أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ، وَقَالَ: "أَناَ شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ فِي دِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ.
الحديث الأول:
(أيهم)؛ أي: أيُّ القَتلى، وفي بعضها: (أيُّهما)؛ أي: أيّ الرجلين.
(في ثوب واحد) فيه جوازُ تكفين الرَّجلين في ثَوبٍ للضَّرورة.
قال المُظْهِر في "شرح المصابيح": المراد في قبرٍ واحدٍ؛ لأن تَجريدهما بحيث تَتلاقى بشرتُهما لا يجوز، وفيه تقديم الأفضل إلى جِدار اللَّحْد.
(أنا شهيد)؛ أي: أشهَدُ لهم بأنهم بذَلوا أرواحَهم لله تعالى.
فيه أن الشَّهيد لا يُغسَّل، ولا يُصلَّى عليه.
* * *
١٣٤٤ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي يَزيدُ ابنُ أَبِي حَبيبٍ، عنْ أَبي الخَيرِ، عَن عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خرج يومًا فصلى على أهل أحدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: "إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ، وَأَناَ شَهِيدٌ عليكم، وإنِّي واللهِ لأَنْظُرُ إلى حَوْضِي الآنَ، وإنِّي أُعْطِيْتُ مَفاتيحَ خزائنِ الأرض -أو مفاتيحَ الأرضِ- وإنِّي واللهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي، وَلَكِنْ أَخَافُ
стр. 2277
عَلَيْكُمْ أَنْ تنافَسُوا فِيهَا".
الحديث الثاني:
(صلى)؛ أي: دعا لهم بدعاءِ صلاة الميِّت، قاله (ن)، وقال (خ): بل هو دليلٌ على أن الشَّهيد يُصلَّى عليه بعد مُدّةٍ كغيره، وبه قال أبو حنيفة، وأوَّلَ عدمَ صلاته ﷺ يوم أحُدٍ بأنه اشتَغل عنهم، وكان يَومًا صعْبًا يُعذر المسلمون بترْك الصلاة يومئذٍ.
(فَرَط) بفتح الراء: هو المتقدِّم في طلَب الماء للوارِدة ليُصلِح لهم الحِيَاض والدِّلاء ونحوها، أي: فأنا كالمُهيِّئ لكم الحَوْض.
فيه أن الحَوض حقيقيٌّ مخلوقٌ موجودٌ اليوم.
(مفاتيح) جمع مِفْتاح، ورُوي: مفاتِح جمع مَفْتَح.
وفيه: معجزاته ﷺ : مُلك أمتِهِ خزائنَ الأرض، وعصمتُهم من أن يَرتدُّوا جميعًا، وأن التَّنافُس والتحاسُد وقَع بينهم بعد ذلك، وجَوازُ الحَلِف من غير استحلافٍ للتَّفخيم والتَّوكيد، وأسقَط (ك) (بابَ: دفْن الرجلَين والثلاثة في قبرٍ)، و (باب: مَن لم يرَ غُسل الشَّهيد)، لمَا سبق من شرح الحديث فيهما، وذكَر ما فيهما في الباب السَّابق إلا أنَّ قولَه: (كان يجمع) أنه إنَّ كان المُراد في كفَنٍ، فهو مستلزمٌ للجمْع في القبر، فهو دالٌّ على الترجمة كما لو أُريد به الجمْع في القبر؛ فإنه صريحٌ فيهما.
فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى رَجُلٍ قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ قَبْلَ صَاحِبِهِ، وَقَالَ جَابِرٌ: فَكُفِّنَ أَبِي وَعَمِّي فِي نَمِرَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، حدَّثني مَنْ سَمِعَ جَابِرًا ﵁.
(وأخبرنا الأَوْزَاعِيِ)؛ أي: قال عبد الله: وأخبرنا ... إلى آخره.
(نَمِرة) يجوز فيها الأوجُه في نظائرها، وهي بُرْدَةٌ من صوفٍ يلبَسُها الأعراب.
(أبي وعمي) قيل: هو تصحيفٌ، وقال الدِّمْيَاطِي: وهمٌ، لم يكن لجابر عمٌّ، وإنما المدفُون مع أبيه عَمْرو بن الجَمُوح الأنْصاري الخَزْرجي السُّلَمي، لكنْ يحتمل أنه أَطلَق أنه عمُّه مجازًا كما هو عادتهم، لا سيَّما وكان بينهما قَرابةٌ.
قال في "الاستِيعاب": كان عَمْرو على أخت عبد الله: هنْد بنت عَمْرو بن حَرَام.
قال (ن): كان عبد الله وعَمْرو صِهْرَين.
(سليمان) قال النَّسائي: ليس به بأسٌ إلا في الزُّهْرِي، واعلم أن الفَرْق بين هذه الطَّريق أن اللَّيث ذكَر عبد الرَّحمن واسطةً بين الزُّهْرِي وجابر، والأَوْزَاعِيُّ لم يذكُر الواسطة بينهما، وسُليمان ذكَر واسطةً مجهولًا.
* * *
الحديث الأول:
(عمرو)؛ أي: ابن دِيْنار.
(حفرته)؛ أي: قبْره.
(والله أعلم) جملةٌ معترضةٌ، أي: أَعلَم بسبِب الإلباس.
(كسا عباسًا)؛ أي: يومَ بدْرٍ.
(أبو هارون) هو موسى بن أبي عيسى الخيَّاط، قال الغَسَّانِي: لم يُذكر في الجامع إلا هنا.
(ابن عبد الله) اسمه أيضًا عبد الله، كان صالحًا مخلِصًا.
(صنع)؛ أي: ابن سَلُول من كِسْوته العبَّاس قَميصًا لمَّا أُسِر، ولم يكن قميص العباس إلا قميصَه، كما سبق بيانه في (باب القميص الذي يُكَفُّ).
* * *
١٣٥١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، أَخْبَرَناَ بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا حَضَرَ أُحُدٌ دَعَانِي أَبِي مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: مَا أُرَانِي إِلَّا مَقْتُولًا فِي أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَإنِّي لَا أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ غَيْرَ نَفْسِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَإِنَّ عَلَيَّ دَيْنًا فَاقْضِ، وَاسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْرًا، فَأَصْبَحْنَا فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ، وَدُفِنَ مَعَهُ آخَرُ فِي قَبْرٍ، ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أَتْرُكَهُ مَعَ الآخَرِ، فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَإِذَا هُوَ كَيَوْمَ وَضَعْتُهُ هُنَيَّةً غَيْرَ أُذُنِهِ.
стр. 2283
الحديث الثاني:
(استوص) من وصَى الشَّيء: إذا وصلَه، أي: أَطلُب الوَصْلَ بأخواتِك خيرًا.
(آخر) هو عَمْرو بن الجَمُوح كما سبق.
(هُنَيَّةً غير أُذُنِهِ) قال (ع): فيه قَلْبٌ، وصوابه: ما في نُسخة النَّسَفي: (غير هُنَيَةٍ في أُذُنِهِ)، بتقديم (غير)، ومعناه: غير أثَرٍ يسيرٍ في أُذُنه حصَل من التِصاقها بالأرض.
قال (ش): وكذا رواه ابن السَّكَن، أي: غير شيءٍ قليلٍ من أُذُنِهِ أسرعَ إليه البِلاءُ فتغيَّر، وهُنَيَّة: تصغير هَنَةٍ، وهو كنايةٌ عن الشيء الحقير، وسبق بيانه في (باب: ما يُقرأ بعد التَّكبير).
قال (ك): وفي بعضها: (هَيْئة)؛ أي: صورة.
* * *
١٣٥٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: دُفِنَ مَعَ أَبِي رَجُلٌ، فَلَمْ تَطِبْ نَفْسِي حَتَّى أَخْرَجْتُهُ فَجَعَلْتُهُ في قبرٍ عَلَى حِدَةٍ.
الحديث الثالث:
(رجل) قال (ك): هو عَمُّ جابِر، وهو عجيبٌ، فقد سبق له أنه تصحيفٌ أو وهمٌ، وأن الصَّواب أنه: عَمْرو بن الجَمُوح.
مستقبلَ مسجدِ رسول الله ﷺ .
(الحُلُم) بضمِّ اللام وسكونها.
(الأميين)؛ أي: العرب.
(فرفضه) بفاءٍ، ومعجمةٍ، أي: ترَك سُؤالَه أن يُسلِمَ؛ ليأْسه منه، ثم شرَع في سؤاله عمَّا يَرى، وفي بعضها: بصادٍ مهملةٍ، قيل: ضرَبه بالرِّجل؛ كرَفَس، وفي بعضها: (رَصَّه)، أي: ضغَطَه حتى ضمَّ بعضَه إلى بعضٍ، ومنه: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤].
(آمنت بالله ورسوله) مناسبةُ هذا الجواب لقَول ابن صَيَّاد: (أَتشْهد أنِّي رسول الله): أنَّه لمَّا أراد أن يُظهر للقَوم كذِبَه في دَعواه الرِّسالةَ أخرَج الكلام مَخرَج الإنصاف، أي: آمنتُ برُسُل الله، فإنْ كنتَ رسولًا صادِقًا غير مُلَبَّسِ عليك الأمرُ آمنتُ بك، وإنْ كنتَ كاذبًا وخُلِّط عليك الأمر فلا، ولكنَّكَ خُلِّط عليك الأمرُ فاخْسَأْ.
(صادق وكاذب)؛ أي: أرى الرُّؤيا رُبَّما تَصدُق، وربما تَكذِب.
(خلط) بتشديد اللام، ورُوي بتخفيفها.
(خبأت)؛ أي: في صَدْري.
(خبيئًا) بوزن فَعِيْلٍ، أي: لم يُطَّلَع عليه، ويُروى: (خَبْئةً)، وفي بعضها: (خَبْأً)، بوزن فَعْلٍ بمعنى المخْبوء أيضًا.
(الدُخُّ) بضمِّ الدَّال، وتشديد الخاء المعجمة: الدُّخان، وهو لغةٌ فيه، قال (ك): وفي بعض نُسَخ البخاري: قال أبو عبد الله: أراد أنْ
стр. 2288
يقول: الدُّخان فلَم يُمكنْه؛ لأنه كان في لِسانه شيءٌ، قيل له: فهو الدجال الأَكبر؟، قال: لا، وكان وُلِدَ له وكان يَهوديًّا، وكان حَجَّ أيضًا، انتهى.
وزعم بعضهم أنه أراد أنْ يقولَ فزَجَره النبيُّ ﷺ ، أو أن ابن صَيَّاد هابَه، فلم يستطِع أن يُخرج الكلمة تامةً.
قال (خ): لا معنى للدُّخان هنا؛ لأنه ليس مما يُخبَّأ في كُمٍّ أو (١) كَفٍّ، بل الدُّخُّ نبتٌ موجودٌ بين النُّخيلات، إلا أن يكون معنى خبأت: أضْمَرتُ لك اسم الدُّخان.
والمشهور أنه أضمَر له آيةَ الدُّخان وهي: ﴿فَارْتَقِبْ﴾ الآية [الدخان: ١٠]، وقيل كانتْ مكتوبةً في يده ﷺ ، ولم يَهتدِ ابن صَيَّادٍ منها إلا لهذا اللَّفظ النَّاقص على عادة الكهَنة، ولهذا قال له: لن تُجاوِزَ قَدْرَك، أي: وقَدْرَ أمثالك من الكُهَّان الذين يخطِفون من إلقائه كلمةً من جملةٍ كثيرةٍ مختلطةٍ صدقًا وكذبًا بخلاف الأنبياء، فإنه يُوحَى إليهم ما يُوحى من علْم الغَيب، وتحقيق الحقائق واضِحًا جَليًّا، فلمَّا كان بلَغه ما يدَّعيه أراد بُطلان حاله للصَّحابة، وإنما كان الذي جَرى على لسانه في الجواب شيئًا ألقَاه الشَّيطان إليه حين سَمع النبيَّ ﷺ يراجع به أصحابه.
قال (ش): وقيل: إنَّ الدَّجَّال يقتلُه عيسى بن مريم ﵇
стр. 2289
بجبَل الدُّخان، فيحتمل أن يكون أراد تَعريضًا بقَتْله؛ لأن ابن صَيَّاد كان يظُنُّ أنه الدَّجَّال.
(اخسأ) بهمزة وصلٍ، وسكون الهمزة في آخِره، أي: ابْعَدْ، مِن خَسِئَ الكلْبُ إذا أُبعِدَ، وهو خطابُ زجْرٍ واستهانةٍ، أي: أسكُتْ صاغِرًا مَطرُودًا.
(فلن تعدو)؛ أي: تُجاوِزَ، ويقال: يَعدُوَ بالياء، فيكون (قدرُك) مرفوعًا به.
قال (خ): يحتمل أن يراد: لا يَبلُغ قدْرُه وحيَ الأنبياء، ولا إلهامَ الأولياء، وأن يراد: أنه لم يسبق قَدَرُ الله فيه وفي أمره، وفي بعضها: (فلنْ تَعْدُ) بلا واوٍ، إما تخفيفًا، أو أنَّ (لن) بمعنى لا أو لم، وقال ابن مالك في "الشَّواهد": الجزْم بـ (لَنْ) لغةٌ حكاها الكِسائيُّ، وكذا قال (ط): أظنُّه على لغة قَومٍ يجزمون بـ (لن).
(إنَّ يَكُنُه) الوصْل لغةٌ، والفَصْل أرجحُ، فيُقال: كان إيَّاه.
قلتُ: وهو ما اختارَهُ ابن مالك في "التَّسْهيل" و"شرحه"، خلافًا لقوله في "الخُلاصة": واتصالًا اختار، وفي بعضها: (إنْ يَكُنْ هو)، فإمَّا أن يكون هو تأْكيدًا للضَّمير المستَتِر، و (كان) تامَّةٌ، أو وُضع هو مَوضع إيَّاه، أو الخبر محذوفٌ، أي: أن يكون هو داخلًا.
(يختل) بسكون المعجمة، وكسر المثنَّاة فوق، أي: يَستَغفِلُ ابن صَيَّاد ليَسمَع شيئًا من كلامه الذي يقُوله في خَلْوته، ويعلَم هو والصَّحابةُ حالَه في أنه كاهنٌ ونحوه.
стр. 2290
(قطيفة)؛ أي: كِسَاءٌ له خَمَل.
(رَمْزَةٌ) براءٍ مفتوحةٍ، وميمٍ ساكنةٍ، ثم زاي: فَعْلَةٌ، وهو بالإشارة.
(أو زمرة) بتَقديم الزَّاي: فَعْلَةٌ من المزْمار.
(يا صاف) بالمهملة، والفاء المضمومة، والمكسورة؛ لأنَّه مُرخَّمُ: يا صَافِي، والسَّاكنة للوقْف.
(فثار)؛ أي: نهَضَ من مَضجَعه، و (بَيَّنَ)؛ أي: ما عندَه وما في نفْسه، قيل: معناه: لو تَركه بحيث لا يَعرف قُدوم النبيِّ ﷺ ، ولم يَندهشْ عنه بيَّن لكم باختلاف كلامه ما يُهوِّن عليكم شأْنَه.
قال (خ): فإن قيل: لِمَ لم يَترك ﷺ عُمر يَضْرب عنُقه مع أنه ادَّعَى النبوَّة بحضرته؟، فالجواب: أنه كان غير بالِغٍ، أو كان في أيام مُهادَنة اليهود وحُلَفائهم حين كتَب ﷺ عند قُدومه المدينةَ كتاب الصُّلح على أن يُتركوا على أمرهم.
(وقال شعيب) وصلَه البخاريُّ في (الأدب)، ووصلَ أيضًا رواية عُقَيْل عن الزُّهْرِي في (الجهاد).
(رمرمة) هو بمهملتين: الحرَكَة، وهنا الصَّوت الخَفِيُّ، وكذلك الزَّمْرة بالزَّاي كما قاله (ط).
(رفضه): ضغَطَه.
(وقال إسحاق الكلبي) وصلَه الذُّهْلي.
стр. 2291
(وقال مَعْمر) وصلَه البخاري في (الجهاد).
قال العُلماء: قِصَّة ابن صَيَّاد في كونه الدَّجَّال أوَّلًا مشكلةٌ، وأَمْره مشتبِهٌ، ولا شكَّ أنه دجَّالٌ من الدَّجاجِلة، ولذلك كان النبيُّ ﷺ لا يقطَع بأنه الدَّجَّال ولا غيره، فلهذا قال: (إنْ يكون هو)، قال البَيْهَقِي: يحتمل أنه كان كالمتوقِّف فيه، ثم جاءَه البَيان بأنه غيره كما صرَّح به في حديث تَميْمٍ الدَّارِي.
وفي الحديث كشْفُ حال من يُخاف مفسدتُه، وحال الأُمور المهمَّة.
* * *
١٣٥٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ وَهْوَ ابْنُ زيدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ: "أَسْلِمْ"، فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهْوَ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِم، ﷺ ، فَاَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهْوَ يَقُولُ: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ".
الحديث الثاني:
(غلام يهودي) قال ابن بَشْكُوال: اسمه عبد القُدُّوس، وقد سبق شرح الحديث قريبًا.
* * *
﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ الآيَةَ.
الرابع:
(لغية)؛ أي: لأجل غَيَّةٍ بفتح الغَين المعجمة: مُفرد الغَيِّ ضِدُّ الرَّشَد، وحَكى ابن دُرَيْد كسرها، وهو أعمُّ من الكُفر وغيره، يقال لولَد الزِّنا: ولَد الغَيَّة، ولغيره: ولَد الرَّشَدة، فالمراد منه وإنْ كان المولودُ لكافرةٍ أو لزانيةٍ.
(يدعى) جملةٌ حاليةٌ.
(استهل) صاحَ عند الوِلادة.
(صارخًا) حالٌ مؤكِّدةٌ مِن فاعِل (استَهَلَّ).
(سقط) بكسر السين، وضمها، وفتحها: الجَنِيْن يسقُط قبل تمامه.
(من مولود)، (مِن) زائدةٌ في المبتدأ.
(يولد) الخبَر.
(الفطرة) الخِلْقة، والمراد الدِّين، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ الآية [الروم: ٣٠]، قال في "الكَشَّاف": فِطْرةَ منصوبٌ بـ (الْزَموا) مُقدَّرًا، أي: خلقَهم قائلين للتَّوحيد، ودين الإسلام؛ لكونه على مُقتضى العقْل والنَّظَر الصَّحيح، حتى لو تُرِكوا وطباعَهم لمَا اختاروا عليه دينًا.
قلتُ: ولا يخفى ما فيه من نَزْعةٌ اعتزاليةٌ.
وقال (ن): هي ما أُخِذَ عليهم وهم في أصْلاب آبائهم، أي: يومَ
стр. 2294
قالَ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢].
وقال محمَّد بن الحسَن: كان في أوَّل الإسلام، فلما فُرضت الفَرائض علم أنه يُولد على دينهما، ولهذا يَرث من الأبَوين الكافرين.
وقال ابن المبارك: يولد على ما يَصير إليه من سعادةٍ أو شقاوةٍ، وهي معرفة الله، فليس أحدٌ يُولد إلا وهو يعلم انَّ له صانعًا، وإن سماه بغير اسمه، أو عَبَد معه غيره.
والأصح أنَّها تَهيُّؤُه للإسلام، فمن كان أحدُ أبوَيه مسلمًا استمرَّ عليه في أحكام الآخرة والدنيا، ولا يجري عليه حكمها في الدُّنيا، فمعنى قوله: (يهودانه ...) إلى آخره، يُحكَم له بحُكمها في الدُّنيا، فإنْ سبقَت له سعادةٌ أسلَم، وإلا ماتَ كافرًا، فإنْ مات قبل بُلوغه، فالصَّحيح أنه من أهل الجنَّة، انتهى.
وقيل: لا عِبْرة بالإيمان الفِطْري في أحكام الدنيا، بل الإيمان الشَّرعي المكتسَب بالإرادة والفعل، فطِفلُ اليهوديين مع وُجود الإيمان الفِطْري محكومٌ بكُفره في الدُّنيا تبَعًا لوالدَيه، فإن قيل: الضَّمير في (أبواه) عائدٌ إلى كل مولودٍ فتقتضي أن كُلًّا يُهودُه أو ينصِّرُه أو يمجِّسُه أبواه، ولكن من يُسلِم خارجٌ من ذلك؛ فإنه باقٍ على فِطْرة الإسلام؟، قيل: المراد أن الضَّلالة ليستْ من ذات المولود وطبْعه، بل لخارجٍ يوجد حيث لم يُسلِم ويَنتفي إذا أسلَم.
(كما تُنْتَج) بضمِّ أوَّله، وفتْح ثالثه، مبنيٌّ للمفعول، من قولهم: نُتِجَت الناقةُ نِتاجًا، ومحل الجارِّ والمجرور نصبٌ على الحال، أي:
стр. 2295
حال كَونه شَبيهًا بالبَهيمة التي جدَعتْ بعد سلامتها، أو صفةٌ لمصدرٍ لمحذوفٍ، أي: يُصيِّرانه تغييرًا مثل تَغيير البَهيمة السَّليمة، والأفعال الثَّلاثة تَنازعَتْ في (كما) على التَّقديرين، وظاهر كلام (ك) أنَّ ذلك كلَّه في نفْس الكاف، أي: على أنه اسمٌ، وهو محتملٌ.
(بهيمة) مفعولٌ ثانٍ لقوله: (نُتِج).
(جمعاء) نعتٌ له، أي: تامَّةَ الأَعضاء غيرَ ناقصة الأطراف، أي: لاجتماع السَّلامة.
(هل تحسون) بضمِّ أوله، [وكسر ثانيه: مِن أحَسَّ، وهو الأكثر، وقد يقال: حَسَّ بمعناه، أي: فقولا فيها ذلك، فهو صفةٌ، أو حالٌ] (١).
(جدعاء)؛ أي: التي قُطعت أذُنها أو أنفها، أو مقطوعةُ الأطراف، هو بفتح الجيم، والمدِّ، والحاصل أنه ضرَبَ الجَمْعاء يطرأُ عليها الجدَع للمولود يُولَد على الفِطْرة، وتهيُّئه لقَبول الحقِّ، ثم يَطرأ عليه الضَّلال بعد ذلك بإرادة الله له ذلك أولًا وآخِرًا.
* * *
١٣٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَناَ عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَناَ يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ، وَيَعُودَانِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كلَّمَهُمْ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَمَا وَاللهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ"، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ: ﴿مَا كاَنَ لِلنَّبِيِّ﴾ الآيَةَ.
(إسحاق)؛ أي: ابن مَنْصُور، أو ابن رَاهَوَيْهِ، ولا قَدْحَ بذلك؛ لأن كُلًّا منهما بشَرْطه.
(عن أبيه)؛ أي: المُسَيَّب بن حَزْن -بفتْح المهملة، وبالزاي-.
وفي الإسناد طَريقتان، رواية الأكابِر عن الأَصاغر، وثلاثةٌ تابعيُّون بعضُهم عن بعضٍ.
(حضرت)؛ أي: حضَرتْ علاماتُ وفاته، أي: قبْلَ النَّزْع، وإلا لمَا كان يَنفعُه الإيمان، ولهذا كان يُحاورُهم.
(أبا طالب) اسمه: عبد مَنَافٍ.
(أبا جهل) اسمه: عَمْرو.
(ابن أبي أُمية) بضمِّ الهمزة: هو أَخُو أُمِّ سلَمة، كان شَديد العَداوة للنبيِّ ﷺ ، والبِغْضة له، ثم أسلَم عام الفتْح وحَسُن إسلامُه، ورُمي يوم الطَّائف بسهمٍ فمات منه.
(أي عم)؛ أي: يا عَمُّ.
(كلمة) نصبٌ على البدَل، أو على الاختصاص.
стр. 2298
(أشهد) صفةٌ للحكمة.
(يعرضها) بكسر الراء.
(آخر)؛ أي: في آخِر.
(هو) إما لفظُ أبي طالب يُريد نفسَه، أو لفظ الراوي عنه، ولم يَحكِ كلامَه بعينه لقُبحه، وهو من التَّصرُّف الحسَن.
(أما) حرف تَنْبيهٍ، وقيل: بمعنى: حقًّا.
(ما كان)؛ أي: ما يَنبغي لهم، وهو بمعنى النَّهي فيه الحَلِف بلا استحلاف توكيدًا للعَزْم على الاستِغفار، وتَطييبًا لنفْس أبي طالب، وأنه لم يَمُتْ على الإسلام، وكانتْ وفاته قبلَ الهجرة بقليلٍ.
قال (ن): في اتفاق "الصَّحيحين" عليه من حديث سَعيد، عن أبيه، ولم يَروِ عنه إلا ابنُه = ردٌّ لقول الحاكم: إنَّهما لا يُخرِجان عن أحدٍ لم يَروِ عنه غيرُ واحدٍ إلا أن يكون أَراد من غير الصَّحابة.
٨١ - بابُ الْجَرِيدِ عَلَى الْقَبْرِ
وَأَوْصَى بُرَيْدَةُ الأَسْلَمِيُّ أَنْ يُجْعَلَ فِي قَبْرِهِ جَرِيدَانِ، وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ فُسطَاطًا عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَحْمَنِ فَقَالَ: انْزِعْهُ يَا غُلَامُ، فَإنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ، وَقَالَ خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ: رَأَيْتُنِي وَنَحْنُ شُبَّانٌ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ ﵁،
стр. 2299
وَإِنَّ أَشَدَّنَا وَثْبَةً الَّذِي يَثِبُ قَبْرَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ حَتَّى يُجَاوِزَهُ، وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ: أَخَذَ بِيَدِي خَارِجَةُ فَأَجْلَسَنِي عَلَى قَبْرٍ، وَأَخْبَرَنِي عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: إِنَّمَا كُرِهَ ذَلِكَ لِمَنْ أَحْدَثَ عَلَيْهِ، وَقَالَ ناَفِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَجْلِسُ عَلَى الْقُبُورِ.
(باب الجَرِيْد على القَبْر)
هو الذي جُرِّدَ عنه الخُوص.
(فسطاطًا) بضمِّ الفاء وكسرها، وبالطَّاء، والتاء مكانَها، وبالسِّين من غير طاءٍ ولا تاءٍ: هو الخِبَاء من شَعْرٍ ونحوه، وأصله عَمود الخِبَاء الذي يقُوم عليه.
(عبد الرحمن) هو ابن سَعيد بن زيد الذي سبَق في أوَّل (الجنائز) أنه حَنْظَلة.
(رأيتني) بضمِّ التاء، وسبق أن كَون الفاعل والمفعول ضَميرَي واحدٍ من خصائص أفعال القُلوب.
(مظعون) بإعجام الظَّاء، وإهمال العين.
(خارجة) بمعجمةٍ، وراءٍ، وجيمٍ، هو ابن زَيد بن ثَابِت.
(يزيد) هو ابن ثابت أخو زَيد، قُتِلَ يوم اليَمَامَة، ويقال: إنه بَدْريٌّ، قال بعضهم: هذا وهْمٌ؛ لأن خارجَة مات سنة مئةٍ، وهو ابنُ سبعين سنةً.
стр. 2300
قال ابن عبد البَرِّ: رَوى عنه خارِجَة، ولا أحسِبُه سَمِعَ منه.
قال (ك): لفظة: (عن عمِّه)، لا يستلزم سماعَه منه، فلعلَّه روى عنه مُرسَلًا.
(لمن أحدث) قال (ط): التَّأْويل به بعيدٌ؛ لأن الحديث على القَبْر أقْبَحُ من أن يُكره، إنما يُكره الجُلوس المُتَعارَف.
* * *
١٣٦١ - حَدَّثَنا يَحْيَى، حَدَّثَنا أَبو مُعَاوِيَةَ، عنِ الأَعْمَشِ، عنْ مُجَاهِدٍ، عنْ طَاوُسٍ، عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عنِ النبي ﷺ أنه مَرَّ بِقَبْرَينِ يُعَذَّبَانِ، فَقَالَ: "إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ"، ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنِ، ثُمَّ غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ فَقَالَ: "لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا".
(يحيى) قال الغَسَّاني: قال ابن السَّكَن: هو يحيى بن مُوسَى، وهو ظاهر كلام الكَلابَاذِي أيضًا.
(لعله) بمعنى عَسَى، فلهذا استُعمل استعماله في اقترانه بـ (أَن)، وإنْ كان الغالبُ في (لعلَّ) التجرُّد.
(يخفف)؛ أي: العذاب، وسبق شرح الحديث في (باب: من
стр. 2301
الكبائر أن لا يَستَتِرَ من بَوله)، إلا أنَّ هنا عن مجاهدٍ، عن ابن عبَّاس، وهناك عن مجاهدٍ، عن طاوس، عن ابن عبَّاس، وذلك صحيحٌ؛ لأن مجاهدًا يروي عنهما.
قال (ط): خصَّ به الجَريد بالغَرْز؛ لأن النَّخلة أَطْول الثِّمار بقاءً، فيَطول مدَّة التَّخفيف، وهي شجرةٌ شبهَّهَا النبيُّ ﷺ بالمُؤمن، وقيل: إنها خُلِقَت من فَضْل طِيْنة آدم.
٨٢ - بابُ مَوْعِظَةِ الْمُحَدِّثِ عِنْدَ الْقَبْرِ، وَقُعُودِ أَصْحَابِهِ حَوْلَهُ
﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾، الأَجْدَاثُ الْقُبُورُ، ﴿بُعْثِرَتْ﴾ أُثِيرَتْ، بَعْثَرْتُ حَوْضِي؛ أَيْ: جَعَلْتُ أَسْفَلَهُ أَعْلَاهُ، الإيفَاضُ الإِسْرَاعُ، وَقَرَأَ الأَعْمَشُ: ﴿إِلَى نَصْبٍ﴾ إِلَى شَيْءٍ مَنْصُوبٍ يَسْتَبِقُونَ إِلَيْهِ، وَالنُّصْبُ وَاحِدٌ وَالنَّصْبُ مَصْدَرٌ يَوْمُ الْخُرُوج مِنَ الْقُبُورِ، ﴿يَنسِلُونَ﴾ يَخْرُجُونَ.
(باب مَوعِظَة المُحدِّث عندَ القَبْر)
(الأجداث) جمع جَدَث، بفتح الدال المُهملة.
(بعثرت)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار: ٤].
(أثيرت) بالمثلَّثة.
(الإيفاض)؛ أي: من قوله تعالى: ﴿يُوفِضُونَ﴾ [المعارج: ٤٣].
(بقيع) بفتح الموحَّدة.
(الغَرْقَد) بفتح المُعجَمة، وسُكون الرَّاء، وفتح القاف: ما عَظُمَ من شجَرِ العَوْسَج كان في البَقِيعْ، وهو مَدفَن أهل المدينة.
(مِخْصَرة) بكسر الميم، وسكون المعجَمة، وفتح المُهملَة، وبالرَّاء: كلُّ ما اختَصَره الإنسان بيَده فأَمسكَه، من عَصا ونحوه، وكانت المُلوك تتخصَّر بقُضْبان.
(نكس) بتخفيف الكاف وتشديدها، لُغَتان، أي: خفَض رأْسَه وطَأْطأَه إلى الأرض على هيئة المَهموم المُفكر، ويحتمل تَنْكيس المِخْصَرة.
(ينكتُ)؛ أي: يَضرِب بها الأرض، فيُؤثِّر فيها.
(منفوسة)؛ أي: مَصنوعةٍ مَخلوقةٍ.
(مكانها) بالرَّفع.
(والنار) الواو بمعنى (أو).
(وإلا) في بعضها بلا واو.
(شقية أو سعيدة) بالرفْع، أي: هي شَقيةٌ، أو سعيدٌ، ويُروى بنَصبهما.
قال (ك): هذا نوعٌ من الكلام غريبٌ، يحتمل أن يكون: (ما مِن نفْسٍ) بدل (منكم)، و (إلا) ثانيًا بدلُ (إلا) أوَّلًا، وأن يكون من باب
стр. 2304
اللَّفِّ والنَّشْر، وأن يكون تَعميمًا بعد تخصيصٍ، أو الثاني في كلِّ منهما أعمُّ من الأوَّل.
(فقال رجل) هو عليٌّ كما ذكره البخاري في (التَّفسير).
(نتكل)؛ أي: نَعتمد، وأصلُه: نُوتَكِلُ فأُدغم بعد القلْب.
(على كتابنا)؛ أي: ما كُتِب علينا وقُدِّر.
(فسيصير)؛ أي: يُجريه القضاء إليه، ويكون ماَلُ حاله ذلك بدون اختياره.
(فييسرون)؛ جَمَع الضَّمير باعتبار معنى الأَهل، ووجْهُ مطابقة الجواب: أنه لمَّا قال: ترك العمل الذي فيه المشقَّة، فإن المُقَدَّر لا بُدَّ منه؛ قال: إذا يسَّر الله فلا مشقَّةَ، فهو يسيرٌ على من يسَّره الله عليه.
وقال الطِّيْبِي: الجواب من أُسلوب الحكيم؛ فإنه منعَهم من الاتِّكال، وتَرْك العمل، وأمرَهم بالتِزام ما يجب على العبد من العُبودية، أي: إيَّاكم والتصرُّفَ في الأُمور الإلهية، فلا تجعلوا العبادة وتركَها سببًا مستقِلًا لدُخول الجنة والنار، بل إنها علاماتٌ لها فقط.
وقال (خ): لمَّا أَخبَر ﷺ عن سَبْق الكتاب رامَ القومُ أن يتخذوه حُجَّةً في ترْك العمل؛ فأعلَمَهم أن هنا أمرَين لا يُبطِلُ أحدُهما الآخرَ: باطنٌ هو العِلَّة الموجِبة في حُكم الرُّبوبية، وظاهره السِّمة اللازمة في
стр. 2305
حقِّ العُبودية، فهو أمارةٌ، وتبيَّن لهم أن كُلًّا مُيسَّرٌ لما خُلِقَ له، وأن عمَله في العاجل دليلٌ لما في الآجِل، فلذلك تَمثَّل بآية: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ [الليل: ٥]، ونظيره الرِّزق المَقسوم مع الأَمْر بالكَسْب، والأجَل المضْروب مع الطِّبِّ، فالباطن على موجبه، والظاهر سببٌ مخيل، ولم يُترك الظاهر للباطن.
قال (ك): فالمدْح والذمُّ، والثَّواب والعقاب باعتبار المَحلِّية لا باعتبار الفاعليَّة، وهو المراد بالكسْب المَشهور عن الأشاعرة.
قال (ن): في الحديث إثبات القَدَر في جميع الواقِعات: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، وأنَّ سِرَّ القدَر ينكشف بدخول الجنة والنار، لا قَبْلَ ذلك.
* * *
٨٣ - بابُ مَا جَاءَ فِي قَاتِلِ النَّفْسِ
(باب ما جاءَ في قاتِل النَّفْس)
١٣٦٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلَامِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا فَهُوَ كمَا قَالَ، وَمَنْ قتلَ نَفْسَهُ
стр. 2306
بِحَدِيدَةٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ".
الحديث الأول:
(فهو كما قال)؛ أي: يكون على غير مِلَّةِ الإسلام، وهذا على ظاهره إنَّ قَصَدَه إذا وقَع المَحلُوف عليه؛ لأنَّ مُريد الكفر كافرٌ، وإلا فلا، فإنْ قصَد البُعد عن ذلك كبُعده من هذا فيكون هذا اللَّفظ من الزَّجْر والتَّغليظ في كونه لا يتلفَّظ به، فلو قال: إنْ فعَل كذا فهو يهوديٌّ لم تنعقد يمينه، بل عليه أن يستغفر الله، ويقول: لا إلله إلا الله، والكفَّارة سواءٌ فعلَه أو لا، عزَاه (ك) إلى (ن)، وهو قُصورٌ، ثم قال: فيه مجالٌ للمُناقشة؛ لقول الفُقهاء: لو علَّق تَرك الإسلام بمثْل دُخول زيدٍ يَكفُر في الحال.
قلتُ: هذا عجيبٌ، فإنَّ مَوضع المسألة حيثُ لم يقصد تعليقَه الكُفر به لا سيَّما وقد ورَد الحديث الصَّحيح صريحًا في ذلك.
(بها)؛ أي: بالحَديدة، ففيه أن الجزاءَ من جِنْس العمَل.
* * *
١٣٦٤ - وَقَالَ حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا جُنْدَبٌ ﵁ فِي هَذَا الْمَسْجدِ فَمَا نَسِينَا، وَمَا نَخَافُ أَنْ يَكْذِبَ جُنْدَبٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: كان بِرَجلٍ جِرَاحٌ قَتَلَ نَفسَهُ، فقالَ اللهُ: بَدَرَني عَبْدِي بِنَفسِهِ، حرَّمْتُ عَلَيهِ الجَنَّةَ.
стр. 2307
الحديث الثاني:
(وقال حجاج) وصلَه البخاري بأتمَّ من ذلك في (باب: ذكْر بني إسرائيل) فقال: (حدثنا محمد، ثنا حجَّاج).
(هذا المسجد) الظاهر أنه مسجد البَصْرة، وذِكْره، وذِكْر عدَم النِّسيان، والخوف؛ للتأْكيد والتخفيف.
(جِراح) بكسر الجيم، وفي بعضها بضمِّ المعجَمة، وتخفيف الرَّاء: ما يَخرج في البدَن من القُروح.
(فقتل نفسه)؛ أي: بسبَب فعْله في الجِراح، والجملة صفةٌ، وفي بعضها: (فقُتل).
(بدرني)؛ أي: لم يَصبِر حتى أَقبضَ رُوحَه، بل استعجَل وأراد أن يموت قبل الأجَل.
(حرمت عليه) مُؤَوَّل بالمُستحِلِّ، أو حرَّمها عليه قبل أن يُعذِّبه بالكبيرة، أو حرَّم عليه جنةً خاصةً؛ لأن الجنان كثيرةٌ، أو هو من باب التَّغليظ، أو أن هذا جزاؤُه، وقد يُعفى عنه، أو هو مقدَّرٌ بمشيئة الله.
قلت: الأخير لا يُخلِّص في الجواب عن كون العاصي المؤمن لا بُدَّ له من الجنَّة.
стр. 2308
١٣٦٥ - حدثنا أبو اليمانِ، أخْبَرنا شُعيبٌ، حَدَّثنا أبو الزِّنادِ، عنِ الأَعرَجِ، عنِ أبي هُرَيرَةَ ﵁، قالَ: قالَ النَّبيُّ ﷺ : "الذي يَخْنُقُ نَفسَهُ يَخنُقُهَا في النَّارِ وَالَّذِي يَطْعُنُهَا يَطْعُنُهَا فِي النَّارِ".
الحديث الثالث:
(يخنق) بضمِّ النُّون.
(يطعنها) بفتح العين وضمها.
* * *
٨٤ - بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ وَالاِستِغْفَارِ لِلْمُشْرِكيِنَ
رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(باب ما يُكره من الصَّلاة على المُنافِقين)
(رواه ابن عُمر) إشارةٌ إلى ما وصلَه في (الجنائز) في قصة عبد الله ابن سَلُول، فالعجيب من قول (ك) أنه إنما جزَم به، ولم يذكُر إسناده، إما لأنه لم يكن الرَّاوي بشرطه، أو لأنه ذكَره في موضعٍ آخر.
* * *
١٣٦٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ
٨٥ - بابُ ثَنَاءِ النَّاسِ عَلَى الْمَيِّتِ
(باب ثَناء النَّاس على الميِّت)
١٣٦٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنس بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَجَبَتْ"، ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا فَقَالَ: "وَجَبَتْ"، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: ما وَجَبَتْ؟ قَالَ: "هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الأَرْضِ".
الحديث الأول:
(مر) في بعضها: (مرُّوا)، قال (ك): بضمِّ الميم، وفتحها. وفيه نظَرٌ.
(فأثنوا) بتقديم المثلَّثة أكثَر ما يُستعمل في الخَيْر، وقد يُستعمل في الشَّرِّ، كما في هذا الحديث من ذلك، إنما هو للمُقابَلة والتَّشاكُل، مثل: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ﴾ [الشورى: ٤٠]، أما النَّثا بتقديم النُون، والقَصْر ففي الشَّرِّ خاصةً.
* * *
стр. 2311
١٣٦٨ - حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا داوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ، فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، فَمَرَّتْ بِهِمْ جَنَازَةٌ، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا شَرًّا، فَقَالَ: وَجَبَتْ، فَقَالَ أَبُو الأَسْوَدِ: فَقُلْتُ: وَمَا وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: قُلْتُ: كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ"، فَقُلْنَا: وَثَلَاثةٌ؟ قَالَ: "وَثَلَاثةٌ"، فَقُلْنَا: وَاثْنَانِ؟ قَالَ: "وَاثْنَانِ"، ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الْوَاحِدِ.
الحديث الثاني:
(حدثنا عفان) قلتُ: في بعض الرِّوايات: (وقال عَفَّان) ولا يكون بذلك تعليقًا.
(أُثني)؛ أي: بالبناء للمفعول.
(على صاحبها خيرًا) برفع (خيْر) نائبًا عن الفاعل، وفي بعضها: (خيرًا) بالنَّصب.
قال (ط): أقام الجارَّ والمجرور مُقام المفعول الأوَّل، وخيْرًا: مقام الثَّاني، والاختيار عكسه، ولعلَّه لغة قَومٍ، وقال ابن مالك: (خيرًا) صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ، وأُقيمت مقامه، فنُصبت؛ لأن (أثنى) مستندٌ إلى الجارِّ والمجرور، والتَّفاوت بين الإسناد إلى المصْدر، والإسناد إلى الجارِّ
стр. 2312
والمجرور قليلٌ، وقال (ن): نُصِبَ (خيرًا) بإسقاط الجارِّ، أي: بخيرٍ.
قال: ويقَع في بعض أصول "مسلم": (خيرٌ) بالرفع، وقال غيره: هو على قراءة: ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الجاثية: ١٤]، أي: حتى يكون النَّائب عن الفاعل ضميرَ المصدر، أو غير ذلك.
(وجبت) قال (ن): كذا رواه البخاري مرَّةً، ورواه مسلم عن ابن عُلَيَّة، عن عبد العَزيز ثلاث مرَّاتٍ.
قال (ط): في تأويل الحديث قَولان للعلماء:
أحدهما: أن هذا الثَّناء لمن أثْنى عليه أهل الفَضْل، فكان ثَناؤُهم مطابِقًا لأفعاله من أهل الجنة، وإلا فلا.
والثاني: وهو المُختار: أنه على عُمومه: أنَّ كلَّ مسلمٍ ماتَ وألْهَم الله النَّاسَ الثناءَ عليه كان ذلك دَليلًا على أنه مِن أهل الجنَّةِ سَواءٌ كانتْ أفعالُه تَقتضي ذلك أو لا؛ لأن الله يَفعلُ ما يشاء، فيُستَدلُّ على مَغفرة الله له بالثَّناء من عِباده.
(ما وجبت)، (ما) استفهاميةٌ، والمراد بالوُجوب هنا الثُّبوت؛ لأن الله -تعالى- لا يجب عليه شيءٌ.
(كما قال)؛ أي: قوله ﷺ : (أيُّما مُسلِمٍ)، فيكون مرفوعًا، أو ما ذكَره أنَس في الحديث السَّابق، فيكون موقوفًا على عُمر، ويحتمل إرادتَهما معًا، ولكن الظاهر الأوَّل، نعَمْ، ترك الشِّق الثاني، وهو الثَّناء بالشر، إما قياسًا على الخير، أو اختصارًا.
* * *
مَرْثَدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أُقْعِدَ الْمُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ أُتِيَ، ثُمَّ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ ".
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بِهَذَا وَزَادَ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ.
الحديث الأول:
(مَرْثَد) بفتح الميم، والمثلثة.
(أُتي) بضمَّ الهمزة، أي: حالَ كونه مأْتيًّا إليه، أي: أَتاه مُنكَرٌ ونَكِيْر.
(بالقول الثابت) هو كلمة التَّوحيد؛ لأنها راسخةٌ في قلْب المؤمن، فلا يُزالون عنها لا في الدُّنيا ولا في الآخرة، فإذا سُئلوا في القبْر لَم يتوقَّفوا في الجَواب، فإنْ قيل: فإذا كان كذلك فلا تعذيبَ للمُؤمن في القبر، فما معنى أنها نزَلتْ في عذاب القبْر؟، قيل: لعلَّه سمى ما يكون من أحوال القبْر عَذابًا بالمُلاقاة للملَكين والوَحْشة ونحو ذلك، أو ذُكر تَهويلًا؛ لأن في القبْر العذاب للكافر.
قلتُ: لا امتناعَ من تعذيب المؤمن في القبر لمَا يَليق به مما يُريده الله تعالى إلا أن يَعفوَ عنه.
* * *
стр. 2315
١٣٧٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي ناَفِعٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ قَالَ: اطَّلَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَهْلِ الْقَلِيبِ فَقَالَ: "وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُكُمْ حَقًّا؟ "، فَقِيلَ لَهُ: تَدْعُو أَمْوَاتًا؟ فَقَالَ: "مَا أَنتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ، وَلَكِنْ لَا يُجِيبُونَ".
الحديث الثاني:
(القَلِيب)؛ أي: قَلِيب بدْرٍ، وأصله البِئْر.
(لا يجيبون)؛ أي: لا يَقدِرون على الجواب، ففيه أن في القبْر حياةٌ يصلُح فيها أنْ يُعذَّب.
* * *
١٣٧١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ الآنَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ حَقٌّ، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوَتْى﴾ ".
الثالث:
(إنما قال) مرادُها ما كانت تذهب إليه أنَّ أهل القبور يعلمون ما سمعوا قبل الموت، ولا يسمعون بعد الموت، وكأن حديث: (ما أَنتُم بأَسْمعَ منْهم) لم يَثبُت عندها، وقد ذكر البخاري في (غَزوة بدْر): (قال قَتادة: أَحياهُم اللهُ حتَّى أَسمعَهم قَولَه تَوبيخًا ونِقْمةً)؛ فإما