(بِبُرْدَةٍ) هي كساءٌ أبيض تلبَسه العرَب.
(الشملة) كساءٌ يُشتمل به.
(فحسنها)؛ أي: قال: ما أَحسَنها.
(فلان) هو عبد الرَّحمن بن عَوْف كما في "الطبراني".
(ما أحسنها) هي تعجُّبية، وأحسَن مِن الحُسْن.
(ما أحسنت) نفيٌ للإحسان.
(محتاجًا) حالٌ، وفي بعضها: (محتاجٌ)؛ أي: هو محتاجٌ.
(لا يرد)؛ أي: مَنْ سألَه شيئًا أعطاه.
قال (ط): فيه إعدادُ الشَّيء قبْل وقت حاجته، وقد حفَر قومٌ من الصالحين قُبورهم توقعًا لحُلول الموت، وفيه قَبول السُّلطان هديةَ الفقير، وأنه يَسأل التبرُّكَ به.
* * *
٢٩ - بابُ اتِّبَاعِ النِّسَاءِ الْجَنَائِزَ
(باب اتِّباع النِّساء الجَنائزَ)
١٢٧٨ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أُمِّ الْهُذَيْلِ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا.
стр. 2207
(نُهينا) رواه ابن شَاهِيْن بسندٍ صحيحٍ: نهانا رسول الله ﷺ .
(لم يَعْزِم)؛ أي: لم يجعل ذلك عَزِيْمة مُتحتِّمًا.
قال (ن): ذلك بِدْعةٌ، وفيه أنَّ النَّهي للتحريم، وللكراهة، وإنما قال: ولم يَعْزِم؛ لأنها فَهِمتْ أن النَّهي إنما أُريد به تَرْك ما كانت الجاهليَّة تقولُه من زُور الكَلام، ونسبةِ الأفعال إلى الدَّهْر، وغيره.
* * *
٣٠ - بابُ حَدِّ الْمَرْأَةِ عَلَى غَيْرِ زَوْجِهَا
(باب إِحْداد المَرأَة)، في بعضها: (حِدَاد).
قال الجَوْهَرِي: أحدَّت المرأَة: امتَنعَتْ من الزِّينة بعد وفاة زَوجها، وكذلك أحدَّت تَحُدُّ -بالضمِّ والكسر-، حِدادًا، ولم يعرِف الأَصْمَعي إلا (أحدَّتْ).
١٢٧٩ - حدَّثنا مُسَدَّدٌ، حدَّثَنا بِشْرُ بنُ المُفَضَّلِ، حدَّثَنا سَلَمَةُ بنُ عَلْقَمَةَ، عنْ مَحَمَّدِ بنِ سِيْرِيْنَ قال: تُوُفِّيَ ابنٌ لأمِّ عَطِيَّةَ ﵂، فلَمَّا كانَ اليَوْمُ الثَّالِثُ دَعَتْ بِصُفْرَةٍ، فَتَمَسَّحَتْ بِهِ وَقَالَتْ: نُهِينَا أَنْ نُحِدَّ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ إِلَّا بِزَوْجٍ.
الحديث الأول:
(يوم الثالث) من إضافة الموصوف إلى الصِّفة، وفي بعضها:
الثاني:
(نَعْي) بسكون العين، وتخفيف الياء، وفي بعضها بكسر العين، وتشديد الياء.
(أبي سُفيان) سقَط منه لفظة (ابن)؛ لأنَّ الذي جاءَها نعيُه من الشَّام يزيد بن أبي سُفيان، وقد رواه البخاري من طرُقٍ أُخرى: (لمَّا تُوفي أخوها)، وأما أبو سُفيان فمات بالمدينة بلا خلافٍ، وابنه يَزِيْد مات بالشام أميرًا.
(أم حبيبة) اسمها: رَمْلَة.
* * *
١٢٨٢ - ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى زينَبَ بِنْتِ جَحْشٍ حِينَ تُوُفِّي أَخُوهَا، فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ، ثُمَّ قَالَتْ: مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ: "لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا".
الثالث:
في معنى الحديث السابق.
(أخوها) هو أحمد بن جَحْشٍ المَكْفُوف، وأما أخوه عبد الله بن جَحْش فتُوفي بعد ذلك.
* * *
"كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَمَسْؤلٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ" فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ سُنَّتِهِ، فَهُوَ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨]، وَهُوَ كقَوْلِهِ ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ ذُنُوبًا ﴿إلَى حِملِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيءُ﴾، وَمَا يُرَخَّصُ مِنَ الْبُكَاءِ فِي غَيْرِ نَوْحٍ.
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا" وَذَلِكَ لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ.
(باب قَول النبيِّ ﷺ : "يُعذَّبُ ببُكاء أهله عليه")
هو ما وصلَه في الباب عن ابن عبَّاس، عن ابن (١) عُمر.
(من سنته)؛ أي: من طَريقته وعادته.
ووجه الاستدلال بالآية: أن أهل الشخص يقتدون به، فإذا تسبَّب في تبعيَّتهم له بفعْل شيءٍ فلم يقِهم النَّارَ، وبالحديث ما رعَى نفْسه حيث ناحَ، ولا رعتْه أهلُه؛ لأنهم يتعلَّمون منه، ويحتمل أنه أراد بالسُّنَّة وصيَّته لأهله بذلك.
(كلكم راع) وصلَه البخاري مرَّاتٍ سبَقتْ، وتأتي.
(كما قالت عائشة)؛ أي: مستدِلَّةً بالآية، ومعناها: لا تحمِل نفْسٌ حاملةٌ حِمْلَ أُخرى، أي: لا تُؤاخذ نفسٌ بغير ذنْبها.
(وما يرخص) إما عطفٌ على أول التَّرجمة، إما على: (كما
стр. 2212
قالتْ)، أي: فهو كما يرخَّص في عدَم العذاب.
(وقال النبي ﷺ ) وصلَه البخاري عن ابن مسعود في (بَدْء الخلْق).
(كِفْلٌ)؛ أي: نَصيبٌ، فهو أيضًا دليلٌ أنه يُعذَّب إذا كان في حياته ينُوح؛ لأنه سنَّ النِّياحة في أهله.
فالحاصل مما أراده البخاري أنه لا يُعذَّب بالبكاء عليه إلا بما فيه نَوحٌ، ويكون قد سَنَّ ذلك بفعْله، أو أَومأَ به، فالتَّعذيب على فعْله ونيَّته، ويُجمع بينه وبين: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، وقيل: معنى الحديث أن يُمدحَ الميت في البُكاء بما كان يمدحُ به الجاهليَّة من القتْل والغارات ونحوهما من الذُّنوب التي هو يعذَّب بها حينئذٍ، وقيل معناه: أنه يحزن ببكائهم، أي: يَسوءُه ما يكرهه ربُّه، وقد رُوي: "إنَّ أَعمالَكم تُعرَض على أَقربائكم مِنْ موتَاكُم، فإنْ رأَوا خيْرًا فَرِحُوا به، وإنْ رأَوا شَرًّا كَرِهُوه"، فالتَّعذيب له من الحيِّ لا أنه يعذِّبه الله، وقيل: معناه أنه يحزَن وينكَّد لبكائهم، فهو كتعذيبه كما في: "السَّفَر قِطْعةٌ من العَذاب"، وهو قريبٌ من الذي قبلَه، وقيل: الباء فيه للحَال، أي: يعذَّب عند بُكائهم، وعليه فهي واقعةُ عين.
* * *
١٢٨٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ وَمُحَمَّدٌ قَالَا: أَخْبَرَناَ عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَناَ عَاصِمُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زيدٍ ﵁ -
стр. 2213
قَالَ: أَرْسَلَتِ ابْنَةُ النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْهِ: إِنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ، فَائْتِنَا، فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلَامَ وَيَقُولُ: "إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ"، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادةَ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرِجَالٌ، فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الصَّبِيُّ وَنفسُهُ تَتَقَعْقَعُ -قَالَ: حَسِبْتُهُ أَنَّهُ قَالَ: كَأَنَّهَا شَنٌّ- فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا هَذَا؟ فَقَالَ: "هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ".
الحديث الأول:
(عَبْدَان) بفتح المهملة، وسُكون الموحَّدة، اسمه: عبد الله.
(ومحمد)؛ أي: ابن مُقاتِل.
(عبد الله)؛ أي: ابن المُبارَك.
(أبي عُثمان)؛ أي: عبد الرحمن بن مَلٍّ.
(بنت النبي ﷺ ) هي زينب.
(أن ابنًا لي) يحتمل أنه عليُّ بن العاص بن الرَّبيع؛ قاله الدِّمْيَاطِي، قيل: وفيه نظَرٌ، لأنَّ عليًّا كان معه ﷺ بمكة يوم الفتح، وقد راهقَ، فلا يُقال فيه: صبيٌّ إلا أن يكون قارَبَ الموتَ وهو صغيرٌ، ثم عاشَ بعد ذلك، وقد رواه الدُّولابِي بسنَد البخاري بلفظ: (إنَّ بنتًا لها أو صبيًّا)، وفي روايةٍ للبخاري: (إن بِنتي احتُضِرَت)،
стр. 2214
والبنت اسمها: أُمَيْمَة كما في "مُعجَم أبي سعيد بن الأَعرابي" ورواه أحمد أيضًا: (أُتيَ رسول الله ﷺ بأُمَيمَة ابنة زَينب ونفْسُها ...) الحديثَ، ووقَع في (جُزء حديث صعدان بن نصر): أنه أُتي بأُمامة بنت زَينب، فإنْ أُريد بها أُمَيمة فواضحٌ، وإلا فأُمامة عاشتْ حتى تزوَّجها عليٌّ بعد وفاة فاطمة، أو يُقال: كانت وصلتْ إلى النَّزْع، ثم عاشتْ، كما سبق في عليٍّ.
قلتُ: وقد يُجمع بين ذلك باحتمال تعدُّد الواقعة في بنتٍ واحدةٍ أرسلتْ، أو بنتين؛ زينب في أُميمة، أو رُقيَّة في عبد الله بن عُثمان، أو فاطمة في ابنها مُحسِن بن علي، وإنْ كان فيه بُعدٌ.
(قُبِضَ) سبق رواية البخاري فيه في (الإيمان): (احتُضِرَ)، وهو واضحٌ، وسيأتي الحديث: (ونفْسه تقَعقَعُ)، فيُحمل: (قُبِضَ) على أنه قارَب أن يُقبض.
(وكل) بالرفع على الابتداء، والنَّصبِ عطفًا على اسم (إنَّ).
(ولتحتسب)؛ أي: تَجعل الولَد في حسابه لله راضيةً بحُكمه قائلةً: إنا لله وإنا إليه راجعون.
(تقعقع) كذا وقَع هنا بتاءَين، لكنْ ذكره ابن الأَثِير في "النِّهاية" بتاءٍ واحدةٍ، وقال: معناه: يَضطَرِب ويتحرَّك كلَّما صار إلى حالةٍ لم يَلبث أن ينتقل إلى أُخرى؛ لقُربه من الموت، والقَعْقَعة: حكايةُ أصواتِ الجُلود اليابِسة، ورواه البخاري في (المرضَى) في (باب:
стр. 2215
عيادة الصِّبيان): (تُقلْقل).
(الشن) القِرْبة اليابسة، وجمعها: شِنَان، وفي المثَل: مِثْلي لا يُقَعقع لي بالشِّنان.
(ما هذا)؛ أي: فيضُ الدَّمع، وذاك لما عُلِمَ من عادته ﷺ من مُقاومة المُصيبة، وشدَّة الصبر.
(رحمة)؛ أي: أثَر رحمةٍ جعلَها الله في قُلوب عباده، لا أنه جزَعٌ وقلَّة صبْر.
(الرحماء) بالنَّصب على أن (ما) في (إنما) كافَّةٌ، وبالرفع على أنها موصولة، أي: إن الذين.
* * *
١٢٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ ابْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: شَهِدْناَ بِنْتًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: فَقَالَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ، قَالَ: فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ، قَالَ: فَقَالَ: "هَلْ منكم رَجُلٌ لم يُقَارِفِ اللَّيلةَ؟ فقال أَبُو طَلْحَةَ: أنا، قالَ: فانْزِلْ، قالَ: فَنَزَلَ في قَبْرِها.
الحديث الثاني:
(بنتًا لرسول الله ﷺ ) قال الطَّبَراني: هي أُمُّ كُلثوم، وكذا صحَّحه ابن عبد البَرِّ، ووقَع في "تاريخ البخاري الأَوسط" عن حَمَّاد بن سلَمة،
стр. 2216
عن ثابت، عن أنس: أنَّها رُقَيَّة، ثم قال: ما أَدري ما هذا؟، فإنَّ النبي ﷺ لم يشهَدْ رُقيَّة، أي: لأنه كان غائبًا ببدْرٍ، صحَّح ابن بَشْكُوال أنها زينب، وهي رواية ابن أبي شيبة.
(لم يقارف) قال (خ): لم يُذنِب، وقيل: لم يُجامِع أهله، وأنكره الطَّحَاوِي، وقال: معناه لم يُقاوِل؛ لأنهم كانوا يَكرهون الحديث بعد العِشاء، وقال غيره: حِكْمة تَرْك المُجامَعة أن نُزول القبر لمعالجة النساء لا ينبغي لمن كان قَريب عهدٍ بمخالطة النساء، بل تكون نفسه كالنَّاسية لذلك مطمئنةً بتركه، وقيل: إذا قُلنا: إن ابنته أُمُّ كُلثوم أن عُثمان تلْك اللَّيلة باشَر جاريةً له، وعلِم النبيُّ ﷺ بذلك، فعرَّضَ به أن لا يَنزل في قبرها حيث لم يُعجبه أنه اشتغَل عنها وهي محتضَرةٌ بذلك.
(أبو طلحة) اسمه: زَيْد بن سَهْل.
فيه نُزول الأجنبي من المرأة قبرَها بإِذْن الوليِّ، وفيه التوسُّل بالصَّالحين في تولِّي شأن دفْن الميِّت، وجوازُ البُكاء حيث لا صياحَ ولا مُنكَر.
* * *
١٢٨٦ - حَدَّثَنا عَبْدَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَناَ ابنُ جُرَيْجٍ، قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بنُ عُبَيْدِ اللهِ بنِ أَبي مُلَيْكَةَ قال: تُوفِّيَتِ ابنةٌ لِعُثْمَانَ ﵁ بِمَكَّةَ وَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا، وَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃، وَإِنِّي
الحديث الثالث:
(جالس بينهما) فيه جواز الجُلوسُ والاجتماعُ لانتظار الجَنازة، وجُلوسه بينهما وإنْ كانا أفضَلَ منه لعُذْرٍ، إما لكَون الموضع أرفَق بالجائي بعده، أو نحو ذلك.
قلتُ: أو كما صرَّح به بعدَه أنه جلَس إلى جنْب أحدهما، ثم جاء الآخَر.
(ثم حدث)؛ أي: ابن عبَّاس.
(بالبيداء) أصلُها: المَفَازة، والمراد هنا بين مكَّةَ والمَدينة.
(الركب) أصحاب الإبِل في السفَر، العشَرة فما فوقها.
(سَمُرَة) بفتح المهملة، وضمِّ الميم، أي: العظيمة من شجَر العَضَاه.
(صُهيب) بضمِّ المهملة: ابن سِنان.
(فالْحَقْ) أمْرٌ من اللُّحوق.
(أُصيب)؛ أي: جُرِحَ الجِراحةَ التي مات فيها.
(وآخَاهُ) الألِف فيه للنُّدبة لا العلامة في إعراب الأسماء الستَّة، والهاء بعده للسَّكْت لا ضميرٌ، نعم، الشَّرط في المندوب أن يكون معروفًا، فيقدَّر أن الأُخوَّة والصَّاحبيَّة كانا معلومَين معروفَين.
(رحم الله عُمر) هو من حُسْن الأدب نحو: عفَا الله عنْك تمهيدًا لدفْع ما يُوحِش مما لا يَليق.
стр. 2219
(ولكن) بتشديد النون، وتخفيفها.
(والله ما حدث) جزمَتْ بذلك وحلَفت عليه، إما لأنها سمِعَتْ من النبيِّ ﷺ اختصاصَ العذاب بالكافر، أو فهمَتْه بالقَرائن.
(حسبكم)؛ أي: كافِيْكم، لكن الآية عامةٌ للمؤمن والكافر على معنى زيادة عذابه، فكما أنَّ أصلَ العذاب لا يكون بفعل غيره، فزيادتُه كذلك، فوجْهُ استدلالها بالآية: أنَّ عادةَ الكُفَّار الوصيَّة بالنيَاحة، وكان ذلك مشهورًا عندهم.
(أضحك وأبكى) غرَضه بذلك في هذا المقام: أن الكُلَّ بإرادة الله، فيُعمل بظاهر الحديث، فإنَّ له أن يُعذِّبه بلا ذَنْبٍ، ويكون البُكاء عليه علامةً له، أو يعذِّبه بذنب غيره، لا سيَّما إذا تسبَّب في وقوع الغير فيه، وتخصيصُ آية الوِزارة بيوم القيامة، وقال الطِّيْبِي: غرَضه تَقدير قَول عائشة، أي: أن بُكاء الإنسان وضَحِكه من الله، فلا أثَر للعبد فيه، فعنْد ذلك أذعَن، وإنما كان أثَره في الكافِر دُون المؤمن، لأنه لا يَرضى بالمعصية لا من نفسه ولا من غيره، بخلاف الكافر.
(شيئًا)؛ أي: بعد ذلك.
قال (خ): إذا ثبتَت الرِّواية فلا تُدفَع بالظَّنِّ، وقد روى ذلك عُمر وابنه، ولا تدفع قصَّة اليهودية في حديث عائشة روايتهما، إذ لا مُنافاةَ بينهما، واحتِجاجها بالآية، فإنه يؤاخَذ بفعل نفْسه؛ لأنه كان يُوصُون بذلك.
стр. 2220
وقال (ن): نَسَبَتْهما عائشةُ إلى النِّسيان والاشتباه، وأَوَّلت الحديثَ بأن معناه: يُعذَّب بذنْبه في حال بُكاء أهله لا بسبَبه، لحديث اليهوديَّة.
* * *
١٢٨٩ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنا مالِكٌ، عنْ عَبْدِ الله بنِ أبي بَكْرٍ، عَنْ أبيه، عَنْ عَمْرَةَ بنتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّها أَخْبَرتْه أَنَّها سَمِعَتْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى يَهُودِيَّةٍ يَبْكِي عَلَيْهَا أَهْلُهَا فَقَالَ: "إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا".
١٢٩٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ وَهْوَ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ ﵁ جَعَلَ صُهَيْبٌ يَقُولُ: وَاأَخَاهُ، فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ"؟
الرابع، والخامس:
(علمت) صريحٌ في أنه ليس خاصًّا بالكافر.
قال القَرَافي: الأَولى أنْ يُقال: سَماع صوت البُكاء هو نفْسُ العذاب، كما أنَّا معذَّبون ببُكاء الأطفال، فيبقى الحديث على ظاهره، فلا تخصيصَ وتكلُّف.
стр. 2221
قال (ك): ووجْهٌ آخر، وهو أن هذا في الدُّنيا، نحو: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]، وكذا في الزَّوج، وآيةُ الوِازرة يوم القيامة، وهذان الوجهان أحسَن الوُجوه الثَّمانية في الحديث، والبَواقي فيها تكلُّفٌ، أو بُعدٌ.
* * *
٣٣ - بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ النِّيَاحَةِ عَلَى الْمَيِّتِ
وَقَالَ عُمَر ﵁: دَعْهُنَّ يَبْكِينَ عَلَى أَبِي سُلَيْمَانَ مَا لَمْ يَكُنْ نَقْعٌ أَوْ لَقْلَقَةٌ، وَالنَّقْعُ التُّرَابُ عَلَى الرَّأْسِ، وَاللَّقْلَقَةُ الصَّوْتُ.
(باب ما يُكرَه من النِّياحة)، أي: كراهة تحريم.
(على أبي سليمان) هو خالِد بن الوَلِيد، مات بحِمْص، وأوصى إلى عُمر أن نسوةً من نساء بني المُغيرة اجتمعْنَ في دارٍ يَبكين على خالد، فقال: (دعهن)، ووجْهُ الجمْعِ بين هذا وبين منْعه صُهيبًا أنَّه زادَ بقرينة: (واصَاحِبَاهُ)، لكنْ قال محمد بن سلام: أنه لم يبقَ امرأةٌ من بني المُغِيرة إلا وضَعَتْ رأْسَها على قبْر خالدٍ، أي: حلَقَتْ شعْرَها.
(والنقع: التراب)؛ أي: وضْع التُّراب على الرأْس، من النَّقْع، وهو الغُبار، هذا قول الفَرَّاء، والأكثر أنه رفْع الصَّوت بالبُكاء.
والتَّحقيق أنه مشتركٌ محمولٌ على الأمرين معًا، لكنْ حمله على
стр. 2222
التُّراب أَولى، لقَرْنه باللَّقْلقة، وهو الصَّوت بالاضطراب، حتى يكونا متغايرَين.
* * *
١٢٩١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الْمُغِيرَة ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ"، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ".
١٢٩٢ - حَدَّثَنَا عَبْدَان، قَالَ: أَخْبَرَني أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ"، تَابَعَهُ عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، وَقَالَ آدَمُ، عَنْ شُعْبَةَ: "الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ عَلَيْهِ".
الحديث الأول:
(على أحد)؛ أي: غَيري، وكلٌّ منهما وإن كان معصيةً لكنْ الكذب عليه كبيرةٌ لتوعُّده عليه، وهو المُرجَّح في ضابط الكبيرة، وعلى غيره صغيرةٌ، وقوله: (فليَتَبَوَّأْ مَقْعَده)، أي: يُصيِّر مَسكَنًا له ليس يُساويه، فإنَّ له نار جهنَّم لصدْقه بمجرَّد الدُّخول، أو أن المراد في: ﴿وَمَنْ يَعْصِ﴾ [النساء: ١٤]، الكبيرة، أو الكُفْر بقَرينة الخُلود.
(أو أخت عمرو)؛ أي: عمَّة المقتول، وسبق في (باب الدُّخول على الميِّت): أن جابِرًا قال: فجعلتْ عمَّتي تَبكي، يحتمل الأول حقيقةً، والثاني مجازًا.
* * *
٣٥ - بابٌ لَيْسَ مِنَّا مَنْ شَقَّ الْجُيُوبَ
(باب: ليسَ مِنَّا)
١٢٩٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا زُبَيْدٌ الْيَامِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ".
النَّفْي في الحديث، إما للتَّغليظ؛ لأن المعصية لا تُخرِج من الأُمة إلا أنْ تكون كُفْرًا، أو المراد بدَعوَى الجاهلية: ما أوجَب الكفر، كتَحليل الحرام، أو عدَم تَسليم القَضاء.
(الجاهلية) زمانُ الفَتْرة قبْل الإسلام، أي: قال في بُكائه ما كان يُقال في الجاهلية مما لا يجوز شرعًا.
قال (ط): المعنى: ليس مُقتَديًا بنا، ولا مُستَنًّا بسُنَّتنا.
قال الحسَن في: ﴿وَلَا يَعصِينَكَ فىِ مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة:١٢] أي: لا يُشقِّقْنَ جُيوبهنَّ، ولا يَدعُون وَيْلًا، وهو دَعْوى الجاهلية.
* * *
أَعْقَابِهِمْ، لَكِنِ الْبَائِسُ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ، يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ".
(بلغ بي)؛ أي: أثَّرَ الوجَعُ فيَّ، ووصَل غايته.
(ابنة) اسمها: عائشة، لم يكُن له يومئذٍ غيرها، ثم جاء له بعد ذلك أولادٌ، والمراد: لا يَرثُني امرأةٌ من الولَد، أو من أصحاب الفُروض، ولكن ابنته هذه هي أُم الحكَم، وإنَّ من قال: عائشة وَهِمَ؛ لأنه ليس لسَعْدٍ بنتٌ تسمى عائشة، وتكون من الصَّحابة، قاله بعض العَصْريين.
(بالشطر)؛ أي: أتصدَّقُ بالنِّصْف، وفي بعضها: (فالشَّطْر) بالفاء.
(قال: الثلث) بالنَّصْب على الإغْراء، أو بتقْدير فعْلٍ، أي: أَعْطِ الثُّلُث، وبالرفْع فاعلٌ، أي: يَكفيك الثلُث، أو مبتدأٌ محذوفُ الخبر، أو بالعكس.
(كثير) بمثلَّثةٍ، أو موحَّدة.
(أن تذر) بفتح الهمزة، أي: لأَنْ، ويحتمل أنه مبتدأٌ، والخبر (خيرٌ) وبكسرها.
(عالة) جمع عائِل، أي: فقير.
(يتكففون)؛ أي: يَمُدُّون أكُفَّهم للسؤال.
(ما تجعل)؛ أي: الذي تجعلُ، و (حتَّى) كُفَّت لـ (مَا) عن النَّصب؛ قاله (ط).
стр. 2227
(أخلف) يعني: في مكَّة.
(ينتفع) إشارةٌ إلى ما يفتحُ الله على يدَيه من بلاد الشِّرك، ويأخذ المسلمون من الغَنائم.
(ويضر بك)؛ أي: المشركون الذين يُهلكهم بيَدِكَ وبجُنْدك.
(أمض) بقطْع الهمزة: من الإمضاء، وهو الإنْفاذ، أي: تَمِّمْها لهم، ولا تنقضها عليهم؛ لأنهم كانوا يَكرهون العَود إلى مكانٍ تركُوه لله تعالى، فقوله: (لكن البائِسُ سَعْد ابن خَوْلَة)، ترحَّم عليه إذْ كان يَكره أن يموت بها، ولم يُعْطَ ذلك، فترجَّى لسعدٍ أن لا يموت بها كما مات ابن خَوْلة.
(البائس)؛ أي: شديد الحاجة أو الفقر.
(يَرْثي) بفتح الياء، أي: يَرِقُّ ويترحَّم.
(إن مات) بفتح الهمزة، أي: لأَنْ ماتَ، وهذا مُدرَجٌ هنا من قول سعد بن أبي وقَّاص، كما صرَّح به في الرِّواية الآتية في (كتاب الدَّعَوات)، وقال (ط): هو من كلام الزُّهْرِي تفسيرًا لقوله ﷺ : (لكنِ البَائِسُ سَعْدُ بن خَوْلَة).
قال (ن): إنه قَول الأكثر، وكأن البُخاري أخَذ ترجمتَه من لفْظ: (يَرثي)، لكنْ نازعه الإِسْمَاعِيْليُّ أنَّ هذا ليس من مَراثي المَوتى، إنما هو إشفاقٌ من موته بمكة بعد هجْرته، كما يقال: أنا أَرْثي لك مما جَرَى عليك، أي: أتحزَّنُ، هذا مع كونه موقوفًا لا مرفوعًا.
стр. 2228
قلتُ: يحتمل أن هذا المعنى الذي قصَده البخاري لا مَراثي الموتى.
قال (ن): المراد طُول عمُره، وهو من المعجزات؛ فإنَّه عاشَ حتى فتح العراق وغيره، وانتفَع به أقوامٌ في دينهم ودُنياهم، وتضرَّر به الكفَّار كذلك.
وفيه استحباب عِيادة المريض للإمام وغيره، وإباحةُ جمع المال، والحَثُّ على صلة الرَّحِم، والإحسانُ للأقارب، وندْبُ الإنفاق في وُجوه الخير، وأن الأعمال بالنيَّات، وأنَّ المباح إذا قُصِد به طاعةُ الله صار طاعةً ويُثاب به، وقد نبَّه عليه بأحسن الحظوظ الدنيوية التي تكون في العادة عند المُلاعبة، وهو وضْع اللُّقمة في فَمِ الزَّوجة، هذا مع أنه أبعد الأشياء، فغيره أَولى.
قال (خ): وفيه كراهةُ نقْل الموتى من بلدٍ إلى بلدٍ، وإلا لأَمر بنقْله إلى دار مُهَاجَرِه.
* * *
٣٧ - بابُ مَا يُنْهَى عن الْحَلْقِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ
١٢٩٦ - وَقَالَ الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ: أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَ مُخَيْمِرَةَ، حَدَّثَهُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: وَجِعَ أَبُو مُوسَى وَجَعًا فَغُشِيَ عَلَيْهِ،
стр. 2229
وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئًا، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: أَناَ بَرِيءٌ مِمَّنْ بَرِئَ مِنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ وَالْحَالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ.
(باب ما يُنهَى من الحَلْق عند المُصيبة)
(وقال الحكم) تقدَّم أن مثل هذا دون (حدَّثنا)؛ لأنه يكون على سبيل المُذاكرة لا بالقصْد للتَّحميل، وقيل: قال البُخاري ذلك؛ لأنه لا يُخرج عن ابن مُخَيْمِرة.
(حَجر) بفتح الحاء وكسرها.
(امرأة) هي أُم عبد الله بن أبي دُومة زوجتُه كما في "النَّسائي"، وفي "تاريخ البصْرة" لعمر بن شبة أنها صَفيَّة بنت دمون، أم ابنه أبي بُرْدَة.
(الصالقة) الشَّديدة الصَّوتِ بالنِّياحة، وقيل: الصَّلْق: الزَّلزلة، وسَلَق لُغةٌ في صَلَق، أي: صاحَ.
(والحالقة) التي تحلق شَعرَها.
(والشاقة) التي تَشُقُّ ثوبَها.
* * *
٣٨ - بابٌ لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ
١٢٩٧ - حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ،
стр. 2230
عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ".
(باب: ليس مِنَّا من ضَرَبَ الخُدود)
وسبق شرح الحديث فيه قَريبًا.
(وشق) الواو بمعنى: أو، وكذا في: (ودعا) فالحُكم في كلِّ واحد لا المجموع؛ لأنَّ كلًّا منها دالٌّ على عدَم صبْره، نعَمْ، الأجْر عامٌّ بعد خاصٍّ، فيصير كأن الكُلَّ خَصلةٌ واحدٌ.
* * *
٣٩ - بابُ مَا يُنْهَى مِنَ الْوَيْلِ وَدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ عِنْدَ الْمُصيِبَةِ
١٢٩٨ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ".
(باب ما يُنهَى من الوَيْل ودَعوى الجاهليَّة)
أدرجَ (ك) حديثَه تحت الباب قبلَه، وقال: إنَّ الحديث فيه وإنْ لم يكن فيه ذكْر الوَيْل، لكنَّهُ من دَعوى الجاهليَّة، وأما كَونه منهيًّا عنه
وفي الحديث: "مَن نظَرَ مِنْ صِيْر بابٍ ففُقئَتْ عينُه فهو هَدَرٌ"، قال أبو عُبَيد: لم يُسمع هذا الحرف إلا في هذا الحديث.
(شق) بفتح الشِّين، قال (ك): وبكسْرها.
(إن نساء) خبرُ إنَّ محذوفٌ، أي: يَبكين برفْع الصَّوت والنِّياحة، أو يَنُحْنَ يدلُّ على ذلك السِّياق؛ إذ لو كان مجردَ بكاءٍ لم ينهَ عنه؛ لأنه رحمةٌ، وقيل: بل كان مجرد بكاءٍ إذ يَبعُد أن الصحابيَّات يتَمادَينَ على حرامٍ بعد نهيهنَّ.
قال: إلا أن يكون ما أَسندَ النَّهيَ إلى النبي ﷺ ، فلهذا لم يُطِعْنَه، قيل: أو هو مَن لم يفهم من أَمْره الجزْم بذلك، بل ظنَّ أن المراد أن يُسكّتهنَّ مع المُلاطَفة.
(الثانية)؛ أي: المرأة الثانية.
(ولم يطعنه) الجملة حاليةٌ.
(فزعمت)؛ أي: عائشة، بمعنى: قالتْ.
(فأحثُ) بضمِّ المثلَّثة: مِن حَثَا يحثُو، وبكسرها: مِن حَثَا يَحثِي.
(فقلت) هو من قَول عائشة.
(أرغم) أُلصِقَ بالرَّغام -بفتح الراء- وهو التُّراب، دَعتْ عليه حيث لم يترك النبيَّ ﷺ في حُزْنه بل كرَّر عليه مخالفتهنَّ، فاللوم إما على أنه لم يترتب على فعله إمساكهنَّ، فكأنه قصَّر في المبالغة معهنَّ، أو لكونه لم يحثَّ كما أمَره ﷺ .
(العناء) بفتح المهملة، والمَدِّ: التعَب والمشقَّة، قال (ن):
стр. 2233
معناه: إنَّك قاصرٌ عما أُمرتَ به، ولم تُخبر بأنك قاصرٌ حتى يُرسل غيرك، وتَستريح من العَناء.
ووقع لبعض رُواة مسلم: (الغَناء) بغينٍ معجمةٍ، وعند الطَّبَري: (العَيِّ) بفتح العين المهملة، وتشديد الياء، ولبعضهم بكسر العين، والصَّواب ما سبق في البخاري.
* * *
١٣٠٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ، عَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ: قَنَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَهْرًا حِينَ قُتِلَ الْقُرَّاءُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَزِنَ حُزْنًا قَطُّ أَشَدَّ مِنْهُ.
الحديث الثاني:
(القُرَّاء) جمع قارئٍ، وقصَّته: أنَّ عامرًا قَدِم قبلَ إسلامه، فقال: لو بعثتَ إلى نجْدٍ بعْثًا لاستَجابوا لك، فقال ﷺ : "أَخافُ علَيهم"، فقال: أنا جارٌ لهم فابعَثْهم، فبعثَ رجالًا من قُرَّاءِ الصَّحابة وفُضلائهم، وأميرهم المُنْذِر بن عَمْرو السَّاعِدي، فلمَّا نزَلوا بئْر مَعُونة -بفتح الميم، وضمِّ المهملة، وبالنُّون- بعَثُوا إلى عامر بن الطُّفَيل بكتاب النبي ﷺ ، فلم ينظُر فيه، وقتَل رسولهم، وجاء بطائفةٍ من قَبائل عُصَيَّة وذَكْوان على البعْث فقتَلوا أكثرَهم.
* * *
(ونحَّته)؛ أي: أبعدتْه.
(هدأ) بالهمز: سكَن.
(نفسه) بسكون الفاء: واحدُ النُّفوس، أو بالفتح: واحدُ الأنفاس.
(بما كان منها)؛ أي: من إخبارها بالسُّكون المُوهِم لزَوال العِلَّة، ومجيء العافية، وغير ذلك بما فعلَتْه.
(لعل) استُعملت كـ (عسَى) بدليل دُخول (أنْ) في خبرها.
(رجل من الأنصار) هو عَبَايَة بن رِفَاعة بن رافِع بن خَدِيْج؛ قاله الدِّمْيَاطِي في "أنْساب الخَزْرَج".
(تسعة أولاد)؛ أي: من عبد الله الذي حَمَلَتْ به تلك الليلة من أبي طَلْحة، كما قاله القَابِسي، فذكَر ابن المَدِيْني من أسماء أولاد عبد الله بن أبي طَلْحة مَن قرأَ القرآن وحمَل العلم: إسحاق، وإسماعيل، ويعقوب، وعُمير، وعُمر، ومحمد، وعبد الله، وزيد، والقاسم، وذكر غيرهم أيضًا.
* * *
٤٢ - بابُ الصَّبْرِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى
وَقَالَ عُمَرُ ﵁:نِعْمَ الْعِدْلَانِ وَنِعْمَ الْعِلَاوَةُ، ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ
стр. 2236
وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾.
١٣٠٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى".
(باب الصَّبْر عند الصَّدْمة)
(العدلان) تثنية عِدْلٍ، وهو بالكسر: المِثْلُ، وهو المراد هنا، وبالفتح: ما عادَل الشيء من غير جنْسه.
(العلاوة) بكسر العين.
قال (ع): العِدْل نِصْف الحِمْل، والعِدْلان حِمْلٌ، والعِلاوة: ما يُجعَل بين الحِمْلين، وقال (ك): العِلاوة: ما عُلِّق على البعير بعد تمام الوِقْر نحو السِّقاء وغيره، وهو فاعلُ (نِعْمَ)، والمخصوص بالمَدْح (الذين)، والظاهر أن المراد بالعِدلَين القَول وجَزاؤه، أي: قول الكلمتين، ونَوعا الثَّواب، وهما متلازمان في أن العِدْل الأول مركَّبٌ من كلمتين، والثاني من النَّوعين من الثَّواب.
(صلوات) هي المغفرة.
قال المُهَلَّب: العِدْلان هما: إنا لله، وإنا إليه راجعون، والعِلاوة: الثَّواب عليها، وقيل: العِدْلان: الصَّلاة والرحمة، والعلاوة: الرحمة.
стр. 2237
وسبَق معنى الحديث قريبًا في (باب قول الرجل للمرأة)، و (باب زيارة القُبور).
قال (خ): المراد منه الصَّبر المحمود ما كان عند مُفاجأَة المُصيبة؛ فإنَّ الأيام إذا طالَتْ حصَل السُّلُوُّ، وقال بعض الحكماء: الأَجْر على الاحتساب، والصبر الجميل على المصيبة لا على نفْسها؛ لأنها قد تُصيب الكافر.
* * *
٤٣ - بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ "إِنَّا بكَ لَمَحْزُونُونَ "
وَقَالَ ابْنُ عُمَر ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ".
(باب قَول النبي ﷺ : "إنَّا بكَ لمَحْزُونُونَ")
هو طرَفٌ من حديث مَوتِ إبراهيم ولدِه ﵇ الآتي في الباب.
(وقال ابن عُمر) وصلَه البخاري بعدُ ببابٍ.
* * *
١٣٠٣ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا قُرَيْشٌ هُوَ ابْنُ حَيَّانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنس بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ -وَكَانَ ظِئْرًا لإبْرَاهِيمَ
стр. 2238
عَلَيْهِ السَّلَامُ- فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ، ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ تَذْرِفَانِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: "يَا ابْنَ عَوْفٍ إنَّهَا رَحْمَةٌ"، ثُمَّ أتْبَعَهَا بِأَخْرَى، فَقَالَ ﷺ : "إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ".
رَوَاهُ مُوسَى، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(قُريش) بضم القاف.
(حيان) بمهملةٍ مفتوحةٍ، ومثنَّاةٍ تحت.
(على أبي سيف) بفتح السين.
(القَين) بفتح القاف: صفةٌ له، وهو الحدَّاد، واسمه: البَراء بن أَوْس الأنصاري.
(ظِئرًا)، بكسر الظاء المُعجمة بعدها همزةٌ، وقد تُسهَّل، والجمْع: ظِئَار، أي: مُرضِعًا بمعنى زَوج المُرضِعة غيرَ ولدها، فأُطلق ذلك على صاحب اللَّبَن، وزوجته هي أُم بُرْدة بضمِّ الموحَّدة، واسمها: خَوْلة -بفتح المعجَمة- بنت المُنْذِر بن يَزيد بن لَبِيْد الأَنصاريَّة، وقيل: أبو سَيْف هو البَراء بن مالِك، وزوجتُه المُرضِعة هي أُم سَيْف كما في "مسلم".
قال أبو مُوسَى: لعلَّهما أرضَعاه، وقال (ع)، و (ن): خَولة
стр. 2239
المذكورة لها كُنيتان.
(يجود)؛ أي: يدفع ويخرج، مِن جاد بالمال: إذا أخرجَه.
(تذرفان) بكسر الراء، أي: تجريان، أي: يجري دمْعُهما.
(وأنت) تعجُّبٌ، أي: وأنت أيضًا تفعل كفعل النَّاس لا يصبرون عند المصائب؟، استغربَه من مخالفة عادته.
(رحمة)؛ أي: لا كما تَوهَّمتَ من الجزَع ونحوه.
(أتبعها) يحتمل أتبَع الدَّمعة الأُولى بأُخرى، أو أتبَع كلمة: (إنها رحمةٌ) بكلمةٍ أُخرى وهي: (إنَّ العَيْن تَدْمَع) إلى آخره.
وفيه استحباب تَقبيل الولَد، والترحُّم على العِيال، والرُّخصة في البُكاء، واستفسار المَفضُول فيما يَستغربه من الفاضِل، والإخبار عمَّا في القَلْب من الحُزن.
(والقلب) بالرَّفع، والنَّصب.
(رواه موسى) ابن أبي إِسْماعيل التَّبُوذَكي، وصلَه البَيْهَقِي في "الدَّلائِل".
* * *
٤٤ - بابُ الْبُكَاءِ عِنْدَ الْمَرِيضِ
(باب البُكاء على المَريض)
١٣٠٤ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو،
стр. 2240
عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵁ قَالَ: اشْتكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ، فَأتاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ فِي غَاشِيَةِ أَهْلِهِ فَقَالَ: "قَدْ قَضَى؟ "، قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَبَكَى النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ النَّبِيِّ ﷺ ، بَكَوْا، فَقَالَ: "أَلَا تَسْمَعُونَ؟ إِنَّ اللهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ، وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا -وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ- أَوْ يَرْحَمُ، وَإِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ"، وَكانَ عُمَرُ ﵁ يَضْرِبُ فِيهِ بِالْعَصَا، وَيَرْمِي بِالْحِجَارَةِ، وَيَحْثِي بِالتُّرَابِ.
(شكوى) بلا تنوينٍ كحُبْلَى، أي: مرضًا غيَّرَ مِزاجه.
(غشية) بسكون الشِّين وتخفيف الياء، أو بكسر الشِّين وتشديد الياء، قال الدَّارَقُطْنِي: هما بمعنَى من الغِشاوة، أي: غُشيَ عليه، ورُوي: (في غاشية).
قال: وهو يحتمل وجْهين: ما يَغْشاه من كَرْبٍ، أو الناس الذين يَغشَونه، أي: للخِدْمة ونحوها، وكذا قال (خ).
وجزم التُّوْرِبِشْتي بالأوَّل، أي: من كَرْب الوجَع الذي فيه لا الموت؛ لأنه برئ من ذلك المرض، نعَمْ، في بعضها: (وغاشية أهله)، وفي بعضها: (وغَشيَتْه).
(أو يرحم) قال (ط): يحتمل وجهين: يَرحمه إنْ لم يَنفُذ فيه
стр. 2241
الوعيد، أو يرحم من قال خيرًا واستسلَم لقَضائه.
قال (ك): وإن صحَّت روايته بالنَّصب، فـ (أو) بمعنى (إلى)، أي: إلى أنْ يرحمه الله بإدخاله الجنة؛ لأن المُؤمِن لا بُدَّ له من دُخولها.
(يعذب) لا يُنافي هذا بكاؤه ﷺ وبكاؤهم معه؛ لأنه بكاءٌ على حيٍّ لا على ميِّتٍ، أو المنهيُّ ما فيه نياحةٌ.
وفيه نَدْب عِيادة الفاضِل المفضول، والنَّهي عن المُنكَر، وبيان الوعيد عليه.
* * *
٤٥ - بابُ مَا يُنْهَى عنِ النَّوْحِ وَالْبُكاء، وَالزَّجْرِ عَنْ ذَلِكَ
(باب ما يُنهَى من النَّوح والبُكاء)؛ أي: الذي برفعْ الصَّوت ونحوه.
١٣٠٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَوْشَبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا يَحيْىَ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ، قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: لَمَّا جَاءَ قَتْلُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَجَعْفَرٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ، جَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ، وَأَناَ أَطَّلِعُ مِنْ شَقِّ الْبَابِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ، وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ، فَأَمَرَهُ بِأَنْ يَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ ثُمَّ أَتَى فَقَالَ: قَدْ نَهَيْتُهُنَّ، وَذَكَرَ أَنَّهُنَّ لَمْ يُطِعْنَهُ، فَأَمَرَهُ الثَّانِيَةَ أَنْ يَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ ثُمَّ
стр. 2242
أَتَى، فَقَالَ: وَاللهِ لَقَدْ غَلَبْنَنِي -أَوْ غَلَبْنَنَا الشَّكُّ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَوْشَبٍ- فَزَعَمَتْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ"، فَقُلْتُ: أَرْغَمَ اللهُ أَنْفَكَ، فَوَاللهِ مَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ، وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنَ الْعَنَاءِ.
الحديث الأول:
(بفاعل)؛ أي: لمَا أمرَك به النبيُّ ﷺ من النَّهي الموجِب لانتهائهنَّ، أو من الحَثْو كما سبق مع شرح باقي الحديث في (باب: مَن جلَس عند المصيبة).
(الشك) إلى آخره، هو من كلام البخاري.
(من ابن حَوْشَب) نسبَه إلى جَدِّه.
* * *
١٣٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: أَخَذَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ الْبَيْعَةِ أَنْ لَا نَنُوحَ، فَمَا وَفَتْ مِنَّا امْرَأَةٌ غَيْرَ خَمْسِ نِسْوَةٍ: أُمِّ سُلَيْمٍ، وَأُمِّ الْعَلَاءِ، وَابْنَةِ أَبِي سَبْرَةَ امْرَأَةِ مُعَاذٍ، وَامْرَأتيْنِ، أَوِ ابْنَةِ أَبِي سَبْرَةَ، وَامْرَأَةِ مُعَاذٍ، وَامْرَأَةٍ أُخْرَى.
الثاني:
(البيعة) بفتح الموحَّدة، أي: المُعاهَدة.
стр. 2243
(غير) بالنَّصب والرفْع.
(أم سليم) بالجر والرفع، وكذا بعدَه، إما بدلٌ، أو استئنافٌ، وهي أم أنَس، واسمها: سَهْلَة.
(وأُم العلاء) بالمدِّ.
(وابنته أبي سَبْرة) بفتح المهملة، وسكون الموحَّدة، والراء.
(امرأة مُعاذ) في "الدَّلائل" لأبي مُوسَى: أُم مُعاذ، فقيل: تصحيفٌ، ورُدَّ بما في "طبقات ابن سعد": امرأة مُعاذ وأُم مُعاذ، فجَمع بينهما، وقيل: ابنة أبي سَبْرة هي امرأة معاذ.
قال (ع): لم يَفِ ممن بايَعَ مع أُم عَطِيَّة إلا الخمْس، لا أن المعنى لم يترُك النِّياحةَ من المُسلمات إلا الخمس.
* * *
٤٦ - بابُ الْقِيَامِ لِلْجَنَازَةِ
(باب القِيام للجَنازة)
١٣٠٧ - حدثنا عليُّ بنُ عبدِ اللهِ، حدثنا سُفْيَانُ، حَدَّثّنا الزُّهْريُّ، عنْ سَالِمٍ، عنْ أَبِيهِ، عنْ عامِرِ بنِ رَبيعَةَ، عنْ النَّبِيِّ ﷺ قال: "إذا رأيتم الجَنَازَة فقُومُوا حَتَّى تُخَلِّفَكُمْ".
قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ