مَفْعِل يأْتي للزمان، أي: لأنها صارتْ بملْك المتصدِّق عليها بها حَلالًا، فصحَّ منها هديتُها، وإنما قال ﷺ ؛ لأنه كان يحرم عليه أَكْل الصَّدقة.
* * *
٣٢ - بابُ زكَاةِ الْوَرِقِ
(باب زكاة الوَرِق)
١٤٤٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ مِنَ الإِبِلِ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ".
١٤٤٧ / -م - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَني عَمْرٌو، سَمِعَ أَبَاهُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ بِهَذَا.
(ذَوْد) بفتح المعجمة، وسكون الواو: من الثَّلاثة إلى العشَرة.
(من الإبل) بيان للذَّوْد.
(أواقي) جمع أُوقية، وهي الشَّرعية، أُوقِيَّة الحجاز أربعون درهمًا.
стр. 2417
(أوسق) الوَسْق سِتُّون صاعًا، سبق في (باب: ما أُدِّيَ زكاتُه فليْس بكنْزٍ).
(سمعت) هذا وجْهُ هذه الطَّريق، فإنَّ (قال) في الأُولى يحتمل أن يكون بواسطةٍ بخلاف (سمعتُ).
* * *
٣٣ - بابُ الْعَرْضِ فِي الزَّكَاةِ
وَقَالَ طَاوُسٌ، قَالَ مُعَاذٌ ﵁ لأَهْلِ الْيَمَنِ: ائْتُوني بِعَرْضٍ ثِيَابٍ خَمِيصٍ أَوْ لَبِيسٍ فِي الصَّدَقَةِ، مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ، وَخَيْرٌ لأَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَأَمَّا خَالِدٌ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ"، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ"، فَلَمْ يَسْتَثْنِ صَدَقَةَ الْفَرْضِ مِنْ غَيْرِهَا، فَجَعَلَتِ الْمَرْأةُ تُلْقِي خُرْصَهَا وَسِخَابَهَا، وَلَمْ يَخُصَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ مِنَ الْعُرُوضِ.
(باب العَرْض في الزَّكاة)
العَرْض -بسكون الراء-: ما سِوى الدَّنانير والدَّراهم، أما بفتح الرَّاء فأعمُّ؛ لأنه ما عرَض لك من مالٍ، قلَّ أو كثُر، ومنه: "الدُّنْيا عَرَضٌ حاضِرٌ".
стр. 2418
(قال معاذ) قال (ش): فيه انقطاعٌ، وطاوس لم يَلْقَ مُعاذًا، ولو سلِّم صِحَّته، فقيل: إنَّ ذلك في الجِزْية لا في الصَّدقة، وقال غيره: وصلَه يحيى بن آدم فى"كتاب الخراج".
(ثياب) بدَلٌ من (عَرْض)، أو بيانٌ، وفي بعضها بإضافة عَرض؛ كشجَر أَراكٍ، فالإضافة بيانيَّةٌ.
(خميص) بفتح المعجَمة، وبالصاد المهملة، وهو أيضًا بيانٌ لما قبلَه، ومعناه: ثِياب خَزٌّ وصُوفٌ مُعلَمةٌ كانوا يلبَسونها، واحدُه: خَمِيْصة، وقال (ك): الخَمِيْص: كِساءٌ أسودُ مربَّعٌ له علَمان.
قال (ط): المشهور: ائْتُوني بخَمِيْس، بالسِّين، وهو الثَّوب الذي طُوله خمسةُ أذْرعٍ.
(أو لبيس) فَعِيْل بمعنى مَلبُوس، قيل: ولا حُجَّةَ في هذا على أخْذ القِيْمة في الزكاة مطلقًا؛ لأنه لحاجةٍ عَلِمَها بالمدينة رأَى المَصلَحة في ذلك، ويحتمل أنه أخَذ منهم شعيرًا وذُرةً، ثم اشترى بها ثِيابًا، ورأى أن ذلك أرفَق للصحابة، أو أن مؤونة النَّقْل ثقيلةٌ فرأى التَّخفيف في ذلك.
(والذرة) بتخفيف الراء.
(أهون) خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هو أَسْهَل.
(عليكم) أتى بـ (على) دون اللام؛ لإرادة تَسلط السُّهولة عليهم.
(وأما خالد) سيأتي وصْلُ البخاري له قَريبًا.
(فقد احتبس)؛ أي: وقَفَ، فهو يَتعدَّى كـ (حبَسَ)، ولا يتعدَّى
стр. 2419
إذا طاوَعَ المُعدَّى.
(أدراعه) جمع دَرْع، وهو الزَّرَدية.
(وأعتده) بضمِّ المثنَّاة فوق: جمع عَتَاد، وهو المُعَدُّ من السِّلاح والدَّوابِّ للحرب، كعَنَاقٍ، وأَعْنُقٍ، وقد يُجمَع على أَعْتِدةٍ؛ كزَمانٍ وأَزمِنَةٍ، ويُروى: (وأعبُدَهُ) بالموحَّدة جمع عبْدٍ خلاف الحُرِّ، وصحَّحها ابن مُفوَّز، وأفرد فيه مُصنَّفًا.
ووجْهُ دلالة الحديث على التَّرجمة: أنه لولا وقْفه لأعطاهما زكاةً؛ إذ صَرْفهما في الزكاة كصرفهما في سبيل الله؛ إذ الكلُّ سبيل الله، أو أنَّ سبيل الله أحَدُ مصارِف الزكاة الثَّمانية.
وقال (ن): إنهم طلَبوا من خالدٍ زكاة أعْتَادِه، ظنًّا أنها للتِّجارة، فقال لهم: لا زكاةَ عليَّ، فقالوا للنبيِّ ﷺ : إن خالِدًا منَع، فقال: (إنَّكُم تَظلمُونه)؛ لأنَّه حبَسها ووقَفها في سبيل الله قبل الحَوْل، فلا زكاةَ فيها، ويحتمل لو وجبَت عليه زكاةٌ لأعطاها، فإنه قد وقَف أمواله لله تعالى متبرِّعًا، فكيف يَشِحُّ بواجبٍ عليه؟!
قال: وفيه دليلٌ على وقْف المنقول خلافًا لبعض الكوفيين.
(وقال النبي ﷺ : تَصَدَّقْنَ) سبَق وصْلُ البخاري له في (العيدين).
(حَلْيكُنَّ) بفتح أوله، وسكون ثانيه مفردًا، أو بضمِّ أوله، وتشديد الياء جمعًا.
(فلم يستثن) هو بقية كلام البخاري في الاستِدلال.
стр. 2420
(خَرْصها) بضمِّ الخاء وكسرها.
(وسخابها)؛ أي: القِلادة، وموضع الاحتجاج به أنَّ السِّخاب ليس من فضَّةٍ ولا ذهبٍ.
قال ابن زيد: هو قِلادةٌ من قَرَنْفُل أو غيره، ولكنْ جواب الشافعية عن ذلك أن الصدقة المطلقة محمولةٌ على التطوُّع؛ لأنه العُرف.
* * *
١٤٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ، أَنَّ أَنَسًا ﵁، حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ ﷺ : "وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ مَخَاضٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ بِنْتُ لَبُونٍ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ، ويُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ عَلَى وَجْهِهَا، وَعِنْدَهُ ابْنُ لَبُونٍ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ".
الحديث الأول:
فيه التسلسل بالأَنسِيَّة، أي: كلُّهم أنَسِيُّون، فإن: (محمد بن عبد الله) هو ابن المثنَّى بن عبد الله بن أنَس يروي عن أبيه، وأبوه عن (ثُمامة) أي: عمِّه، وهو عن أنَس.
(رسوله) في بعضها: (رسول الله ﷺ ).
(بنت مخاض)؛ أى: لأن أُمَّها لحقَتْ بالمَخاض، وهو وجَع
стр. 2421
الولادة، وقيل: إنه اسمٌ لجماعة النُّوق الحَوامِل، فهي ذات حمْل كاملٍ فنُسب للجمْع، لا لأنه ولَد الكل، بل لأنَّ أُمه وضعتْه في وقتِ ما حملت النُّوق التي وضعتْ مع أُمه، فنُسب إلى الجماعة بحكم مُجاورة أمه لهنَّ.
(بنت لبون) لأنها ولَدتْ غيرها، وصار لها لبَنٌ، فهي ذات حولَين.
(المصدق) بكسر الدال: السَّاعي، وكان أبو عُبيدة يَرويه بفتحها: صاحب المال، وخالفَه عامة الرُّواة.
(على وجهها)؛ أي: الوجه المفْروض بلا تَعدٍّ.
دلالته على الترجمة إعطاءُ سِنٍّ بدَلَ سِنٍّ، أو أن العامل لمَّا أعطى الجُبْران، وكان العكس جائزًا أيضًا كان أخْذ القيمة في الزكاة مُعِينًا على أخذها في التفاوت.
* * *
١٤٤٩ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَطَاءِ ابْنِ أَبِي رَبَاحٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ لَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ، فَرَأَى أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ، فَأَتَاهُنَّ وَمَعَهُ بِلَالٌ ناَشِرَ ثَوْبِهِ فَوَعَظَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ أَنْ يَتَصَدَّقْنَ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِي، وَأَشَارَ أَيُّوبُ إِلَى أُذُنِهِ وَإِلَى حَلْقِهِ.
الحديث الثاني:
(لصلى) جواب قسَمٍ تضمَّنه لفظ: (أَشْهَدُ)؛ لأنه كثيرًا ما يُستعمل
стр. 2422
في القسَم، أي: أحلِفُ باللهِ لقَد صلَّى.
(إلى أذنه)؛ أي: إلى ما في أذُنه، وهو القُرْط.
(وإلى حلقه)؛ أي: القِلادة.
* * *
٣٤ - بابٌ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقِ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ
وَيُذْكَرُ عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُهُ.
(باب: لا يُجمَعُ بَينَ مُتفرِّقٍ) بكسر الراء.
(مجتمع) بكسر الميم.
(ويذكر) إلى آخره، وصلَه أبو يَعلَى، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، وهو في "مسند الدَّارِمي"، و"صحيح ابن خُزيمة" مختصرًا.
قال (خ): الحديث في زكاة الخُلَطاء.
قال مالك: بأن يكون لكلٍّ منهما أربعون، فيجمعانها حتى يكون على الكُلِّ شاةٌ، أو لكلِّ مائةٍ وواحدة، وهما مجتمعان متفرقان، حتى لا يجب ثلاثُ شياهٍ، كل شاةٍ على واحدٍ، وقال الشافعي: هذا خِطَابٌ للمصدِّق وربِّ المال معًا؛ فإن الخشية خَشيتان: خشْية السَّاعي أن تقِلَّ الصدقة، وخشية المالِك أن تكثُر، فأُمر كلٌّ منهما أن لا يُحدث شيئًا من الجمْع والتَّفريق.
стр. 2423
١٤٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ، أَنَّ أَنَسًا ﵁، حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ الَّتِي فَرَضَ رسولُ الله ﷺ ، ولا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، ولا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ.
(خشية) تنازعَ فيه الفِعلان: يُفرَّق، ويُجمَع.
* * *
٣٥ - بابٌ مَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ
وَقَالَ طَاوُسٌ وَعَطَاءٌ: إِذا عَلِمَ الْخَلِيطَانِ أَمْوَالَهُمَا فَلَا يُجْمَعُ مَالُهُمَا، وَقَالَ سُفْيَانُ: لَا يَجِبُ حَتَّى يَتِمَّ لِهَذَا أَرْبَعُونَ شَاةً، وَلهَذَا أَرْبَعُونَ شَاةً.
(باب ما كان من خَليْطَين)
أسقطه (ك)، وأدخل حديثه في الباب قبلَه.
(وقال طاوس وعطاء)؛ أي: كانا يقولان بعدَم اعتبار خلْطةِ الجِوار، وإنما المعتبر خِلْطة الشُّيوع، وبه قال أبو حنيفة، وكذا ما قاله (سفيان)، كان لا يرى للخِلْطة تأثيرًا.
* * *
стр. 2424
١٤٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ، أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ كتَبَ لَهُ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ".
(التي فرض)؛ أي: قدَّرها.
(وما كان) عطفٌ على: (التي فرض)، أو هو مبتدأٌ خبره محذوفٌ، أي: وفيها هذا الكلام.
(يتراجعان)؛ أي: يَرجع كلٌّ منهما بحِصَّته، قال (خ): كأنْ يكون لكلٍّ منهما عشرون شاةً مخلوطاتٍ، فياْخذ السَّاعي الشَّاةَ من أحدهما، فيرجع على خَليطه بقيمة نصْف شاةٍ.
وفيه أن الخِلْطة تصحُّ مع تمييز أعيان الأموال.
* * *
٣٦ - بابُ زكَاةِ الإِبِلِ
ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو ذَرٍّ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ﵃، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(باب زكاةِ الإبِل)
(ذكره) إلى آخره، أسند البخاري الثلاثة في (أبواب الزكاة)،
стр. 2425
وحديث أبي ذَرٍّ في (النذر) أيضًا.
* * *
١٤٥٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الْهِجْرَةِ فَقَالَ: "ويحَكَ، إِنَّ شَأْنَهَا شَدِيدٌ، فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ تُؤَدِّي صَدَقَتَهَا؟ "، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبِحَارِ، فَإِنَّ اللهَ لَنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا".
(إن شأنها شديد)؛ أي: إن القِيام بحقِّ الهجْرة شديدٌ لا يستطيع القِيام به إلا القَليل، وهي وإنْ كانت واجبةً لكن النبي ﷺ عَلِمَ أنها متعذِّرةٌ على السائل شاقَّةٌ عليه، وفي إيجابها عليه إضرارٌ به، ولا يُقال: إن ذلك كان بعد نَسْخ وجوب الهجْرة؛ إذ لا هجْرةَ بعد الفتْح؛ لأنه يحتاج لمعرفة تاريخ مجيء الأعرابي، وأيضًا فالمنسوخ إنما هو الهجْرة من مكَّة، وأما غيرها فكلُّ موضعٍ لا يقدر المكلَّف على إقامة حدود الدِّين فالهجْرة عليه فيه واجبةٌ.
(من إبل) اقتصَر عليه وإنْ كانتْ الواجبات كثيرة؛ لأن السائل كان من أهْل الإبل، والباقي منقاسٌ عليه.
(من وراء البحار) بموحَّدةٍ، ومهملةٍ، أي: وراءَ القُرى والمدُن، وإلا فليس وراء البحار مساكن، والمقصود: اعمَل الخيْر حيثُما كنتَ،
стр. 2426
ولو كنتَ في أبعد مكانٍ، فإن الله لا يضيع أجرَ إحسانك.
وفيه أنه يحصُل ثواب الهجْرة لمن وجبَتْ عليه ولكن تعذَّرت، وكذا كلُّ طاعةٍ كالمريض يصلِّي قاعدًا، ولو كان صحيحًا يصلِّي قائمًا، وإنما له ثوابُ صلاة القائم.
قال (ش): وعند أبي الهَيْثَم: التُّجَّار، وهو وهمٌ.
(يَتِرَك) بكسر التاء: بمعنى ينقُصَك، كما قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]، وفي بعضها: (يَتْرك) بسكون التاء من التَّرك.
(من عملك)؛ أي: من ثَواب عمَلك.
* * *
٣٧ - بابُ مَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ بِنْتِ مَخَاضٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ
(باب مَن بلغَتْ عندَه صدَقةٌ)، بالرفع فاعل (بلَغَ)، (بنت مخاض) بالنَّصب مفعولُه، ورُوي بإضافة (صدقةٍ) إلى (بنْت)، وكذا كُلُّ ما هو مثل ذلك في هذا الباب، وأورده (ط): من بلَغت صدقتُه بنتَ مخاضٍ، وليستْ عنده، ثم قال: لم يأتِ ذكره في هذا الحديث، إنما ذكَره في (باب العُروض في الزكاة)، وهذا غَفْلةٌ من البخاري.
قلتُ: لكن وجه أخْذِه من الحديث من قوله: (ومَنْ علَيه بنْتُ لَبونٍ وليستْ عندَه، وعنده بنت مخاضٍ)؛ فإن العكس سائغٌ كما في
(استيسرتا) بمعنى: تيسَّرتا.
(المصدق) بتخفيف الصاد: السَّاعي.
وفيه أنه لا يُصعد عن الجذَعة إلى سِنٍّ فوقَها مع أخْذ جُبرانٍ من الساعي؛ لأنها أعلى السِّن الواجب؛ لأنها نهاية الإبل في الحُسْن والدَّرِّ والنَّسْل والقُوَّة، وما بعدها رجوعٌ كالكِبَر والهرَم.
قلت: هذا على ما حسَّنه الرافعي، لكن الذي في "الروضة" وِفاقًا للجمهور: جَواز الصُّعود للثَّنَيَّة، أما بنتُ المخاض إذا فُقدت فلا نُزولَ منها إلى الفَصِيل اتفاقًا؛ لأن سِنَّ بنت المخاض أوَّل الانتفاع بالإبل، وما دونه لا انتفاعَ به غالبًا، ولهذا كانت أولَ الأسنان المُخرَجة في الزكاة.
وفيه أنه لا يصعد ولا ينزل عند وجود الفَريضة، وأن الخيارَ في الشاتين والعشرين للمُعطي، سواءٌ كان المالكَ أو السَّاعيَ، وأن كلًّا من الشاتين والعشرين درهمًا أصلٌ في نفسه لا بدلٌ؛ لأنه قد خُيِّر فيهما، وكان معلومًا لا يجري مجرى تعديل القيمة لاختلاف ذلك في الأزمنة، فهو تعويضٌ قَدَّرَهُ الشارع كالشاة في المُصَرَّاة، والغُرَّة في الجَنين؛ لتعذُّر الوقوف في مثل ذلك على مبلغ الاستحقاق، ولو نزلت إلى ما يَتداعاه الخصْمان لطال النِّزاع، بل والغالِب في الصدقة أن تُؤخذ على المياه، وفي البوادي، ولا سُوقَ هناك، ولا مُقوِّمَ يُرجع إليه فَقُدِّر هذا لقطْع النِّزاع، وإنما لم يُقرَّر مع ابن اللَّبون عن بنت المخاض
كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا أَرْبَعٌ مِنَ الإِبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا مِنَ الإِبِلِ فَفِيهَا شَاةٌ، وَفِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ فِي سَائِمَتِهَا إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ إِلَى مِائتَيْنِ شَاتَانِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائتَيْنِ إِلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِيهَا ثَلَاثٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِي كُلِّ مِائَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ ناَقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً وَاحِدَةً فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ، إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، وَفِي الرِّقَةِ رُبْعُ الْعُشْرِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ إِلَّا تِسْعِينَ وَمِائَةً فَلَيْسَ فِيها شَيْءٌ إلَّا أنْ يَشاءَ رَبُّها.
(البحرين) تثنية البحر ضِدُّ البَرِّ، وهو موضعٌ معروفٌ بين بحرَي فارِس والهنْد، مقارب جزيرة العرَب.
(وجهها)؛ أي: وجْه الفَريضة التي قدَّرها الله تعالى.
(فلا يعطها)؛ أي: الزيادة، وقيل: المعنى: لا يُعطيه شيئًا؛ لأنه فسَقَ بطلب الزِّيادة فيُعزل.
قال الطِّيْبِي: وروى جَرِيْر مرفوعًا: "أَرْضُوا مُصَدِّقَكُم وإنْ ظُلِمتُم"، ولا تَنافي بينهما، وإن مصدِّقي الصحابة لم يكونا ظالمين، وإنما أطلق ذلك بالنِّسبة لاعتقاد المزكِّي وزَعْمه، أو على سبيل المبالغة لا حقيقةً، وهذا عامٌّ فلا منافاةَ.
قال (ش): فلا يُعطَه، بفتح الطاء، والهاء للسَّكْت، كذا رواه أبو
стр. 2431
داود وغيره.
قلت: وكأنه سقَط من كلامه شيءٌ، فإنَّ فتْح الطاء إنما يكون مع (فمَن سأَل) المبنيِّ للفاعل.
(من الغنم) كأنه متعلِّقٌ بمبتدأ محذوفٍ، أي: زكاتُها من الغنَم، أو نحو ذلك.
قال الطِّيْبِي: هو بيانٌ لشاةٍ توكيدًا كما: "في خمْسٍ ذَوْدٍ من الإبل"، ومِنْ في: (كل خمسٍ) لغوٌ ابتدائيةٌ متصلةٌ بالفعل المحذوف، أي: فيُعطي في أربع وعشرين شاةً كائنةً من الغنم لأجْل كلِّ خمسٍ من الإبل.
قال (ك): (من) إما زائدةٌ، وإما بيانيةٌ، وإما ابتدائيةٌ واقعةٌ خبرًا لمبتدأ، أي: الزكاة ثابتةٌ في كذا من الغنَم.
وقال (ط): في نُسخة البخاري زيادة: (مِن)، وهو غلَطٌ من بعض الكتَبة، ثم المشهور في قوله: (من كل): في كلِّ، قال: وهذا مفسِّر لما أُجمل أولًا من أن واجب الأربع والعشرين فما دونها من الغنَم؛ فإنه لا يُدرى منه قدْر الواجب، وإنْ كان فيه بيانُ أن الواجب فيها الغنَم.
وإنما بدأَ بالإبل؛ لأنها الغالِب في أموالهم، وتعمُّ الحاجة إليها، ولأن أعداد نُصبها وأسنانَ الواجِب منها يصعُب ضبْطه.
وفيه استحباب التَّسمية في أول الكتُب، فقوله: (هذه فريضةٌ)
стр. 2432
أي: هذه نسخة فريضة، وأنَّ اسم الصَّدَقة والزكاة واحدٌ.
(أنثى): وكذا قوله: (في ابن لَبونٍ ذكَر) كلُّه توكيدٌ، كما تقول: رأَيتُ بعَيني، و ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣]، وقيل: احترازٌ عن الخُنثى.
قال الطِّيْبِي: أو لئلا يُتوهم أنه بنت طبق وابن آوى؛ فإنَّ كُلًّا منها شاملٌ للذكَر والأُنثى، أو أن ذلك تنبيهٌ لربِّ المال لتَطيب نفسُه بالزيادة المأخوذة، وللمصدِّق ليَعلم أن الذَّكَر مقبولٌ من ربِّ المال في هذا الموضع.
(طروقة)؛ أي: يعلُو على مثْلها الفَحْل، وطرَقَها الفَحْلُ، أي: ضرَبها، وفي رواية أبي داود: (الفَحْل) بدل (الجمَل).
(فإذا بلغت، يعني: ستًّا وسبعين) زاد هنا لفظ: (يعني) إما لأن المكتوب لم يكُن فيه لفظ (ستًّا)، أو أنَّ الراوي الأول تركَه ففسَّره الراوي عنه توضيحًا، وإنما لم يقُل في الكل مثلَ ذلك للإشعار بانتهاء أسنان الإبل فيه، وتعدُّد الواجب عنده.
(فإذا زاد على عشرين ومائة) قيل: يدلُّ على استِقرار الحِساب بعد مُجاوَزة العدد المذكور، وهو قول الأكثر خلافًا لقول أبي حنيفة أنه يُستأنَف الحسابُ بإيجاب الشاة، ثم بنت المَخاض، ثم بنت اللَّبون على الترتيب السابق.
(إلا أن يشاء ربُّها)؛ أي: يتبرَّع، كما في الأعرابي: "إلا أنْ تَطَّوَّع".
стр. 2433
(في سائمتها)، أي: راعيتها، فلا زكاةَ في المَعلوفة، إما عمَلًا بمفهوم الصِّفة، أو لكونه بدلًا مما قبلَه بإعادة الجارِّ، والمُبدَلُ منه في نية الطَّرْح، فلا يجب في مُطلَق الغنَم.
أما إعراب التركيب فلا مانعَ أن (شاة) مبتدأٌ مؤخَّرٌ، و (في صدقة الغنم) خبر مقدَّمٌ، أو (في صدقة) متعلِّق بفرَضَ أو كتَب مقدَّرًا، فيكون (شاةٌ) خبر مبتدأ محذوفٍ: زكاتها شاةٌ، أو بالعكس، أي: ففيها شاة.
(زادت على ثلاث مائة)، قال (خ): أي: مائة أخرى حتى تبلُغ أربع مائة، لأن زيادة الصَّدَقة فيها عُلِّقت بمائةٍ مائةٍ، فهذه الزيادة إنما تكون مائةً لا دونهما، وهذا قول عامة الفُقهاء، وعن بعضهم: إذا زادتْ واحدةً كان فيها أربع شياه.
(ناقصة) خبرُ (كان).
(واحدة) صفةُ (شاة) الذي هو تمييزُ أربعين، وقال (ك): هو منصوبٌ بنزْع الخافِض، أي: بواحدةٍ، أو حالٌ من ضمير ناقصة.
قال: وفي بعضها: (بشاةٍ واحدةٍ) بالجرِّ.
(وفي الرِّقة) بكسر الراء، وتخفيف القاف: الفِضَّة والدَّراهم المَضْروبة منها، وأصله: وَرِقٌ، حُذفت الواو، وعُوِّض منها الهاء، وتُجمع على رِقَاتٍ ورِقِيْن، وهذا عامٌّ في النِّصاب وما فوقَه.
وقال أبو حنيفة: لها وَقْصٌ كالماشية، فلا شيءَ على ما زاد على مئتي درهم، حتى تبلُغ أربعين درهمًا، ففيه حينئذٍ درهمٌ آخر، وكذا
стр. 2434
في كلِّ أربعين.
(إلى تسعين ومئة) قال (خ): ذكر التِّسعين لأنه آخِر فصْلٍ من فُصول المئة، والحساب إذا جاوز الآحادَ كان تَركيبه بالعُقود كالعشَرات والمئات والأُلوف، فلا يُتوهَّم منه وجوب الزكاة قبل أن تتِمَّ المئتان، لحديث: "لا صَدَقةَ إلا في خَمْسِ أَواقِي".
* * *
٣٩ - بابٌ لَا تُؤْخَذُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ وَلَا تَيْسَ، إِلَّا مَا شَاء الْمُصَدِّقُ
(باب: لا يُؤخَذ في الصَّدَقة هَرِمَةٌ)، أي: بكسر الراء: الكبيرة السِّنِّ.
١٤٥٥ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الله، قال: حدَّثني أبِي، قال: حَدَّثني ثُمَامةُ: أنَّ أنَسًا ﵁ حدَّثَهُ أنَّ أبا بَكْرٍ ﵁ كتَبَ لَهُ الَّتي أَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ ﷺ : "وَلَا يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ، وَلَا تَيْسٌ، إِلَّا مَا شَاءَ الْمُصَدِّقُ".
(عَوار) بفتح العين، وضمِّها: العَيب، وأسقط (ك) هذه الترجمة، وأدخلَ الحديث في الترجمة قبلَه.
(ولا تيس) هو فَحْل الغنَم من المعْز، وهذا إذا كانت ماشيةٌ كلُّها
стр. 2435
أو بعضها إناثًا، وإلا فيجوز أخْذ الذَّكر من الذُّكور، وإنما منع فيما سبق، إما لفَساد لحمه، أو لرغْبة المالك فيه، فيتضرَّر بزَواله، وكذا في أخْذ المريض والمَعِيْب.
(المصدق) بتخفيف الصاد، أي: السَّاعي، فالاستثناء إما من التَّيس، لأنه قد يَزيد على خيار الغنَم في القيمة لطلَب الفُحولة، أو من الكُلِّ إذا رآه أنفَع للمستحقِّين، أو الاستثناء منقطعٌ، أي: لكنْ يخرج ما شاء المصدِّق من الكامل.
قال (خ): لا يأْخذ المصدِّق شِرار الأموال كما لا يأْخذ كرائمَها، فلا يُجحف بالمالك، ولا يُزْري بالمستحقِّين.
* * *
٤٠ - بابُ أَخْذِ العَنَاقِ فِي الصَّدَقَةِ
(باب أخْذ العَنَاق في الصَّدَقة)، العَناق بفتح العين: الأُنثى من أولاد المعْز.
١٤٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزّهْرِيِّ ح،
وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرِ ﵁: وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونها إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ -
بِهَا فَخُذْ مِنْهُمْ، وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ".
(على اليمن) الإقْليم المعروف، عُدِّيَ بـ (على) وإنْ كان بَعَث متعدِّيًا بـ (إلى)، لتضمُّنه معنى: ولَّاهُ عليهم.
(تَقْدَمُ) بفتح الدَّال: مضارعُ قَدِم بالكسر، أي: جاءَ، أي: يقدُم بالضم فمعناه يتقدَّم.
(أول) بالنَّصب خبرُ (كان).
(عبادة) اسمها، والمُراد بها معرِفة الله، كما في: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] ولهذا قال: فإذا عَرفوا.
قال (ع): وهذا يدلُّ على أنَّ أهل الكتاب ليسُوا عارِفين لله تعالى وإنْ كانوا يعبدونه، ما عَرف اللهَ مَن جسَّمه من اليهود، أو أضافَ إليه الولَد، أو أجازَ عليه الحُلول والانتِقال، أو أضافَ إليه الصَّاحِبة والولَد، أو الشريك لمَعبودهم، الذي عبَدوه ليس هو الله، وإنما سمَّوه به؛ إذ ليس موصوفًا بصفات الإله الواجبة له.
(تؤخذ) في بعضها بإسقاطها، ولا بُدَّ من تقديرها، ويستدلُّ بها على أخْذ الزكاة قَهْرًا من المانِع لها.
(توق)، أي: احذَرْ.
(خيار) قال في"المَطالِع": أي جامِعة الكمال المُمكن في حقِّها من غَزارة اللَّبَن، وكمال الصُّورة، وكثرة اللَّحم والصُّوف.
وفيه العمل بخبر الواحد، وأن الوِتْر غير واجبٍ، لأنَّ بعْثه كان
стр. 2438
قبل وفاته ﷺ بقليل، وأن الكُفَّار يُدعَون إلى التوحيد قبل القِتال، ووعْظُ الإمام وُلاةَ الأمر، وأمرهم بتقوى الله، وتَوقِّي الظُّلم، وأنَّ الزكاة لا تُدفع لكافر.
قال ابن الصَّلاح: ما وقَع في حديث مُعاذ من ذِكْر بعض دعائم الإسلام هو من تقصير الرَّاوي، وسبق الحديث أول (الزكاة).
* * *
٤٢ - بابٌ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْد صدَقَةٌ
(باب: ليسَ فيما دُونَ خَمْسٍ ذَوْدٍ صدقةٌ)
أهملَه (ك) لسبْق الحديث فيه.
١٤٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالك، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الْمَازِنيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ، ولَيْسَ فيما دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الوَرِقِ صَدَقَةٌ، ولَيْسَ فيما دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنَ الإبِلِ صَدَقَةٌ".
(محمد بن عبد الرحمن) هو محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن، لكن نُسب لجدِّه اختصارًا.
* * *
стр. 2439
٤٣ - بابُ زكاةِ البَقَرِ
وقال أبُو حُمَيْدٍ: قال النبيُّ ﷺ : "لأَعْرِفَنَّ ما جاءَ اللهَ رَجُلٌ بِبَقَرَةٍ لَها خُوَارٌ -ويقالُ جُؤَارٌ- (تَجْأَرُونَ): تَرْفَعُونَ أَصْوَاتَكُمْ كَمَا تَجْأَرُ الْبقرة".
(باب زكاة البقَر)
(وقال أبو حميد) وصلَه البخاري في (الهبة) وغيرها، وسبق في (الصلاة).
(لا أعرفن) قال التَّيْمي: هو الأشهر، وفي الكتاب: (لأَعْرفَنَّ)، قال (ش): رُوي كذلك، والمعنى: لا ينبغي أن تكونُوا على هذه الحالة فأعرفَكم بها يوم القيامة وأراكُم عليها، وعلى الأول، أي: لا رأَيتُكم، ولا عرفتُكم، جواب قسَمٍ مقدَّرٍ.
(ما جاء)، (ما) مصدرَّيةٌ في موضع نصْبٍ.
(خُوار) بضمِّ المعجمة: صَوت البقَر.
(ويقال: جُؤار)، أي: بالجيم والهمز: رفْع الصَّوت، ومنه قوله تعالى في (سورة المؤمنين): ﴿يَجْأَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٤].
قوله (إليه)، أي: إلى النبيِّ ﷺ ؛ لسبْقه في حديث أبي جَهْل.
* * *
стр. 2440
١٤٦٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُويدٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَده -أَوْ وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، أَوْ كَمَا حَلَفَ- مَا مِنْ رَجُلٍ تَكُونُ لَهُ إِبِلٌ أَوْ بَقَرٌ أَوْ غنَمٌ لَا يُؤَدَّي حَقَّهَا إِلَّا أُتِيَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا تَكُونُ وَأَسْمَنَهُ، تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، وَتنطَحُهُ بِقُرُونهَا، كلَّمَا جَازَتْ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ".
رَوَاهُ بُكَيْرٌ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(أُتي) بالبناء للمفعول.
(أعظم) مضافٌ إلى (ما) المصدرية، ونصْبه على الحال؛ لأنها أثْقل زيادةً في عقوبته كما في: (تنطحه) بكسر الطاء، لأنه أبلَغُ في الطَّعْن، والخُفُّ للبعير كما أن القَرْن للبقَر والغنَم، ففيه لَفٌّ ونَشْرٌ.
(رُدت) بضمِّ الراء، وفي بعضها بفتحها، فالفاعل إما الأُخرى أو الأُولى.
(عليه) الضمير للرجل.
(حتى يُقضى)، أي: يُفرغَ من الحِسَاب.
(رواه بُكير) وصلَه مسلم، وهو بعُلُوٍّ في "مُستخرَج أبي نُعيم"، وسبق الحديث أول (الزكاة).
* * *
يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَسَمَهَا أبو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ.
تَابَعَهُ رَوْحٌ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَإِسْمَاعِيلُ عَنْ مَالِكٍ: رَايحٌ.
الحديث الأول:
(أبو طلحة)؛ أي: زَيْد الأنصاري، زَوْجِ أُم أنَس.
(مالًا) نصبه على التَّمييز.
(من نخل) صفةٌ له، أي: كائنًا من نخلٍ.
(بيْرُحَاء) فيه اضطِرابٌ في ضبْطه وإعرابه، فقيل: بكسر الموحَّدة، ثم همزٍ، مضافٌ إلى (حَى) بمهملةٍ وألفٍ مقصورةٍ، و (حَى) اسمُ قَبيلةٍ أو بُستان، والمراد في الحديث البُستان؛ لأن بساتين المدينة تُدعى بالآبار التي فيها، أي: البُستان الذي فيه بِئْر حَا، قاله التَّيْمي.
قال: ويجوز أن يُمدَّ حا في اللُّغة، وكذا قاله (ش).
قال (ع): الروايات فيه القَصْر، ورويناه بالمدِّ، وهو حائطٌ مسمًّى بهذا الاسم، وليس اسم بِئْرٍ، انتهى.
وعلى هذا فـ (بِئْر) إما مرفوعٌ خبرَ إِنَّ، أو منصوبٌ خبرها، والاسم (أحبُّ) بالرفع، والأول أجود؛ لأن المحدَّثَ عنه البِئْر.
وقيل بفتح الباء، وضم الرَّاء وفتحها، على أنه اسمٌ مقصورٌ لا تركيبَ فيه، وعلى هذا ففي تقدير الإعراب في ألِفه ما سبَق من الرفع والنصب.
وقال الصَّغاني: بيْرحَاء: فيعلى من البراح: اسم أرضٍ كانت
стр. 2443
لأبي طلحة بالمدينة، وأهل الحديث يُصحِّفون، ويقولون: بيْرُحاء، ويحسبون أنها بئر من آبار المدينة.
وسبق كلام (ع) بمعنى ذلك.
قلت: ولا تَنافي بين ذلك، فإن الأرض أو البستان باسم البئر التي فيه، كما سبق تقريره.
(مستقبلة)؛ أي: مقابلة لمسجده ﷺ ، وقريبة منه.
قال (ن): هذا الموضع يُعرف بقَصْر بني جَدِيْرة، بفتح الجيم، وكسر المهملة.
(بخ) كلمةٌ تُقال لتفخيم الأمر، والتعجُّب من حُسنه ومدْحه، والرِّضَا به، وكُرِّر للمبالغة، فإنْ وصلتَ كسرتَ، وتؤنَّث، وربَّما شُدِّدت.
قال ابن دُريد: هي بالسُّكون كسُكون اللام في هلْ وبلْ، ومَن نوَّنَه شبَّهه بالأَصوات كـ: صَهٍ ومهٍ، وقال (ع): حُكِي الكسْر بلا تَنوينٍ، ورُوي بالرَّفع، وإذا كُرِّرت فالاختِيار تحريك الأوَّل منوَّنًا، وإسكان الثاني.
(رابح) بالموحَّدة، أي: ذُو رِبْح كـ: لابِنٍ وتامِرٍ، أي: ربحَ صاحبُه في الآخرة.
(وبني عمه) من عطف الخاصِّ على العامِّ.
ووجْهُ مطابقته للترجمة مع كونه صدقةً لحُذيفة لا زكاةً: قياسُه على ذلك.
стр. 2444
وفيه إنفاقُ ما يجب، ومشاورةُ أهل الفضْل في كيفية الصَّدَقة والطَّاعة.
(تابعه روح) يأْتي وصلُها في (البيوع).
(ويحيى) وصلَها البخاري في (الوكالة).
(رائح)؛ أي: بمثنَّاةٍ تُقلب همزةً، مِن الرَّواح ضدُّ الغُدُوِّ، أي: قَريبُ الفائِدة يصِل نفْعُه إلى صاحبه كلَّ رواحٍ بلا كُلفةٍ، وقال (خ): أي: قَريبٍ يَروحُ، خبره: (ليس بغاربٍ)، وذلك أنفَس ما يكون من الأموال، وأحضَره نفعًا كقوله:
سأبْغِيْكَ مالًا بالمَدينةِ إنَّنَي ... أرى عَازِبَ الأَموالِ قلَّتْ فَضائلُه
وقال (ن): معناه رائِحٌ عليك منفعته وأجْرُه في الآخِرة، وقال (ك): يحتمل أنَّ مِن شأْنه الرَّواح، أي: الذَّهاب والفَوات، فإذا ذهَب في الخير فهو أَولى.
قال (خ): وفيه أن الوَقْف يصحُّ وإنْ لم يُذكَر سبيلُه ومصارفُه.
قلتُ: فيه نظَرٌ ظاهرٌ.
* * *
١٤٦٢ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَناَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَني زَيْدٌ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ -
السِّياق قد يُرجِّح النَّقلَ، لكن القياس يقتضي عُمومه.
* * *
٤٥ - بابٌ لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ
١٤٦٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ وَغُلَامِهِ صَدَقَةٌ".
(باب: ليسَ على المُسلِم في فَرَسه صدَقةٌ)
أي: لنَفْي ذلك في الحديث الذي أَورده خلافًا لقول أبي حنيفة في إناثها، أو ذكورها وإناثها، في كلِّ فرَسٍ دينارٌ، أو ربُع عُشر قِيْمتها.
قال (ن): وهو أصْل مال القُنْية، لا زكاةَ فيه، أي: فإنَّ الأموال ثلاثةٌ: المُعَدُّ للقُنية كالدابَّة والعبْد، والمالُ النَّامي بنفْسه كالأنْعام، والمُرصَدُ للنَّماء كالنَّقْد وعرض التِّجارة.
* * *
٤٦ - بابٌ لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ صَدَقَةٌ
١٤٦٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ خُثَيْمِ بْنِ
стр. 2447
عِرَاكٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
١٤٦٤ / -م - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا خُثَيْمُ بْنُ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ صَدَقَةٌ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ".
(باب: ليسَ على المُسلِم في عبْده (١) صدَقةٌ)
اكتفى (ك) عنه بالذي قبلَه، والإطلاق في قوله: (عبده) مقيَّدٌ بما في "مسلم": "في العبد إلا صدَقةَ الفِطْر".
قال (خ): المراد بنفْي الصَّدَقة في الفَرَس، والصَّدقة في العبد، أي: في أعيانها، أما التِّجارة فتجب في القِيْمة.
* * *
٤٧ - بابُ الصَّدَقَةِ عَلَى الْيَتَامَى
(باب الصَّدَقة على اليَتامَى)
١٤٦٥ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ يُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى الْمِنْبَرِ،
стр. 2448
وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ فَقَالَ: "إِنِّي مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا"، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَوَيَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقِيلَ لَهُ: مَا شَأْنُكَ تُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ وَلَا يُكَلِّمُكَ؟ فَرَأَيْنَا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، قَالَ: فَمَسَحَ عَنْهُ الرُّحَضَاءَ فَقَالَ: "أَيْنَ السَّائِلُ؟ " وَكَأَنَّهُ حَمِدَهُ، فَقَالَ: "إِنَّهُ لَا يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ، وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ أَوْ يُلِمُّ إِلَّا آكِلَةَ الْخَضْرَاءِ، أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ، فَثَلَطَتْ وَبَالَتْ وَرَتَعَتْ، وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ مَا أَعْطَى مِنْهُ الْمِسْكِينَ وَالْيَتِيمَ وَابْنَ السَّبِيلِ -أَوْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَإِنَّهُ مَنْ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَيَكُونُ شَهِيدًا عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
(ما يفتح) في محلِّ نصْب خبر إِنَّ، والجار والمجرور قبله الخبر.
(أوَيأتي) الهمزة للاستفهام، والواو مفتوحةٌ للعطف، قال (ك): على مقدَّرٍ بعد الهمْزة، أي: على طريقِه، كما سبق مرارًا.
قال التَّيْمي: أي: أتَصير نِعْمة الله التي هي زَهرةُ الدُّنيا عُقوبةً ووَبالًا.
قال (ن): أي: كمال الغَنيمة المفتوح علينا خيرًا ثم يُرتَّب عليه الشرُّ، فأجاب النبي ﷺ : بأن الخير الحقيقيَّ لا يأتي إلا بالخير، وهذه الزَّهرة ليس خيرًا حقيقيًّا؛ لِمَا فيها من الفِتْنة والمُنافَسة، والاشتِغال عن كمال الإقْبال على الآخِرة.
стр. 2449
ثم ضرَب المثَلَ الآتي، وحاصله: أن مَن استكثَر منه غيرَ صارفٍ له في وُجوهه، فهو ضارٌّ له، ومَنْ لم يأْخُذْ إلا يسيرًا، أو أخذ كثيرًا ولكنْ صرَفه في مصارفه كما تَثْلِط الدَّابَّة فلا يضرُّه.
(فسكت)؛ أي: انتِظارًا للوحْي.
(فقيل له)؛ أي: للسائل، لامُوه في ذلك ظنًّا أنه أنكر مسألته.
(فرأينا)؛ أي: ظننَّا أنه يَنزل عليه الوحي.
(الرُّحَضاء) بضمِّ الراء، ومهمَلةٍ مفتوحةٍ، وضادٍ معجَمةٍ ممدودةٍ: العَرَق الكثير.
(أين السائل) علِموا بسُؤاله عنه سُؤالَ راضٍ أنه حَمِدَه.
(لا يأتي الخير بالشر)؛ أي: ما قضَى الله أنْ يكون خيرًا [يكون] خيرًا، وعكسه، وأن الذي أخافُ عليكم تضييعَكم نعمتَه، وصرفَكم إياها في غير ما أمرَكم به، ولا تعلُّق لذلك بنفْس النِّعمة، ثم ضرب المثَل.
(وإن مما ينبت الربيع) كأنَّه قال: وأضرِبُ لكم مثَلًا لذلك، فلذلك أتَى بواو العَطْف، وإسنادُ الإنْبات للرَّبيع مجازٌ، والفاعل الحقيقيُّ هو الله تعالى، والمرادُ بالرَّبيع: الجَدول الذي يُستقَى به، وجمْعُه أَربُعًا.
(يقتل) صفةٌ لمفعولٍ محذوفٍ، أي: شيئًا، أو نباتًا.
قال (خ): أو ما، أي: ما يُقتَل.
стр. 2450
قال (ك): لا حاجةَ لذلك لصحَّة أن بعضَ ما ينبُت كما قال الزَّمَخْشَري في: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا﴾ [مريم: ٥٣]، أي: بعضَ رحمتِنا، أي: وأُعطي في مواضع كثيرةٍ للحرْف حُكمَ الاسم الذي هو متعلَّق معناه.
قلتُ: لكن الأوَّل أَوْضَح.
(أو يُلِمُّ) بضمِّ أوله، أي: يقرِّب من القَتْل، وسقَط منه شيءٌ ذكره في (كتاب الرَّقائق)، فقال: (ما يقتُل حَبَطًا أو يُلِمُّ)، والحَبَط بالمهملة: انتِفاخ البَطْن من داءٍ يُصيب الآكِلَ مما أكَلَ، يقال: أَحبَطت الدَّابَّةُ تَحبِط حبَطًا إذا أصابتْ مرعًى طيِّبًا فاطَّردتْ في الأكل حتى تَنتفخَ فتَموت، ويُروى بالخاء المعجَمة من التَّخبُّط، وهو الاضطِراب.
(إلا) بالتَّشديد: استثناءٌ عند أكثر الرُّواة، ورُوي: (أَلا) على الاستِفتاح، أي: ألا انظُروا ذلك واعتبِروا.
(الخَضِر) بفتح الخاء، وكسر الضَّاد: ضَرْبٌ من الكَلأ هو أفضَلُ المَراعي، واحدُه خَضِرَةٌ، مثْل: النَّصي والصِّلِّيان، وهما من أفضَل المَراعي، ويُروى: (الخُضَر) بضمِّ الخاء، وفتح الضَّاد: جمع خُضْرة، وروي: (الخضراء) بالمدِّ.
(خاصرتاها)؛ أي: جنْباها، أي: امتلأتْ شِبَعًا وعَظُم جَنْباها.
(فَثَلِطَتْ) بمثلَّثةٍ، ولامٍ مفتوحةٍ، أي: ألقَتْ السِّرْقِين سَهْلًا رَقِيْقًا، كذا قيَّده الجَوْهَرِي، وقال السَّفَاقُسِيُّ: بكسر اللام.
стр. 2451
(رتعت)؛ أي: اتسعَتْ في المرعَى.
(خضرة حلوة) أُنِّثَا مع أنَّ المال يُذكَّر باعتبار أنه زَهْرة الدُّنيا، وخصَّ لَون الخُضرة؛ لأنه أحسَن الألوان، وقال (خ): باعتبار أنَّ صورةَ الدُّنيا حسَنة المنْظَر مُونَقةٌ تُعجِب النَّاظِر، والعرَب تُسمِّي المشْرق خَضِرًا تَشبيهًا له بالنَّبات الأخضَر، وقيل: وبه سُمِّي الخَضِر ﵇ لحُسْنه وإشراق وجْهِه.
قال (ط): أو باعتبار البَقْلة شُبِّهت بالخَضِرة كما تقول للسُّجود حسَنةٌ، أي: فِعْلةٌ حسَنةٌ.
قال (ك): ووجْهٌ رابعٌ: أن التَّاء للمُبالَغة كَرَاويةٍ وعَلَّامةٍ.
قال (خ): فشُبِّه المُستكثِر من الدُّنيا الحَريص عليها بالتي استحلَتْ نبَات الرَّبيع لنُعومته، فاستكثَرتْ منه، وكان سبَبًا لهلاكها، والمُقْتصِد في الدُّنيا القانِع منها بقدْر الكفاية بآكِلَةِ الخَضِر، وهو من كَلأ الصَّيف، ولا تَستكثِرُ منه الماشية، بل تَرتعَ شيئًا فشيئًا، وجعل ما يكون من ثَلَطِها وبولها مثلًا لِمَا يصرفه من المال في الحقوق، والحاصل أن جمع المال غير محرَّمٍ، ولكن الاستكثار منه مع البُخل مذمومٌ، والاقتصاد محمودٌ، وصَرْفه في وُجوه الخير كذلك.
وقال (ط): يعني أن المال يُعجِب الناظرين إليه، ويحلُو في أعينهم فيدعُوهم حُسْنُه للاستكثار، فتضرَّروا به، كالماشية إذا استكثَرتْ من المَرْعَى ثلَطَتْ، وردَّه (ك) بأنَّه لا يبقى حينئذٍ لاستثناء
стр. 2452
آكِلَة الخَضِر معنًى؛ لشُمول التضرُّر لهم.
(ويكون شهيدًا عليه) الظَّاهر أنه يمثَّل له شُجاعٌ أقْرعُ في صورةِ مَن يَشهد عليه؛ لأنه معجزةٌ، ولا أكبر من شهادة المعجزات.
وفي الحديث: الحَضُّ على الاقتصاد في المال، وعلى الصَّدقة، وتَرْك الإمساك، وجوازُ ضرْب الأمثال، وسُؤال التِّلميذ العالم عن المجمَل ليُبيِّنه له، وأنَّ السُّؤال إذا لم يكُن في موضعه يُنكَر على سائله، وأن العالم يُؤخِّر الجواب حتى ينكشف له بيانُه، وأنَّ كسْب المال من غير حِلِّه غير مُبارَكٍ، كما قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٦]، وأن للعالم أن يُحذِّر مُجالِسيه فِتْنة المال، ويُنبِّههم على مواضع الخَوف، وبيانِ ما به الأمان.
قال (ن): وفيه حُجَّةٌ لمن يُرجِّح الغنيَّ على الفقير.
* * *
٤٨ - بابُ الزَّكَاةِ عَلَى الزَّوْجِ وَالأَيْتَامِ فِي الْحَجْرِ
قَالَهُ أَبُو سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(باب الزَّكاة على الزَّوج والأَيتام في الحَجْر)، بفتح الحاء وكسرها.
(قاله أبو سعيد) وصلَه في (باب: الزكاة على الأقارب).
* * *
(امرأة عبد الله)؛ أي: ابن مَسعود.
(فذكرته لإبراهيم)؛ أي: النَّخَعي، والقَصْد أنه رواه عن شيخين: شَقيقٍ، وإبراهيم.
(حليكن) بالفتح: مفردٌ، وبالضمِّ مشدَّدًا: جمعٌ.
(أيجزي) بفتح أَوَّله، أي: أيَكْفي.
قال (ك): الظَّاهر يقتضي أن تقول: عنا، ولكنْ أرادتْ كلَّ واحدةٍ منا، أو اكتفتْ بالحكاية عن نفسها، وفيه نظَرٌ.
(امرأة من الأنصار) روى ابن مَنْدَه: أنَّ اسمها أيضًا زَينب.
(لا تخبر)؛ أي: لا تُعيِّنْ اسمَنا، بل قُل: تسالُك امرأتانِ.
(من هما) هذا السُّؤال هو المقتضِي لبِلالٍ أن يُعيِّن؛ وإنْ كانت أَمَرَتاه أن لا يُعيِّن.
(قال: زينب) إنما لم يَذكُر في الجواب معها الأُخرى اكتفاءً باسم مَن هي أكبَر وأعظَم.
قال التَّيْمي: حَمَلَ البخاري الصَّدقةَ هنا على الزكاة، ولعلَّه بقرينةِ: (أَيَجزِي)؛ فإنَّ ذلك إنما يُقال في الفَرْض، وحمل إضافة الأيتام إليها على التَّربية لا الولادة.
قال (ط): أجاز الشَّافعيُّ صرْفَ المرأة زكاتَها للزَّوج الفقير لهذا الحديث، ومنَع أبو حنيفة، ومالك حَمْلًا على التطوُّع، وأجمعوا على أنه لا يجوز أن تُنفِق على ولَدها من الزكاة، فلمَّا كان على ولدها من
стр. 2455
غير الزكاة كان كذلك على زَوْجها.
قلتُ: قد سبق أن إضافة الأيتام لها إضافةَ تربيةٍ لا ولادةٍ؛ فاستَووا مع الزوج.
(بني)؛ أي: من أبي سلَمة زَوجها قبْل النبي ﷺ .
قال (ك): ووجه أخْذ التَّرجمة من ذلك: قياسُ الأيْتام من ولَد غير المزكِّي على الذين هو ولَد المزكِّي.
قلت: وفسَاد هذا الجَواب ظاهرٌ.
قال: أو أن هذا الحديث ذكر في الباب لمُناسبة الحديث الأوَّل في الإنفاق على اليَتيم فقط، والبخاري كثيرًا يعمَل مثلَه.
* * *
٤٩ - بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾
وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: يُعْتِقُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ وَيُعْطِي فِي الْحَجِّ، وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنِ اشْتَرَى أَبَاهُ مِنَ الزَّكَاةِ جَازَ، وَيُعْطِي فِي الْمُجَاهِدِينَ، وَالَّذِي لَمْ يَحُجَّ، ثُمَّ تَلَا: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآيَةَ فِي أَيِّهَا أَعْطَيْتَ أَجْزَأَتْ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ خَالِدًا احْتبَسَ أَدْرَاعَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ"، وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي لاسٍ: حَمَلَنَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ لِلْحَجِّ.