(رتعت)؛ أي: اتسعَتْ في المرعَى.
(خضرة حلوة) أُنِّثَا مع أنَّ المال يُذكَّر باعتبار أنه زَهْرة الدُّنيا، وخصَّ لَون الخُضرة؛ لأنه أحسَن الألوان، وقال (خ): باعتبار أنَّ صورةَ الدُّنيا حسَنة المنْظَر مُونَقةٌ تُعجِب النَّاظِر، والعرَب تُسمِّي المشْرق خَضِرًا تَشبيهًا له بالنَّبات الأخضَر، وقيل: وبه سُمِّي الخَضِر ﵇ لحُسْنه وإشراق وجْهِه.
قال (ط): أو باعتبار البَقْلة شُبِّهت بالخَضِرة كما تقول للسُّجود حسَنةٌ، أي: فِعْلةٌ حسَنةٌ.
قال (ك): ووجْهٌ رابعٌ: أن التَّاء للمُبالَغة كَرَاويةٍ وعَلَّامةٍ.
قال (خ): فشُبِّه المُستكثِر من الدُّنيا الحَريص عليها بالتي استحلَتْ نبَات الرَّبيع لنُعومته، فاستكثَرتْ منه، وكان سبَبًا لهلاكها، والمُقْتصِد في الدُّنيا القانِع منها بقدْر الكفاية بآكِلَةِ الخَضِر، وهو من كَلأ الصَّيف، ولا تَستكثِرُ منه الماشية، بل تَرتعَ شيئًا فشيئًا، وجعل ما يكون من ثَلَطِها وبولها مثلًا لِمَا يصرفه من المال في الحقوق، والحاصل أن جمع المال غير محرَّمٍ، ولكن الاستكثار منه مع البُخل مذمومٌ، والاقتصاد محمودٌ، وصَرْفه في وُجوه الخير كذلك.
وقال (ط): يعني أن المال يُعجِب الناظرين إليه، ويحلُو في أعينهم فيدعُوهم حُسْنُه للاستكثار، فتضرَّروا به، كالماشية إذا استكثَرتْ من المَرْعَى ثلَطَتْ، وردَّه (ك) بأنَّه لا يبقى حينئذٍ لاستثناء
стр. 2452
آكِلَة الخَضِر معنًى؛ لشُمول التضرُّر لهم.
(ويكون شهيدًا عليه) الظَّاهر أنه يمثَّل له شُجاعٌ أقْرعُ في صورةِ مَن يَشهد عليه؛ لأنه معجزةٌ، ولا أكبر من شهادة المعجزات.
وفي الحديث: الحَضُّ على الاقتصاد في المال، وعلى الصَّدقة، وتَرْك الإمساك، وجوازُ ضرْب الأمثال، وسُؤال التِّلميذ العالم عن المجمَل ليُبيِّنه له، وأنَّ السُّؤال إذا لم يكُن في موضعه يُنكَر على سائله، وأن العالم يُؤخِّر الجواب حتى ينكشف له بيانُه، وأنَّ كسْب المال من غير حِلِّه غير مُبارَكٍ، كما قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٦]، وأن للعالم أن يُحذِّر مُجالِسيه فِتْنة المال، ويُنبِّههم على مواضع الخَوف، وبيانِ ما به الأمان.
قال (ن): وفيه حُجَّةٌ لمن يُرجِّح الغنيَّ على الفقير.
* * *
٤٨ - بابُ الزَّكَاةِ عَلَى الزَّوْجِ وَالأَيْتَامِ فِي الْحَجْرِ
قَالَهُ أَبُو سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(باب الزَّكاة على الزَّوج والأَيتام في الحَجْر)، بفتح الحاء وكسرها.
(قاله أبو سعيد) وصلَه في (باب: الزكاة على الأقارب).
* * *
(امرأة عبد الله)؛ أي: ابن مَسعود.
(فذكرته لإبراهيم)؛ أي: النَّخَعي، والقَصْد أنه رواه عن شيخين: شَقيقٍ، وإبراهيم.
(حليكن) بالفتح: مفردٌ، وبالضمِّ مشدَّدًا: جمعٌ.
(أيجزي) بفتح أَوَّله، أي: أيَكْفي.
قال (ك): الظَّاهر يقتضي أن تقول: عنا، ولكنْ أرادتْ كلَّ واحدةٍ منا، أو اكتفتْ بالحكاية عن نفسها، وفيه نظَرٌ.
(امرأة من الأنصار) روى ابن مَنْدَه: أنَّ اسمها أيضًا زَينب.
(لا تخبر)؛ أي: لا تُعيِّنْ اسمَنا، بل قُل: تسالُك امرأتانِ.
(من هما) هذا السُّؤال هو المقتضِي لبِلالٍ أن يُعيِّن؛ وإنْ كانت أَمَرَتاه أن لا يُعيِّن.
(قال: زينب) إنما لم يَذكُر في الجواب معها الأُخرى اكتفاءً باسم مَن هي أكبَر وأعظَم.
قال التَّيْمي: حَمَلَ البخاري الصَّدقةَ هنا على الزكاة، ولعلَّه بقرينةِ: (أَيَجزِي)؛ فإنَّ ذلك إنما يُقال في الفَرْض، وحمل إضافة الأيتام إليها على التَّربية لا الولادة.
قال (ط): أجاز الشَّافعيُّ صرْفَ المرأة زكاتَها للزَّوج الفقير لهذا الحديث، ومنَع أبو حنيفة، ومالك حَمْلًا على التطوُّع، وأجمعوا على أنه لا يجوز أن تُنفِق على ولَدها من الزكاة، فلمَّا كان على ولدها من
стр. 2455
غير الزكاة كان كذلك على زَوْجها.
قلتُ: قد سبق أن إضافة الأيتام لها إضافةَ تربيةٍ لا ولادةٍ؛ فاستَووا مع الزوج.
(بني)؛ أي: من أبي سلَمة زَوجها قبْل النبي ﷺ .
قال (ك): ووجه أخْذ التَّرجمة من ذلك: قياسُ الأيْتام من ولَد غير المزكِّي على الذين هو ولَد المزكِّي.
قلت: وفسَاد هذا الجَواب ظاهرٌ.
قال: أو أن هذا الحديث ذكر في الباب لمُناسبة الحديث الأوَّل في الإنفاق على اليَتيم فقط، والبخاري كثيرًا يعمَل مثلَه.
* * *
٤٩ - بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾
وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: يُعْتِقُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ وَيُعْطِي فِي الْحَجِّ، وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنِ اشْتَرَى أَبَاهُ مِنَ الزَّكَاةِ جَازَ، وَيُعْطِي فِي الْمُجَاهِدِينَ، وَالَّذِي لَمْ يَحُجَّ، ثُمَّ تَلَا: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآيَةَ فِي أَيِّهَا أَعْطَيْتَ أَجْزَأَتْ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ خَالِدًا احْتبَسَ أَدْرَاعَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ"، وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي لاسٍ: حَمَلَنَا النَّبِيُّ ﷺ عَلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ لِلْحَجِّ.
стр. 2456
(باب قَولِ الله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠])
(تعتق)؛ أي: لقَوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾.
(ويعطي)؛ أي: لقَوله: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّه﴾.
(في أيها)؛ أي: إلى مَصرِفٍ من المَصارف الثَّمانية.
(أعطيت) مبنيٌّ للفاعل، أو المفعول، وكذا: (أجزأت).
وقوله: (إن خالدًا) سيأْتي موصولًا قريبًا.
(ويذكر عن أبي لاسٍ) بسينٍ مهملةٍ منوَّنةٍ، قال ابن عبد البَرِّ: اسمه: عبد الله، وقيل: زياد، انتهى. قال (ك): وقيل محمد الخُزاعي المدَني.
ووصَلَ حديثَ أبي لاسٍ أحمد، وإسحاق في "مُسنَديهما"، وصحَّحه ابن خُزَيمة، والحاكم.
(للحج)؛ أي: قِسْم سَبيل الله يُصرف في الجهاد، والوقْف، والحجِّ.
* * *
١٤٦٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّناَدِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالصَّدَقَةِ، فَقِيلَ مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلَّا أنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ
стр. 2457
فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَمَّا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَعَمُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَهْيَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ وَمِثْلُهَا مَعَهَا".
تَابَعَهُ ابْنُ أَبِي الزِّناَدِ، عَنْ أَبِيهِ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الزِّناَدِ: هِيَ عَلَيْهِ وَمِثْلُهَا مَعَهَا، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: حُدِّثْتُ عَنِ الأَعْرَجِ بِمِثْلِهِ.
(ابن جميل) هو رجلٌ من الأنصار.
قلتُ: قال في "جامع الأُصول" تبَعًا لابن مَنْدَه: لا يُعرف اسمه.
ونقَل ابن الجَوزي أنه قيل: إن اسمه: حُمَيد، ونقَل غيره أنه أبو جَهْم، أو أبو جُهَيم.
قال المُهلَّب: كان منافقًا، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا﴾ الآية إلى: ﴿فَإِن يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٤]، فقال: استَتابني الله، فتابَ وصلَحتْ حالُه.
(ينقم) بكسر القاف، ونقَم بالفتح، ويقال: نَقِم بالكسر، ينقَم بالفتح.
(إلا أنه كان فقيرًا)؛ أي: لا ينبغي له أن يمنع الزكاة؛ لأنه كان فقيرًا فأغناه الله، فليس هذا جزاءَ النعمة، أي: فلا ينقِم شيئًا من أمر الزكاة إلا أن يَكفُر النِّعمة، فكأنَّ غِنَاهُ أدَّاه لذلك.
(وأعْبُدَهُ) بالموحَّدة، أو بالمثنَّاة فوق، سبَق قريبًا.
(تابعه ابن أبي الزِّنَاد)؛ أي: عبد الرَّحمن بن عبد الله، وقد وصلَه
стр. 2458
أحمد، وأبو عُبَيد في "كتاب الأموال".
(وابن إسحاق) قال (ك): والظَّاهر أنه محمد صاحب "المغازي"، وقال غيره: وصلَه الدَّارَقُطْني.
(وقال ابن جريج)؛ أي: عبد الملِك.
قال (خ): قِصَّةُ خالد تُؤوَّل على وُجوهٍ: أنه إذا احتَبس أدراعه في سبيل الله تقرُّبًا، وليس بواجبٍ، فكيف يمنع الزكاة؟! أو أنه طُولب بزكاةِ أثمانِ الأدراع بناءً على أنها للتجارة، فأجاب عنه: بأنه احتبسَها، فلا زكاةَ فيها، وحينئذٍ فيدلُّ على الزكاة في مال التجارة، وجواز احتباس آلات الحرب، ويُقاس به الثِّياب، أو أنَّ ما احتبسَه يُحسب له من الزكاة؛ لأن أحَدَ الأصناف سَبيل الله، وهم المجاهدون، فَصَرْفُها في الحال كصرفها في المآل.
وفيه دليلٌ على جواز أخْذ القيمة عن أعيان الأموال، ووضْع الصدقة في صنفٍ واحدٍ.
وأما قصة العبَّاس فلفظة: (صدَقة) قلَّ المُتابعون فيها لشُعَيب، ورواية ابن إسحاق أَولى؛ لأن العبَّاس لا تحلُّ له الصدقة، وقال أبو عُبيد: أرى -والله أعلم- أنه كان قد أخَّر عنه الصدقة عامين لحاجة العبَّاس إليها، وفي رواية: (فهيَ عليَّ، ومثلُها)، ويُتأوَّل بأنه كان تسلَّف منه صدَقة عامين: العام الذي شكاه العامل فيها، والذي قبْلَه، ففيه دليلٌ على جواز التَّعجيل، وقال المُهَلَّب: المراد أنه يُعطيها عنه، أي: فللإمام أن يضمن الزكاة، وأما رواية: (فهي عليَّ)، فمعناه:
стр. 2459
أُؤدِّيها عنه إحسانًا إليه، وبِرًّا به.
قال (ك): وقيل: إنَّ معناه: سيتصدَّق بها ومثلِها معها كرَمًا، وقيل: المعنى: فأموالُه عليه كالصَّدَقة؛ لأنه استَدانَ في مُفاداة نفْسه وعَقِيْل، فصار من الغارِمين الذين لا زكاةَ عليهم، وقيل: القِصَّة في صدَقة التطوُّع.
وقال (ط): اختُلف في المراد بالرِّقاب، فقال مالك: تُشترى رقابٌ وتُعْتَق، وقال أبو حنيفة، والشافعي: يُصرَف للمكاتبين؛ لأنه عبَّر في غيرهم بما يقتضي التَّمليك، فكذلك الرِّقاب، وأيضًا فقد جمَع اللهُ كلَّ اثنين متقارِبين في المعنى كالفقير والمسكين، وكالعاملين والمؤلَّفة؛ لما فيها من المُعاوَنة، وكابن السَّبيل وسبيل الله؛ لاشتراكهما في قطْع المسافة، والرِّقاب والغارِمين؛ لأن كُلًّا منهما عليه دَينٌ، وقال مالك: لو أريد ذلك لاكتفَى بالغارمين.
واختُلف في (سبيل الله)، فقال الأكثر: الغُزاة؛ لأنه حيثُما أُطلق سبيل الله فالمراد الجهاد، وسبق ما قاله ابن عبَّاس.
* * *
٥٠ - بابُ الاِسْتِعْفَافِ عَنِ الْمَسْأَلَةِ
(باب الاستِعفاف عَن المَسأَلة)
١٤٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،
стр. 2460
عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ إنَّ ناَسًا مِنَ الأَنْصَارِ سأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: "مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وما أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطاءً خَيْرًا وأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْر".
الحديث الأول:
(نفد) بكسر الفاء، أي: فَنِيَ.
(ما يكون)، (ما) موصولةٌ متضمِّنةٌ معنى الشرط.
(أدخره) أجعلُه ذَخيرةً لغيركم، وهو بإهمال الدال في الفَصيح، وجاء بإعجامها مُدغمًا، وغير مدغمٍ.
(عطاء)؛ أي: يُعطي، أو شيئًا من العَطاء، وهو المفعول الثاني لـ (أَعطَى).
(خيرًا) بالنَّصب صفةٌ، وبالرفع خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هو خيرٌ، (وأوسع) عطفٌ عليه، فأعطاهم ﷺ لحاجتهم، ثم نبَّههم على موضع الفَضيلة.
فيه الحَثُّ على الصَّبر على ضِيْق العيش وغيره من المَكارِه، وأن الغنى والعِفَّة والصبر بيد الله.
قال الطِّيْبِي: مَن عَفَّ لكنْ إن أُعطيَ شيئًا لم يَرُدَّه؛ يملأُ الله قلبَه
стр. 2461
غنًى، ومَن فاز بالقدَح المُعلَّى وتصبَّر، وإن أُعطي لم يَقبلْ؛ فهو هو؛ إذ الصبر جامعٌ لمكارم الأخلاق.
* * *
١٤٧٠ - حدثنا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ، أخبرنا مالِكٌ، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأَعْرَجِ، عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلًا، فَيَسْأَلَهُ، أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ".
الثاني:
(خير له) لأنه إن أعطاه ففيه ثِقَل المِنَّة، وذلُّ السُّؤال، وإنْ منعه فذُلٌّ وخَيْبةٌ، وكان السلف إذا سقَطَ سَوطُ أحدهم لا يسأل مَن يُناوله.
وفيه التحريض على الأكْل من عمَل اليد، والاكتسابِ من المباحات.
* * *
١٤٧١ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَكُفَّ اللهُ بِهَا وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ".
الثالث:
(لأن) إما لام الابتداء، أو جواب قسمٍ محذوفٍ.
الرابع:
(خضرة)؛ أي: رَوْضةٌ خَضْراء، أو شجرةٌ ناعمةٌ، وسبق في تأنيثه وتأنيث (حلوة) -أي: مُستحلاةٌ- أَوجهٌ، وجمع بينهما حُسن المنظَر، وحلاوة الطَّعم.
(بسخاوة)؛ أي: بطِيْب (نفس) من غير حرصٍ عليه، قال (خ): أي: أخذَه ليُنفقه ويتصدَّق به، وأصل السَّخاوة: السُّهولة والسَّعَة.
قال (ع): فيحتمل عَوده للأخْذ بلا حرصٍ وطمَعٍ، وإلى الدَّافع، أي: بانشِراحٍ وطيب نفْسٍ.
(بإشراف)؛ أي: بتعرُّضٍ له، واطلاعٍ عليه، والإشراف على الشيء الاطلاع عليه، ومنه الشَّرَف وهو العُلوُّ.
(كالذي)؛ أي: لذي الجُوع الكاذب، ويسمَّى جُوع الكلب كلما ازدادَ أكلًا ازداد جُوعًا.
(واليد العليا) سبق بيانه في (باب: لا صدقةَ إلَّا عن ظَهْر غنًى).
(أرزأ) بتقديم الراء على الزاي المفتوحة، ثم همز، أي: نقص، قاله الجَوْهَرِيّ، ومعناه: أُصيبُ، يقال: رزَأْتُه، أي: أَصبْتُه منه.
(بعدك)؛ أي: بعد سُؤالك، أو لا أرزأُ غيرَك، وامتناعه من الأخذ مطلقًا مع أنَّه بسَعة الصَّدر وعدَم الإسراف مبارك = مبالغةٌ في التحرُّز؛ إذ مقتضى الجِبلَّة الإسراف والحِرْص، ومَن حامَ حول الحِمَى يُوشك أن يقَع فيه.
стр. 2464
(الفيء) أصله الخَراج والغَنيمة، ثم صار عُرفًا للفقهاء فيما كان من الكفَّار بغير قَهْر وقِتَال.
قال (ط): فيه إعطاء السَّائلين مال واحدٍ مرتين، وما كان ﷺ عليه من الكرَم، وفيه الاعتذار للسائل إذا لم يجد ما يُعطيَه، وموعظتُه، والحضُّ على الاستغناء عن النَّاس بالصبر، والتوكُّل على الله، وأنَّ الإجْمال في الطلَب مقرونٌ بالبركة، وفضْل الغنيِّ على الفقير -على تفسير اليد العُليا بالمُعطية-، والتعفُّف إنْ فُسِّرت بالمتعفِّفة، وأنه لا يستحقُّ من بيت المال إلَّا بإعطاء الإمام، ولا يُجبر أحدٌ على الأخْذ، وإنما أشهَدَ عُمر على حَكِيْم خشيةَ سُوء تأوُّله، فبرَّأ ساحتَه بالإشهاد.
* * *
٥١ - بابُ مَنْ أَعْطَاهُ اللهُ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلَا إِشْرَافِ نَفْسٍ
١٤٧٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِم، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعْطِينِي الْعَطَاءَ فَأقولُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إلَيْهِ مِنِّي، فقال: "خُذْهُ، إذا جاءَكَ مِنْ هذا المالِ شَيْءٌ وأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ ولا سائِلٍ فَخُذْهُ، وَمَا لا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ".
стр. 2465
(باب مَن أعطَاهُ الله شيئًا من غَيْر مسألةٍ)
وفي بعضها: (باب: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥]).
(خذه) إطلاق الأمر بالأخذ محمولٌ على المقيَّد بعده بالشَّرط.
(مُشْرِفٍ)؛ أي: طامعٍ.
(سائل)؛ أي: طالبٍ له.
(وما لا)؛ أي: لا يكون كذلك بأن لا يَجيئك، وتميل نفسك إليه.
(فلا تتبعه نفسك)؛ أي: في طلبه، واتركه، وفي الحديث منقبة لعُمر، وبيان زهده.
قال (ط): وأن للإمام أن يُعطي الرَّجل وغيرُه أحوجُ منه، وأن ما جاءه من الحلال بلا سؤالٍ فأخْذه خيرٌ من تَرْكه، وأن ردَّ عطاء الإمام ليس من الأَدب.
قال الطَّبَري: ندَب ﷺ إلى القَبول سواءٌ أكان المعطي سُلطانًا أو غيره مطلقًا إلَّا ما عُلِمَ أنَّه حرامٌ، وقد قَبلت الصحابةُ الهدايا، وقال عُثْمان: جَوائزُ السُّلطان لحمُ ظَبْي زَكي، وقال عِكْرمة: لا يقبل إلَّا من الأُمراء، وقيل: ما كان من مَأْثَمٍ فعليهم، ومن مَهْنأ فلَنا، وحرَّم بعضُهم جوائزه، وكَرِهها آخرون.
قال (ن): المشهور استحباب قَبول غير عَطيَّة السُّلطان، وأما
وَقَالَ مُعَلًّى: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمٍ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَمْزَةَ، سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَسْأَلةِ.
(مُزْعَة) بضم الميم، وسكون الزاي، وبالمهملة: القِطْعة اليَسيرة، وخُصَّ الوجه بهذا؛ لأن الجنايةَ به وقعتْ؛ لأنه بذَل من وجهه ما أُمر بصَونه.
قال (خ): يحتمل أنَّه يأتي يوم القيامة ذليلًا ساقِطًا، لا قَدْر له، فهو كنايةٌ عن ذلك، كما يُقال: فُلان ليس له وجْه عند النَّاس، وأن يكون قد نالتْه العُقوبة في وجْهه حتَّى سقَط لحْمه مشاكلةً للذنب بالعقوبة، كما جاء ممن رآهم ﷺ ليلةَ الإسراء تُقرَض شفاهُهم، وقال له جبريل: إنهم الذين يقولون ولا يَفعلون، وأن ذلك علامةٌ له وشعارٌ يُعرف به لا مِن عُقوبةٍ مسَّتْه في وجهه.
قال (ط): وإذا لم يكن فيه لحمٌ فتُؤذيه الشَّمس يوم القيامة أكثر من غيره.
(حتَّى يبلغ العرق)؛ أي: يسخُن النَّاس من قُربها، فيَعرقون، فيَبلغ العَرَق.
(ثم بمحمد ﷺ ) في الحديث اختصار، فإنهم يستغيثون قبلَه بغير من سبَق، وكلُّ ذلك لبيان رِفْعته وعَجْز غيره عن هذه الشَّفاعة.
(وزاد عبد الله) قال (ش): يُريد به ابن صالح أبو صالح بن
стр. 2468
الجُهَني كاتِب اللَّيث، وقيل: عبد الله بن وَهْب المصري، كذا رواه ابن شاهِيْن عن عبد العَزيز بن قَيْس المِصْري، ثنا أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن بن وَهْب، قال: حدَّثني عَمِّي، قال: حدَّثني اللَّيث، فذكَره.
قال (ك): هذا يحتمل التَّعليق حيث لم يقُل: زادني، وأنَّ عبد الله هو كاتِب اللَّيث، مات سنة ثلاثٍ وعشرين ومئتين، قال: ولعلَّ المراد بما حكَى الغَسَّاني عن الحاكم أنَّ البُخَارِي لم يُخرج عنه شيئًا في "الصحيح": أنَّه لم يُخرج حديثًا تامًّا مستقِلًا، انتهى.
وقال غيرهما: إن زيادة عبد الله بن صالح عن اللَّيث وصلَها البزَّار، والطبراني في "الأوسط"، وابن مَنْدَهْ في "كتاب الإيمان" له.
(بحلقة الباب) بإسكان اللَّام، أي: باب الجَنَّة، أو هو مجازٌ عن القُرب من الله تعالى.
(مقامًا محمودًا) هو مَقام الشَّفاعة العُظمى في إراحة أهل المَوقِف، وهي مختصةٌ به ﷺ .
(أهل الجمع)؛ أي: أهل المحْشَر الذي يُجمع فيه الأوَّلون والآخِرُون.
(وقال مُعلَّى) بفتح اللام المشدَّدة، وقد وصلَه يعقوب بن سُفيان عنه، والمراد أن هذه الرِّواية ليس فيه زيادةُ عبد الله بن صالح.
قال (ط): في الحديث ذَمُّ السُّؤال، أي: لغير فقْرٍ واضطرارٍ واحتياجٍ، ويُرجى له أن يؤجر إذا لم يجد عنه بُدًّا.
* * *
стр. 2469
٥٣ - بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾، وَكَم الْغِنَى؟ وَقَوْل النَّبيِّ ﷺ : "وَلَا يَجدُ غنًى يُغْنِيهِ" ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾
(باب قول الله : ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]؛ أي: لا يكون إلْحاحًا وإبْرامًا، ثم قيل: المعنى: يَسألون ولا يُلحِفون في المسألة، وقيل: لا يسألون أصلًا، كقوله:
لا ضَبَّ بها ينجحر
أي: لا ضَبَّ ولا انجحار، أي: لا يكون منهم سؤالٌ حتَّى يكون فيه إلحافٌ.
(غنى) بكسر الغين، والقَصْر: ضدُّ الفَقْر، وإن صحَّت الرواية بالفتح والمدِّ فإنَّه الكِفاية.
(للفقراء) عطفٌ على (لَا يَسألون)، وحرفُ العطف مقدَّرٌ، أو هو حالٌ، أي: قائلًا، نعَمْ، في بعضها: (لقَول اللهِ تعالى: للفقراء)، فيكون معناه: أنَّه شرط في السُّؤال عدَم وُجدان الغنى لوصف الله الفقراءَ بقوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] أي: فإنَّ من استطاع ذلك فله نوعُ غنًى.
* * *
стр. 2470
١٤٧٦ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَني مُحَمَّدُ ابْنُ زِيَاد قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ الأُكْلَةُ وَالأُكْلَتَانِ، وَلَكِنِ الْمِسْكِينُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ غِنًى وَيَسْتَحْيِي، أَوْ لا يَسْأَلُ النَّاسَ إِلْحَافًا".
الحديث الأول:
(الأُكلة) بضمِّ الهمزة: المأكولة، أي: اللُّقمة، وبفتحها: المَرَّة مع الاستِيفاء، ولكنْ لا معنى له هنا كما قال (ش)، قال: ويشهد للأول رواية: (اللُّقمة واللُّقمتان).
(ويستحيي) بياءَين، وبياءٍ واحدةٍ.
(أو لا يسأل) لا زائدةٌ، وفي بعضها: (ولا يَسأَل)، فـ (لا) غيرُ زائدةٍ.
وفيه أن المَسكَنة إنما تكمُل مع العِفَّة عن السؤال، والصبرِ على الحاجة، واستحبابُ الحياء في كل الأَحوال.
قال (ط): يُريد: ليس المسكين الكاملُ الذي هو أحقُّ بالصَّدقة، وأحوجُ إليها؛ لأن (الأَكلة والأَكلتان) لا تُخرج عن أصْل المَسكَنة.
ثم قال أبو حنيفة، ومالك: إنَّ المسكين أسوأُ حالًا من الفقير، وقال الشَّافعي: الفقير أسوأُ حالًا.
* * *
стр. 2471
١٤٧٧ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنِ ابْنِ أَشْوَعَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، حَدَّثَنِي كَاتِبُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنِ اكْتُبْ إِلَيَّ بِشَيءٍ سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ".
الحديث الثاني:
(أشوع) بالشين المعجَمة السَّاكنة، غير منصرفٍ.
(كره) قال (ن): الرِّضَا والكَراهة من الله أَمْره ونهيُه، أو ثوابه وعقابه، أو أراد الثواب والعقاب.
(قيل: وقال) إما فعلَان، وإما مَصْدران، ولكن كُتبا بغير ألفٍ على لغة رَبِيْعة.
قال صاحب "المُحْكَم": القَول في الخير، والقَال والقيل في الشرِّ خاصةً.
قال (ح): والمراد إما حكاية أقوال النَّاس كقال فلانٌ وقيل له، من باب ما لا يَعني، وإما نقل أمْر الدِّين بلا حُجَّةٍ ولا بيانِ مَن يُسمِّيه ولا يحتاط فيه.
(وإضاعة المال)؛ أي: الإسْراف كدَفْعه لغير رشيدٍ، أو احتمال الغُبن، أو سوء القِيام به في الرَّقيق ونحوه حتَّى يضيع، أو قسمة ما لا ينتفع به الشريك، ويحتمل أن المراد: أنْ يتخلَّى الرَّجل عن كلِّ ماله
стр. 2472
وهو محتاجٌ غيرُ قويٍّ على الصَّبْر، ويحتمل أن إضاعة جنْسه عن حقِّه والبُخل به.
(وكثرة السؤال) قال (خ): أي: الإكثار من سُؤال النَّاس أموالَهم، أو سؤال المرء عما نُهي عنه من المُتشابه الذِي تُعبِّدنا بظاهره، أو السُّؤال عن أمور النَّبِيِّ ﷺ [التي] لا حاجةَ لهم بها، ونحو ذلك كما في: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥]، ولهذا قال تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١]، فهذا مذمومٌ، بخلاف السُّؤال عما يُحتاج إلى معرفته في الدِّين، نحو: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩] ونحوه.
وذكر (ن): رابعًا، وهو سُؤال الإنسان عن حاله وتفاصيل أمره؛ لأنه يتضمَّن حُصول الحَرَج في حقِّ المسؤول عنه، فإنَّه قد لا يُريد إخبارَه بحاله، فإنَّه إنْ أخبَره شَقَّ عليه، أو ترَك جوابَه فسُوء أدبٍ.
* * *
١٤٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ صَالِحٍ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ أَخْبَرَني عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللهِ ﷺ رَهْطًا وَأَنَا جَالِسٌ فِيهِمْ، قَالَ: فتَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْهُمْ رَجُلًا لَمْ يُعْطِهِ، وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُمْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَسَارَرْتُهُ فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ وَاللهِ إِنِّي لأُرَاهُ مُؤْمِنًا، قَالَ: "أَوْ مُسْلِمًا"، قَالَ: فَسَكَتُّ قَلِيلًا،
(سمعت أبي) هو محمَّد بن سَعْد بن أبي وَقَّاص، فيكون مُرسَلًا؛ لأنه لم يُسنِده إلى سعد، وجوابه: أنَّ قوله: (فهذا) إشار إلى حديث سعد السَّابق، فهو متصلٌ.
(في حديثه)؛ أي: في جملةِ حديثه.
(بجُمْعٍ) بالباء الجارَّة، وضمِّ الجيم، وسكون الميم: في محلِّ نصبٍ على الحال، أي: ضَرَب بيده حالَ كونها مجموعةً، وفي بعضها: (فجمع) بالفاءِ، وفعلِ الماضي، وفي بعضها: (مَجمَع) بلفظ المَفْعَل، فيكون مضافًا إلى: (بين) اسمًا لا ظَرفًا كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] على قراءة الرَّفْع.
(وكتفي) فيه اللُّغات الثلاثة المشهورة.
(أقْبِل) يُروى بهمزة وصْلٍ تُكسر في الابتداء، وفتْح الموحَّدة، من القَبُول، أي: لا تعتَرض، ورُوي بقطع الهمزة مفتوحةً من الإِقْبال.
قال التَّيْمي: كأنه لمَّا قال ذلك تَولى ليذهب، فأمرَه بالإقبال ليتبيَّن له وجه الإعطاء والمنْع.
ورواه مسلم: (أإقبالًا) بهمزة استفهام، ونصب (إقبالًا) على المصدر، أي: أتُقاتل قتالًا، أي: أتُعارض فيما أقول مرَّةً بعد مرةٍ كأنَّك تُقاتل، قال (ش): ويصحُّ أن يكون مفعولًا لأجله.
ثم إنما أعطى الرَّجل ليتألَّفه ليستقرَّ الإيمانُ في قلبه، وعَلِم أنَّه إن لم يُعطه قال قولًا أو فعل فعلًا دخَل به النارَ، فأعطاه شفَقةً عليه، ومنَع
стр. 2475
الآخَر عِلْمًا منه برُسوخ الإيمان في صَدْره، ووُثوقًا بصبره.
(أي سعد) منادى بـ (أَيْ) مبنيٌّ على الضمِّ؛ لأنه مفردٌ.
قال (ك): ومناسبة الحديث للتَّرجمة بما فيه من تَرْك السُّؤال، ولعلَّه مستفادٌ من تَرْك الرَّجل المَشْفوع له ذلك.
قال (ط): فيه الشَّفاعة من غير أن يَسأَلها المشفوع له، وأنه لا يُقطَع لأحدٍ بحقيقة الإيمان، وأنَّ الحِرْص على هداية غير المُهتدي آكَدُ من الإحسان إلى المهتدي، والأمر بالتعفُّف والاستغناء، وتَرْك السؤال.
(فكبكبوا ...) إلى آخره، فَسَّر به المذكور في آية الشُّعراء، يُريد أن كبَّ متعدٍّ، وأكبَّ لازمٌ، وهو غريبٌ أن يكون القاصِر بالهمزة والمتعدِّي بحذْفها، ويجوز أن تكون همزةُ (كَبَّ) للضَّرورة.
(فكبوا) من الكَبِّ، وهو الإلْقاء على الوجْه، وفي بعضها: (قُلبوا) بالقاف، واللام، والموحَّدة.
(مكبًّا) إشارةٌ للمذكور في (سورة المُلك)، وعادة البُخَارِيّ إذا كان في القُرآن لفظٌ يُناسب لفظَ الحديث يذكُره استطرادًا.
(غير واقع)؛ أي: غير لازمٍ.
(وقع)؛ أي: كان متعديًا.
(أكبر)؛ أي: أسَنُّ، فإن عمُره مائةٌ وستون سنةً، والإشارة بهذا إلى أنَّه من رواية الأكابِر عن الأصاغِر.
* * *
(إذا امرأة) قال ابن مالك: سوَّغ الابتداءَ بالنَّكِرة الاعتمادُ على (إذا) الفُجائية، فمتى كانتْ قرينةٌ صحَّ الابتداء.
(اخرَصوا) بفتح الراء، والخَرْص بفتح الخاء: حَزْرُ التَّمْر، مِنَ الخَرْص، وهو الظَّنُّ؛ لأن الخَرْص يُقدَّر بظَنٍّ.
(أحصي)؛ أي: عُدِّيه، واحفَظي قدْره.
(أما) بتخفيف الميم.
(إنها) بكسر (١) الهمزة إنْ جُعلت (أمَا) استفتاحيةً، وبفتحها إنْ جُعلتْ بمعنى حقًّا.
(فليعقله)؛ أي: يشُدُّه بعِقَال.
(فعقلناها) ويُروى: (ففَعلْنا).
(بجبل طيءٍ) في بعضها: (بجبلَي)، أي: وهما: أَجَاء -بفتح الهمزة، والجيم، والمدِّ- وسَلْمى.
(ملك أيلة) بفتح الهمزة، وسكون المثنَّاة تحت، وباللام: قَلْعةٌ على ساحِل البحْر، آخرَ الحجاز، وأوَّل الشَّام، واسم المَلِك: يُوحَنَّا بن رُوْبَة؛ قاله الحَرْبي في "كتاب الهدايا"، نعَمْ، في "مسلم": جاءَ رسولُ ابنُ العَلْمَاء صاحب أَيْلَة، يُستفاد منه أنَّ العَلْماء أُمُّه، وذاك اسمه، واسم البَغْلة: دُلْدُل، وذلك سنة تسْعٍ، أما البغلة التي كان عليها في حُنَين، ويقال لها: النَّدى، فأهداها له فَرْوة بن نعامَة الجُذَامي كما في "مسلم".
стр. 2480
(وكساه)؛ أي: النبيُّ ﷺ كسَى ملِكَ أَيْلَة.
(ببحرهم)؛ أي: بأرضهم وبلْدتهم، تقول العرب: هذه بَحريُّنا، وفي بعضها: (ببحْرتهم)، كأنه ﷺ أقطعه ذلك، وفوَّض إليه حُكومته.
(جاء حديقتك)؛ أي: قدْر ثَمَر حديقتك.
(عشرة) نصب بنَزْع الخافض، أي: جاءَت، بمقدار كذا، أو خبر (جاء) بإجرائها مَجرى كان.
قال (ش): وجوَّز بعضهم أن يكون حالًا.
(خَرْص) منصوبٌ بدلٌ من عشَرة، أو بيانٌ، وجاء الرفْع فيهما، أي؛ الحاصل عشرة، أو ثمرتها، وجاء الرَّفع في خَرْص خبرَ مبتدأ محذوفٍ، ورُوي بالفتح مصدرًا، وبالكسر اسمًا.
(فلما) هو مِن قَول ابن بكَّار.
(قال ابن بكار) هو مَقول البُخَارِيّ.
(طابة)؛ أي: المدينة، فهو من أسمائها كطَيْبة غير منصرفٍ للعلَمية والتأنيث، بمعنى الطَّيِّبة، وكان اسمها يَثْرِب، فسماها ﷺ بذلك.
(يحبنا ونحبه) قيل: على حَذْف مضافٍ، أي: يُحبُّنا أهلُه ونحبُّه، وأهلُه الْأَنصار سكَّان المدينة، أو على المجاز، أي: نفْرح برُؤيته وقُربه منا، ويَفْرح هو بنا لو كان ممن يَعقل، وقيل: بل حقيقةٌ، جعَل الله فيه إدراكًا ومحبَّةً كما في تَسبيح الحصَا، وحَنيْن الجِذْع، وثبَت أنَّه ﷺ كلَّمه، فقال: "اُثْبُت أُحُد، فليس عليكَ إلَّا نبيٌّ، أو شهيدٌ".
стр. 2481
(دور) جمع دار، كأُسْد وأَسَد، أي: القبائل الذين يَسكنون الدُّور بمعنى المَحالِّ.
(النَجَّار) بفتح النُّون، وتشديد الجيم.
(الأشهل) بفتح الهمزة، وسكون المعجَمة، وفتح الهاء، وباللام.
(سَاعِدة) بكسر العين المهملَة.
(الخزرج) بفتح المعجَمة، وسكون الزَّاي، وفتح الراء، وبالجيم.
(وقال سليمان)؛ أي: مِنْها تقديم بني الحارِث علي بني ساعِدة، وصلَه البُخَارِيّ في (الحجِّ).
(وقال سليمان عن سعد) وصلَه أبو علي أَحْمد بن الفَضْل بن خُزَيْمة في "فوائده"، ومن طريقه أخرجه الحافِظ الضِّيَاء في "الأحاديث المُختارة".
(بمعنى: خيرًا)؛ أي: كان لفْظه خيرًا، وإنْ لم يذكُرها النَّبِيُّ ﷺ ، فهي مقدَّرةٌ في كلامه.
وفيه قَبول هدايا المشركين، وأن الإمام يُعَلِّم أصحابَه أمورَ الدُّنيا كما يُعلِّمهم أمور الآخرة، وفيه مُعجِزتان للنَّبيِّ ﷺ ، ومَدْح الأَنْصار.
* * *
٥٥ - باب الْعُشْرِ فِيمَا يُسْقَى مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ وَبِالْمَاءِ الْجَارِي
وَلَمْ يَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي الْعَسَلِ شَيْئًا.
стр. 2482
(باب العُشْر فيما يُسْقَى)
(في العسل) قيل: وجْهُ دُخوله في الباب أن مقتضى الحديث أن ما لا سَقْيَ فيه أصلًا كالعسَل لا زكاةَ فيه.
قال (ط): أوجَب أبو حنيفة الزَّكاةَ في العسَل، وليس فيه خبرٌ ولا إجماعٌ، وكذلك إيجابُه الزكاة في البُقُول والرَّياحين، وما لا يُوسَق، وقال الجمهور بخلافه؛ لأن النبيَّ ﷺ كانت البُقول في زمَنه، ولو أخذ الزكاةَ منها مرَّةً لم يَخْفَ.
* * *
١٤٨٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بنُ يَزِيدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِم بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ ﷺ ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْح نِصْفُ الْعُشْرِ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: هذا تَفْسِيرُ الأَوَّلِ؛ لأَنَّهُ لَمْ يُوَقِّتُ في الأَوَّلِ؛ يَعْنِي حَدِيثَ ابنِ عُمَرَ، وفِيما سَقَتِ السَّماءُ العُشْرُ، وبَيَّنَ في هذا وَوَقَّتَ، وَالزِّيَادَةُ مَقْبُولَةٌ، وَالْمُفَسَّرُ يَقْضِي عَلَى الْمُبْهَم إِذَا رَوَاهُ أَهْلُ الثَّبَتِ، كَمَا رَوَى الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُصَلِّ فِي الْكَعْبَةِ، وَقَالَ بِلَالٌ: قَدْ صَلَّى، فَأُخِذَ بِقَوْلِ بِلَالٍ وَتُرِكَ قَوْلُ الْفَضْلِ.
(عَثَريًّا) بمهملةٍ، ومثلثةٍ مفتوحتين، وراءٍ، ومثنَّاةٍ تحت مشدَّدةٍ.
стр. 2483
قال (ح): ما يَشْرب بعُروقه، أي: وهو المسمَّى بالبَعْل في الرواية الأُخرى، وقال الأكثر: هو الذي يشْرب بماء السَّماء الذي تَنكسِر حولَه الأرض وبغَير حَرْثه، قيل: مأخوذٌ من العَاثُور، وهو السَّدُّ الذي يُصنعَ ليَرجع الماءُ إلى الزَّرع، وقال التَّيْمي: لأن الماشي يتعثَّر بالحُفَرِ التي تجتمع من المطَر.
(العُشْر) في تفرقته ﷺ بذلك الرِّفقُ بأرباب الأموال، وبالمُستحقِّين.
(بالنضح) هو شُربٌ دون رِيٍّ، والناضح: البَعير يُستقَى عليه، والمراد: ما سُقِي بالسَّواني، أي: النَّواضح.
(قال أبو عبد الله)؛ أي: البُخَارِيّ، ومحلُّ هذا الكلام كما قالَه التَّيمي: الباب الثاني عَقِبَ حديث أبي سعيد، ولعلَّ هذا من غلَط النَّاسِخ، وغرَضه أن حديث أبي سعيد فيه القَدْر الذي تجب فيه الزكاة، فهو مبيِّنٌ لإطلاق حديث ابن عُمر: "العُشْر ونِصْف العُشْر" من غير ذكْره النِّصاب.
قال (ك): وفي نسخة الفِرَبْرِيّ ذكْره هناك.
قال: وبتقدير أن يكون مذكورًا في هذا الباب، فليس غلَطًا؛ لأن حديث أبي سَعيد قد سبق في (باب ما أُدِّي زكاته فليس بكنْز)، فصحَّ قوله.
(هذا تفسير الأول)؛ أي: السابق في ذلك الباب، وإنْ كان يُعاد في الباب الآتي.
стр. 2484
قلتُ: وهو معكوسٌ؛ لأن غرَض البُخَارِيّ أن حديث أبي سَعيد يقضي على حديث ابن عُمر لا العَكْس، وقائلُه؛ نعَمْ، هو يقضي عليه من حيث بيان القَدْر الواجِب، لكنْ ليس غرَضَ البُخَارِيّ.
(والمفسَّر)؛ أي: بفتْح السِّين.
(يقضي على المبهم)؛ أي: الخاصُّ يقضي على العامِّ بالتَّخصيص، لا أن مُراده أنها من المُجمَل والمُبيَّن؛ لأن الغَرَض أن حديث ابن عُمر دلالتُه واضحةٌ، على أن هذا اللَّفْظ ليس في نُسْخَة الفِرَبْرِي.
(إذا) يتعلَّق بـ (مقبولةٌ).
(الثبت) بتحريك الموحَّدة: الثَّبات.
قال (ط): اتفقوا على اعتبار النِّصاب سِوى أبي حنيفة، فإنَّه يُوجِب الزكاةَ في قَليله وكثيره، وهو خِلاف السنَّة، قيل: وخِلاف الإجماع، وقد ناقَض ذلك في الرِّقَةَ، أي: حيث جاء فيها ربُع العُشْر، وجاء: "ليسَ فيمَا دُونَ خَمْسِ أَواقٍ صدَقةٌ"، فجعَل النصابَ قاضٍ على الإطلاق هناك، ولم يُوجِب الزكاة إلَّا في خمْسِ أواقي.
قلتُ: إن ادَّعى في الثِّمار أن حديث ابن عُمر متأخِّرٌ، والعامُّ إذا تأخَّر كان عنده ناسِخًا للخاصِّ المتقدِّم، ولم يَثبت عنده تأخُّر حديثه: "في الرِّقة ربُع العُشر"، عن حديث: "ليسَ فيما دُونَ خمسِ أَواقٍ"، يكون ذلك جَوابًا له.
(كما روى الفضل) وصلَه أَحْمد.
стр. 2485
قلت: ويؤخذ من ذكر البُخَارِيّ ذلك أنَّ الفضْل كان مع النَّبِيِّ ﷺ حين دخَل البيت، وبلالٌ، وأُسامةُ، وقد صرَّح به النَّسائي في روايته.
(وقال بلال) وصلَه البُخَارِيّ في (باب الحجِّ).
(فأُخِذَ) بالبناء للمَفعول، ومُراده: زيادةُ بلالٍ عُمِل بها، ولا يُقال: إنها منافيةٌ لقَول الفَضْل: (لم يُصَلِّ)، فليس من باب زيادة الثقة؛ لأنا نقول: مُراده بأنه لم يُصَلِّ لم أرَه صلَّى.
ووجْه الشَّبَه بينه وبين زكاة الثَّمَر: أنَّه عمَلٌ بالزيادة في الموضعين لا أنَّ أحدهما مُبهَمٌ، والآخَر مفسَّرٌ.
* * *
٥٦ - بابٌ لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسقٍ صَدَقَةٌ
(باب: ليسَ فيما دُوْن خمسةِ أوَسُقٍ صدقَةٌ)
١٤٨٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَن أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ فِيمَا أقلُّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقةٌ، وَلَا فِي أقلَّ مِنْ خَمْسَةٍ مِنَ الإبِلِ الذَّوْدِ صَدَقَةٌ، وَلَا فِي أقلَّ مِنْ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ".
قَالَ أَبو عَبْدِ اللهِ: هَذَا تَفْسِيرُ الأَوَّلِ إِذَا قَالَ: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ
стр. 2486
خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ" وَيُؤْخَذُ أَبَدًا فِي الْعِلْم بِمَا زَادَ أَهْلُ الثَّبَتِ أَوْ بيَّنُوا.
(فيما أقل)، (ما) زائدةٌ، و (أقل) مجرورُ (في) بالفتحة، بدليل قوله بعده: (ولا في أقلَّ).
قال (ش): ومنهم من قيَّده بالرفع، أي: فيكون (ما) موصولةً حُذِفَ صَدْر صِلَتها.
(خمسة أوَسق) هي ألفٌ وستُّمائةِ رَطْلٍ.
(أواقي) جمع أُوقِيَّةٍ بالتَّشديد والتَّخفيف، وفُعِل بأَواقٍ كإعلالِ قاضٍ، وإنما اعتُبر النِّصاب ليبلغ حدًّا يحتمل المواساةَ.
* * *
٥٧ - بابُ أَخْذِ صَدَقَةِ التَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ، وهَلْ يُترَكُ الصَّبِيُّ فَيَمَسُّ تَمْرَ الصَّدَقَةِ ؟
(باب أخْذ الصَّدقَة عند صِرَام النَّخْل)، بكسر الصَّاد، قال (ك): وفتْحها: جَداده، أي: قَطْع ثمره، وأَصْرَم، أي: جاء وقْتُ صِرامه.
قال الإسماعيلي: قوله: (عند صِرَام النَّخْل)، أي: بعد أن يجِفَّ في المِرْبَد ويصيرَ تمرًا، ولكنَّ ذلك لا يَتطاول، فحسُن أن يُنسب إليه كما قال تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، فيمن قال: إن
стр. 2487
ذلك في الزكاة، وإنما ذلك بعد أن يدَاس ويُنَقَّى.
* * *
١٤٨٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الأَسَدِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُؤْتَى بِالتَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ فَيَجيءُ هَذَا بِتَمْرِهِ وَهَذَا مِنْ تَمْرِهِ، حَتَّى يَصِيرَ عِنْدَهُ كَوْمًا مِنْ تَمْرٍ، فَجَعَلَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ ﵄ يَلْعَبَانِ بِذَلِكَ التَّمْرِ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا تَمْرَةً، فَجَعَلَهُ فِي فِيهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَخْرَجَهَا مِنْ فِيهِ فَقَالَ: "أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ آلَ مُحَمَّدٍ ﷺ لا يَأْكلُونَ الصَّدَقَةَ؟ ".
(من ثمره) هو معنى قال في الأول: من ثمره؛ لأنهما متلازمان، وإنْ تغاير مَفهوماهما.
(ينحى) بالنَّصب.
(كومًا) بضمِّ الكاف: القِطْعة العظيمة من الشَّيء.
قال الجَوْهَري: يُقال: كوَّمتُ كُومةً بالضمِّ إذا جمعتَ قِطعةً من تُرابٍ ورفعتَ رأسها، وفي بعضها بفتح الكاف، وفي بعضها: (كومٌ) بالرفع.
(فجعلها) في بعضها: (فجعله)؛ أي: المَأْخُوذ، وسيأتي في (باب: ما يُذكر في الصَّدَقة): أن الآخِذ هو الحسَن.
(أما علمت) في بعضها: (ما عَلِمْتَ) بتقدير همزة الاستفهام.
стр. 2488
(آل مُحَمَّد) هم بَنُو هاشِم، وبنو المُطَّلِب عند الشَّافعيّ، وأبو حنيفة ومالك: بنو هاشِم خاصةً، وقيل: قُرَيش كلُّها.
(صدقة) ظاهره يَعمُّ الفَرْض والنَّفْل، لكن السِّياق يخصُّها بالفَرض؛ لأن الذي يحرم على آله إنما هو الواجبات.
وفيه تمكين الصِّبيان من اللَّعِب بما لا يَملكونه حالةَ الفرَح بالأحوال المتجدِّدة إذا لم يكن فيه ضرَرٌ.
قال (ط): ودفْع الصَّدقات للسُّلطان، وأن المَسجِد يُنتفع به في أمر جماعة المسلمين بجمْع الصدقة فيه، ولذلك كان يقعُد (١) للوفود، والحُكْم بين النَّاس، ولَعِب الحبَشة بالحِرَاب، وتعلُّم المُثاقَفة، وإدخالُ الأطفال المَساجد، وأن الطِّفْل يتجنَّب الحِرَاك كالكبير، وأنهم يُعَرَّفون سبَب النَّهي ليبلِّغوا وهم على عِلْمٍ منه.
* * *
٥٨ - بابُ مَنْ بَاعَ ثِمَارَهُ أَوْ نَخْلَهُ أَوْ أَرْضَهُ أَوْ زَرْعَهُ وَقَدْ وَجَبَ فِيهِ الْعُشْرُ أَوِ الصَّدَقَةُ فَأَدَّى الزَّكَاةَ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ بَاعَ ثِمَارَهُ وَلَمْ تَجِبْ فِيهِ الصَّدَقَةُ
وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "لا تَبِيعُوا الثَّمَرَةَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا"، فَلَمْ
стр. 2489
يَحْظُرِ الْبَيع بَعْدَ الصَّلَاحِ عَلَى أَحَدٍ، وَلَمْ يَخُصَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ مِمَّنْ لَمْ تَجبْ.
(باب مَن باعَ ثِمارَه أو نَخْله (١) أو أَرْضَه)
ذكَرهما مع أنهما لا زكاةَ فيهما على إرادة ما فيهما من ثَمَرٍ وزَرْعٍ، أي: إذا بِيْعا معًا؛ لأن البَيع قد يقَع فيهما، وقد يقَع في الثَّمر أو الزَّرع وحدَه.
(يبدو)؛ أي: يظهَر، والمراد: إذا بِيْعتْ (٢) وحدَها، أما مع النَّخْل فيجوز إجماعًا.
(فلم يحظر) هو من قَول البُخَارِيّ، أي: لم يحرِّم رسول الله ﷺ البيعَ بعد البدوِّ على أحدٍ سواءٌ وجَب عليه الزكاة أَوْ لا، فكأنه تفسيرٌ، وعقَّبه بالفاء إشارةً إلى أنَّه يُستفاد من لفْظ (حتَّى) التي للغاية؛ إذْ ما بعدَها مخالفٌ لما قبلَها.
قال (ط): غرَضه الرَّدُّ على الشَّافعي حيث منعَ البيعَ بعد الصَّلاح، حتَّى تُؤدَّى الزكاة منه، فخالف إباحةَ النبيِّ ﷺ له.
قال (ك): المستحِقُّ شريكٌ، فبيع حصَّته بيعٌ باطلٌ إلا بإذنٍ، فلا يصحُّ البيع إلَّا فيما سِوى الواجب، وأيضًا فالمفهوم لا عُمومَ له، فلا
стр. 2490
يَلزم كون كلِّ ثمرةٍ بدا صلاحُها يجوز فيها البيع لجوازِ مانعٍ آخر.
* * *
١٤٨٦ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ: نهى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، وَكَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلَاحِهَا قَالَ: "حَتَّى تَذْهَبَ عَاهَتُهُ".
الحديث الأول:
(وكان) يحتمل عَود الضَّمير للنبي ﷺ ، ولابن عُمر، فقائله إما ابن عمر، وإما ابن دِيْنار.
(عاهته)؛ أي: آفتُه، أي: فيصير على الصِّفة المطلوبة فيه كظُهور النُّضْج، ومبادئ الحَلاوة بأن يتلوَّن ويَلين، أو يتلوَّن بحُمْرةٍ، أو صُفرةٍ، أو سوادٍ، ونحوه، فإنَّه حينئذٍ يأْمَن من العاهات، وقبل ذلك رُبَّما تتلَف لضَعْفها، فلم يَبْقَ شيءٌ في مُقابلَة الثمن، فيكون مِن أكل أموال النَّاس بالباطِل، نعَمْ، يُخصُّ من عُموم ذلك ما إذا شرَط القَطْع، فإنَّه جائزٌ إجماعًا.
* * *
١٤٨٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي خَالِدُ ابْنُ يَزِيدَ، عَنْ عَطَاء بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، نَهَى النَّبِيُّ ﷺ ، عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا.