بل الاستعلاء فقط، وهو مبتدأٌ وخبرٌ، قيل: هذا التركيب يُراد به القسَم، كأنه قيل: أُقسِم بالله لقَد أكرمك، وقيل: (شهادتي) مبتدأٌ، و (عليك) صِلَتُه، والقسَم مقدَّرٌ، والجُملة خبَر المبتدأ، أي: شهادتي عليك قَولي: واللهِ لقَدْ.
(فمن يكرمه الله)؛ أي: إذا كان هذا مُؤمِنًا خالِصًا مُطيعًا ولم يُكرمه، فمن هذا الذي يُكرمه الله؟!.
(أما) مُقابلها أمَّا محذوفةٌ، أي: وأما غيرُه فخاتمة أمْره غير معلومةٍ، هل يُرجَى له الخير عند اليَقين، وهو الموت أَوْ لا؟.
ففيه أنه لا يُجزَم في أحدٍ بأنه من أهْل الجنَّة إلا إنْ نصَّ عليه الشَّارع كالعشَرة، وأمثالُه، لا سيَّما والإخلاصُ أمرٌ قلبيٌّ لا مَطلَع لنا عليه.
(ما أدري ما يفعل بي)؛ أي: في الدُّنيا من نفْعٍ وضُرٍّ، وإلا فاليقين القطعيُّ بأنه خير البَرِيَّة يوم القيامة، وأكرمُ الخلق على الله تعالى، سيأتي في (سورة الأحقاف) أن ذلك منسوخٌ بأوَّل (سورة الفَتْح)، و (ما) في: (ما يُفعَلُ بي) إما موصولةٌ، أو استفهاميةٌ، وقيل: المَنفيُّ الدِّراية المفصَّلة، وأصل الإكرام معلومٌ.
قلت: وكثيرٌ من التَّفاصيل، فالخَفيُّ بعض التفاصيل.
* * *
١٢٤٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
стр. 2172
قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ أَبِي جَعَلْتُ أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ أَبْكِي، وَيَنْهَوْنِي عَنْهُ، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَا يَنْهَانِي، فَجَعَلَتْ عَمَّتِي فَاطِمَةُ تَبْكِي، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "تَبْكِينَ أَوْ لَا تَبْكِينَ، مَا زَالَتِ الْمَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رَفَعْتُمُوهُ".
تَابَعَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي ابْنُ الْمُنْكَدِرِ سَمِعَ جَابِرًا ﵁.
الحديث الثالث:
(أو لا تبكين) هو للتَّسوية، أي: الملائكة تُظلُّه، سواءٌ أبكيتِ أو لا، وليستْ (أو) للشَّكِّ من الرَّاوي، وفيه أن البُكاء المُجرَّد غير النِّياحة لا مَضرَّة فيه.
(وتابعه ابن جريج) وصلَه "مسلم".
* * *
٤ - بابُ الرَّجُلِ يَنْعَى إِلَى أَهْلِ الْمَيَّتِ بِنَفْسِهِ
(باب الرَّجل يَنعَى إلى أَهْل الميِّت بنفْسه)؛ أي: بنفْس الميت، أو بسبب ذهاب نفْسه.
قال الجَوْهَرِيُّ: النَّعْي: خبَر المَوت، يقال: نَعاهُ له نَعْيًا، ومقصود البخاري بنعْي الميت إلى المُسلمين وهُم أهله باعتبار أُخوَّة
стр. 2173
الإسلام، فكأنَّه سقَط ذكْر الميِّت، وأصله: ينعى الميِّتَ إلى أهله، فحَذَف مفعول (يَنعى)، وهو الميِّت؛ لدلالة الكلام عليه، وذكَر المفعولَ الآخر الذي عُديَ له بحرف الجرِّ، وفي بعضها: (نفْسَه) بالنَّصب، وفي بعضها: (أهلٌ) بالتنوين.
* * *
١٢٤٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا.
الحديث الأول:
(النجاشي) بفتح النُّون، وخِفَّة الجيم، وإعجام الشِّين، وتشديد الياء وتخفيفها، وثالثها حكَاها صاحب "دِيْوان الأدَب": كسر النُّون مع خِفَّة الياء: لقَبُ مَلِك الحبَشة، واسمه: أَصْحَمَة بفتح الهمزة، وسكون الصَّاد المهملَة، وفتح الحاء المهملَة.
وفيه الصَّلاة على الغائِب، وقولُ مَن منَع أنه كُشِف له عنه، فليس غائبًا؟ لو سُلِّمَ صحَّةُ ذلك، فهو غائبٌ عن الصَّحابة، وفيه معجزةٌ، وهو إخبارٌ عن موته بالغَيب، وأن تكبيرات صلاة الجنازة أربعةٌ.
* * *
стр. 2174
١٢٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَنَسَ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ -وَإِنَّ عَيْنَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَتَذْرِفَانِ- ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنْ غَيْرِ إِمْرَةٍ فَفُتِحَ لَهُ"
الحديث الثاني:
(الراية) العَلَم.
(زيد)؛ أي: ابن حارِثة بمهملةٍ ومثلَّثةٍ، أعتقَه النبيُّ ﷺ ، وتبنَّاه، ولم يذكر في القرآن صحابيٌّ باسمه إلا هو، بعثَه ﷺ أميرَ جيشِ مُوْتَةَ، بضمِّ الميم، وسكون الواو، ومثناةٍ فوق، قلتُ: كذا للبَكْري وغيره، ولكن ابن الأَثِيْر وجمعٌ قالوا: بالهمْز، على مَرْحلتين من بيت المَقدِس، وقال: "إن أُصِيْبَ زَيدٌ فالأميرُ جَعْفَر، فإنْ أُصيبَ فابنُ رَوَاحَة"، فاستُشهدوا ثلاثُتهم سنةَ ثمان، وقال (ش): سنة سبْع، وفيه نظَرٌ.
(جَعْفر)؛ أي: ابن أبي طالِب الطَّيَّار، ذُو الجَناحَين، لمَّا قُطعت يداه بمؤْتَة جعَل الله له جناحَين يطير بهما، كان أمير المهاجرين للحبَشة، قال ابن عمر: وجدْناه في قَتلَى مُؤْتة، وفي جسَده بضعٌ وتسعون جِراحةٍ من طعنةٍ ورَمْيةٍ.
(عبد الله بن رواحة) خَزْرَجيٌّ، أحد النُّقَباء ليلةَ العقَبة، أوَّلُ خارجٍ
стр. 2175
للغَزْو، وآخر (١) قادمٍ.
(لتذرفان) بذالٍ معجمةٍ، وراءٍ مكسورةٍ، أي: تَسِيْلان.
(من غير إمرةٍ)؛ أي: تأْميرٍ من النبيِّ ﷺ ، لكنَّه لمَّا رأَى المصلحة في ذلك لكثْرة العَدوِّ، وشدَّة بأْسهم، وخَوف هلاك المسلمين رضِيَ ﷺ بما فعَل، فصار هذا أَصْلًا في الضَّرورات إذا عَظُم الأمر، واشتَدَّ الخَوف سقَطت الشُّروط.
قال (خ): كرجلٍ ماتَ بفلاةٍ وله تركةٌ، فعلى مَنْ شَهده حفْظُ ماله وإيصاله إلى أهله وإنْ لم يُوصِ إليه الميِّت، وذلك من النُّصح الواجب للمسلمين.
قال: وفيه جوازُ دخول الخطر في الوَكالات، وتعليقها بالشَّرائط، وفيه معجزةٌ بالإخبار عن قَتْلهم بالتَّرتيب، وفيه جَواز النَّعْي بمعنى الإعلام لا كنَعي الجاهلية المنهيِّ عنه.
* * *
٥ - بابُ الِإذْنِ بِالجنَازَةِ
وَقَالَ أَبُو رَافِعٍ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَلَا آذَنْتُمُونِي؟ ".
٦ - بابُ فَضْلِ مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَدٌ فَاحْتَسَبَ، وَقَالَ اللهُ : ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾
(باب فَضْل مَن ماتَ له ولَدٌ فاحتَسَب)؛ أي: صبَر راضيًا بقَضاء الله راجيًا رحمتَه وغُفرانه، وما أَورده من الحديث وإن لم يُصرَّح فيه بالاحتساب؛ لكنَّه معلومٌ من مواضع كثيرةٍ من خارج.
١٢٤٨ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا مِنَ النَّاسِ مِنْ مُسْلِمٍ يُتَوَفَّى لَهُ ثَلَاثٌ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ، إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ".
الحديث الأول:
(من مسلم)، (مِنْ) زائدةٌ، بخلاف (مِن) في قوله: (من الناس) فإنها للبَيان، أو التبعيض، وعكَسَه (ش)، وفيه نظَرٌ، وسيأتي آخر (الجنائز) توضيح ذلك، وهي: (ما من الناس مسلم يموت له ثلاثةٌ).
(يُتوفى) بضمِّ أوله مبنيًّا للمفعول.
(ثلاثة)؛ أي: ثلاثةُ أولاد، وفي بعضها: (ثلاث)؛ لكون المُميِّز محذوفًا، فيجوز الأمران.
(إياهم) الظَّاهر أنه عائدٌ على الرَّجل لكونه عامًّا؛ لأنه نَكِرةٌ في نفْىٍ، لا على الأولاد.
* * *
стр. 2178
١٢٥٠ - وَقَالَ شَرِيكٌ، عَنِ ابْنِ الأَصْبَهَانِيِّ، حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ.
(وقال شريك) وصلَه ابن أبي شَيبة.
(ابن الأصبهاني)؛ أي: عبد الرَّحمن بن عبد الله، والأصبهاني: بكسر الهمزة وفتحها، وبالفاء وبالموحَّدة، وفي بعضها بدون لفظ: (ابن).
(أبو صالح) ذَكْوان.
(لم يبلغوا الحنث)؛ أي: فَزَادَها أبو هُريرة على رواية سعيد، ومعناه: لم يَبلُغوا أن يُكتَب عليهم الحِنْث، وهو الإثْم، وقال الرَّاغِب: عبَّر بالحِنْث عن البُلوغ لما كان الإنسانُ يُؤخذ بما يَرتكبه فيه بخلاف ما قبلَه، وإنَّما لم يقُل: يَبلُغوا الثَّواب، لأنَّ الثَّواب قد يحصُل للصغير، ثم قيل: إنما قيَّد بذلك، لأنَّ الصَّغير حبُّه أَشدُّ، والمشقَّة عليه أعظم، ولهذا مُنِعَ من التَّفريق بين الأُمِّ والولَد، حتى يُميِّز، وقيل: حتى يَبلُغ.
* * *
١٢٤٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّ النِّسَاءَ قُلْنَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : اجْعَلْ لَنَا يَوْمًا. فَوَعَظَهُنَّ، وَقَالَ: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَ لَهَا ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ
стр. 2179
كَانُوا حِجَابًا مِنَ النَّارِ"، قَالَتِ امْرَأَةٌ: وَاثْنَانِ؟، قَالَ: "وَاثْنَانِ".
الحديث الثاني:
(كن)؛ أي: الأَولاد، وأنَّث الضَّمير، ولم يقُل: كانوا؛ لكون الأطفال كالنِّساء في نقْص العقل، والمراد: كان النِّساءُ محجوباتٍ.
(فقالت امرأة: واثنان)؛ أي: وإنْ مات لها اثنان؟ ففيه استفهامٌ مقدَّرٌ.
قال (ك): إنه عطفٌ على (ثلاثةٌ)، ويسمى مثلُه: العَطْف التَّلْقيني، أي: قُل: واثنان، ومرَّ الحديث في (كتاب العِلْم) في (باب: هل يَجعل للنِّساء يومًا؟)، وهذه المرأة هي أم مُبَشِّر، قاله ابن بَشْكُوال في حديث جابر.
قال: وقيل: أُمُّ هانِئ، وفي "فوائد ابن أبي مُرَّةَ": أنَّ أُمَّ سُلَيم سألتْ عن ذلك، وأُجيبتْ.
قال (ط): يحتمل أنه لمَّا قالت المرأة: واثنان؟، نزَلَ الوحي بأن يُجيبها بقوله: (واثنان)، ولا يمتنع أن يكون ذلك في طَرْفة عينٍ.
قال: وفيه أنَّ أولاد المسلمين في الجنَّة بخلاف مَن قال: الأَطفال في المَشيئة.
* * *
١٢٥١ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
стр. 2180
"لَا يَمُوتُ لِمُسْلِمٍ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ، فَيَلِجَ النَّارَ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾.
الثالث:
(فيلج) قال (ط): بالنَّصب جوابًا للنَّفي بالفاء، ومنَعَ الطِّيْبِيُّ ذلك؛ لأنَّ شَرْطه السَّببيَّة، وليس مَوت الأَولاد ولا عَدَمه سبَبًا لوُلوجهم النَّار، فالفاء بمعنى واو المعيَّة، أي: لا يجتمع الأَمران، فإنْ كانت الرِّواية بالنَّصْب فلا مَحيْد عن ذلك، أو بالرفع فالمعنى: لا يُوجد الوُلوجُ عَقِبَ الموت إلا مِقدارًا يَسيرًا، ومعنى التَّعقيب هنا كمعنى المُضِيِّ في: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤] في أنَّ ما سيكونُ بمنزلة الكائن، انتهى.
وقال ابن الحَاجِب ما معناه: أنه ليس مثْل: (ما تأْتينا فتُحدِّثُنا) إذا كان المعنى أن الإتيان سببٌ للتَّحديث؛ لأنَّه يُؤدي إلى عكْس المقصود؛ إذْ يصير المعنى: إن مَوتَ الأولاد سببٌ لوُلوج النَّار، فإنْ حُمل على معنى: إنَّك لا تأْتينا فتُعقِّبَ إتيانَك بحديثك استقامَ؛ إذ يصير المعنى: لا يكون عَقيبَ موت الأولاد مَسُّ النار، بل دُخول الجنَّة؛ إذ لا مَنزلة بين الجنة والنار في الآخرة.
(إلا تحلة القسم) قال (ط): المراد به تَقليل مُكْث الشَّيء، شبَّهوه بتحليل القسَم.
قال الجَوْهَرِي: التَّحليل ضِدُّ التَّحريم، تقول: حلَّلته تحليلًا،
стр. 2181
وتَحِلَّةَ، وتقول: فعلتُه تَحِلَّةَ القَسَم، أي: لم أفعَلْ إلا بقَدْر ما حلَّلت به يميني، ولم أُبالِغ، وفي الحديث: "إلا تَحِلَّةَ القَسَم"، أي: قدْر مَا يُبِرُّ اللهُ قسَمَه فيه بقوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١].
وقال (خ): إن ذلك تأويلُ الآية، أي: لا يدخُل النَّار ليُعاقَب بها، ولكنْ يجوز عليها، فلا يكون ذلك إلا بقَدْر ما يُبِرُّ الله قسَمَه، والقسَم مضمرٌ، كأنه قال: وإنْ منكم والله إلا واردُها، وقيل: مردودٌ إلى قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ [مريم: ٦٨]، وقال الطِّيْبِي: هو مثَلٌ في القَليل المُفرِط في القِلَّة، ولعلَّ المراد بالقسَم: ما دلَّ على القَطْع والبَتِّ من الكلام؛ لتَذْييله بقوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٧١]، ولفظ: (كان)، و (على)، والحتْم، والقَضاء يدلُّ عليه.
قال (ك): ففيه حينئذٍ أربعة أوجهٍ: القسَم مقدَّرٌ، وملفوظٌ به، وحكم القسَم في القَطْع به، وحُكْمه في حُصول القَصْد منه بالقَليل.
قال: كما أن في: (ما تأْتينا فتُحدِّثُنا)، أربعة أوجهٍ: وجْهان على تقدير الفاء سببيةً الناصبة: نفْي التَّحديث فقط، أو نفْي الإتيان والتَّحديث كليهما، ووجْهان على الرفع العطف على (تأْتينا) فالتَّحديث منتفٍ، أو على (ما تأتينا) فالتحديث ثابثٌ.
* * *
стр. 2182
٧ - بابُ قَوْلِ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ عِنْدَ الْقَبْرِ: اصْبِرِي
(باب قَول الرَّجل للمَرأَة عند القَبْر: اصْبِري)
١٢٥٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ عِنْدَ قَبْرٍ وَهِيَ تَبْكِي، فَقَالَ: "اتَّقِي اللهَ وَاصْبِرِي".
(اتقي الله)؛ أي: بأنْ لا تَجزعي؛ فإن الجزَعَ يُحبط الأجْر.
(واصبري)؛ أي: فإنَّ الصَّبْر يُجزِل الأجر، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
(لم تعرفه) هو من قَول أنَس.
(الصدمة) هو ضَرْب الصُّلْب بمثله، إما أنَّ المعنى لا تَنفعك هذه المَعذِرة إذْ سمعت النَّصيحة، وكان الواجب عليكِ أن تَصبري عند مُفاجأَة النَّصيحة، أو أن الصَّبْر عند قُوَّة المُصيبة أشدُّ، فالثَّواب عليه أكثر؛ لأنه إذا طالَت الأيَّام تُسلَى المصائب، فيصير الصَّبْر طَبْعًا، فلا يُؤجَر عليه مثل ذلك، كأنه من أُسلوب الحكيم، أي: دَعِي الاعتذار مني، فإنَّ شِيْمتي أن لا أغضَب إلا لله، فانظُري إلى تَفويتك من نفْسك الثَّواب الجَزِيْل بعد الصَّبْر عند مُفاجأَة المُصيبة.
قال (ط): أراد ﷺ أن لا يجتمع عليها مُصيبتان: فقْدُ الولَد، وفقْد الأَجْر بالجزَع، فأمرَها بالصبر الذي لا بُدَّ للجازع من الرُّجوع إليه
стр. 2183
بعد سُقوط أجْره، وقيل: كلُّ مصيبةٍ لم يُذْهِبْ فرحُ ثوابها أَلَمَ حُزْنها فهي المُصيبة الدَّائمة، والحزْن الباقي، وقال الحسَن: الحمد لله الذي أَجَرَنا على ما لا بُدَّ لنا منه، وفي الحديث جَوازُ زيارة القُبور.
قال (ك): والأَمرُ بالمَعروف، والاعتِذارُ لأهل الفضْل في إساءَة أدبٍ عليهم، وعدَم اتخاذ البَوَّاب.
* * *
٨ - بابُ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَوُضُوئِهِ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ
وَحَنَّطَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ ابْنًا لِسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وَحَمَلَهُ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵁: الْمُسْلِمُ لَا يَنْجُسُ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا، وَقَالَ سَعِيدٌ: لَوْ كَانَ نَجسًا مَا مَسِسْتُهُ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ".
(باب غُسْل الميِّت ووُضوؤُه بالمَاءِ والسِّدْر)
قلتُ: هذا متعلِّقٌ بالغُسل، والضَّمير في (وُضوئه) للغاسِل لا للميِّت لما ذكره بعد الترجمة، ولعَدَم ذكْر الوضوء في الحديث مع ما أَمَر به ﷺ .
(وَحَنَّطَ) بتشديد النون، أي: استَعمل الحَنُوط، بفتح المهملة، والطاء مهملةً، وهو ما يُخلَط من الطِّيب للميِّت خاصَّةً.
стр. 2184
(ابنًا لسعيد)؛ أي: أحَد العشَرة، واسم الابن: عبد الرَّحمن، كما في "جُزْء أبي الجَهْم".
(لا ينجس) بضمِّ الجيم، وفَتْحها.
(مَسِسْتُهُ) بكسر السين الأُولى، وإسكان الثانية، وفي لُغةٍ قليلةٍ تُفتَح الأُولى، حكاها الجَوْهَريُّ، ومُضارعها: أمُسُّ بالضمِّ بخلاف الأَوَّل، فإنه بالفتْح، وربما قالوا: مِسْتُ الشَّيءَ بحذف الأُولى، وتحويل كسْرتها للميم، أو بتبقِية الفتحة فلا تَحويلَ.
(وقال النبي ﷺ ) سبق وصْلُه في حديث أبي هريرة حين انخنس لمَّا كان جُنبًا.
* * *
١٢٥٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَتِ ابْنَتُهُ فَقَالَ: "اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مَنْ ذَلِكَ -إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ- بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي"، فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَعْطَاناَ حِقْوَهُ فَقَالَ: "أَشْعِرْنَهَا إِيَّاها". تَعْنِي إزَارَهُ.
(ابنته) هي زَيْنب، أي: الكُبرى كما في "مسلم"، وفي "أبي
стр. 2185
داود" و "التِّرْمِذي": أنَّ أُمَّ عَطِيَّة حضَرتْ وفاة أُمِّ كُلثوم بنت النبيِّ ﷺ ، ولا تَنافيَ، فقد حضَرت البنتَين.
قال (ش): والأصحُّ الأول؛ لأنَّ هذه تُوفِّيت والنبي ﷺ غائبٌ ببدْرٍ.
قلتُ: هو وَهْمٌ، فتِلْك إنما هي رُقَيَّة، وأُمُّ كُلثوم ماتتْ سنة تسع.
(آذِنَّنِي) بالمَدِّ، وتشديد النون الأُولى، وكسْر الذَّال، أي: أَعْلِمْنَني.
(حَقْوه) بفتح الحاء، وسكون القاف، وهُذَيْل تَكسر الحاء، وهو الإزَار، وأصلُه مَعْقِد الإزَار، لكن تُوسِّعَ فسُمِّي به ما يُشَدُّ على الحِقْو.
(أشعرنها) بقطع الهمزة، أي: اجعَلوه شِعَارَها، وهو ما يَلِي الجسَد بخلاف الدِّثار، فإنه الذي يَلي الشِّعار، وإنما فعَل ذلك ليَنالَها برَكةُ ثَوبه ﷺ .
فيه ندْب إيتار الغُسل، واستعمال الكافُور في الثالثة، والمعنى فيه طَرْد الهوامِّ، وشدَّة البدَن، أو منعْ إسْراع الفساد مع التَّطيُّب به.
قال (ط): عند النَّخَعي أن الكافور يكون في الحَنُوط لا في الغَسْلة الثالثة، وبه قال أبو حنيفة، وصَريح الحديث يُخالِف ما قالاه، وحِكْمة كون الغُسل ثلاثًا، أو خمسًا مع حصول القَصْد بالواحدة المبالغةُ؛ ليَلقَى الله بأكمل الطَّهارة، وتُطيَّب رائحته بالكافور كما أُمِرَ في الجمُعة بالغُسل زيادةً في التَّطهير لمُناجاة الرَّبِّ في الصلاة، فالميت
(ابْدَأْنَ) في بعضها: (ابدَؤُوا) بصيغة الخِطَاب للمُذكَّرين تَغليبًا للذُّكور؛ للاحتياج إلى معاوَنَة الرجال في حمل المرأة ونحوه، أو باعتبار إرادة الأَشخاص، والشَّخص مذكَّرٌ، أو باعتبار الناس.
(القرون) جمع قَرْنٍ، وهو الخَصْلَة من الشَّعْر، أي ثلاث ضَفائر.
قال (ط): حكمة الوِتْر أن ينتشر في جميع أعضاء المؤمن أنَّ الله وِتْرٌ لا شريكَ له، وقال أبو حنيفة: إذا زاد على الثَّلاث سقَط الوتْر، وهو خلاف الحديث.
* * *
١٢ - بابٌ هَلْ تُكَفَّنُ الْمَرْأَةُ فِي إِزَارِ الرَّجُلِ
(باب: هل تُكفَّنُ المَرأَةُ في إزارِ الرَّجل)
١٢٥٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمَّادٍ، أَخْبَرَناَ ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: تُوُفِّيَتْ بِنْتُ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَنَا: "اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي"، فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ فَنَزَعَ مِنْ حِقْوِهِ إِزَارَهُ وَقَالَ: "أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ".
(من حقوه إزاره) أراد بالحِقْو هنا مَعقِد الإزار، وهو ما سبق في: (أَعطانا حِقْوه)، فهذا حقيقةٌ، وذاك مجازٌ، أو هو مشتركٌ بينهما.
стр. 2188
وَوَهِمَ (ش) في جعْل هذا مجازًا وذاك حقيقةً بعد أن قرَّر فيما سبَق خلافَه، وأهمل (ك) (باب: هل يجعل في الآخرة كافورًا؟)؛ لأنه قد سبَق.
* * *
١٤ - بابُ نَقْضِ شَعَرِ الْمَرْأَةِ
وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: لَا بَأْسَ أَنْ يُنْقَضَ شَعَرُ الْمَيِّتِ.
(باب نقْضِ شَعْر المرأة)
١٢٦٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَناَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ أَيُّوبُ: وَسَمِعْتُ حَفْصَةَ بِنْتَ سِيرِينَ قَالَتْ: حَدَّثَتْنَا أُمُّ عَطِيَّةَ ﵂ أَنَّهُنَّ جَعَلْنَ رَأْسَ بِنْتِ رسولِ اللهِ ﷺ ثَلَاثةَ قُرُونٍ، نَقَضْنَهُ ثُمَّ غَسَلْنَهُ ثُمَّ جَعَلْنَهُ ثَلاثَةَ قُرُونٍ.
(أحمد) قال الغَسَّانِي: قال ابن السَّكَن: هو أحمد بن صَالِح المِصْري، وقال ابن مَنْدَه: كلُّ ما أطلَق البخاري: (ثنا أحمد)، فهو هذا، وإذا حدَّث عن أحمد بن عِيْسى ذكَره بنسَبه، نعَمْ، في بعض النُّسَخ هنا: حدَّثنا أحمد بن عِيْسى.
(وسمعت) العطْف على مقدَّرٍ، أي: أن أَيُّوب قال: سمعتُ كذا، وسمعتُ حفْصة إشعارًا بأنه سمع في الباب غير ذلك.
стр. 2189
(نقضنَه) استئنافٌ كأنه قيل: كيف جعَلْنَه؟، فقال: نقَضْن شَعرَ رأْسها، فهو المُراد من إطلاق جعلْنَ رأْس، مِن إطلاق المَحَلِّ على الحالِّ، وفائدة النَّقْض إيصال الماء للبشَرة، وأما التَّضْفير، فلأنه أَولى من استرسال الشَّعْر.
* * *
١٥ - بابٌ كَيْفَ الإِشْعار لِلْمَيِّت
وقال الحسن: الخِرْقَةُ الخامسةُ تَشُدُّ بها الفَخِذَيْنِ والوَرِكَيْنِ تحت الدَّرْعِ.
(باب: كيف الإشْعارُ للميِّت؟)
(الخرقة الخامسة) هو بناءٌ على أن الميِّت يُكفَّن في خمسة أثواب.
(يشد بها الفخذان) ببناء (يُشَدُّ) للمفعول، ويُروى: (يَشُدُّ) بالبناء للفاعل، ونصب (الفَخِذَين) مفعولًا.
(دِرْع) بكسر المهملة، وسُكون الراء، أي: قميصها.
* * *
١٢٦١ - حدثنا أحمدُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَناَ ابنُ جُرَيْجٍ أنَّ أَيُّوْبَ، أَخْبَرَهُ قالَ: سَمِعْتُ ابنَ سِيْرِيْنَ يقولُ: جَاءَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ ﵂ امرأةٌ مِنَ الأَنْصَارِ مِنَ اللَّاتِي بَايَعْنَ، قَدِمَتِ
стр. 2190
الْبِصْرَةَ، تُبَادِرُ ابْنًا لَهَا فَلَمْ تُدْرِكْهُ، فَحَدَّثَتْنَا قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَهُ فَقَالَ: "اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنَي"، قَالَتْ: فَلَمَّا فَرَغْنَا أَلْقَى إِلَيْنَا حِقْوَهُ فَقَالَ: "أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ"، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ.
وَلَا أَدْرِي أَيُّ بَنَاتِهِ؟ وَزَعَمَ أَنَّ الإِشْعَارَ الْفُفْنَهَا فِيهِ، وَكَذَلِكَ كَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَأْمُرُ بِالْمَرْأَةِ أَنْ تُشْعَرَ وَلَا تُؤْزَرَ.
(قدمت) بدَلٌ مِن (جاءت)، أو بيانٌ له.
(ذلك) بالكسر، خِطابٌ لأُمِّ عَطيَّة؛ لأنها كانت غاسلة الميتات.
(إن رأيتن)؛ أي: احتياجًا لا تَشهِّيًا.
(ولم يزد)؛ أي: قال أَيُّوب: لم يَزد ابنُ سِيْرِين على المذكور بخلاف حفْصة فإنَّها زادتْ أشياء، منها: (ابدؤوا بمَيامِنها، ومواضعِ الوُضوء).
(أي) هو مبتدأٌ خبره محذوفٌ، لا يُنافي هذا مَنْ سماها زَيْنب، فبعضٌ عَلِمَ، وبعضٌ ما عَلِمَ.
(وزعم)؛ أي: أَيُّوب.
(الإشعار الففنَها) ليس المراد تفسير المصدر بالفعل، بل فيه اختصارٌ: الإشعارُ اللَّفُّ، فأشْعِرْنَها: الفِفْنَها.
стр. 2191
قال (ط): والمعنى أنه يكفي في الإشعار، فإذا فضَل شيءٌ لُفَّ عليه زيادةً في الستر، وكان ابن سِيْرِين أعلَمَ التابعين بغَسْل الموتَى، ثم أَيُّوب بعده.
وفيه التبرُّك بثَوب الصَّالحين.
* * *
١٦ - بابٌ هَلْ يُجْعَلُ شَعَرُ الْمَرْأَةِ ثلَاثةَ قُرُونِ
(باب: يُجعَل شَعْر المرأَة ثلاثةَ قُرونٍ)
١٢٦٢ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أُمِّ الْهُذَيْلِ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: ضَفَرْناَ شَعَرَ بِنْتِ النَّبِيِّ ﷺ ، تَعْنِي ثَلَاثَةَ قُرُونٍ، وَقَالَ وَكِيعٌ: قَالَ سُفْيَانُ: ناَصِيَتَهَا وَقَرْنَيْهَا.
(ضفرنا) الضَّفْر والتَّضفير: نَسْج الشَّعْر عَريضًا.
(وقال وكيع) وصلَه الإِسْمَاعِيلي، ومعنى ما رواه عن سفيان: أن يجعل ناصيتها ضفيرةً، وقرنيَها ضفيرتَين، ولا مُنافاةَ بين هذا وبين ما سبَق من ثلاثة قُرونٍ؛ لأنَّ المراد بالقَرنين جانبا الرأْسِ، وبالقُرون الذَّوائب.
وفيه استحباب ضَفْر الشَّعر خلافًا للكوفيين.
* * *
стр. 2192
١٨ - بابُ الثِّيَابِ الْبِيضِ لِلْكَفَنِ
(باب الثِّياب البِيْضِ للكفَن)
أدرجَ (ك) فيه الكلام في حديث ترجمتين بعدَه هما: (باب: الكفَن في ثَوبين)، و (باب: الحَنُوط للميِّت)؛ لأن الواقِعة في الأثواب الثَّلاثة واحدةٌ.
١٢٦٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَناَ عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَناَ هِشَامُ ابْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أثْوَابٍ يَمَانِيَةٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ، لَيْسَ فِيهِنَّ قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ.
(يمانية) بتخفيف المثنَّاة تحت بعد النُّون؛ لأن الألِف بدَلٌ عن إحدى ياءَي النَّسَب.
(سحولية) بفتح المهملَة على الأشهر، ثم مهملةٌ مضمومةٌ، وياء النَّسَب بعد اللام: نِسْبةٌ إلى سَحُول بلَدٌ باليمَن.
قال (ن): وفي القرية أيضًا الضمُّ، حكاه ابن الأَثِير في "النِّهاية"، أي: فالمَنسوب إليها يكون بالضمِّ أيضًا، وقال ابن الأَعْرابي: هي بِيْضٌ من القُطْن خاصةً.
قال ابن عبد البَرِّ: إذا كان كذلك فيُستغنَى عن ذِكْر البياض، وسيأتي في (باب: الكفَن بغير قميصٍ) الحديثُ: (ثلاثًا في ثلاثة
стр. 2193
أثوابٍ سُحولٍ كُرُسف)، قال ابن قُتَيْبَة: سُحول بالضمِّ جمع سُحْل وهو ثوبٌ أبيض، ولم يُقيِّده بالقُطن.
وفي "مسلم" أيضًا رواية: (ثلاثة أثْواب سَحولٍ)، إما بإضافة ثيابٍ إلى سَحول، وإما بوصْفها بسَحول، فتلخَّص أن الفتْح والضمَّ مع ياء النَّسَب، ومع تَركها الضمِّ فقط إنْ لم يُضَف، فإنْ أُضيفَ جاء الوجهان، وإن اقتضَى كلام (ك) عن الأَزْهَري: أنها مع ياءِ النَّسب لا تكون منسوبةً، بل الثِّياب البِيْض.
(كُرُسف) بضمِّ الكاف، والسِّين المهملة: القُطن.
(ليس فيها قميص ولا عمامة) حملَه الشَّافعي على أنه ليس بموجودٍ في الكفَن، فلا يُقمَّص، وحملَه مالكٌ على أنهما ليسا بمعدودَين من الثَّلاثة، بل زائدان.
* * *
١٩ - بابُ الْكَفَنِ فِي ثَوْبَيْنِ
١٢٦٥ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَوَقَصَتْهُ، أَوْ قَالَ فَأَوْقَصَتْهُ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا".
(فأقعصته)؛ أي: بتقديم العين بمعنى: أجهَزتْ عليه مكانَه، والقَعْص: الموت السَّريع.
قال (خ): فيه أنه استَبقى له شِعار الإِحرام من كشْف الرُّأْس، واجتِناب الطِّيْب تَكْرِمةً له، كما استبقَى للشَّهيد شِعَار الطَّاعة التي تقرَّب بها إلى الله في جهاد أعدائه، فيُدفن بدمه وثيابه، وأنَّ إحرامَ الرَّجُل في الرأْس دون الوجه.
(يحنطوا)؛ أي: يستعملوا الحَنُوط، وسبق بيانه.
قال (ط): مفهومه أنه إذا لم يكنْ مُحرِمًا يُحنَّط، وهو موضع استنباط البخاري الحَنُوطَ للميِّت.
(فإن الله) قال الأُصوليُّون: هو إيماءٌ إلى العِلَّة.
* * *
٢١ - بابٌ كَيْفَ يُكَفَّنُ الْمُحْرِمُ ؟
(باب: كيفَ يُكفَّن المُحْرِم؟)
١٢٦٧ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، أَخْبَرَناَ أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَنَّ رَجُلًا وَقَصَهُ بَعِيرُهُ، وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ مُحْرِمٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُمِسُّوهُ طِيبًا، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ اللهَ يَبْعَثُهُ
стр. 2196
يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّدًا".
الحديث الأول:
(وهو مُحْرِم)؛ أي: الرجُل المَوقُوص.
(تُمِسُّوهُ) بضمِّ التاء، وكسر الميم.
(مُلَبِّيًا) في بعضها: (مُلَبِّدًا)، أي: يجعل كاللِّبْد بالصَّمْغ فيلتَصِقُ شَعره، فلا يتشعَّثُ في الإحرام، وأنكر (ع) هذه الرِّواية، وصوَّب: (مُلَبِّيًا) بدليل رواية: (يُلَبِّي).
قال: وليس للتَّلبيد هنا معنًى.
قال (ش): وسيأتي روايةٌ في (الحجِّ): (فإنَّه يُبعَث يُهِلُّ).
قلت: كلُّ هذا لا يُنافي رواية: (مُلَبِّدًا) إنْ صحَّت؛ لأنَّه حكايةُ حاله عند موته.
* * *
١٢٦٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرٍو، وَأَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَرَفَةَ، فَوَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، قَالَ أَيُّوبُ: فَوَقَصَتْهُ، وَقَالَ عَمْرٌو: فَأَقْصَعَتْهُ، فَمَاتَ، فَقَالَ: "اغْسِلُوهُ بِمَاء وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ أَيُّوبُ: يُلَبِّي، وَقَالَ عَمْرٌو: مُلَبِّيًا".
стр. 2197
الثاني:
(كان رجل) هي التامة، وفاعلُها: (فوقصَتْهُ) سبق تفسيره، ولكنْ نسبته للرَّاحلة مجازٌ إنْ مات من الوَقْعة عنها، وإنْ أثَّرتْ فيه ذلك بفعلها فحقيقةٌ.
(يُلَبِّي) الفرْق بينه وبين مُلَبِّيًا أن الفعل يدلُّ على التَّجدُّد، والاسم على الثُّبوت.
* * *
٢٢ - بابُ الْكَفَنِ فِي الْقَميِصِ الَّذِي يُكَفُّ أوْ لَا يُكَفُّ، وَمَنْ كُفِّنَ بِغَيْرِ قَمِيصِ
(باب الكفَن في القَميص الذي يُكَفُّ أو لا يُكَفُّ)
أي: خِيْطت حاشيتُه أو لا؛ لأنَّ الكَفَّ خياطةُ الحاشية، أي: يُكفَّن في الثَّوب مَخِيْطًا كان أو لا، وفي بعضها: (يكفي أو لا يكفي)، وجوَّز التَّيْمي أنَّ المراد بالأوَّل هذا، لكن سقطتْ منه الياء، وقال (ط): إنَّ (يكْفي أو لا يكْفي) هو الصَّواب، ومعناه جواز الكفَن في الثوب طَويلًا كان أو قصيرًا.
١٢٦٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي ناَفِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ لَمَّا
стр. 2198
تُوُفِّيَ جَاءَ ابْنُهُ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسولَ الله! أعطِني قميصَكَ أُكَفِّنْه فيه، وصلِّ عليه، واستَغْفِرْ له، فأعطَاهُ النبيُّ ﷺ قَمِيصَهُ فَقَالَ: "آذِنِّي أُصَلِّي عَلَيْهِ"، فَآذَنَهُ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ جَذَبَهُ عُمَرُ ﵁ فَقَالَ: ألَيْسَ اللهُ نَهَاكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ؟ فَقَالَ: "أَنَا بَيْنَ خِيرَتَيْنِ، قَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ". فَصَلَّى عَلَيْهِ فَنَزَلَتْ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾.
الحديث الأول:
(ابنه) كان اسمه الحُباب بضمِّ المهملة، وخفَّة الموحَّدة الأُولى، فسمَّاه رسول الله ﷺ : عبد الله باسم أبيه.
(فأعطاه قميصه)؛ أي: أعطَى ابنه لا الأبَ المُنافِق، أو أن هذا قَبْل النَّهي عن تعظيم المنافقين كآية: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤].
قال في "الكَشَّاف": إنه في مُقابَلة إعطائه قميصَه للعبَّاس لمَّا أُسِرَ ببدْرٍ، ولم يجدوا له قَميصًا يصلح له، وكان رجُلًا طويلًا، حتى لا يكون لمنافقٍ عليه يَدٌ، أو أن الإكرام بذلك لابنه، ولعلمه أنه لا يَنفعُ الأبَ ذلك مع كُفره، وسيأتي ذكره في (باب: هل يُخرَج الميِّت من القبر)، وجوابٌ رابعٌ: أنه ما سُئل ﷺ شيئًا قطُّ فقال: لا.
(آذني أصلي): بجزمِ (أُصَلِّ) جوابًا للأمر، وبالرَّفع استئنافًا.
стр. 2199
(نهاك): أخذ ذلك عُمر إما من: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣]، لا من قوله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤]؛ لأنها إنما نزلت بعدُ، أو من قوله: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]؛ فإنه إذا لم يكُن الاستغفارُ نفعٌ فهو كالنَّهي عن إيقاعه.
(خيرتين) تثنيةُ خِيَرَة بوزْن عِنَبَة، أي: أنا مخيَّرٌ بين الأمرين، قال (ك): وفي المَحلِّ مباحثُ ليس هذا مقام بيانها.
قال (ش): استُشكِل بأنَّه كان نزل: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [التوبة: ١١٣]، عَقِب موت أبي طالِب، حين قال: والله لأستَغفِرَنَّ لكَ ما لم أُنهَ عنْك، ففيه النهي عن الاستغفار لمن مات كافرًا، وهو متقدم على آية التخيير، وأُجيب: أن الأولى فيما يُراد منه الإجابة كما في أبي طالِب، والثَّانية ليس فيها قصْد حُصول المغْفرة للمنافقين، بل تَطييبُ قلوبهم.
* * *
١٢٧٠ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرًا ﵁ قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ ﵁ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا دُفِنَ فَأَخْرَجَهُ، فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ وَألْبَسَهُ قَمِيصَهُ.
الحديث الثاني:
(فأخرجه)؛ أي: من القبْر، ففيه جَواز إخراج الميت لحاجةٍ أو لمصلحةٍ، نعَمْ، وجْهُ الجمْعِ بين هذا وبين ما سبق من تَكفينه بالقَميص
стр. 2200
قبل الدَّفْن: إما أَنَّ جابرًا شاهدَ ما لم يشاهده ابن عُمر، أو أنه أَعطاه قَميصَين، قميصًا للكفَن، ثم أخرجَه فألبسَه آخر.
(ينفث) بمثلَّثةٍ.
* * *
٢٣ - بابُ الْكَفَنِ بِغَيْرِ قَمِيصٍ
١٢٧١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُفِّنَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ثَلَاثَةِ أثْوَابِ سَحُولَ كُرْسُفٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ.
١٢٧٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أثْوَابٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ.
(باب الكفَن بغَيْر قَميصٍ)
أدرجَه (ك) في الباب السابق، وكذا: (الكفَن بلا عِمَامةٍ) سبق شرح الحديث فيهما، وزاد هنا: أن السَّحْل جاء بمعنى الغَسْل، فمعنى: (أثواب سحول): مَغسُولة، أو أنه إنما لم يجعلْه اسم القَرية؛ لأن التَّقدير من سَحولٍ.
قال: وحذْف حرف الجَرِّ من الاسم الصَّريح غيرُ فَصيحٍ، ولو
(بِبُرْدَةٍ) هي كساءٌ أبيض تلبَسه العرَب.
(الشملة) كساءٌ يُشتمل به.
(فحسنها)؛ أي: قال: ما أَحسَنها.
(فلان) هو عبد الرَّحمن بن عَوْف كما في "الطبراني".
(ما أحسنها) هي تعجُّبية، وأحسَن مِن الحُسْن.
(ما أحسنت) نفيٌ للإحسان.
(محتاجًا) حالٌ، وفي بعضها: (محتاجٌ)؛ أي: هو محتاجٌ.
(لا يرد)؛ أي: مَنْ سألَه شيئًا أعطاه.
قال (ط): فيه إعدادُ الشَّيء قبْل وقت حاجته، وقد حفَر قومٌ من الصالحين قُبورهم توقعًا لحُلول الموت، وفيه قَبول السُّلطان هديةَ الفقير، وأنه يَسأل التبرُّكَ به.
* * *
٢٩ - بابُ اتِّبَاعِ النِّسَاءِ الْجَنَائِزَ
(باب اتِّباع النِّساء الجَنائزَ)
١٢٧٨ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أُمِّ الْهُذَيْلِ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا.
стр. 2207
(نُهينا) رواه ابن شَاهِيْن بسندٍ صحيحٍ: نهانا رسول الله ﷺ .
(لم يَعْزِم)؛ أي: لم يجعل ذلك عَزِيْمة مُتحتِّمًا.
قال (ن): ذلك بِدْعةٌ، وفيه أنَّ النَّهي للتحريم، وللكراهة، وإنما قال: ولم يَعْزِم؛ لأنها فَهِمتْ أن النَّهي إنما أُريد به تَرْك ما كانت الجاهليَّة تقولُه من زُور الكَلام، ونسبةِ الأفعال إلى الدَّهْر، وغيره.
* * *
٣٠ - بابُ حَدِّ الْمَرْأَةِ عَلَى غَيْرِ زَوْجِهَا
(باب إِحْداد المَرأَة)، في بعضها: (حِدَاد).
قال الجَوْهَرِي: أحدَّت المرأَة: امتَنعَتْ من الزِّينة بعد وفاة زَوجها، وكذلك أحدَّت تَحُدُّ -بالضمِّ والكسر-، حِدادًا، ولم يعرِف الأَصْمَعي إلا (أحدَّتْ).
١٢٧٩ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ، حدَّثَنا بِشْرُ بنُ المُفَضَّلِ، حدَّثَنا سَلَمَةُ بنُ عَلْقَمَةَ، عنْ مَحَمَّدِ بنِ سِيْرِيْنَ قال: تُوُفِّيَ ابنٌ لأمِّ عَطِيَّةَ ﵂، فلَمَّا كانَ اليَوْمُ الثَّالِثُ دَعَتْ بِصُفْرَةٍ، فَتَمَسَّحَتْ بِهِ وَقَالَتْ: نُهِينَا أَنْ نُحِدَّ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ إِلَّا بِزَوْجٍ.
الحديث الأول:
(يوم الثالث) من إضافة الموصوف إلى الصِّفة، وفي بعضها:
الثاني:
(نَعْي) بسكون العين، وتخفيف الياء، وفي بعضها بكسر العين، وتشديد الياء.
(أبي سُفيان) سقَط منه لفظة (ابن)؛ لأنَّ الذي جاءَها نعيُه من الشَّام يزيد بن أبي سُفيان، وقد رواه البخاري من طرُقٍ أُخرى: (لمَّا تُوفي أخوها)، وأما أبو سُفيان فمات بالمدينة بلا خلافٍ، وابنه يَزِيْد مات بالشام أميرًا.
(أم حبيبة) اسمها: رَمْلَة.
* * *
١٢٨٢ - ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى زينَبَ بِنْتِ جَحْشٍ حِينَ تُوُفِّي أَخُوهَا، فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ، ثُمَّ قَالَتْ: مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ: "لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا".
الثالث:
في معنى الحديث السابق.
(أخوها) هو أحمد بن جَحْشٍ المَكْفُوف، وأما أخوه عبد الله بن جَحْش فتُوفي بعد ذلك.
* * *