْسَه)، والمراد أنَّهم لمَّا فَهموا من الآية مُطلَق الظُّلم؛ بيَّن تعالى أنَّ المُراد به ظُلمٌ خاصٌّ، وهو الشِّرك، وإنما فَهموا حَصْر الأَمْن فيمن لم يَلبِس إيمانَه، حتى ينتفي الأَمْن عمَّن التَبس مِن تقديم (لهم) على (الأَمْن)، وتقديم (هم) على (مهتدون) كما قال الزَّمَخْشَري في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٠]: إنَّه للتَّخصيص، وإنما كان (بظُلْمٍ) مُرادًا به، أي: لفْظ (هم) في قوله: (وَهُم مُّهتَدُونَ): الظُّلْم العظيم؛ لأن التَّنكير للتَّعظيم، والظُّلْم العظيم هو الشِّرك، إذْ لا ظُلْمَ فوقَه، ولم يصِف الشارعُ غيرَه بذلك، فقصَر ذلك عليه.
ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرٌ.
قال (ن): وروى البخاري الحديث في (التفسير) كذلك أيضًا، لكنْ رواية مسلم: (أَيُّنا لم يَظْلِمْ نفسَه)، فقد قال ﷺ : (لَيْسَ هو كما تَظنُّون، إنما هُو كما قال لُقْمان لابنه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣])، ففيه تفسيرٌ لما في البخاري.
ففيه دلالةٌ على أنَّ المعاصي لا تكون كُفرًا، وأنَّ الظُّلْم على ضربَين، وأنَّ تأْخير البَيان إلى وقْت الحاجة جائزٌ، وأصل الظُّلْم وَضْع الشيء في غير مَوضِعه.
стр. 266
قال (ط): مقصود الباب: أنَّ تمام الإيمان بالعمَل، وأنَّ المعاصي ينقُص بها الإيمان، ولا تُخرج صاحبَها إلى الكُفر، والنَّاس مختلفون فيه على قَدْر صِغَر المعاصي وكبرها.
وفيه من الفِقْه: أنَّ المفسَّر يَقضي على المُجمَل، وأن العمَل بالعامِّ حتى يأْتيَ مُخصِّصٌ.
* * *
٢٤ - بابُ عَلَامَةِ المُنَافِقِ
(باب: علامات المنافق)
وأصله: مَن يُظهر ما يُبطِن خلافَه، لكنَّه غَلَب لمن يُظهر الإسلامَ ويُبطِن الكُفرَ، وأَخذه إما من النَّفَق، وهو: السَّرَب في الأَرض، يُدخَل منه ويُخرج من مكانٍ آخَر، فيُستتر به، وإما مِن جُحْر اليَربُوع، فإنَّه يدخُل فيه من القاصِعاء، وهو الظَّاهر الذي يقصَع فيه، فإذا أحسَّ بالصائد منه خَرَج من النَّافِقاء، وهو ما نَفَقه من مكانٍ آخَر بحيث إذا ضَرب رأْسه به انفَلَق، وخرَج منه، فشُبِّه المُنافق به من حيث إنَّه يُظهر القاصِعاء، ويُخفي النَّافِقاء؛ لكونه يَكتم الكُفر ويُظهِر الإيمانَ، أو يَدخُل في الشرع من بابٍ، وَيخرج من آخَر، أو أنَّ النَّافِقاء ظاهره تُرابٌ كالأرض، وباطنه حُفرةٌ.
* * *
стр. 267
٣٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيعِ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ناَفِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ؛ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ".
الحديث الأول (م ت س):
(عن أبيه)؛ أي: الذي هو جَدُّ الإمام مالك.
(آية)؛ أي: علامةُ، ولهذا قيل لآية القُرآن ذلك؛ لأنها علامةُ انقطاعِ كلامٍ عن كلامٍ، وإنما أَخبر عن الآية بـ (ثلاث) باعتبار إِرادة الجنْس، أي: أنَّ كلَّ واحدةٍ منها آيةٌ، أو أنَّ مجموع الثلاث هو الآية.
(إذا حدث) جعْلُه خبرًا بعد خبرٍ، أو بدلًا مما قبلَه يقتضي أنَّه محمولٌ عليه لكنْ على معنى كونِه عند تحديثه.
(كذب)؛ أي: أخبر بخلاف الواقع.
(وعد)؛ أي: أخبر بخبرٍ من المستقبَل.
(أخلف)؛ أي: جعل الوَعْد خِلافًا، وذلك بأنْ لا يَفي به.
(اؤتمن)؛ أي: جُعل أَمينًا، وفي روايةٍ: (اتُّمِنَ)، بتشديد التاء، وذلك بقلب الهمزة الثانية منه واوًا، وإبدال الواو تاءً، وإدغام التاء في التاء.
(خان)؛ أي: تصرَّف على خلاف الشرع، فإنْ قيل: الوَعْد إخبارٌ؛ فلِمَ عُطف على الخبَر، وهو يقتضي التغايُر؟
стр. 268
قيل: لأن إخلاف الوعد قد يكون بالفعل، وهو غير الكَذِب الذي هو لازمُ التَّحديث، فتغايرا، أو جعل حقيقةً أُخرى خارجةً عن التحديث على وجْه الادِّعاء كما في عطْف جبريل على الملائكة ﵈ بادِّعاء أنَّه نوعٌ آخَر كزيادةِ شرَفه.
قال:
فإنْ تَفُقِ الأَنامَ وأَنْتَ مِنْهُمْ ... فإنَّ المِسْكَ بعضُ دَمِ الغَزَالِ
وكذا كلُّ خاصٍّ يُعطف على عالم.
وإنما خَصَّ هذه الثلاثة بالذّكر؛ لاشتمالها على المُخالفة التي هي مَبنى النِّفاق من مُخالفة السرِّ العلَنَ.
واعلم أنَّه قد استُشكل في الحديث أنَّ هذه الخِصال قد تُوجد في المُسلم غير المُنافِق، فقال (ن): لا إِشكالَ؛ لأنَّ معناه أنَّ هذه خصال نفاقٌ، وصاحبها شبيهٌ بالمنافِق المطلَق إلا أنَّ هذا نفاقه خاصٌّ في حقِّ مَن حدَّثه، ووعدَه، وائتمنَه، لا نفاقٌ في الإسلام بإبطان الكُفر.
وقيل: هذا فيمَن كانتْ هذه الخصال غالبةً عليه، فمَن ندَر ذلك فيه لا يدخُل.
وقال الطِّيْبِي: الشرطيَّة في (إذا) المُشعِرة بتحقُّق الوُقوع يدلُّ على أنَّ هذه عادتَهم.
وقال (خ): (إذا) تقتضي تكرار الفِعل.
قال (ك): وفيه نظَرٌ، والأَولى أن يُقال: حذْف المفعول مِن
стр. 269
(حدَّث) ونحوه يدلُّ على العُموم أو الإطلاق، فكأنَّه قال: إذا حدَّث في كلِّ شيءٍ كذَب فيه، أو: إذا وُجد ماهية التَّحديث كذَب، ولا شكَّ أن مثْله منافقٌ في الدِّين.
قلتُ: العموم موجودٌ دائما هنا من جهة الشَّرطية، فأين موضع الإطلاق؟ وأيضًا فإذا كان مطلقا لا يحصُل به المقصود من الجواب.
ومنهم من أجاب بأن المراد به المنافقون الذين كانوا زمنه ﷺ ، فحدَّثوا بإيمانهم فكذَبوا، ووعدوا في نصْر الدِّين فأخلَفوا، وائتُمنوا في دينهم فخانوا.
وقيل: المراد منافقٌ خاصٌّ، ولكنَّ النبيَّ ﷺ كان لا يُواجه أحدًا بل يُشير إليه إشارةً، فيقول: "مَا بَالُ أَقْوامٍ يَفعَلُونَ كذا".
وقال (خ): المراد بذلك نفاقٌ دون نفاقٍ.
قال (ك): ولدفْع الإشكال خمسة أَوجهٍ؛ لأنَّ اللام إما للجنْس، فهو إما على سبيل التَّشبيه، أو أن المراد الاعتِقاد، أو الإنْذار، وإما للعَهْد، وذلك في مُنافقي زمانه عُمومًا، أو منافقٍ خاصٍّ، وسادسٌ: يخرَّج من كلام (خ) آخِرًا: أنَّ المراد النِّفاق العمَلي لا النِّفاق الإيماني، وسابعٌ، وهو الأَحسن: أنَّ النِّفاق شرعيٌّ، وهو إبطان الكُفر وإظهار الإسلام، وعُرفيٌّ، وهو كون سرِّه خلافَ عَلانيته، وهو المراد هنا.
ويُحكى أنَّ رجلًا قدِم مكَّة من البَصرة، فقال لعَطاء: سمعتُ الحسَن يقول: مَن كان فيه ثلاث خِصالٍ لم أتحرَّج أنْ أقول: إنَّه
стр. 270
منافقٌ، فقال له: إذا رجعتَ إلى الحسَن فقل له: إنَّ عَطاءً يقرأُ عليك السَّلام، ويقول لك: ما تقُول في بني يَعقُوب إِخوة يوسُف؛ إذ حدَّثوا فكذَبوا، ووعَدوا فأَخلَفوا، وائتُمنوا فخانُوا؟، أوَ كانوا مُنافقين؟ فلمَّا قال للحسَن ذلك سُرَّ به، وقال: جَزاكَ الله خيرًا، ثم قال لأصحابه: إذا سمعتُم مني حديثًا؛ فاصنَعوا مثْلَ ما صنعَ أخوكم، حدِّثوا به العُلماءَ، فما كان منه صَوابًا فحسنٌ، وإنْ كان غير ذلك رُدُّوا عليَّ جوابَه.
وعن مُقاتِل: أنَّه سأَل سعيد بن جُبير عن هذا الحديث، فقال -أي: مُقاتِل-: هذه مسألةٌ قد أَفسدتْ عليَّ مَعيشتي؛ لأني أظنُّ أنْ لا أَسلَم من هذه الثَّلاث أو من بعضِها، فضَحِكَ سعيدٌ، فقال: أَهمَّني ما أَهمَّك، فأتيتُ ابنَ عُمر، وابن عبَّاس فقَصصتُ عليهما، فضَحِكا، فقالا: أَهمَّنا -واللهِ- يا ابن أَخي ذلك، فسألْنا النبيَّ ﷺ ، فضَحِك، فقال: "ما لكم ولهنَّ، أما قَولي: إذا حدَّث كذَب؛ فذلك فيما أَنزَل الله عليَّ: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]، وأمَّا إذا وعَد أخلَف؛ فذلك في قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٧] الآية، وأما إذا اؤتُمِنَ خانَ فذلك فيما أنزل الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأحزاب: ٧٢]، وأنتم بُرآءُ من ذلك".
* * *
٣٤ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو:
стр. 271
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ".
تَابَعَهُ شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ.
الحديث الثاني (م د س ت):
(قبيصة) قالوا: سَمع من سُفْيان الثَّوري صغيرًا، فلم يَضبط منه كما هو حقُّه، فهو حُجة إلا فيما روى عن سُفْيان.
قال (ن): ويكفي في جلالته احتِجاج البخاريِّ به في مواضع غيرِ هذا، وأما هنا فإنما ذكَره متابعةً.
ونازعَه (ك) في كون هذا متابعةً؛ لمخالفة هذا الحديث ما تقدَّم لفْظًا ومعنًى من جهاتٍ كالاختلاف في: (ثلاثٌ) و (أربعٌ)، وكزيادة لفْظة: (خالِصًا).
قلتُ: إنما أراد (ن) هنا بالمُتابعة الشَّاهد، فإنَّ المُحدِّثين يُطلقون كلًّا منهما على الآخَر، فلا يقدَح الاختلاف الذي ذكَروه على أنَّ محمد ابن عبد الله بن نُمير لمَّا قيل له: إنَّ قَبِيْصة كان صغيرًا حين سمع من سُفْيان: لو حدَّثنا قَبِيْصة عن النَّخَعي لقَبِلْنا منه.
قال الفَضْل بن سُهيل: كان قَبِيْصة يحدِّث بحديث سُفْيان على الولاء دَرْسًا دَرْسًا حفظًا، فقول أحمد: إنَّه ثقةٌ لا بأْسَ به لكنَّه كثير الغَلَط، مُعارَضٌ بقول أبي حاتِم: لم أَرَ من المُحدِّثين من يحفَظ، ويأْتي
стр. 272
بالحديث على لفْظٍ واحدٍ لا يُغيِّره سِوى قَبِيْصةَ، وأَبي نُعيم في حديث الثَّوري، وكان قَبِيْصة لا يحفَظ، ثم حَفِظ.
واعلم أنَّ الإسناد كلُّه كوفيُّون إلا ابن عمرو بن العاص.
وفيه ثلاثةٌ تابعيُّون بعضُهم عن بعضٍ: الأَعمَش، وابن مُرَّة، ومَسرُوق.
(أربع) مبتدأٌ سوَّغ الابتداءَ به مع أنَّه نَكِرةٌ تقديرُ إضافته، أي: أَربع خِصالٍ، والجُملة الشَّرطية عَقِبه خبَره، ويحتمل أن يكون صفةً له، والخبر: (إذا اؤتُمن خانَ ...) إلى آخره.
وسبق في الحديث توجيه المعنى فيه، ولذلك سبَق أجوبةُ الإشكال فيه، نعم، قوله هنا: (خالِصًا) يُؤيِّد السادسَ والسابعَ؛ إذ الخُلوص بالمعنى المذكور فيهما لا يستلزم كُفرًا، وأما الخالِصة فمنْ حيث إنَّ الخصال التي تتم بها المُخالفة بين السرِّ والعلَن، لا يَزيد عليه.
وقال (ط): معناه: خالصًا في هذه الخِلال المذكورة فقط.
قال (ن): شديد الشَّبَه بالمنافقين بسبَب هذه الخِصال، قال: ولا مُنافاةَ بين أربع هنا، وثلاث فيما سبَق؛ لأنَّ الشيء الواحد قد يكون له علاماتٌ كلُّ واحدةٍ منها تحصل بها صِفَته، ثم قد تكون تلْك العلامة شيئًا واحدًا، وقد تكون أشياء.
وقال الطِّيْبِي: العلامات مرَّةً يُذكر بعضها، ومرةً جميعًا، أو أكثرها.
стр. 273
وقال (ك): الأَولى أن يُقال: التَّخصيص بالعدد لا يدلُّ على الزَّائد والناقِص.
قلتُ: تكرَّر هذا من (ك) كثيرًا في هذا الكتاب، وهو مُفرَّعٌ على أنَّ مفهوم العدَد ليس بحُجَّةٍ، ولكنَّ المرجَّح خلافه كما بينَّاه في "شرح الأَلفيَّة في الأُصول".
(خصلة)؛ أي: خَلَّة، بفتح أولها.
(عاهد)؛ أي: حالَفَ.
(غدر)؛ أي: تَرَك الوَفاءَ.
(فجر)؛ أي: مالَ عن الحقِّ، وقال الباطِل، أو: شقَّ سِتْر الديانة.
قال (ن): حصَل من الحديثين خمسُ خِصالٍ، وقال في "شرح مسلم": (إِذا عاهَدَ غَدَرَ) داخلٌ في: (إذا اؤتمن خانَ).
قال (ك): إذا اعتَبرنا ذلك رَجَعَتْ إلى الثلاث، لكنَّ الحقَّ أنَّها خمسةٌ باعتبار تغايُرها عُرفًا، أو تغايُر أوصافها ولَوازمها.
ووجْه الحصْر: أنَّ إِظْهار خلاف الباطِن في المالِ: (إذا اؤتُمن خانَ)، وفي غيره في حال كُدورةٍ فهو: (إذا خاصَمَ)، وفي الصَّفاء إنْ أَكَّده باليمين فهو: (عاهد)، أو لا فبالنظر للمُستقبل: (إذا وعدَ)، وللحال: (إذا حدَّث).
وقال (خ): النِّفاق الآن رِدَّةٌ؛ لأنَّه أحدثه بعد التوالُد على الإيمان
стр. 274
بخلاف زمَن النبيِّ ﷺ ؛ لأنَّهم لم يكونوا قبل ذلك أَسلموا، بل المنافِق حينئذٍ مُقيمٌ على كُفره.
أما مُناسبة الحديث لـ (كتاب الإيمان)؛ فهي أنَّ هذا علامة عدَم الإيمان، أو أنَّ بعض النِّفاق كُفرٌ.
وقال (ن): ومُراد البخاري بهذا الحديث أنَّ المعاصي تنقُص الإيمان كما أنَّ الطاعة تزيده.
(تابعه) سبَق معنى المُتابعة، وهي هنا مُقيَّدةٌ حيث قال: (عن الأَعمَش)، وناقصةٌ حيث ذكَرها في وسَط الإسناد لا مِن أوَّله.
(شعبة) وصلَها في (كتاب المَظالم).
* * *
٢٥ - بابٌ قِيَامُ لَيْلَةِ القَدْرِ مِنَ الإِيمَانِ
(باب: قيام ليلة القدر من الإيمان)
(قيام) مبتدأٌ، (من الإيمان) خبره، وسُميت ليلة القَدْر؛ لمَا تكتُب فيها الملائكةُ من الأَقْدار والأَرْزاق والآجال في تلك السنَة، أي: يُظهرهم الله على ذلك، فيَفعلُ كلٌّ وظيفتَه، وقيل: لعِظَم قدْرها، أو: مَن أتى فيها بالطاعات له قدْرٌ، أو: أنَّ نفْس الطاعات فيها له قدْرٌ زائدٌ على غيرها.
قال (ن): واختُلف في وقْتها، فقيل: تنتقل في السنَة، وبذلك
стр. 275
يجمع بين الأحاديث الدالَّة على اختلاف أوقاتها، وبه قال مالك، وأحمد، وقيل: إنما تنتقِل في العشر الأخير من رمضان، وقيل: في كلِّه، وقيل: مُعيَّنةٌ لا تنتقِل، وقيل: هي في السنَة كلِّها، وبه قال أبو حنيفة وصاحباه، وقيل: في رمضان، وهو قول ابن عُمر، وقيل: في العشْر الأَوسط والآخِر، وقيل: في الآخِر فقط، وقيل: في أَوتاره، وقيل: في أَشْفاعه، وقيل: في ثلاثٍ وعشرينَ، وقيل: فيه أو في أربعٍ وعشرين، وبه قال ابن عبَّاس، وقيل: في إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين، وقيل: ليلة أربعٍ وعشرين، وتُحكى عن بلال، وابن عبَّاس، وقيل: في سبعٍ وعشْرين، وقيل: ليلة سبْع عشَرةَ، وقيل: تسع عَشْرة، وقيل: آخِر ليلةٍ، وشذَّ مَن قال: رُفعت لحديث: "فتَلاحَى رجُلانِ؛ فرُفِعتْ"، ورُدَّ بأنَّه عقَّبه بقوله: "التمِسُوها في السَّبعْ أو التِّسْع"، فالمراد برفْعها: رفْع العِلْم بها، انتهى.
وقال الرافعي: مالَ الشَّافعيُّ إلى أنَّها ليلة الحادي، أو الثالث والعِشْرين، ومذهب أبي حنفية خلافًا لصاحبيه أنَّها دائرةٌ في الشَّهر.
قال صاحب المَنْظومة:
وليلةُ القَدْرِ بكُلِّ الشَّهْرِ ... دائِرةٌ وعيَّناها فادْرِ
قال (ك): فهو مخالفٌ لما سبَق مِن نقْل (ن) عنه.
قال (ن): أجمع مَن يُعتدُّ به على وجودها ودَوامها إلى آخِر الدَّهر، يَراها، ويحقِّقها مَن شاء الله تعالى في رمضان كلَّ سنةٍ، وأخبارُ
стр. 276
الصَّالحين بها، ورؤيتهم لها أكثر من أنْ تُحصر، فقول المُهَلَّب: لا يُمكن رؤيتُها حقيقةً = غلطٌ.
وفي "الكشَّاف ": لعلَّ الدَّاعي إلى إخفائها أن يُحيي الذي يُريدها اللَّياليَ الكثيرةَ طلَبًا لموافقتها، وأنْ لا يتكِلَ مَن يراها، فيُفرِّط في غيرها.
* * *
٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
(م).
قيل في سنَده: إنَّه أصحُّ أسانيد أبي هُريرة، وهو: أَبو الزِّناد، عن الأَعرَج، عنه.
(من يقم) إلى آخِره، فيه مَجيء فِعْل الشَّرط مُضارِعًا، وجوابُه ماضيًا، وهو قليلٌ، وقد استُنبط من قوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ﴾ [الشعراء: ٤]؛ لأنَّ تابع الجواب جوابٌ، فإنَّ مجيئه ماضيًا محقَّق الوُقوع، وإنما قال هنا: (يَقُمْ)، وفي الحديث الآتي: (مَن قَامَ رمَضانَ)؛ لأنَّ ذلك مُحقَّق الوُقوع، وقيام ليلة القَدْر ليس متيقَّنًا.
ثم المراد بقيام اللَّيالي، أي: الطَّاعة في قوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ
стр. 277
قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فهو حقيقةُ القِيام شرعًا يُكتفى فيه بما يُسمَّى قياما لإتمام اللَّيلة حتى قيل: إنَّ مَن أدَّى العِشاء فقد قام، لكنْ في العُرف لا يصدُق القيام إلا بقيام الكُلِّ أو الأَكثَر.
(إيمانًا واحتسابًا)؛ أي: تصديقًا بأنَّه حقٌّ وطاعة، وإرادةَ وجْه الله تعالى بذلك لا للرِّياء أو الخوف أو نحو ذلك.
ففيه الحثُّ على القِيام والإخلاص.
والاحتِساب حُسبة الأَجْر عند الله تعالى، قال التَّيْمِي: إنَّه بعد تحقُّقها يقومها، أو أنَّه يقوم اللَّيالي الغالب أنَّ ليلة القَدْر فيها مؤُمنًا؛ بأن صلاته فيها سبَب المغفرة مُحتسبًا بفعل ذلك أجرًا، فجعل المؤمن به أنَّه سببٌ للمغفرة.
ونصبهما على المفعول له، أو التَّمييز، وجوَّز أبو البَقاء مع وجه التَّمييز أن يكون حالًا مصدرًا بمعنى الوَصْف، أي: مؤمِنًا محتسِبًا كما في قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣].
قال (ك): على الحاليَّة لا يُطابق الحديثُ الترجمةَ؛ لأنَّه لا يبقى فيه إلا القيام في حال الإيمان إلا أنْ يُقال: كونه في حال الإيمان، وفي زمانه مشعرٌ بأنَّه من جُملته ولكنه بتكلُّفٍ.
لا يُقال: فالتَّمييز والمفعول له لا يدلَّانِ أيضًا على أنَّه مِن الإيمان؛ لأنا نقول: (مِن) في: (مِن الإيمان) إما للابتداء، أي: مَنْشأ القيام الإيمان، أو مِن جهة الإيمان.
стр. 278
فإن قيل: شَرْط التمييز أن يقَع فاعلًا نحو: طاب زيدٌ نفْسًا؛ قيل: ممنوعٌ، ولو سُلم فالمراد أنْ يكون فاعلًا بالفِعْل أو بالقُوَّة كما في نحو: طارَ عمرٌو فَرَحًا، أي: طيَّره الفَرَح، فيكون المعنى هنا: أقامَه الإيمانُ.
(من دينه) متعلِّقٌ بـ (غُفِر)، فهو في محلِّ رفع مفعولٌ لما لم يُسمَّ فاعله، وأصله منصوب المَحلِّ على المفعولية.
قلتُ: الظاهر تعلُّقه بـ (تقدَّم)، ونائب الفعل (ما)؛ لأنَّه اللائق بالمعنى والصِّناعة.
واعلم أنَّه يُستثنى من الذَّنْب إجماعًا ما كان لآدميٍّ؛ لما قام الدليل عليه أنَّ حقَّ العباد لا يَسقُط إلا برضاهم.
قال (ط): هذا الحديث حُجةٌ على أنَّ الأعمال إيمانٌ؛ لأنَّه جعَل القيام إيمانًا.
* * *
٢٦ - بابٌ الجِهَادُ مِنَ الإِيمَانِ
(باب: الجهاد من الإيمان)
ما بعد (باب) مبتدأٌ وخبرٌ كما سبق نظيره، والجهاد: قتال الكفَّار لإعلاء كلمة الله تعالى.
وتوسُّط هذا الباب بين (قِيام ليلة القَدْر)، و (قيام رمَضان وصيامه)
стр. 279
مُناسبته: أنَّ الكلَّ من الإيمان، وأنَّ النظَر مقطوعٌ بتوسُّطه عن غير هذه المُناسبة.
* * *
٣٦ - حَدَّثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَارَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "انتُدبَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي أَنْ أُرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، أَوْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أقتَلُ".
(م س ق).
(انتدب)؛ أي: أجابَ لما نُدب، أي: طُلب منه، وفي روايةٍ حكاها (ع): بهمزةٍ صورتها ياءٌ من المَأْدُبة (١)، ولمسلم: (تَضمَّنَ)، وروايةٍ أُخرى: (تَكفَّلَ)، ومعناه: أَوجَبَ تفضُّلًا وحكَم أن يُنجِز له ذلك، وهو مُوافِقٌ لقوله تعالى: ﴿اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١].
(في سبيله)؛ أي: سَبيل الله، وجوَّز ابن مالك عَوْد الهاء إلى (مَن) الموصولة في قوله: (لمَنْ)، أي: سبيله المَرضيَّة.
стр. 280
قلت: لكنْ يبعُد حينئذٍ عن الترجمة.
(الإيمان بي) استثناءٌ مفرَّغٌ، ورُوي بالتنكير والتعريف، وبالرفع فاعل (يُخرج)، وبالنصب، وهي رواية مسلم.
قال (ن): على أنَّه مفعولٌ له تقديره: لا يُخرجه المخرج إلا للإيمانِ والتَّصديق.
قلتُ: لكنْ شرطه اتحاد فاعِل المعلِّل والمعلَّل به، وهما هنا غيران.
قال ابن مالك: وإنما عدَل عن (به) الذي هو الأَصل إلى (في)؛ للالتفات من الغَيبة إلى التكلُّم، أو أنَّه حكايةٌ لقولٍ محذوفٍ، أي: قائلًا: لا يُخرجه إلا إيمانٌ بي، وردَّه ابن المُرَحِّل: بأَنَّ حذْف الحال لا يجوز.
(أو تصديق) في نُسخةٍ: بالواو، وهو ظاهر؛ إذ لا بُدَّ من الأَمرين، فإما أنَّ (أو) بمعنى الواو، وإما أنَّ المُراد: لا يَخلُو عن أَحدهما، وكلٌّ منهما يَستلزم الآخَر.
(أرجعه) بفتح الهمزة، أي: أَردَّه إلى مَوضِعه بدليلِ: ﴿فإِن رَّجَعَكَ﴾ [التوبة: ٨٣]، فـ (رجَع) تأْتي لازمًا ومُتَعَدِّيًا، وحكى فيه ثَعْلب: (أُرجِع) كأنَّه تعدية للازم بالهمز.
(نال)؛ أي: أصابَ، وجاء بلفْظ الماضي؛ لتحقُّق وعد الله تعالى.
(أو غنيمة)؛ أي: مع الأَجْر، والتَّقدير: معَ أَجْرٍ فقَطْ إنْ لم يَغنَموا، أو أَجرٍ مع غَنيمةٍ إن غَنِموا، أو أنَّ (أو) بمعنى الواو، وقد رواه أبو داود بالواو.
стр. 281
(أو أدخله) بالنصب عطْفًا على (أَرجعَه)، فهو قَسيمُ (أَرجعَه)، أي: أنَّ المجاهد يَنال خيرًا بكلِّ حالٍ، فإما أنْ يَرجع سالمًا بأَجْرٍ فقط، أو مع غَنيمةٍ، وإما أَنْ يُستشهَد، فيدخُلَ الجنَّةَ، كذا قرَّره (ن)، ونازَعه (ك) بأنَّ اللفْظ لا يدلُّ على تقديره.
قلتُ: بل يدلُّ، وهو ظاهرٌ لمن تأمَّلَ.
فإنْ قيل: الجنَّة من الأجر، فكيف يكون قَسيمًا لها؟
قيل: هي أجرٌ أَعلى، فتَغايرا، أو أنَّ القسيمين الرَّجْع والإدخال، لا الأَجر والجنَّة، والمعنى في وعده بذلك مع أنَّ المؤمنين كلَّهم يدخل الجنة: أنَّ دُخول الشَّهيد إما عند موته كما قال تعالى: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، أو أنَّ المراد دُخوله مع السابقِين والمُقرَّبين بلا حسابٍ ولا مُؤاخذةٍ بذُنوبٍ بل تُكفِّرها الشهادة.
(ولولا) هي الامتناعية، أي: أمتنعَ القُعود؛ لامتناع المشقَّة، أي: خوفَها.
(أشق)؛ أي: أَجعلُ شِقاقًا.
(سرية): قطعةً من الجيش، أي: لا أتخلَّفُ عنها بل أَخرجُ معها بنفْسي لعِظَم أَجرها، وما لها من رفْع الدَّرجات، ونَيْل السَّعادات.
(ولوددت) اللام جوابُ (لولا)، وقد تُحذف كما في: (مَا قَعدْتُ).
ووجْه المَشقَّة في وِداد الرسول ﷺ على الأُمة: أنَّ قُرَّة أعينهم في بَقائه، أو أنَّه ربَّما جرَّ إلى وُقوع مَودوده، فيَصير سببًا للمشقَّة، أو اللام
стр. 282
جواب لقسَمٍ محذوفٍ، أي: واللهِ لودِدْتُ.
(أقتل) بضم أوَّلها في الكلِّ، وإنما ختَم بقوله: (ثُم أُقتَل)، والقَرار إنما هو الحياة؛ لأنَّ المراد الشَّهادة، فختَم الحال عليها، أو الإِحياء للجَزاء من المعلوم، فلا حاجةَ إلى ودادَته.
و (ثُمَّ) للتَّراخي في الرُّتْبة أحسَن من عمَلها على تَراخي الزَّمان؛ لأنَّ المتمنَّى حُصول مرتبةٍ بعد مرتبةٍ إلى الانتِهاء للفِرْدَوس الأَعلى.
قال (ن): في الحديث فَضْل الجِهاد والشَّهادة، والحثُّ على حُسْن النيَّة، وشِدَّة شفَقته ﷺ على أُمته، واستِحبابُ طلَب القتْل في سَبيل الله، وجَوازُ قَول الإنسان: (وَدِدْتُ) في الخير، وتقديمُ أَهمِّ المَصلحتَين، فتُقدَّم الرَّاجحةُ على المَرجوحة، أو يترك ما يُخاف فيها مفسدةٌ من وجهٍ آخَر، ويُلحق بمن قُتل في جِهاد الكُفَّار مَن قُتل في قتال البُغاة، وفي إِزالة المُنكَر، ونحوه.
وفيه أنَّ الجهاد فرْض كفايةٍ، وتمنِّي الشَّهادة، وتمنِّي ما لا يُمكن في العادة من الخَيرات، والسَّعي في زَوال المكروه، والمَشقَّة عن المسلمين.
قلتُ: استُشكل تمنِّيهِ قتْلَ قاتلٍ له؛ لأنَّ قتْله كُفرٌ، وتمنِّي وُقوع الكُفر ممتنعٌ.
وجوابه أنَّ له جِهتَين: حُصول ثَواب الشَّهادة، ووُقوع قتْله، والمتمنَّى الأوَّل.
قال (ط): وفيه حُجةٌ أنَّ الأعمال إيمانٌ؛ لأنَّ المخرج إذا كان
стр. 283
للإيمان، فالخُروج نفْسه إيمانٌ، والعرَب تُسمي الشيء باسم ما يكون من سبَبه، وتُسمي المطَر سماءً؛ لأنَّه ينزل من السماء.
* * *
٢٧ - بابٌ تَطَوُّعُ قِيَامِ رَمَضَانَ مِنَ الإِيمَانِ
(باب: تطوع قيام رمضان)، وفي نسخةٍ: (شهر رمضان)، والتطوُّع: التكلُّف بالطَّاعة، والمراد التبرع بها، وهو في الاصطلاح: الاستِحباب.
٣٧ - حَدَّثَنَا إِسمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
(م).
إسناده مَدَنيُّون.
(قام)؛ أي: بالطاعة في ليالي رمضان للعُرف في مِثْله، وحملَه العُلماء على التَّراويح، ولكن لا ينحصِر فيها، بل هو من مُحصِّلات ذلك، قاله (ن).
(إيمانًا واحتسابًا) سبَق إِعرابُه وبَيان معناه، ومُناسبته للترجمة.
(من ذنبه)؛ أي: الصَّغائر كما في نظائره من غُفران الذُّنوب في أحاديث؛ لمَا جاء من التَّقييد في بعضها بـ: "ما اجتُنِبت الكَبائِرُ".
стр. 284
قال (ن): وفي التَّخصيص نظَرٌ، لكنْ أجمعوا أنَّ الكبائر لا تَسقُط إلا بالتوبة، أو الحَدِّ.
فإن قيل: جاء الغُفران في قيام رمضان وفي صَومه، وفي صَوم عَرَفة كفارةُ سنتَين، ورمضان إلى رمضان، والعُمرة إلى العُمرة، ومُوافقة تأْمينه تأْمينَ الإمام، وغير ذلك، فإذا كفِّرتْ بواحدةٍ؛ فما الذي يُكفِّره الآخَر؟
فجوابه: أنَّ كلًّا يُكفِّر الصغائر، فإذا لم تُوجد صغيرةٌ بأنْ لم تُفعل، أو تابَ، أو نحو ذلك رُفع له بذلك درجاتٌ، وكُتب له حسَناتٌ، قيل: فيُرجى أنْ يُخفَّف بعضُ الكبائر عنه بذلك.
قلتُ: لا امتناعَ في تعدُّد العِلَل الشرعية؛ لأنَّها أَماراتٌ.
وفي الحديث جواز قَول (رمضان) مِن غير لفْظ (شَهْر)، قال أصحابُنا: يُكره قيام اللَّيل كلِّه؛ أي: المُداومة على ذلك لا ليلةٌ أو عشرةٌ، ولهذا اتفقُوا على استِحبابه ليلةَ العِيْد، وغيره.
* * *
٢٨ - بابٌ صَوْمُ رَمَضَانَ احْتِسَابًا مِنَ الإِيمَانِ
(باب: صوم رمضان احتسابًا)، نَصْب (احتِسابًا) سبَق بيانُه، واقتِصاره في التَّرجمة عليه مع أنَّ في الحديث: (إيمانا واحتِسابا)، إما
стр. 285
لاختصاره، وإما لاستِلزامه الإيمانَ كما سيأْتي.
* * *
٣٨ - حدثنا ابنُ سَلَامٍ قال: أَخْبَرَناَ مُحَمَّدُ بنُ فُضَيْلٍ قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ سَعِيد، عنْ أبِي سَلَمَةَ، عنْ أبِي هُرَيْرَةَ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن صامَ رمضانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
(م).
(رمضان)؛ أي: في رمضان، وذلك وإنْ صدَق بصومِ البعض لكنَّ العُرف والسِّياق يقتضي الكلَّ، نعَمْ، المعذور بالفِطْر كالصائم في ذلك كالمَريض يُصلِّي قاعدًا، فإن له ثَواب القائم.
(إيمانًا واحتسابًا) سبَق بَيانُ نصبه ومعناه، وجمعَ بينهما -مع أنَّ المُؤمن لا يكون إلا محتسِبًا، والمحتسِب لا يكون إلا مُؤمنًا- إما تأكيدًا، أو أنَّهما قد يَفترقان، فالمصدِّق قد لا يُخلِص، والمحتسِب قد لا يكون مُصدِّقًا بثوابه، وبكونه طاعةً سببًا للمغفرة.
قلتُ: وفيه نظَرٌ.
وقال (خ): معنى (إيمانًا واحتِسابًا): نيَّةً وعزيمةً، فيَصير مصدِّقًا راغبًا في ثَوابه طيّبَ النَّفْس به غير مُستثقِلٍ له، ولا مُستطيلٍ لأيامه.
* * *