← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18103

اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح

شمس الدين البرماوي

Полный текст (8 898 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٢٤ - كِتابُ الزَّكَاةِ ١ - باب وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ ﵁، فَذَكَرَ حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَأْمُرُناَ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّلَةِ وَالْعَفَافِ. (كتاب الزَّكاة) هي لغةً: النَّماء، والتَّطهير، فالمال يُنمَّى بها من حيث لا يُرى، أو ينمِّي أجرَها عند الله، وهي مُطهِّرةٌ لمؤدِّيها من الذُّنوب، وهي مشتركةٌ بين العين المُخرَجة وبين المعنَى، وهو الإخراج، وتسمَّى صدقةً لتَصديق صاحبها في صِحَّة إيمانه. والغرَض بها المواساة، ومحلُّها مالٌ له بالٌ، وهو النِّصاب يُتوقَّع نماؤه، وذلك: النَّعَم، والذَّهب، والفِضَّة، والمُقتات من النَّبات، والقِيم في التِّجارة، وأكثَر المُخرَج فيها زكاة الرِّكَاز، ففيه الخُمُس، ثم

стр. 2347

النَّبات ففيه العُشْر أو نصفُه، ثم الذَّهب والفِضَّة عَينًا وقِيمةً، وهو ربُع العُشر، ثم ما لا ضَبْط له بجزئيَّته وهو المَواشي. (قال ابن عباس) سبَق وصْلُ البخاريِّ له في (باب بَدْء الوَحْي)، وسبق شرحه، وسيأتي في (التَّفسير) بهذه الزيادة. * * * ١٣٩٥ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صيْفِي، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا ﵁ إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: "ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ، وَأنِّي رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ". الحديث الأول: (فرض عليهم صدقة) قال (ك): إنْ قيل: توقُّف الصلاة على الشَّهادتين ظاهر؛ لأن الصلاة لا تصحُّ إلا بعد الإسلام، فما وجْهُ توقُّف الزَّكاة على الصلاة مع استوائهما في كونهما رُكنَين من الإسلام، وفَرعين من الدِّين؟ قال (خ): أخَّر ذكْرَ الصدقة؛ لأنها إنما تجب على قومٍ من النَّاس، وبمضيِّ حولٍ على المال، انتهى.

стр. 2348

ولكنْ ما نقلَه عن (خ) لا يُلاقي السُّؤال، ولا يحصُل به جوابه، وللنَّاس أجوبةٌ عن هذا، أحسنُها أن المعنى: فإنْ أطاعوا باعتِقاد الصَّلاة فَرْضًا، فاذكُر لهم الزَّكاة، والغرَض بذلك التدرُّج، حتى لا يَنفِروا من كثْرتها لو جُمِعت. (من أغنيائهم) يشمل الصَّغير، فتجب الزَّكاة في ماله، ويتعلَّق به من يَرى الدَّين مانِعًا من وجوب الزَّكاة من حيثُ إنَّ ما معه مُستحَقٌّ للوفاء، فكأنه لا مالَ له. قلت: وجوابه أنه غنيٌّ باعتبار المال الحاضِر، ورجاءِ نمائه، وليس متعيِّنًا لإخراجه من يَدِه في الدَّين. (في فقرائهم) فيه منْع نَقْل الزَّكاة عن بلَد المال، وإنما اقتَصر على الفُقراء ومستَحِقُّ الزكاة أصنافٌ أُخرى لمُقابَلة الأغنياء؛ لأن الفُقراء هم الأغلب، والإضافة تَقتضي منْعَ صرْف الزَّكاة لكافرٍ. وإنما لم يَذكُر في هذا الحديث الصَّوم والحجَّ؛ لأن اهتمام الشَّرع بالصلاة والزكاة أكثر، ولهذا كُرِّرا في القُرآن كثيرًا، وأيضًا فإن الصَّوم قد يسقُط بالفِدْية، والحجَّ بفعل الغير في المعضوب، أو أن الحج لم يكن شُرع. * * * ١٣٩٦ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ ابْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ﵁ أَنَّ

стр. 2349

رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَخْبِرْني بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، قَالَ: "مَا لَهُ مَا لَهُ"، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَرَبٌ مَالَهُ، تَعْبُدُ اللهَ، وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ". وَقَالَ بَهْزٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ، وَأَبُوهُ عُثْمَانُ ابْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنَّهُّمَا سَمِعَا مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي أَيُوبَ بِهَذَا. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: أَخْشَى أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ غَيْرَ مَحْفُوظٍ إِنَّمَا هُوَ عَمْرٌو. الحديث الثاني: (إنَّ رجلًا) حكى ابن قتيبة في "غريب الحديث": أنه أبو أيوب نفسه، وأفاد أبو إسحاق الصُّرَيْفيني: أنه لَقِيط بن صَبِرَةَ وافد بني المُنْتَفِق. (يدخلني) بالرفع؛ لأن الجُملة صفةٌ لقوله: (بعمَلٍ). (ما له)، قال (ط): هو استفهامٌ، وكرَّر للتَّأْكيد. (أرب ماله) قال (ش): فيه أربع روايات: أحدها: أَرِبَ، فعلٌ ماضٍ بوزْن عَلِمَ مِن أَرِبَ يَأْرَب: إذا احتاج، أي: فيسأل عن حاجته، ثم قال: ما لَه، أيُّ شيءٍ به، وقيل: بمعنى تَفَطَّن، أي: عَقَل، فهو أريبٌ، وقيل: دعَا عليه، أي: سقَطتْ آرابُه، أي: أعضاؤُه لا لقَصْد وُقوعه به، بل هو كـ: تَرِبَتْ يداه.

стр. 2350

الثانية: أَرِبٌ، بكسر الرَّاء، والرفعِ منوَّنًا: اسم فاعلٍ كحَذِرٍ، ومعناه: حاذِقٌ فَطِنٌ، يسأل عما يعنيه، أي: هو أَرِبٌ، فحُذف المبتدأ، ثم قال: ما لَهُ، أي: ما شأْنه. الثالث: هو بفتح الهمزة والرَّاء، وضمِّ الباء منوَّنًا، كجَمَل، أي: حاجَةٌ جاءتْ به، وهو خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أو مبتدأٌ خبره محذوفٌ، أي: له أَرَبٌ، وتكون (ما) زائدةٌ للتَّقليل، أي: له حاجةٌ يسيرةٌ، وفي سائر الوجوه هي استفهاميةٌ، وقيل: (ما له) إعادةٌ لكلامهم على جهة الإنْكار. الرابعة: أرَبَ، بفتح الجميع، رواه أبو ذَرٍّ. قال (ع): ولا وجْهَ له، انتهى. وقال (ك): في الرواية الأُولى قال النَضْر بن شُمَيل: أَرِبَ الرَّجل في الأمر: إذا بلَغ فيه جُهدَه، وأن تفسيره: سقَطتْ آرابُه، قولُ ابن الأَنْباري، وأن ذلك يُستعمل عند التعجُّب. قال: وقيل: لما رأَى الرَّجلَ يزاحم، دعا عليه دعاء لا يُستجاب في المدعوِّ عليه. قال: وقال الأَصْمَعي: أَرِبَ في الشيء: إذا صار ماهرًا فيه، فيكون المعنى: التعجُّب من حُسْن فِطْنته، والتَّهدِّي إلى مَوضع حاجته، وقال في الثَّانية: إنها ليست بمحفوظةٍ عند أهل الحديث. قال: وفي روايةٍ: قال الناس: ما لَه؟ فقال النبي ﷺ : "أَربٌ

стр. 2351

ما لَهُ؟ "، أي: حاجةٌ ما له؟ أو أمرٌ مَا له؟. (وتصل الرحم)؛ أي: يحسن لقَرابته، وذكره ذلك كأنه بالنَّظَر إلى حال السَّائل كأنه قاطعًا للرحم فأمره به؛ لأنه المُهمُّ بالنسبة إليه. (وقال بَهْز) بفتح الموحَّدة، وسكون الهاء، وبالزَّاي. (قال أبو عبد الله)، أي: البخاري، قال: أخشَى أن يكون تحدُّث عُثمان غير محفوظٍ لشُعبة؛ إذ الصواب هو: عُمر بن عُثمان. قال الكَلابَاذِي: روى شعبة عن عُمر بن عُثمان، ووَهِمَ في اسمه، فقال: محمد بن عُثمان في أوَّل (الزَّكاة). قال الغَسَّاني: هذا مما عُدَّ على شُعبة أنه وَهِمَ فيه حيث قال: محمَّد بدَل: عُمر، وقد قال البخاري في (الأدب): حدَّثني عبد الرَّحمن، ثنا بَهْز، ثنا شُعبة، ثنا ابن عُثمان بن عبد الله غيرَ مُسمًّى، فيكون أقربَ للصَّواب، وقد خرَّجه مسلم عن عَمْرو بن عُثمان، عن موسَى بن طَلْحة، عن أَيُّوب. * * * ١٣٩٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيم، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، قَالَ: "تَعْبُدُ اللهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ"، قَالَ: وَالَّذِي

стр. 2352

نَفْسِي بِيَدِهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا". ١٣٩٧ / -م - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي حَيَّانَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو زُرْعَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا. الحديث الثالث: سبق شرحه في (باب: سُؤال جبريل) من (كتاب الإيمان). (دُلَّني) بضمِّ الدَّال، وفتح اللَّام مشدَّدةً. (المكتوبة) مُقتبَسٌ من قوله تعالى: ﴿كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، كما سبَق فيه وفي غيره. (وَلَّى)؛ أي: أَدبَر. (من أهل الجنة) فيه أن المُبشَّر بها أكثرُ من العشَرة كما ورَد النَّصُّ في الحسَن والحُسين، وأُمِّهما، وجَدَّتهما، وأزواج الرَّسول ﷺ ، فتُحمل بشارة العشَرة أنهم بُشِّروا دَفعةً واحدةً، أو بلفظ: بشِّرْه بالجنَّة، أو أن العددَ لا يَنفي الزَّائد. * * * ١٣٩٨ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَمْزَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ هَذَا الْحَيَّ مِنْ رَبِيعَةَ قَدْ حَالَتْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ

стр. 2353

مُضَرَ، وَلَسْنَا نخلُصُ إِلَيْكَ إِلَّا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَمُرْناَ بِشَيْءٍ نأْخُذُهُ عَنْكَ، وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَناَ، قَالَ: "آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ، وَأنهَكمْ عَنْ أَرْبَعٍ: الإيمَانِ بِاللهِ وَشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ -وَعَقَدَ بِيَدِهِ هَكَذَا- وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزكَّاَةِ، وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ، وَأنهَاكُمْ عَنِ الدُّبَّاءَ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ"، وَقَالَ سُلَيْمَانُ، وَأَبُو النُّعْمَانِ، عَنْ حَمَّادٍ: "الإِيمَانِ بِاللهِ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ". الرابع: سبق شرحه في (باب: أداء الخمُس من الإيمان). (أن هذا الحي): في بعضها: (إنَّا هذا الحَيَّ) فهو نصبٌ على الاختصاص، أي: أعني هذا الحيَّ، وقال (ط): إنه رفعٌ خبر إنَّ، وهكذا كما يَعقِد الذي يعدُّ واحدةً. وذكْر الصِّيام هناك وعدَمُ ذكره هنا، فقال (ع): إغْفالٌ من الرَّاوي لا أنَّ ذلك من النبي ﷺ ، بل الرُّواة يَتفاوتون في الضَّبْط. (في الشهر الحرام) في "سُنن البَيْهقي": إلا في شَهْر رجَب. (وقال سليمان)؛ أي: ابن حَرْب، وصلَه البخاري في (المَغازِي). (وأبو النعمان) وصلَه في (باب: الخمُس)، أي: روياه بلا واوٍ في: و (شهادة)، كما في الرِّواية الأُولى. وجْهُه على الثُّبوت أنه عطفٌ تفسيريٌّ، أو ذكر الإيمان تمهيدًا

стр. 2354

للأَربعة؛ لأنه الأَصْل لا سيَّما والوَفْد كانوا مؤمنين عند السُّؤال، فابتداءُ الأربعة بالإيمان والشَّهادة واحدٌ. قال (ط): الواو مُقحَمةٌ كـ: فُلانٌ حسَنٌ وجميلٌ، أي: جميل، وأما كونها خمسًا أو أربعًا فسبَق بيانه هناك. * * * ١٣٩٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ ناَفِعٍ، أَخْبَرَناَ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ أَبَا هُرَيرَةَ ﵁ قَالَ: لَمَّا تُوُفِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ"؟. ١٤٠٠ - فَقَالَ وَاللهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا، قَالَ عُمَرُ ﵁: فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ قَدْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ فَعَرَفْتُ أنَّهُ الْحَقُّ. الحديث الخامس: (وكان أبو بكر)؛ أي: خَليفةً، وسبق شرحه في (باب: ﴿فَإِنَّ

стр. 2355

تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [التوبة: ٥]). (فَرَّق) بالتَّشديد والتَّخفيف، أي قال: أحدُهما واجبةٌ دون الأُخرى، أو منَعَ، ووجْه الجمْع بين هذا المقتضي لإيمانهم لا سيَّما وهم متعلِّقون في المنْع بقوله تعالى: ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وصلاة غيره ليستْ سكَنًا، بل مثْل هذه الشُّبهة يوجب العُذْرَ لهم، والوقوفَ عن قتالهم، وبين قوله أوَّلًا: (وكفَر من كفَر) = أنَّ بعضهم كفَر، وبعضهم منع الزكاة، والمعنى أن مُناظَرة الشَّيخين واتفاقَهم على قتال مانعي الزكاة حين كان الخليفة أبا بكر، وحين ارتدَّ بعضُ العرب، أو أطلَق لفْظ الكفر على مانعي الزكاة تَغليظًا، وكذا أجاب (خ) بالأوَّل، وأن الذين ارتدُّوا كأصحاب مُسَيلِمَة، والذين منَعوا الزكاة بُغاةً، ولكنْ غلَب على الكلِّ اسمُ الرِّدَّة؛ لأنها كانت أعظم خَطْبًا، وصار مبدأُ قتال أهل البَغْي مُؤرَّخًا بأيام عليٍّ؛ إذ كانوا منفردين في عصره لم يختلطوا بأهل الشِّرك. فإن قيل: كيف يكونون بُغاةً، ومُنكِر الزكاة كافرٌ؟. قيل: هذا إنما هو في زماننا لتقرُّر الأركان، وصارتْ مُجمَعًا عليها معلومةً من الدِّين ضرورةً، وأما أولئك فكانوا قَريبي عهْدٍ بزمان الشريعة التي يقع فيها تبديل الأحكام، وبوُقوع الفَتْرة بموت النبي ﷺ ، وكانوا جُهَّالًا بأمور الدِّين، أضلَّتهم الشُّبهة، فغَدَروا، وسُموا بُغاةً. (فقال عُمر)؛ أي: أخذ بظاهر: (أُمرتُ) الحديثَ، قبل أن ينظُر في آخره، وقال أبو بكر: إن الزَّكاة حقُّ المال، فدخلتْ في قوله: (إلا

стр. 2356

بحقِّه)، وقاسَه على المُمتنِع من الصلاة؛ لأنها كانتْ بالإجماع، فيُرَدُّ المختلَفُ فيه للمُتفَق عليه، والعُموم يُخَصُّ بالقياس، على أن هذه الرواية مختصرةٌ من رواية التَّصريح بالزكاة التي فيها: "حتَى يُقيموا الصَّلاةَ، ويُؤتُوا الزَّكاةَ"، وسبَب الاختِصار أن حكايةَ ما جَرى بين الشَّيخين لا جميعَ القصَّة اعتمادًا على عِلْم المُخاطبين بها، أو اكتُفي بما هو الغرَض حينئذٍ. وقال (خ) أيضًا: الخِطاب في كتاب الله ثلاثةٌ: عامٌّ نحو: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦]، وخاصٌّ بالرَّسول نحو: ﴿فَتَهَجَّدْ﴾ [الإسراء: ٧٩]، حيث قيَّد ذلك، وخطابٌ يُواجَه به النبيُّ ﷺ ، وهو والأُمةُ فيه سواءٌ، كقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، فعلى القائم مقام الأئمة ذلك أيضًا، وأما التطهُّر، والبرَكة، والدُّعاء من الإمام لصاحبها، فإن الفاعلَ فيها يَنالُه ذلك بطاعة الله ورسوله فيها، وكلُّ ثوابٍ موعودٍ على عمَلٍ كان في زمَنه، فهو باقٍ، فيُستحبُّ للإمام أن يَدعوَ للمُتصدِّق، ويُرجى أن يستجيب الله ذلك منه ولا يُخيِّبَه. (عَناقًا) بفتح المهملة: الأُنثى من المَعْز. (شرح)؛ أي: فتَح ووسَّعَ، فلما استقرَّ عنده صحَّةُ رأْي أبي بكر [و] بانَ له صوابُه تابعَه على القِتال، وقال: (فعرفت أنه الحق)؛ أي: الدَّليل الذي أقامَه الصِّدِّيق لا أنَّه قلَّده؛ لأن المجتهِد لا يُقلِّد مجتهدًا. وفيه فَضيلة أبي بكر، وجوازُ القِياس والعمل به، والحَلِفُ وإنْ كان في غير مجلِس الحُكم، واجتهادُ الأئمة في النُّوازِل، والمُناظرةُ،

стр. 2357

والرُّجوعُ لقائل الحق، والصَّدَقة في السِّخال ونحوها إذا كانت الماشية صِغارًا، وأنَّ حَوْلَ النَّتاج حَوْلُ الأُمَّهات، وإلا لم يَجُزْ أخْذُ العَناق. ٢ - بابُ الْبَيْعَةِ عَلَى إِيتَاءِ الزَّكَاةِ ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (باب البَيعَةِ)، أي: بفتح الباء، (على إيتاء الزَّكاة). ١٤٠١ - حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ، قَالَ: قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْح لِكُلِّ مُسْلِمٍ. سبق شرح الحديث فيه في آخر (كتاب الإيمان). ٣ - بابُ إِثمِ مَانِعِ الزَّكَاةِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ولا

стр. 2358

يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾. (باب إثْمِ مانِع الزَّكاة) ١٤٠٢ - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ ناَفِعٍ، أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّناَدِ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "تَأْتِي الإِبِلُ عَلَى صَاحِبِهَا، عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ، إِذَا هُوَ لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا، تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، وَتَأْتِي الْغَنَمُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ، إِذَا لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا، تَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا، وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا"، وَقَالَ: "وَمِنْ حَقِّهَا أَنْ تُحْلَبَ عَلَى الْمَاءِ"، قَالَ: "وَلَا يَأْتِي أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِشَاةٍ يَحْمِلُهَا عَلَى رَقَبَتِهِ لَهَا يُعَارٌ، فَيقُولُ: يَا مُحَمَّدُ! فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ بَلَّغْتُ، وَلَا يَأْتِي بِبَعِيرٍ، يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ لَهُ رُغَاءٌ، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ! فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ بَلَّغْتُ". الحديث الأول: (الإبل) اسم جمعٍ مؤنثة، وكذا الغَنَم. (على) بَيانٌ لاستعلائها وتَسلطها عليه. (خير ما كانت) أي: في القوَّة والسِّمَن؛ ليكون أثقَل لوَطْئها، وأشدَّ لنِكايتها، فيكون زيادةً في عُقوبته، وأيضًا فكان يَودُّ في الدُّنيا

стр. 2359

ذلك، فرآها في الآخرة أكمَل، وتَزداد إليه؛ إذ كان كمالُها عقوبةً له. (بأخفافها) الخُفُّ من الإبِل كالظُّلْف من الغنَم، والقَدَم من الآدمي، والحافِر من الحمار. (وتنطحه) بكسر الطَّاء على الأشهر، ويجوز فتحها. (أن تحلب) بمهملةٍ، أي: ليَحضُرها المساكين النَّازِلون على الماء، ومَن لا لبنَ له، فيُواسى من ذلك اللَّبَن، ولأن فيه الرِّفْق بالماشية؛ لأنه أَهوَن لها وأوسَع عليها. ومناسبة هذا للترجمة؛ لأنَّ الغرَض أداءُ الحُقوق وإنْ كانت الزَّكاة أصلَها وأعظمَها. قال (ط): في المال حَقَّان: فرضُ عينٍ وهو الزَّكاة، وغيرُه وهو مكارم الأخلاق. ورواه بعضهم: (يجلب) بالجيم، وفسَّره بالجَلْب إلى المُصَدِّق، قال ابنُ دِحْيَة: وهو تصحيفٌ. (ولا يأتي) خبرٌ بمعنى النَّهي. (يعار) بمثنَّاةٍ تحت مضمومةٍ، ثم مهملةٍ: صَوْتُ الشَّاة، وقال (ش): صوت المَعْز، تقول: يَعَرَتْ يَعَارًا، أي: صاحتْ صِيَاحًا شديدًا. (أو ثُغاء) بضمِّ المثلَّثة، وبمعجمةٍ، ومَدٍّ: صياح الغنَم أيضًا. (رُغاء) بضمِّ الراء، وبالمعجمة: صوت الإبِل، فالغالب في الأصوات فُعَال كبُكاء، وقد يجيء على فَعِيْل كصَهيل، وعلى فَعْلَلَة

стр. 2360

كحَمْحَمَة. (لا أملك لك)؛ أي: في التَّخفيف عنك، وقد بلَّغتُك حُكم الله قبلُ، وفي الكلام نوعُ لَفٍّ ونَشْرٍ غير مُرتَّبٍ. * * * ١٤٠٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ آتَاهُ اللهُ مَالًا، فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ، لَهُ زَبِيبَتَانِ، يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَيْهِ -يَعْنِي شِدْقَيْهِ- ثُمَّ يَقُولُ: أَناَ مَالُكَ، أَناَ كَنْزُكَ"، ثُمَّ تَلَا: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ الآيَةَ. الحديث الثاني: (مُثِّلَ)؛ أي: صُوِّرَ، وقيل: أُقيم؛ من قولهم: مَثَلَ قائمًا، أي: مُنتَصِبًا، وقيل: ضُمِّن (مُثِّل) معنى التَّصيير، أي: صُيِّرَ مالُه على صُورة الشُّجاع. (شُجاعًا) بضمِّ المعجمة: الحَيَّة الذَّكَر، وقيل: الذي يَقومُ على ذنَبه، ويُواثِب الرجُلَ والفارِسَ، وربما بلَغ رأْسَ الفارس، وفي بعضها: (شُجاعٌ) بالرفع خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: والمصوَّر شُجاعٌ. (أقرع)؛ أي: مُعِطَ رأْسُه من كثْرة سُمِّه، وانسَحقَ شعْرُه.

стр. 2361

(له زبيبتان) بفتح الزاي، وكسر الموحَّدة الأُولى، أي: نابان يَخرُجان من فِيْهِ، وقيل: الزَّبيبة: نُكتةٌ سوداء فوق عين الحَيَّة من السُّمِّ، وقيل: الزَّبَد في الشِّدقَين، يقال: تكلَّم فُلانٌ حتَّى زبَّب شِدْقاه، أي: خرَج الزَّبَد عليهما. قال السُّهَيلي: والجملة حالٌ لـ (مُثِّلَ) في هذه الحالة. قلت: ويحتمل أنه صفةٌ ثانيةٌ لـ (شُجاعًا). (يطوقه) بفتح الواو مشدَّدةً، أي: يُجعل طَوقًا في عنُقه. (بلهزمتيه) بكسر اللام، والزاي، واللِّهْزِمَتان: هما العَظْمان في اللَّحيَين تحت الأُذُن، قاله الجَوْهَرِي، لكن الذي في البخاري: (يعني شدقيه) ربَّما يُخالف ذلك؛ فإنهما جانبا الفَمِ. (أنا كنزك) قوله ذلك زيادةٌ؛ لأنه شرٌّ أَتاه من حيث كان يَرجو خيرًا، وفيه نَوعٌ من التَّهكُّم، ومناسبةُ الآية للحديث أنَّ فيها: ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٠]. * * * ٤ - بابٌ مَا أُدِّيَ زكَاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنزٍ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ".

стр. 2362

(باب مَن أَدَّى زكاتَه فليس بكَنْزٍ) الكنْز لغةً: المال المَدْفون، والمراد به هنا الكنْز الذي ذُمَّ في آية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤]. (لقول النبي ﷺ ) وجْه الدَّلالة من الحديث على التَّرجمة: أن ما لا زكاةَ فيه ليس بكنْزٍ وإنْ دُفِن، كما لو كان دون خمسِ أواقي؛ للحديث الذي فيه الزَّكاة لبُلوغه نِصابًا وأُدِّيتْ زكاته لا يكون كنْزًا؛ لأن الآية إنما سُمي الكنْزُ فيها ما لم يُنفَق في سبيل، أي: يُخرج زكاتُه، والكنز الذي أراده في الترجمة إنما هو المأْخوذ من الآية كما بينَّاه. (أواقي) بتشديد الياء، وتخفيفها: جمع أُوقِيَّةٍ، بضمِّ الهمزة، وتشديد الياء، وفي بعضها: (أواقٍ) كقاضٍ، وجَوارٍ، ويقال في الأُوقية أيضًا: وَقِيَّة بفتح الواو، وبلا همزٍ، والجمْع وَقَايا، واشتِقاقها من الوِقاية؛ لأن المال مَخزونٌ مصونٌ، أو لأنه يَقي الشَّخص من الضَّرَر، والمراد -في غير الحديث- نصْف سدُس الرَّطْل، وأما في الحديث فقال الجَوْهَرِي: هي أربعون دِرْهمًا، كذا كان، وأما اليوم فيما يُتعارف ويقدِّر عليه الأطبَّاء وَزْنُ عشَرة دراهم وخمسة أَسباع دِرْهم. * * * ١٤٠٤ - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَسْلَمَ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ عَبْدِ اللهِ

стр. 2363

ابْنِ عُمَرَ ﵄، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: أَخْبِرْني قَوْلَ اللهِ ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: مَنْ كَنَزَهَا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا فَويلٌ لَهُ، إِنَّمَا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تُنْزَلَ الزَّكَاةُ، فَلَمَّا أُنْزِلَتْ جَعَلَهَا اللهُ طُهْرًا لِلأَمْوَالِ. الحديث الأول: (زكاتها) أَفرد الضَّمير والسَّابق اثنان على وَزْن الآية، وفي "الكشَّاف": أنه تعالى قال: (يُنفقونها): ذهابًا إلى المعنى دُون اللَّفظ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منها جُملة وافيةٌ، وقيل معناه: ولا يُنفقونها والذَّهب كذلك، كما في قوله: فإِنِّي وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيْبُ أي: وقَيَّارٌ كذلك. قلتُ: لكنْ الذي يُقدَّر في الآية مجموع مبتدأ وخبر، وفي البيت خبرٌ خاصةً. وقيل: الضمير في (زكاتها) للأموال، وقيل: للفضَّة؛ لأنها أكثرُ انتفاعًا في المعاملات من الذَّهب، أو اكتفى ببيان حالها عن حال الذَّهب، وكلُّها متقاربةٌ، ربما ترجع لما في "الكشَّاف". (طهرًا)؛ أي: مُطهِّرةٌ، وحاصله: أن حُكم الكنْز منسوخٌ. قال (ط): يُريد بما قبل نزُول الزكاة قولَه تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ

стр. 2364

مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]، أي: ما فضَل عن الكفاية، فكانت الصَّدقة فرضًا بما فضَل عن كفايته، فلمَّا فُرضت الزكاة نُسِخ. قلتُ: وإذا حُمِل: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ على: لا يُؤدُّون زكاتها كما قرَّرناه آنِفًا، فلا نسَخَ. * * * ١٤٠٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يَزِيدَ، أَخْبَرَناَ شُعَيْبُ بْنُ إسْحَاقَ: قَالَ الأَوْزَاعِيُّ: أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ أَنَّ عَمْرَو بْنَ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ يَحْيَى بْنِ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ، أَنَّهُ سَمعَ أَبَا سَعِيدٍ ﵁ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ". الحديث الثاني: (خمس ذود) بالإضافة على المشهور، ويُروى: تنوين (خمسٍ) و (ذَوْدٍ)، فيكون بدَلًا منه، وبزيادة تاءٍ في (خمسٍ) نظَرًا إلى أن الذَّوْد يُطلق على المذكَّر والمؤنَّث، أو لأنَّ الذَّوْد مؤنَّثٌ، وهو بفتح المعجَمة: الإبل من الثلاثة إلى العشَرة، وقيل: ما بين الثِّنتين إلى التِّسع، ولا واحدَ له مِن لفْظه، إنما يُقال: ناقةٌ وبعيرٌ، وإنما لم يُميِّزوا الجمْع لأنهم قد يتركون ذلك كما في ثلاث مئةٍ، أو لأن ذَوْد في معنى

стр. 2365

الجمْع كما في: (تسْعةُ رَهْطٍ). (أوسق) واحدُه وَسْقٌ بفتح الواو على المشهور، وقد تُكسر، وأصلُه لغةً: الحِمْل، والمراد به: سِتُّون صاعًا، وهو تمام حِمْل الدَّواب النَّقَّالة، والصَّاع: أربعة أمدادٍ، والمُدُّ رِطْلٌ وثلُثٌ بالبَغدادي، ورِطْلُ بغداد على الأَظْهر مئةُ درهمٍ، وثمانيةٌ وعشرون درهمًا، وأربعةُ أسباعٍ دِرْهَم، وقيل: بلا أسْباعٍ، وقيل: ثلاثون. ففيه أن نِصاب الفِضَّة: مئتا دِرْهم، وأوَّل نصاب الإبِل: خمسةٌ، والحُبوب والثِّمار: سِتُّون صاعًا، وأنه لا صدَقةَ في الخُضراوات؛ لأنها لا تُوسَق، وقال أبو حنيفة: تجب الزكاة في قليل الحَبِّ وكثيره. * * * ١٤٠٦ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، سَمِعَ هُشَيْمًا أَخْبَرَناَ حُصَيْنٌ، عَنْ زيدِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: مَرَرْتُ بِالرَّبَذَةِ فَإِذَا أَناَ بِأبِي ذَرٍّ ﵁، فَقُلْتُ لَهُ: مَا أَنْزَلَكَ مَنْزِلَكَ هَذَا؟ قَالَ: كُنْتُ بِالشَّأْمِ، فَاخْتَلَفْتُ أَناَ وَمُعَاوِيَةُ فِي الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونها فِي سَبِيلِ اللهِ، قَالَ مُعَاوِيَةُ: نزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ، فَقُلْتُ: نزَلَتْ فِينَا وَفيهِمْ، فَكَانَ بَيْني وَبَيْنَهُ فِي ذَاكَ، وَكتبَ إِلَى عُثْمَانَ ﵁ يَشْكُوني، فَكَتَبَ إِلَيَّ عُثْمَانُ أَنِ اقْدَمِ الْمَدِينَةَ، فَقَدِمْتُهَا فَكَثُرَ عَلَيَّ النَّاسُ حَتَّى كَأَنَّهمْ لَمْ يَرَوْني قَبْلَ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُ ذَاكَ لِعُثْمَانَ، فَقَالَ لِي: إِنْ شِئْتَ تنحَّيْتَ فَكُنْتَ قَرِيبًا، فَذَاكَ الَّذِي أنزَلَنِي هَذَا الْمَنْزِلَ، وَلَوْ

стр. 2366

أَمَّرُوا عَلَيَّ حَبَشِيًّا لَسَمِعْتُ وَأَطَعْتُ. الحديث الثالث: (علي) هو ابن أبي هاشم البَغدادي، واسمه: الطِبْرَاخ، بكسر المهملة، وسكون الموحَّدة، وآخره معجمةٌ، قاله الغَسَّاني. (بالربذة) براءٍ، فموحَّدةٍ، فمعجمةٍ، مفتوحات: مَوضع على ثلاث مَراحل من المدينة، وبها قَبْر أبي ذَرٍّ. (أقدم) بفتح الدَّال، إما مضارعٌ فتُقطع همزته، أو أمرٌ فتُحذف وَصْلًا. قال (ط): نظَر معاوية إلى سياق الآية، فإنها نزلَت في الأحبار والرُّهبان الذين لا يُؤتون الزكاة، وأبو بكْرٍ إلى عُموم الآية، وإنَّ مَنْ يَرى وجوب الزكاة، ولا يَرى أداءَها يلحقه هذا الوعيد الشَّديد أيضًا، فخاف معاويةُ أن يقع بين المسلمين خِلافٌ، فشكاه إلى عُثمان، وكان بالشَّام من قِبَله، فكتب عُثمان لأبي ذَرٍّ أن يَقدُم، فلمَّا قَدِم اجتمع عليه الناس يَسألونه عن القِصَّة وما جَرى بينه وبين معاوية خَشِيَ من عَتْب عُثمان، فذكَر له ذلك، فقال له: إنْ كنت تخشى وقوع فِتْنةٍ ما فاسكُن مكانًا قَريبًا، فنزَلَ الرَّبَذَة، وأخبر أن طاعةَ الإمام واجبةٌ، حتى لو أَمَّرَ الإمامُ حبَشيًّا كان على الرعيَّةِ السَّمْعُ والطَّاعة. * * *

стр. 2367

١٤٠٧ - حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ، عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: جَلَسْتُ. وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَناَ عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدثَنَا الْجُرَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَلَاءِ بْنُ الشِّخِّيرِ أَنَّ الأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى مَلإٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ خَشِنُ الشَّعَرِ وَالثِّيَابِ وَالْهَيْئَةِ حَتَّى قَامَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: بَشِّرِ الْكَانِزِينَ بِرَضْفٍ يُحْمَى عَلَيْهِ فِي ناَرِ جَهَنَّمَ، ثُمَّ يُوضَعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَدْيِ أَحَدِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضِ كتِفِهِ، ويُوضَعُ عَلَى نُغْضِ كتِفِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةِ ثَدْيِهِ يتزَلْزَلُ، ثُمَّ وَلَّى فَجَلَسَ إِلَى سَارِيَةٍ، وَتَبِعْتُهُ وَجَلَسْتُ إِلَيْهِ، وَأَناَ لَا أَدْرِي مَنْ هُوَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: لَا أُرَى الْقَوْمَ إِلَّا قَدْ كَرِهُوا الَّذِي قُلْتَ، قَالَ: إِنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا. ١٤٠٨ - قَالَ لِي خَلِيلِي -قَالَ: قُلْتُ مَنْ خَلِيلُكَ؟ قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ "يَا أَبَا ذَرٍّ أَتُبْصِرُ أُحُدًا؟ "، قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَى الشَّمْسِ مَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ وَأَناَ أُرَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُرْسِلُنِي فِي حَاجَةٍ لَهُ، قُلْتُ: نعمْ، قَالَ: "مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ كلَّهُ إِلَّا ثَلَاثَةَ دَناَنِيرَ"، وَإِنَّ هَؤُلَاءَ لَا يَعْقِلُونَ، إِنَّمَا يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا، لَا وَاللهِ لَا أَسْألهُمْ دُنْيَا، وَلَا أَسْتَفْتِيهِمْ عَنْ دِينٍ حَتَّى أَلْقَى اللهَ. الحديث الرابع: (ثنا أبو العلاء)؛ أي: يزيد بن الشِّخِّير.

стр. 2368

(إن الأحْنف) وهذا هو الفَرْق بين الطَّريقَين، فإنَّ في الأوَّل بلفظ: (عن) فيهما. (بملأ)؛ أي: جماعةٍ. (خشن) بالخاء والشين المعجمتين، وهو الصحيح، وللقَابِسِي بالمهملتين من الحُسْن. (الكانزين) في بعضها: (الكنَّازين)، وهما بالنون من الكنْز، وهو الجمْع والدَّفْن ونحوه، وللهَرَوي بالمثلَّثة، قال (ش): والأَوَّل أَولى؛ لأنه إنما يُقال لكثير المال: مُكثِرٌ لا كاثِر. قلت: ممنوعٌ، بل يقال: كاثِر كما في: وَإِنَّما العِزَّةُ للكَاثِرِ أي: للمُكثِر. (بِرَضْفٍ) بفتح الراء، وسكون المعجمة، وبالفاء: الحِجارة المُحمَّاة، واحدُه رَضْفة. (نُغْض) بضمِّ النون، وسكون المعجمة، ثم ضادٍ معجمةٍ، ويسمَّى الغُضْروف، وهو العظْم الرقيق على طرَف الكَتِف، وقيل: أَعلى الكَتِف. قال (خ): وأَصْل النُّغْض الحرَكة، فسمِّي به الشَّاخص من الكَتِف؛ لأنه يتحرَّك من الإنسان في مِشْيته وتصرُّفه، قال تعالى: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ [الإسراء:٥١].

стр. 2369

(حلمة): رأْس الثَّدي النَّاتئ منه. (ثديه) يُذكَّر ويؤنَّث. (يتزلزل)؛ أي: يتحرَّك ويضطَرب الرَّضْف. (ولَّى)؛ أي: أدبَر. (السارية)؛ أي: الأُسطُوانة. (يا أبا ذر ...) إلى آخره، متعلِّقٌ بقوله: (قال لي خَليلي). قال (ط): سقَط كلمةٌ من الكتاب وهي: (فقال أبو ذَرٍّ: [قال] النبيّ ﷺ ). (ما بقي)؛ أي: أيُّ شيءٍ بَقِيَ. (أُحدًا)؛ أي: الجبَل المشهور. (نعم) هو جوابُ (أتُبصِر). (مثل) إما خبرٌ لأَنَّ و (وذهبًا)، تمييزٌ، أو حالٌ مقدَّمةٌ على الخبر. (ثلاثة) يحتمل أن هذا القَدْر كان دَينًا، أو مقدار كفاية إخراجات تلك الليلة لرسول ﷺ ، ويحتمل أن المراد النَّفقة لحاجة نفسه أو في سبيل الله، وعدَم المحبَّة إنما هو للاستِثناء، أي: ما أُحِبُّ إلا إنفاقَ الكُلِّ. (وإن هؤلاء) عطفٌ على: (إنهم لا يعقلون)، وليس من تتمة كلام النبي ﷺ ، بل من كلام أبي ذَرٍّ، وكُرِّرَ للتأكيد، ورَبْطِ ما بعده عليه.

стр. 2370

(لا أسألهم دنيا)؛ أي: لا أَطمَع في دنياهم. (ولا أستفتيهم)؛ أي: لا أسألُهم عن أحكام الدِّين، أي: أقنَع بالبُلْغة من الدُّنيا، وأرضى باليسير لما سمعت من العِلْم عن رسول الله ﷺ . قال (ك): ويمكن أن يكون أبو ذَرٍّ ذهَب إلى ما يقتضيه ظاهر لفظ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة:٣٤]، فالكنز لغةً: المَدفون، سواءٌ أُدِّيتْ زكاته أم لا، وفي قوله: يجمعون، دليلٌ على أن الكنْز عنده جمْع المال، لكنْ يدلُّ على أن الكنْز ما لم تُؤدَّ زكاته، قوله في الحديث: "أَناَ كَنْزُكَ". وفيه المبالغة في الزُّهد، وكان مذهب أبي ذرٍّ تحريم ادخار ما زاد على الحاجة، ونفْيُ العقْل عن العُقَلاء مجازًا. * * * ٥ - بابُ إِنفَاقِ المَالِ فِي حَقِّهِ (باب إنْفاقِ المَالِ في حَقِّه) ١٤٠٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسٌ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنتَيْنِ: رَجُلٍ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٍ آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً فَهْوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا".

стр. 2371

(لا حسد)؛ أي: لا غِبْطةَ، وسبق شرح الحديث في (باب الاغتِباط في العِلْم). (اثنين) في بعضها: (اثنتين) بالتأنيث، فيُقدَّر في قوله: (رجل) مضافٌ إلى خَصْلة، وفي (رجل) الرفْع والنَّصْب كما سبق. (هلكته) بفتح اللام. قال (ط): أي: لا موضعَ للغِبْطة إلا في هاتَين الخصلتَين؛ فإنَّ فيهما موضع التَّنافس. * * * ٧ - بابٌ لَا يَقْبَلُ اللهُ صَدَقةً مِنْ غُلُولِ، وَلَا يَقْبَلُ إِلَّا مِنْ كَسْبِ طَيِّبِ لِقَوْلهِ: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. ١٤١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، وَإِنَّ اللهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِيِنهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلْوَهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ".

стр. 2372

تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ، عَنِ ابْنِ دِينَارٍ، وَقَالَ وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَرَوَاهُ مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، وَزيدُ بْنُ أَسْلَمَ، وَسُهَيْل، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . (باب لا يَقبَلُ اللهُ الصَّدَقةَ من غُلُول) لم يذكر فيها حديثًا، ولذلك لم يذكرها (ك) إلا أنه تعرَّض لقوله: (غلول)؛ أي: خِيانة. ووجه التَّعليل بقوله تعالى: ﴿وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة: ٢٦٣]: أن الصَّدَقة قد يتبعُها أذًى يوم القيامة بسبب الخِيانة. ووجه مطابقة التَّرجمة للآية: أن الأَذى بعد الصَّدَقة يُبطلها، فكيف بالأذى المقارِن لها، وذلك أن الغالَّ تصدَّق بمغصوبٍ، والغاصب مؤذٍ لصاحب المال عاصٍ بتصرُّفه، فهو أَولى بالإبطال. (مُنِير) بضمِّ الميم، وكسر النون. (أبو النضر) بالمعجمة: سَالِم. (بِعَدْلٍ) بالفتح: ما عادَلَ الشَّيءَ من جنْسه، وبالكسر من غير جِنْسه، وقال البصريون: العَدْل والعِدْل لُغتان، وقال (خ): بعَدل تمرةٍ، أي: بقِيمتها، فهذا عَدْلُ هذا -بالفتح- مثلُه في القِيمة، وبالكسر: مثله في المنظر.

стр. 2373

قال: وذكر اليمين لأنها في العُرف لِمَا عزَّ، والشِّمال لِمَا هانَ، والله منزَّهٌ عن الجارحة، وقيل: المراد بيمين الذي إليه الصَّدَقة، وأُضيفتْ إلى الله تعالى بقَصْد الاختصاص، أي: أن الصَّدَقة فيها لله تعالى. (ثم يربيها)؛ أي: يُضاعِف أجْرَها، أو الزيادة في كمية عينها، فتكون أثقلَ في الميزان. (فلوه) الفَلُوُّ: المُهْر حين الانفِطام، والأُنثى: فَلُوَّةٌ، كعَدُوٍ وعَدُوَّةٌ، يقال: فَلُوتُه عن أُمه، أي: فطَمتُه، وهو حينئذٍ يحتاج لتربية غير الأُمِّ. قال أبو زيد: إذا فُتحت الفاء شُدِّدت الواو، وإذا كُسِرت خُفِّفت كجَرْوٍ. (تابعه سليمان)؛ أي: ابن بلال، سيأتي وصْلُ البخاري له في (التوحيد). (وقال ورقاء) بفتح الواو، وسكون الراء، وبالقاف، والمد، كذلك يأتي في (التوحيد). قال (ك): إن هذا يحتمل أن لا يكون تعليقًا بل من مَقول أبي النَّضْر؛ لأنه سمع منه كثيرًا. (ابن أبي مريم): هي موصولةٌ في "كتاب الصيام" ليُوسُف بن يَعقوب القاضي. (وزيد بن أسلم) موصولةٌ في "صحيح مسلم".

стр. 2374

(وسهيل) وصلَها مسلم أيضًا، وقال (ك): الثلاثة متابعاتٌ؛ لأن دينارًا في الرِّواية عن أبي صالح، لكنْ عبَّر في الأول بـ (تابعَه)؛ لأن اللَّفْظ بعينه لفظُه، وفي الثالث: بـ (رَواهُ)؛ لاختلاف اللَّفْظ وإن اتحدَ المعنى، وفي الثاني: (فقال)؛ لأنه على وجْهِ المُذاكرة لا التحديث. * * * ٨ - باب الصَّدقة من كسْبٍ طيِّبٍ لقوله تعالى: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (باب الصَّدقة من كسْبٍ طيِّبٍ لقوله تعالى: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]) فإنه وإنْ كان عامًّا لكن المراد به الصَّدقة من الحَلال بقَرينة سياقِ: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. * * * ٩ - باب الصَّدَقة قبل الرَّدِّ (باب الصَّدَقة قبل الرَّدِّ) ١٤١١ - حَدثَنَا آدَمُ، حَدثَنَا شُعْبةُ، حَدَّثَنَا مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ النبِيَّ ﷺ يَقُولُ:

стр. 2375

"تَصَدَّقُوا فَإِنَّهُ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ، فَلَا يَجدُ مَنْ يَقْبَلُهَا، يَقُولُ الرَّجُلُ: لَوْ جِئْتَ بِها بِالأَمْسِ لَقَبِلْتُهَا، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا". الحديث الأول: (بصدقة) سيأتي فيه زيادةُ: (من الذَّهَب)، وفيه تنبيهٌ على أن ما سِواه أَولى، فأكَّد أنه لا يُقبل بكونه يَعرِضُها، ويَطُوف بها، وهي من ذهَب. (لو جئت)؛ أي: أنه قد استغنى عنها بما أَخرجت الأرض من كُنوزها. * * * ١٤١٢ - حَدثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّناَدِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ فَيَفِيضَ، حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقتَهُ، وَحَتَّى يَعْرِضَهُ فَيقُولَ الَّذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ: لَا أَرَبَ لِي". الحديث الثاني: (فيفيض) من الفَيْض، يُقال: فاضَ الإناء: إذا امتَلأَ، وأفاضَهُ مَلأَه. (يُهِمَّ) بضمِّ الياء، وكسر الهاء: مِن الهمِّ، وهو الحُزْن، يُقال:

стр. 2376

أَهمَّه: إذا أحزنَه. (رَبَّ) بالنَّصب: مفعوله. (من يقبل) هو الفاعِل، أي: لمَّا كان حُزْنه بسببه جُعل كأنه المُقلِق له، والمُحْزِن. ومنهم من قيَّده بضمِّ الهاء، مِن هَمَّ بمعنى قصَد، و (ربُّ): فاعل، و (مَن يقبل): مفعول، أي: يَقصدُه فلا يَجدُه، حكاه (ع)، و (ن)، وغيرهما، وهو ضعيفٌ؛ إذْ يصير التقدير: يَقصِدُ الرجل من يأْخذ مالَه، فيَستحيل، وليس المعنى إلا على الأَوَّل. (لا أَرَبَ)؛ أي: لا حاجةَ لي (فيه) فكأنَّ: (فيه) سقطتْ من الكتاب. قلتُ: لا حاجةَ لادِّعاء السُّقوط، بل العُموم، وقد وُجِدَ ذلك في زمن الصحابة؛ كان تُعْرض عليهم الصَّدَقة فيأبَون قَبولها. * * * ١٤١٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أبو عَاصِمِ النَّبِيلُ، أَخْبَرَناَ سَعْدَانُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا أبْو مُجَاهِدٍ، حَدَّثَنَا مُحِلُّ بْنُ خَلِيفَةَ الطَّائِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِم ﵁ يَقُولُ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَجَاءَهُ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا يَشْكُو الْعَيْلَةَ، وَالآخَرُ يَشْكُو قَطْعَ السَّبِيلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَمَّا قَطْعُ السَّبِيلِ فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْكَ إِلَّا قَلِيلٌ حَتَّى تَخْرُجَ الْعِيرُ إِلَى مَكَّةَ بِغَيْرِ خَفِيرٍ، وَأَمَّا الْعَيْلَةُ فإِنَّ السَّاعَةَ لَا تَقُومُ حَتَّى يَطُوفَ

стр. 2377

أَحَدُكُمْ بِصَدَقَتِهِ لَا يَجدُ مَنْ يَقْبَلُهَا مِنْهُ، ثُمَّ لَيقفَنَّ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابٌ وَلَا تُرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ لَهُ: أَلَمْ أُوتِكَ مَالًا؟ فَلَيقُولَنَّ: بَلَى، ثُمَّ لَيقُولَنَّ: أَلَمْ أُرْسِلْ إِلَيْكَ رَسُولًا؟ فَلَيقُولَنَّ: بَلَى، فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِيِنهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ، ثُمَّ يَنْظُرُ عَنْ شِمَالِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ، فَلْيَتَّقِيَنَّ أَحَدُكُمُ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ". الحديث الثالث: (مُحِلّ) بضمِّ الميم، وكسر المهملَة، وتشديد اللام. (عَدِي) هو ضِدُّ مُحِلٍّ. وفي الإسناد ثلاثةٌ طائيُّون. (العَيلة) بفتح العين: الفَاقَة، وعالَ، أي: افتقَر. (قطع السبيل)؛ أي: فَسادَها بالسُّرَّاق. (العِير) بكسر العين: الإبِل التي تَحمل المِيْرَة. (الخفير): المُجِيْر، أي: يكونون في ضَمانه وذِمَّته، أي: لا يحتاجون في الطّرُق إلى بذْرَقَةً (١). (يدي الله) من المُتشابِه، ففيه المذهبان المشهوران. (تَرْجُمان) بفتح التاء وضمِّها، والجيم مضمومةٌ فيهما، والتاء فيه أصلية، وقال الجَوْهَرِي: زائدةٌ، وهو كزَعْفران، فالجيم مفتوحةٌ.

стр. 2378

(طيبة)؛ أي: يَطِيْب بها القلْب؛ لأنها طاعةٌ أو مباحةٌ، ففيه أنها سبَبٌ للنَّجاة من النَّار، وهو ظاهرٌ في الطاعة، وفي المباحة إذا قُصد بها خيرٌ، وفيه الحَث على الصَّدَقة. * * * ١٤١٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَطُوفُ الرَّجُلُ فِيهِ بِالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَبِ ثُمَّ لَا يَجدُ أَحَدًا يَأْخُذُهَا مِنْهُ، ويُرَى الرَّجُلُ الْوَاحِدُ يَتْبَعُهُ أَرْبَعُونَ امْرَأَةً، يَلُذْنَ بِهِ مِنْ قِلَّةِ الرِّجَالِ وَكثْرَةِ النِّسَاءَ". الرابع: (أربعون) لا يُنافي ما سبَق في (باب رفْع العِلْم): "يكون لخمسين امرأةً القَيِّمُ الواحِد"؛ لأن العددَ لا يُنافي الزَّائد. (يَلُذْنَ) بضمِّ اللام، وسكون المعجَمة، أي: يلتَجِئْنَ، وَيرْغَبْنَ فيه، وقال (ش): يَستتِرْنَ به، ويحترِزْن الملاذَّ؛ ليقوم بحوائجهنَّ، ولا يُطمع فيهنَّ، وسبب قِلَّة الرِّجال القِتال في آخر الزَّمان كما في "ويكثر الهَرْج". * * *

стр. 2379

١٠ - بابٌ اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرةٍ، وَالْقَلِيلِ مِنَ الصَّدَقَةِ ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآيةَ: وَإلَى قَوِلِه ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾. (باب: اتقُوا النَّارَ) ١٤١٥ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أبُوَ النُّعْمَانِ الْحَكَمُ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: لَمَّا نزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَةِ كنا نُحَامِلُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فتصَدَّقَ بِشَيْءٍ كثِيرٍ، فَقَالُوا: مُرائِي، وَجَاءَ رَجُل فتصَدَّقَ بِصَاعٍ، فَقَالُوا: إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَاعِ هَذَا، فَنَزَلَتِ ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إلا جُهْدَهُمْ﴾ الآيَةَ. الحديث الأول: (نحامل)؛ أي: نحمل الحِمْل على ظُهورنا بالأُجرة. (بشيء كثير) قيل: جاء عبد الرَّحمن بن عَوف بأربعين أُوقية من ذهَب، فقالوا: ما أَعطَى إلا رِيَاءً، وجاء أبو عقيل -كما في "أسباب النزول" للواحِدي، وبعض التَّفاسير- بصاعٍ من تمرٍ، فقال: بِتُّ ليلتي أجرُّ بالجرير، أي: الحبْل للاستسقاء على أُجْرة صاعَين، فقالوا: الله ورسوله غَنيَّانِ عن صاعِه، ولكنْ أراد أن يُذكِّر بنفْسه ليُعطى من الصَّدقات.

стр. 2380

قلت: لكنْ سيأتي في البخاري في (التفسير): أن أبا عقيل جاء بنصْف صاعٍ، نعَمْ، في "مسلم": أن أبا خَيْثَمة -أي: عبد الله، وقيل: مالكًا- تصدَّق بصاعٍ فلمَزَه المنافقون، وفي "الأوسط" للطَّبَراني، وفي "معجَم ابن قانِع"، و"فوائد" سَمُّوْيَه: أنَّه سَهْل بن رافع البَلَوي، وذكر الواقِدي: أنَّ صدَقة عبد الرَّحمن ثمانيةُ ألافٍ، وقيل: المتصدِّق بالكثير عاصِمُ بن عَدِيٍّ جاء بمئة وَسْقٍ، ولا امتناعَ أن الكُلَّ وقَع. أما اللامِزُون ففي كتاب "المُتفِق" للخطيب: أن زيد بن أَسلَم العَجْلاني جاء بصدَقةٍ، فقال: مُعَتِّب بن قُشَيْر، وعبد الرحمن بن نبتل -بنونٍ، ومثناةٍ فوق مفتوحتَين، بينهما موحَّدةٌ ساكنةٌ، ثم لامٌ-: إنما أَراد الرِّياءَ، فنزلت الآية. (المطوعين)؛ أي: المتبرِّعين، وأصلُه: مُتَطَوِّعين، فأُدغم. * * * ١٤١٦ - حدثنا سَعِيدُ بنُ يَحْيَى، حدثنا أبِي، حدثنا الأَعْمَشُ، عنْ شَقِيقٍ، عن أبي مَسْعُودٍ الأَنْصارِيِّ ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَمَرَناَ بِالصَّدَقَةِ انْطَلَقَ أَحَدُناَ إِلَى السُّوقِ فتحَامَلَ فَيُصِيبُ الْمُدَّ، وَإِنَّ لِبَعْضِهِمُ الْيَوْمَ لَمِائَةَ ألفٍ. الحديث الثاني: (فتحَامَل) بفتح المثناة فوق، والمهملة: فعلٌ ماضٍ، أي: تكلَّف الحمْل بالأُجرة ليكسب ما يتصدَّق به، ويُروى بضم المثناة

стр. 2381

تحت، فعلًا مضارعًا. (لمائة) هو اسمُ (إنَّ) مفعولٌ بالظَّرف وهو: (اليوم) مِن خبرها وهو (لبعضهم)، ومميِّز الألْف مُقَدَّر، أي: دِرْهَمٌ، أو دينارٌ، أو مُدٌّ. قال (ش): ورُوي برفع (مائة)، ووجْهه: ثم يَقبِض يدَه. قلتُ: يمكن تَوجيهه بأن اسمه ضمير الشَّأْن، و (لمائةٌ) مبتدأٌ خبره (لبعضهم)، والجُملة خبر إنَّ، والمقصود وَصْف زمان النبيِّ ﷺ بشدة فَقْر الدُّنيا، وإنما كثُر الفُتوح والمالُ في أيام الصَّحابة. * * * ١٤١٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَعْقِلٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ". الثالث: (بشق) بكسر الشين: النِّصْف، أي: ولو كان الاتقاءُ بتصدُّق شِقِّ تمرةٍ. * * * ١٤١٨ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَناَ عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَناَ مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بنِ حَزْمٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَن

стр. 2382

عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَتِ امْرَأةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا تَسْأَلُ، فَلَمْ تَجدْ عِنْدِي شَيْئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ، فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا، فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنتَيْهَا وَلَمْ تَأْكلْ مِنْهَا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْنَا، فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: "مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ". الرابع: (هذه البنات) الظاهر الإشارةُ إلى أمثال المَذكورات في الإفَاقة، ويحتمل جنْس البنات مطلقًا. (بشيء)؛ أي: بنفْس البنات، أو بأحوالهنَّ. (سترًا)؛ أي: جنْس السَّتْر، وإلا لقال: أَستارًا. * * * ١١ - بابٌ أيُّ الصَّدَقةِ أفْضَلُ، وصَدَقةُ الشَّحِيحِ الصَّحيحِ لِقَوْلهِ: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الآيَةَ، وَقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾ الآيَةَ. (باب صدَقَة الشَّحِيْح الصَّحيح) ١٤١٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا

стр. 2383

عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ، حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُل إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ: "أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَخْشَى الْفَقْرَ وَتأْمُلُ الْغنَى، وَلَا تُمْهِلُ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ". الحديث الأول: (تصدق) بتخفيف الصاد، وحذف إحدى التاءَين، وفي بعضها: (تصَّدَّق) بتشديدها بإدغام التاء فيها. (شحيح) الشُّحُّ: البُخل مع الحِرْص، وقيل: أعمُّ من البُخل، وقيل: هو كوصفٍ لازم من قِبَل الطَّبعْ. (وتأمُل) بضمِّ الميم، أي: تطمَعُ بالغِنَى. (ولا تمهل) بالرفع والنصب، وفي بعضها بالسكون. (بلغت)؛ أي: النَّفس، يدلُّ عليه السِّياق. (الحلقوم) الحلْق، أي: قاربَتْ أن تبلُغ ذلك؛ إذ لو بلَغت ما صَحَّ تصرُّفه، ولا وصيَّتُه اتفاقًا. قال (خ): فيه أن المرَض يقصِرُ يدَ المالك عن بعضِ ملْكه، وأن سَخاوته في مرَضه لا تمحُو عنه سِمَةَ البخيل، ومعنى شُحِّه بالمال: أنْ يجد له وقْعًا في قلْبه لما يأْملُه من طُول العمُر، ويخافه من حدُوث الفَقْر. (الفلان) قال (خ): الأوَّلانِ كنايةٌ عن الموصَى له، والثالث عن الوارث، أي: إذا صار للوارث إنْ شاء أبطلَه ولم يُجِزْه.

стр. 2384

قال (ك): ويحتمل أنه كنايةٌ عن المورث، أي: خرَج عن تصرُّفه واستقلاله بما شاء من التصرُّف، فليس له في وصيته كثير ثوابٍ بالنِّسبة إلى ما كان وهو كامل التصرُّف، وقيل: كنايةٌ عن الموصَى له أيضًا، أي: كان في تقدير الأزَل له، وسبق القَضاء بذلك، وحاصله أن الشُّحَّ غالبٌ في الصِّحَّة، فالصدقة حينئذٍ أعظَمُ أجرًا. * * * ١١ / -م - بابٌ ١٤٢٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانة، عَنْ فِرَاسٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ قُلْنَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَيُّنَا أَسْرَعُ بِكَ لُحُوقًا؟ قَالَ: "أَطْوَلُكُنَّ يَدًا"، فَأَخَذُوا قَصَبَةً يَذْرَعُونَهَا، فَكَانَتْ سَوْدَةُ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا، فَعَلِمْنَا بَعْدُ أَنَّمَا كَانَتْ طُولَ يَدِهَا الصَّدَقَةُ، وَكَانَتْ أَسْرَعَنَا لُحُوقًا بِهِ، وَكَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ. الحديث الثاني: (قلن) الضمير لبعض أزواجه ﷺ . (أينا أسرع) مبتدأٌ وخبرٌ، وإنما لم يقُل: أيَّتُهنَّ؛ لقَول سِيْبَوَيْهِ، -كما نقلَه في "الكشاف"، في (سورة لُقمان) -: أنها مثلُ كُلٍّ حتى يكون: (أيَّتُهنَّ) ليستْ بفصيحةٍ مثل: (كلُّتُهنَّ).

стр. 2385

(لُحُوقًا) نصبٌ على التَّمييز. (أطولكن) خبر مبتدأ محذوفٍ دلَّ عليه السُّؤال، وكان القِياس طُولًا، لكن جاءتْ أفعَل التَّفضيل مفردًا في مثله كثيرًا. (يذرعونها)؛ أي: يقدِّرونها بذَرْع كلِّ واحدةٍ منهنَّ أيُّها أَطوَل، والضمير راجعٌ لمعنى الجمْع لا للفظ جماعة النِّساء، وإلا لقال: يَذْرعْنَ، أو أنهنَّ، عدَل إليه تعظيمًا لشأْنهنَ، كما قال: وإنْ شِئْت حرَّمْت النِّساءَ سِواكُمُ (سودة)؛ أي: بنت زَمعة، تزوُّجها ﷺ بعد خَديجة على المشهور. (بعدُ) مبنيُّ على الضمِّ. (أنما) بفتح الهمزة. (الصدقة) اسم (كان)، و (طُوْل يدِها) خبرٌ مقدَّم. قال ابن دِحْية وغيره: هذا الحديث وإنْ صحَّ إسناده لكنَّه وهْمٌ بلا شكٍّ، فلا خلافَ بين أهل السِّيَر أن زَينب كانتْ أوَّلَهنَّ مَوتًا، وكذا رواه مسلم عن عائشة قالت: لأنها كانتْ تعمل بيَدها وتتصدَّق، وكأنه سقَط من رواية البخاري ذكر زَينب. وقال (ن) في "التهذيب": إنَّ عائشة قالت: لمَّا قال النبي ﷺ : "أَسْرَعكُنَّ بي لُحوقًا أطولُكنَّ بَاعًا"، فكنَّا إذا اجتمعنا نمُدُّ أيديَنا في الجِدار نتطَاول، حتى تُوفِّيتْ زينب، وكانت امرأةً قصيرةً، ولم تكن أطولَنا، فعَرفْنا أنَّ المراد بطُول اليد الصَّدقة، وكانت زينب امرأةً
следующие страницы →