(أو أدخله) بالنصب عطْفًا على (أَرجعَه)، فهو قَسيمُ (أَرجعَه)، أي: أنَّ المجاهد يَنال خيرًا بكلِّ حالٍ، فإما أنْ يَرجع سالمًا بأَجْرٍ فقط، أو مع غَنيمةٍ، وإما أَنْ يُستشهَد، فيدخُلَ الجنَّةَ، كذا قرَّره (ن)، ونازَعه (ك) بأنَّ اللفْظ لا يدلُّ على تقديره.
قلتُ: بل يدلُّ، وهو ظاهرٌ لمن تأمَّلَ.
فإنْ قيل: الجنَّة من الأجر، فكيف يكون قَسيمًا لها؟
قيل: هي أجرٌ أَعلى، فتَغايرا، أو أنَّ القسيمين الرَّجْع والإدخال، لا الأَجر والجنَّة، والمعنى في وعده بذلك مع أنَّ المؤمنين كلَّهم يدخل الجنة: أنَّ دُخول الشَّهيد إما عند موته كما قال تعالى: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، أو أنَّ المراد دُخوله مع السابقِين والمُقرَّبين بلا حسابٍ ولا مُؤاخذةٍ بذُنوبٍ بل تُكفِّرها الشهادة.
(ولولا) هي الامتناعية، أي: أمتنعَ القُعود؛ لامتناع المشقَّة، أي: خوفَها.
(أشق)؛ أي: أَجعلُ شِقاقًا.
(سرية): قطعةً من الجيش، أي: لا أتخلَّفُ عنها بل أَخرجُ معها بنفْسي لعِظَم أَجرها، وما لها من رفْع الدَّرجات، ونَيْل السَّعادات.
(ولوددت) اللام جوابُ (لولا)، وقد تُحذف كما في: (مَا قَعدْتُ).
ووجْه المَشقَّة في وِداد الرسول ﷺ على الأُمة: أنَّ قُرَّة أعينهم في بَقائه، أو أنَّه ربَّما جرَّ إلى وُقوع مَودوده، فيَصير سببًا للمشقَّة، أو اللام
стр. 282
جواب لقسَمٍ محذوفٍ، أي: واللهِ لودِدْتُ.
(أقتل) بضم أوَّلها في الكلِّ، وإنما ختَم بقوله: (ثُم أُقتَل)، والقَرار إنما هو الحياة؛ لأنَّ المراد الشَّهادة، فختَم الحال عليها، أو الإِحياء للجَزاء من المعلوم، فلا حاجةَ إلى ودادَته.
و (ثُمَّ) للتَّراخي في الرُّتْبة أحسَن من عمَلها على تَراخي الزَّمان؛ لأنَّ المتمنَّى حُصول مرتبةٍ بعد مرتبةٍ إلى الانتِهاء للفِرْدَوس الأَعلى.
قال (ن): في الحديث فَضْل الجِهاد والشَّهادة، والحثُّ على حُسْن النيَّة، وشِدَّة شفَقته ﷺ على أُمته، واستِحبابُ طلَب القتْل في سَبيل الله، وجَوازُ قَول الإنسان: (وَدِدْتُ) في الخير، وتقديمُ أَهمِّ المَصلحتَين، فتُقدَّم الرَّاجحةُ على المَرجوحة، أو يترك ما يُخاف فيها مفسدةٌ من وجهٍ آخَر، ويُلحق بمن قُتل في جِهاد الكُفَّار مَن قُتل في قتال البُغاة، وفي إِزالة المُنكَر، ونحوه.
وفيه أنَّ الجهاد فرْض كفايةٍ، وتمنِّي الشَّهادة، وتمنِّي ما لا يُمكن في العادة من الخَيرات، والسَّعي في زَوال المكروه، والمَشقَّة عن المسلمين.
قلتُ: استُشكل تمنِّيهِ قتْلَ قاتلٍ له؛ لأنَّ قتْله كُفرٌ، وتمنِّي وُقوع الكُفر ممتنعٌ.
وجوابه أنَّ له جِهتَين: حُصول ثَواب الشَّهادة، ووُقوع قتْله، والمتمنَّى الأوَّل.
قال (ط): وفيه حُجةٌ أنَّ الأعمال إيمانٌ؛ لأنَّ المخرج إذا كان
стр. 283
للإيمان، فالخُروج نفْسه إيمانٌ، والعرَب تُسمي الشيء باسم ما يكون من سبَبه، وتُسمي المطَر سماءً؛ لأنَّه ينزل من السماء.
* * *
٢٧ - بابٌ تَطَوُّعُ قِيَامِ رَمَضَانَ مِنَ الإِيمَانِ
(باب: تطوع قيام رمضان)، وفي نسخةٍ: (شهر رمضان)، والتطوُّع: التكلُّف بالطَّاعة، والمراد التبرع بها، وهو في الاصطلاح: الاستِحباب.
٣٧ - حَدَّثَنَا إِسمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
(م).
إسناده مَدَنيُّون.
(قام)؛ أي: بالطاعة في ليالي رمضان للعُرف في مِثْله، وحملَه العُلماء على التَّراويح، ولكن لا ينحصِر فيها، بل هو من مُحصِّلات ذلك، قاله (ن).
(إيمانًا واحتسابًا) سبَق إِعرابُه وبَيان معناه، ومُناسبته للترجمة.
(من ذنبه)؛ أي: الصَّغائر كما في نظائره من غُفران الذُّنوب في أحاديث؛ لمَا جاء من التَّقييد في بعضها بـ: "ما اجتُنِبت الكَبائِرُ".
стр. 284
قال (ن): وفي التَّخصيص نظَرٌ، لكنْ أجمعوا أنَّ الكبائر لا تَسقُط إلا بالتوبة، أو الحَدِّ.
فإن قيل: جاء الغُفران في قيام رمضان وفي صَومه، وفي صَوم عَرَفة كفارةُ سنتَين، ورمضان إلى رمضان، والعُمرة إلى العُمرة، ومُوافقة تأْمينه تأْمينَ الإمام، وغير ذلك، فإذا كفِّرتْ بواحدةٍ؛ فما الذي يُكفِّره الآخَر؟
فجوابه: أنَّ كلًّا يُكفِّر الصغائر، فإذا لم تُوجد صغيرةٌ بأنْ لم تُفعل، أو تابَ، أو نحو ذلك رُفع له بذلك درجاتٌ، وكُتب له حسَناتٌ، قيل: فيُرجى أنْ يُخفَّف بعضُ الكبائر عنه بذلك.
قلتُ: لا امتناعَ في تعدُّد العِلَل الشرعية؛ لأنَّها أَماراتٌ.
وفي الحديث جواز قَول (رمضان) مِن غير لفْظ (شَهْر)، قال أصحابُنا: يُكره قيام اللَّيل كلِّه؛ أي: المُداومة على ذلك لا ليلةٌ أو عشرةٌ، ولهذا اتفقُوا على استِحبابه ليلةَ العِيْد، وغيره.
* * *
٢٨ - بابٌ صَوْمُ رَمَضَانَ احْتِسَابًا مِنَ الإِيمَانِ
(باب: صوم رمضان احتسابًا)، نَصْب (احتِسابًا) سبَق بيانُه، واقتِصاره في التَّرجمة عليه مع أنَّ في الحديث: (إيمانا واحتِسابا)، إما
стр. 285
لاختصاره، وإما لاستِلزامه الإيمانَ كما سيأْتي.
* * *
٣٨ - حدثنا ابنُ سَلَامٍ قال: أَخْبَرَناَ مُحَمَّدُ بنُ فُضَيْلٍ قال: حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ سَعِيد، عنْ أبِي سَلَمَةَ، عنْ أبِي هُرَيْرَةَ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن صامَ رمضانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
(م).
(رمضان)؛ أي: في رمضان، وذلك وإنْ صدَق بصومِ البعض لكنَّ العُرف والسِّياق يقتضي الكلَّ، نعَمْ، المعذور بالفِطْر كالصائم في ذلك كالمَريض يُصلِّي قاعدًا، فإن له ثَواب القائم.
(إيمانًا واحتسابًا) سبَق بَيانُ نصبه ومعناه، وجمعَ بينهما -مع أنَّ المُؤمن لا يكون إلا محتسِبًا، والمحتسِب لا يكون إلا مُؤمنًا- إما تأكيدًا، أو أنَّهما قد يَفترقان، فالمصدِّق قد لا يُخلِص، والمحتسِب قد لا يكون مُصدِّقًا بثوابه، وبكونه طاعةً سببًا للمغفرة.
قلتُ: وفيه نظَرٌ.
وقال (خ): معنى (إيمانًا واحتِسابًا): نيَّةً وعزيمةً، فيَصير مصدِّقًا راغبًا في ثَوابه طيّبَ النَّفْس به غير مُستثقِلٍ له، ولا مُستطيلٍ لأيامه.
* * *
стр. 286
٢٩ - بابٌ الدِّينُ يُسْرٌ وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللهِ الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ ".
(باب الدين يسر)، مبتدأٌ وخبرٌ، و (يُسْر) بضم السين وإسكانها: ضِدُّ العُسر، أي: ذُو يُسرٍ، أو وصفٌ بالمصدر مبالغةً، صار لشدَّته كأنَّه هو، ومحلُّ الجُملة جرٌّ بإضافة: (باب)، أي: بابُ قَولِ ذلك.
(وقول النبي ﷺ بالجرِّ عطْف على المضاف إليه.
والحديث المذكور قال (ش): أسنَده أبو بكر بن أبي شَيبة، وقال غيره: إنَّ البُخاري وصلَه في كتاب "الأَدَب المفرَد"، وأحمد في "مُسنده" من حديث عِكْرمة، عن ابن عبَّاس، وله شاهد مرسلٌ في "طبقات ابن سَعْد"، وفي الباب عن أُبَيٍّ، وجابِر، وابن عُمر، وأبي أُمامة، وأَبي هُريرة، وغيرهم.
(أحب) مبتدأٌ، (الحنيفية) خبره على تقدير موصوفٍ، أي: الملَّة الحَنيفية، أي: المائلة عن الباطل إلى الحقِّ.
(السمحة)؛ أي: السَّهلة؛ إذ المُسامحة المُساهَلة، فالمراد أنَّه لا حَرَج فيها، ولا تَضييق، وذلك ملَّة الإسلام، ويحتمل أن تكون اللام للعَهْد إشارةً إلى مِلَّة إبراهيم كما في الآية؛ إذ الحَنيف عند العرَب من كان على مِلَّة إبراهيم ﵇؛ لأنَّه مالَ عن عِبادة الأَوثان، ويُسمَّى مَن اختَتن، وحجَّ البَيت كذلك، ومِلَّة إبراهيم -عليه
стр. 287
السلام- سمحةٌ؛ لمُخالفتها ما كان في بني إسرائيل، وتكلُّف أَحبارهم ورهبانهم من الشَّدائد.
و (أحبُّ) بمعنى محبوب، لا بمعنى مُحِبٍّ، وإنما أَخبر عنه -وهو مذكَّرٌ- بمؤنَّثٍ وهو الحنيفية؛ لغلَبة الاسميَّة عليها؛ لأنَّها علَمٌ على الدِّين، أو لأنَّ أَفْعل التفضيل المضاف يجوز إفراده ومُطابقته، فلا منْعَ من أنَّ الملَّة والدِّين واحدٌ وإن كان بعضُهم غايَرَ بينهما.
فإن قيل: أَفْعل التفضيل تقتضي المُشاركة، فيَلزم أنْ يكون كلُّ دِينٍ محبوبًا لله تعالى، وليس الدّين الباطِل من ذلك قطعًا؟
قيل: هو موقوفٌ على تفسير المَحبَّة، وسبَق، وسيأتي أنَّ المراد بالدِّين الطاعة، أي: أحبُّ الطاعات السَّمحة.
ووجْهُ إِيرادِ هذا الحديث هنا: أنَّ في السَّماحة تيسيرَ الأمر على العِباد، وقصْد الترجمة أنَّ الذي يتصِف باليُسر والعُسر الأعمال دون التَّصديق، ولذلك قال في الحديث الآتي: "وشَيءٍ مِنَ الدُّلْجةِ"؛ لأنَّ سَيرَ الليلِ كلَّه يشُقُّ على الإنسان.
* * *
٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْغِفَارِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدّينَ أَحَد إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ".
стр. 288
(س).
(يشاد)؛ أي: يُغالب من الشِّدَّة.
(الدين) رواه الجُمهور هكذا من غير لفْظ: (أَحَدٌ)، وأثبتَها ابن السَّكَن، فعلى هذا (الدِّين) نصبٌ بالمفعولية، وعلى الأوَّل فضبَطه كثيرٌ بالنَّصب أيضًا على إِضْمار الفاعِل في (يُشادَّ) للعِلْم به، أي: مثْل: ﴿حَتَّى تَوَارَت بِاَلحجَابِ﴾ [ص: ٣٢]، أي: الشَّمس، وصاحِب "المَطالِع"، وهو الأكثَر بالرفْع علي بناء يُشادُّ للمفعول.
قال (ن): الأكثَر في بلادنا بالنَّصب، والمعنى: إنَّ الدِّين يَغلب مَن غالبَه، انتهى. أي: لا يتَعمَّق أحدٌ في الدِّين، ويَترك الرِّفق إلا غلَب الدِّين عليه، وعجَز عن ذلك التَّعمُّق، وانقطَع عن عمَله كلِّه أو بعضِه.
ومُراد البخاري بذلك أنَّ الدِّين يقَع على الأعمال؛ إذ هي التي تُوصف باليُسر والعُسر، فالدِّين والإيمان والإسلام بمعنَى واحدٍ.
(فسددوا) -بالمهملة-: مِن السَّداد، وهو الصَّواب، أي: وُفِّقوا له.
(وقاربوا) يحتمِل في العِبادة، فإنَّكم إذا باعدتُم فيها لم تَبلغوا، ويحتمل أنْ يكون معنى (قاربوا): سَاعِدوا، وقاربتُ فلانًا: ساعدتُه، أي: ليُساعدْ بعضُكم بعضًا في الأُمور، لكن الأول أَليَق بالترجمة.
(وابشروا) بقطع الهمزة، ويجوز لغةً: (ابشُروا) بضم الشِّين من
стр. 289
البُشرى بمعنى: الابتشار، أي: أبشِروا بالثَّواب على العمَل وإِنْ قلَّ.
(بالغدوة والروحة) بفتح أوَّلهما.
قال الجَوْهَري: الغَدْوة: ما بين صلاة الغَداة وطُلوع الشمس، والرَّواح: من الزَّوال إلى الليل.
(الدلجة) هي لغةً بفتح الدال وضمها: اسمٌ من الإدْلاج -بسُكون الدال-، لكنَّ الرِّواية بالضم، وهو سَير آخِر الليل، أما بالفتح: فسَير أوَّله، وهو كقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤]، كأنَّه ﵊ خاطَبَ مُسافرًا يقطَع طريقَه إلى مَقصده، فنبَّهه على أَوقات نشاطه التي تَركَ فيها عملَه؛ لأنَّ هذه الأَوقات أفْضل أوقات المُسافر؛ لأنَّ الدُّنيا حقيقة دار نُقلةٍ، وطريقٌ إلى الآخرة، فنبه الأُمة على اغتِنام أَوقات فرْضهم، أي: فإنَّ الدَّوام لا تُطيقونه، فاستَعينوا على تحصيله بذلك كما في السَّفَر، كما سبق.
والحاصل: الأمر بالاقتِصاد، وترْك المُبالغة المؤدِّية إلى الانقِطاع بل تكونون متوسِّطين في الأَعمال.
واعلم أنَّ مُناسبةَ هذا الحديث للشِّقِّ الثاني من الترجمة -وهو قول النبي ﷺ أنَّ المَحبَّةَ من الله إما أن تكون مجازًا عن الاستِحسان، فالمعنى: أحسَن الأَديان عند الله الذي لا يَغلب الشَّخص ويَقهرُه بل يكون سَهلًا عليه، وإما أن يكون المراد بالمَحبَّة إيصال الثَّواب، فالمراد الذي فيه الثواب، وهو الواجب والمندوب لا غيرهما.
* * *
هُمْ قِبَلَ البَيْتِ، وَكَانَتِ اليَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ، وَأَهْلُ الكِتَابِ، فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ البَيْتِ أنكَرُوا ذَلِكَ.
قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا أبُو إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءَ فِي حَدِيثِهِ هَذَا: أَنَّهُ مَاتَ عَلَى القِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ رِجَالٌ وَقُتِلُوا، فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣].
(م ت س).
(عمرو بن خالد) كذا رأيتُه في نُسخٍ، وفي بعضها: (عَمْرو) فقط، فقال (ك): عَمْرو هنا هو أبو الحسَن بن خالد بن فَرُّوخ -بالمعجمة- الحَرَّاني ساكِنُ مِصر، مات بها سنة تسعٍ وعشرين ومئتين، قال الغَسَّاني في "تقييد المُهمَل": ليس في شُيوخ البخاري عُمر بن خالد، بل كلُّ ما في الكتاب عَمْرو بن خالد -بالواو-.
(أول) نصبٌ على الظَّرفيَّة، ووهِمَ (ش)، فقال: خبَر (كان).
(ما قدم)؛ أي: في الهجرة من مكَّة، و (ما) مصدريةٌ.
(المدينة) مِنْ مَدَنَ بالمكان: إذا أقامَ به، فهو فَعِيْلةٌ، وجمعها: مَدائِن بالهمز، أو: مِن دانَ؛ أي: أَطاعَ، أو: مِن ديَن؛ أي: ملَكَ، فلا يُهمز الجمع كمَعايش، ولها أسماءٌ كثيرةٌ: يَثْرب، وطَيْبة -بفتح المهملة، وسُكون الياء-، وطَابَة، والدَّار، والطَّيِّبة بخُلوصها من الشرْك، أو لطيبها لساكنها للأَمْن، أو طِيْب العيش فيها.
(أو قال: أخواله) الشكُّ من أبي إِسحاق، وكلاهما صحيح،
стр. 292
والجُدودة والخُؤولة هنا من جِهة الأُمومة من قِبَل جدِّه هاشِم بن عبْد مَنَافٍ؛ فإنَّه تزوَّج من الأنصار.
(قِبَل) بكسر القاف، وفتح المُوحَّدة، أي: نَحوه وجِهته.
(المقدس) بفتح الميم، وسُكون القاف، وكسر الدال، فهو مصدرٌ كالمَرجِع، أو مكانُ القُدس، وهو الطُّهر، أي: المكان الذي يَطهُر به العابد من الذُّنوب، أو يطهر العبادة من الأَصنام، ويُقال أيضًا بضم الميم، وفتح القاف، وتشديد الدال مفتوحةً، اسم مفعولٍ من القُدس، ويُقال: (البَيْت المُقدَّس) على الصِّفة، لكن الأشهر بالإِضافة كمَسجِد الجامع.
(أو سبعة عشر) الشكُّ من البَراء، وفي "مسلم" الجزْم بالأوَّل.
(شهرًا) سُمي بذلك لشُهرته بين الناس لمَحلِّ الحاجة له.
(يعجبه)؛ أي: يحبُّ ﷺ أنْ تكون قِبْلته جِهة الكعبة كما قال تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] الآيةَ.
(وأنَّه أول)؛ أي: صلَّى أوَّلَ فحُذف الفِعل، وربَّما ذُكر في بعض الروايات.
(صلاها)؛ أي: للكعْبة، فحُذف للعِلْم به، وقال (ش): الضمير في صلاها للقِبْلة، أي: صلَّى إليها.
(صلاة العصر) بالنَّصب بدَلٌ من المفعول، وهو (أوَّل)، كذا قال (ك)، وقال (ش): هو بالرفْع عن ابن مالك.
стр. 293
(رجل) هو عَبَّاد -بفتح العين- بن نَهِيْك -بفتح النون- الخَطمي الأَنصاري، كذا سَمَّاه ابن عبد البَرِّ، وقيل: عَبَّاد بن بِشْر بن قَيْظي الأَشْهَلي، وهو أرجح، رواه ابن أبي خيثمة، وغيره.
(على مسجد) وفي روايةٍ: (أَهلِ مَسجِد)، وهذا يحتمل أنْ يكون مَسجِد قُباء كما سيأْتي حديثُه: (بَينَما النَّاسُ في صلاة الصُّبح ...)، إلى آخره، لكنْ يُبعده الفاء في (فمَرَّ)؛ لاقتِضائها التعاقُب، ويحتمل أنْ يكون غيرَ مَسجِد قُباء، وتكون الصلاة هي صلاة العصر.
(راكعون) يحتمل أن يكون في ركوعهم، ويحتمل إرادة أَصل الصَّلاة، فإنَّها تُسمى ركوعا من إطْلاق الجُزء على الكلِّ.
(أشهد)؛ أي: أَحلِفُ.
(قبل مكة)؛ أي: قِبَل البيت الذي بها، يُوضِّحه قوله: (فداروا كما هم)، و (ما) فيه موصولة، وهم مبتدأ، والخبر محذوفٌ، أي: عليه، أو نحو ذلك، أي: دَارُوا مُشبَّهين بالحال الذي كان متقدِّمًا على حال دورانهم، أو دارُوا على الحال التي هم كانُوا عليها، وتُسمَّى هذه كافَ المُقارَبة.
(أعجبهم إذ كان يصلي) يحتمِل أنَّ فاعل (أَعجبَ) ضميرُ النبيّ ﷺ ، و (إذْ) بدَل اشتمالٍ منه، ويحتمل أنَّ (إِذْ) فاعل (أَعجَب) على أنَّ المراد بها مُطلَق الزَّمان، أي: زمانُ كانَ يُصلِّي لبيت المقدِس؛ لأنه كان قِبْلتهم، فيُعجبهم موافقةُ قِبْلتهم.
стр. 294
(وأهل الكتاب) يحتمِل العُموم، فعطْفُه على النصارى مِن عطْف العامِّ على الخاصِّ، ويحتمل أن المُراد به النَّصارى فقط؛ لأنَّ إِعجابهم ذلك ليس لكونه قِبْلتهم بل تَبَعًا لليهود، ويحتمِل أنَّ الواو بمعنى (مع)، أي: مَعَ أَهل الكتاب، وهذا أَظهر إنْ صحَّت روايته بالنصب.
(أنكروا) قال تعالى عنهم: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٤٢] الآيةَ.
(قال زهير)، قال (ك): يحتمِل أنَّه علَّقه عنه، ويحتمِل أنَّه من جُملة الحديث السابق، لا سِيَّما إذ قدَّرنا: وقال -بالواو-، وحُذف العاطِف إنْ جوَّزنا حذْفَه.
قلتُ: الظاهر الاتصال، ويُؤيِّده رواية البخاري في (التفسير)، في (البقرة) الحديثَ عن أبي نعيم، عن زُهير، عن أَبي إِسحاق.
(مات على القبلة)؛ أي: المَنْسوخة.
(رجال)؛ أي: كالبَراء بن مَعْرُور، وأَسعَد بن زُرَارة.
(وقتلوا) يحتمل أنَّه تبيين لكيفية موتهم إشعارًا لشرَفهم، واستِبعادًا لضَياع طاعتهم، ويحتمل أن الواو بمعنى: أو، فيكون شكًّا في العِبارة، لكنَّ القتْل فيه نظَرٌ، فإنَّ تحويل القِبْلة كان قبل نُزول القتال، فإنْ قيل: إنما جاء ذلك من تقْييد المعطوف بقَيد المعطوف عليه، وهو قبْل أَن تُحوَّل، وليس بلازمٍ، ولذلك قال الأصوليون: عطْفُ المُطلَق على المقيَّد، أو العامِّ على الخاصِّ ليس مُقيِّدًا ولا مُخصِّصًا؛ قيل: السِّياق هو المقتضي للتَّقييد، وأيضًا فالمطلَق يُحمل على المقيَّد.
стр. 295
فإنْ قيل: الضمير الراجع لنَكرةٍ هل يقتضي المُغايَرة كإِعادة لفْظ النَّكرة؟
قيل: ليسَ مثْله بل يحتمِل المُغايَرة والاتحاد.
(فلم ندر)؛ أي: هل ضاعتْ طاعتُهم أَوْ لا؟
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ هو أبلَغ مِن: وما يُضيعُ؛ لأن في الأول نفْي إِمكان الإِضاعة كما أشار إليه الزَّمَخْشَري.
فإنْ قيل: سِياق حديث البَراء يقتضي أنْ يجيء في الآية إيمانهم بلفْظ الغَيبة؟
قيل: لما أُريد تعميم الحُكم للحَيِّ والميِّت، والغائب والحاضِر أُتي بضمير الخِطاب تغليبا على غيرهم.
قال (ن): ومن فوائد الحديث: نَدْب إكرام القادِم على أَقاربه بالنُّزول عليهم، والانتِقال من حال الطاعةِ إلى أكمَل، ولا يكون قادِحًا في السَّابق، والنَّسْخ، وأنَّه لا يَثبت في حقِّ أحدٍ حتى يبلُغه، وجواز الصَّلاة إلى جِهَتين حتى لو صلَّى باجتهادٍ فتغيَّر اجتهاده تَحوَّل ولو أَربعَ ركعاتٍ إلى أربع جِهاتٍ.
قيل: وفيه العمَل بخبر الواحد، وفيه نظَرٌ؛ فإنَّ هذا احتَفَّ به قَرائن، وهو انتِظار نَسْخ القِبْلة، وقُرب المخبر عنه، وغير ذلك، فيُفيد القطْع، وإنما الخِلاف عند التجرُّد، وحينئذٍ فلا يُقال: إنَّه من نسخ المقطوع بالمَظْنون، نعَمْ، اختُلف في استقبال بيت المقدِس، فأكثر
стр. 296
أنَّه بالسنَّة، وقيل: كان بالقُرآن، فعلى الأول يكون فيه نسخ السنَّة بالقرآن.
قال (ط): الآية المذكورة أَقطَع لحُجَج الجهميَّة والمُرجئَة في قولهم: الأَعمال لا تُسمَّى إيمانًا.
* * *
٣١ - بابُ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ
(باب: حسن إسلام المرء)؛ أي: باب ما فيه حُسنه.
٤١ - قَالَ مَالِكٌ: أَخْبَرَني زيدُ بْنُ أَسْلَمَ: أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا أَسْلَمَ العَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ يُكَفِّرُ اللهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا، وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ القِصَاصُ، الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّيِّئة بِمِثْلِهَا إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللهُ عَنْهَا".
(قال مالك) هو تعليقٌ بالجَزْم، فله حُكم الصِّحة خلافًا لقَول ابن حَزْم أنَّ انقِطاعه قادِحٌ في صِحته، لكنْ جوابه: أنَّ الحكم تضمَّنه للجزْم وإنْ كان مُنقطِعًا صُورةً؛ لما عُلم من عادة البخاري في جَزْمه، نعَمْ، الساقط فيه يحتمل أن يتعدَّد، فيكون مُعضَلًا أيضًا، ولا يُسمى مُرسَلًا إلا عند من يُفسِّره بمعنى المُنقطِع بخلاف من يُخصِّصه بالساقط
стр. 297
بين النبي ﷺ والراوي.
وفي السنَد كونه مُسلسَلًا بـ (أَخبَر) بالإفراد على طريقةِ مَن يُفرِّق في ذلك.
قال (ط): أسقَط البخاري بعضَ هذا الإسناد، وقال: وهو مشهورٌ في غيرِ المُوطَّأ: (إذا أسلَم الكافرُ، فحسُن إسلامه كتَب الله تعالى له كلَّ حسنةٍ كان زَلَفها، ومَحا عنه كلَّ سيِّئةٍ كان زلَفَها، وكان عمَلُه بعدُ الحسَنة بعشْر أَمثالها إلى سبْع مئةِ ضِعْفٍ، والسيئة بمثلها إلا أنْ يتجاوز الله عنْها)، ورواه الدَّارَقُطْني في "غرائب مالك" من تِسعِ طُرُقٍ، وفيها كلِّها: (يُكتَبُ له كلُّ حسَنةٍ عَمِلَها في الكُفر).
قال (ش): إنَّ هذا التعليق أسنده البَزَّار بلفْظ: (يُكتب لَه في الإِسلام بكُلِّ حسنةٍ عمِلَها في الشِّرْك)، وإنما اختصَره البخاريُّ؛ لأنَّ قاعدة الشرع أنَّ المُسلم لا يُثاب على عمل لم يَنوِ به القُربة.
قال: ثم وَجْه مطابقته أنَّه لمَّا وصف الإسلام بالحُسن، وحُسن الشيء زائدٌ على ماهيَّته؛ تعيَّن أنْ يكون ذلك هو الأَعمال؛ لقَبولها الزِّيادة والنَّقص بخلاف العَقائد، انتهى.
وقال بعض العَصْريين: إنَّ أبا ذَرٍّ الهرَوي وصلَه في روايته، والنَّسائي في "السنن"، والحسَن بن سُفْيان في "مسنده"، والإِسْمَاعِيْلي عنه، والدَّارَقُطْني، وسَمُّويه في "فوائده"، انتهى.
قال (ط): لله تعالى أنْ يتفضَّل على عباده بما شاء كما قال عليه
стр. 298
الصلاة والسلام لحَكِيْم بن حِزَام: "أَسلَمْتَ على مَا سَلَفَ مِن خيرٍ"، فالحديث على ظاهره، فإنَّ الكافر إذا تقرَّب بصدَقةٍ، وصِلَة رَحِمٍ، وعِتْقٍ، ونحوه، ثم أَسلَم يُكتب له كلُّ ذلك، ويُثاب عليه إذا مات مُسلمًا.
قال (ن): وحديث أبي سعيد وحكيم دليلٌ عليه، انتهى.
وقال المَاوَرْدي: الجارِي على القاعِدة أنَّ الكافِر لا يتقرَّب وإنْ أطاعَ، والثَّواب إنما هو على التَّقريب، فيُؤوَّل حديث حَكِيْم ونحوه بأنَّه اكتسَب أَخلاقًا جميلةً، فيَنتفع بها في الإسلام، أو أنَّه حصَل له بها جميلٌ، وهو باقٍ في الإسلام، أو أنَّه يُزاد في حسَناته التي يفعلُها في الإسلام بسبَب ذلك.
وقال (ع): أنَّه بتركه ما فعلَه هداه الله للإسلام، فإنَّ ظُهور الخير فيه دليلٌ على سَعادة العُقبى، انتهى.
وما سبَق عن (ط) و (ن) هو الأَظْهر؛ لأنَّ العقْل لا يَتخيَّله، والشَّرع وردَ به، فورود قَبوله ودَعوى مُخالفته الأصل غير ظاهرةٍ.
وأما قول الفقهاء: لا تصحُّ العبادة من الكافر، ولو أَسلَم لم يُعتدَّ بها، والمراد: لا يُعتدُّ بها في أَحكام الدنيا، ولا تعرُّض له في الثواب في الآخرة، بل قد يُعتدُّ ببعض ذلك في الدُّنيا كتكفير الكافر في الظِّهار ونحوه، ويُجزئه ذلك، وإذا اغتَسَل في كُفره عن جَنابةِ ونحوها لا يُعيد في وجهٍ بل يُصلِّي بذلك.
(يقول) إنما لم يقُل: (قال) موافقةً لـ (سَمعَ) لكون كليهما في
стр. 299
الماضي؛ لغَرَض الاستِحضار كأنَّه يقول: إلا أَنْ يُريد اطلاع الحاضِرين على ذلك مُبالغةً في تحقُّق وُقوعه مثل: ﴿كَمَثَلِ آدَم﴾ [آل عمران: ٥٩] الآيةَ، حيث قال: فيكون، ولم يقُل: فكان، كذا قال (ك).
وقد سبَق في حديث النيَّة في مثْل ذلك أنَّ (يقول) إما حالٌ، أو مفعولٌ ثانٍ لـ (سمع)، فالمضارع للحال حيثُما قُدِّر، أي: لحكاية الحال.
(فحسن) عطفٌ على أَسلَم، وجواب الشرط: (يكفر) بالرفْع، كذا الرِّواية على حدّ قوله:
وإِنْ أَتاهُ خليلٌ يَومَ مَسألةٍ ... يقُول لا غائبٌ مالي ولا حرَمُ
ويجوز الجَزْم فتكسر الراء حينئذٍ؛ لالتقاء الساكنين، ومعنى حُسن الإسلام: الدخول فيه ظاهرًا وباطنًا.
وقال (ط): ومعناه كما في حديث جِبْريل: "أَنْ تَعبُدَ اللهَ كأَنَّكَ تَراهُ"، فهو لمبالغة الإخلاص بالمراقبة.
وقال (ن): يُسلم إسلاما محقَّقًا بَريئا من الشُّكوك، وأما معنى: التكفير فهو التَّغطية، فهو في المَعصية كالإحباط في الطاعة.
قال الزَّمَخْشَري: هو إماطة المستحَقِّ من العِقاب بثوابٍ أَزَيد، أو بتوبةٍ.
(زلَّفها) بتشديد اللام، وبالفاء، أي: أسلَفَها وقدَّمَها، يُقال: زَلَّف تَزليفًا، وأَزلَف إِزْلافًا، وأَصل الزَّلْفة التَّوبة.
стр. 300
قال (ك): وفي بعض نُسخ المغاربة: (زَلَفَها) بتخفيف اللام، ويُؤيِّده حديث: "الإسلام يَجُبُّ ما قَبْلَه"، وحكى (ش) التَّشديد عن رواية الأَصِيْلِي بعد أنْ صدَّر بالتخفيف.
(بعد ذلك)؛ أي: حسن الإسلام.
(القصاص) المقابلة في الخير والشر، فرفعه اسم (كان) إنْ قُدِّرت ناقصةً، أو فاعل إنْ قُدرت تامة، وأُتي بها ماضيًا والسِّياق يقتضي المضارع لتَحقُّق الوُقوع كما في نحو: ﴿وَنَادَىَ أَصْحَابُ الجنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤].
(الحسنة) مبتدأٌ (بعشر) خبره، والجُملة استئنافيةٌ، قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] الآيةَ.
(إلى سبعمئة) مُتعلِّقٌ بمقدَّرٍ، أي: مُنتهيًا إلى ذلك، فهي حالٌ، قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١] الآيةَ، فقوله: (والله يُضاعف لمن يَشاء)، أي: هذه المضاعفة إلى السَّبعمئة، ويحتمل أنَّ الله تعالى يُضاعف المضاعَفة إلى سبعمئةٍ إلى ما يشاءُ، أو يَزيده، ففضْله واسِعٌ.
(ضعف)؛ أي: مِثْل.
قال الجَوْهَري: ضِعْف الشيء مِثْله، وضِعْفاه مِثْلاه، وفي الفقه في الوصيَّة بضِعْف نصيبِ ابنِه مِثْلاه، وبضعفيه ثلاثة أمثاله عملًا بالعُرف في الوصايا، وكذا في الأَقارير نحو: له عليَّ ضِعْف درهمٍ فيَلزمه دِرْهمان؛ لأن العمل باللُّغة، أو يُقال: الضِّعف الشيء ومثْله
стр. 301
لا لمَجرَّد المثْل، فضِعْف العشرة عِشْرون بلا خلافِ؛ لأنَّه أول مَراتب تضعيفها.
(بمثلها)؛ أي: بلا زيادةٍ، وذلك فضْل الله تعالى يُؤتيه من يشاء، ومن سَعة رحمته كما قال تعالى: ﴿فَلَا يُجْزَى إلا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠].
(يتجاوز)؛ أي: يَغفر.
وفيه ردٌّ على مَن يقطع لأهل الكبائر بالنار كالمعتزلة.
قال (ن): لا يُشترط في تكفير سيِّئَات زمَن الكفر، وكتْب حسَناته أنْ يُكثر من الطاعات في الإسلام، ويُلازم الإخلاص في الأفعال.
* * *
٤٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا".
(م).
(أحدكم) الخِطاب عامٌّ للحاضرين وغيرِهم؛ لحديث: "حُكْمِي على الواحِدِ حُكْمي على الجَماعة" (١)، ويدخُل فيه النساء أيضًا، والعَبِيْد، نعَمْ، النِّزاع في كيفية التناوُل؛ أهي حقيقةٌ عرفيةٌ، أو شرعيةٌ، أو مجازٌ، أو غير ذلك.
стр. 302
(فكل حسنة) أَتَى هنا بـ (كُل)، وهي أَصرح في العُموم من اللام في الحديث السابق.
(يعملها) تقييدٌ للإطلاق في الحديث السابق؛ إذ لا بُدَّ من العمَل في العَشْر والإضعاف، وأما السيِّئة فلا يُكتب له مثْلها إلا بالعمَل، وصرَّح هنا بالفِعْل، وهو: تكتُب المقدَّر في الحديث السابق؛ إذ الجارُّ والمَجرور لا بُدَّ له من متعلَّقٍ.
قال بعض العُلماء: لما وَصَف الإسلام بالحُسن، وحسن الشيء زايدٌ على ماهيَّته تعين أن يكون المُراد هنا الأعمال.
* * *
٣٢ - بابٌ أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهُ
(باب: أحب الدين إلى الله أدومه)
مُناسبته لـ (كتاب الإيمان) أنَّ الدِّين والإسلام والإيمان واحدٌ.
وأَدوَمُه: أَفْعل التفضيل من الدَّوام، وهو شُمول الأزمنة، والشُّمول وإنْ كان لا تفاوُت فيه، لكن أُطلق عُرفًا على المواظَبة في الأَزْمنة، وهي تقبَل التفاوُت.
٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَني أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأةٌ،
стр. 303
قَالَ: "مَنْ هَذِهِ؟ "، قَالَتْ: فُلَانةٌ تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا، قَالَ: "مَهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللهِ لَا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى تَمَلُّوا"، وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَا دامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ.
(م).
(امرأة) هي كما في "مسلم": الحَوْلاء -بمهملةٍ تأْنيث أَحْوَل- بنت تُوَيْت -بمُثنَّاةٍ أوَّله وآخِره، على التَّصغير- من بني أسَد.
(قال من هذه) في روايةٍ: (فقال)، عطف على (دخَل)، وأما على حذْفها؛ فهو جواب سؤالٍ، وكأنه قيل: فإذا قال.
(فلانة) لا يَنصرف للتأْنيث والعلَمية؛ لأنَّه كنايةٌ عن كل علَم عاقل.
(تذكر) بفتح المُثنَّاة، و (يُرى) بضم الياء على البناء للمفعول.
(من صلاتها) قال (ك): مفعولٌ له، وفيه نظرٌ؛ إذ يحتمل تذكُر كثيرًا من صلاتها.
(مه) بالسُّكون اسم فِعْلِ للزَّجر بمعنى: انكَفِفْ، فإنْ وصلت نوَّنتَ، فقلتَ: مَهِ مَه، وقال التَّيْمِي: إنْ نكَّرته نوَّنتَ، وهو تنوين التنكير الفارِق بين المعرفة والنَّكِرة.
(عليكم) اسم فعلٍ بمعنى: الزَمُوا، وعمم في المؤنَّث تغليبًا لعُموم الحُكم في الأُمة، وإِلا فالخِطاب للنّساء.
(من الأعمال)؛ أي: مِن دَوامها، دليله السِّياق.
стр. 304
(لا يمل) بفتح الياء والضم.
(حتى تملوا) بتاء الخِطاب، والمَلال على الله تعالى مُحالٌ، وفيه خمسة تأْويلاتٍ:
فقال (خ): معناه: لا يترك الثواب على العمل ما لم تتركوا العمَل تعبيرًا عن التَّرك بالمَلال مِن إطلاق السبَب على المُسبَّب.
قال ابن قُتَيْبة: معناه: لا يملُّ إذا ملِلْتم كـ: فُلانٌ البليغ لا ينقطِع حتى تنقطِع خُصومه؛ إذ لو كان معناه ينقطِعُ إذا انقطعتْ خُصومه لم يكن له فضْلٌ على غيره.
وقيل: معناه: لا يَتناهى حثُّه عليكم في الطاعة حتى يتناهى جُهدكم، فلا تتكلَّفوا ما لا تُطيقون، فكنَّى عن التناهي بالمَلال؛ لأنَّ مَن تناهتْ قوَّته مَلَّ.
وقال التَّيْمِي: قالوا: معناه: لا يملُّ أبدًا مَللتُم أو لا، مثْل: لا أُكلِّمُك حتى يَشيب الغُراب، أي: وهو لا يَشيبُ، وضعف التشبيه لمُحاليَّة شيْب الغُراب بخلاف ملال العِباد، وأجاب عنه (ك): بأنَّ المؤمن مِن شأنَّه أنْ لا يملَّ، فإنَّ مَلاله محالٌ، وفيه نظَرٌ.
وقال ابن الأنباري: إطلاقه على الله تعالى من مَجاز المُقابَلة نحو: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ﴾ [الشورى: ٤٠]، فالتأْويل إما في يملُّ، وهو ثلاثةٌ، أوفي: حتى، أو في تَملُّوا.
(أحب الدين)؛ أي: أحبُّ الطاعة كما في حديث: "مِنَ الدِّيْنِ"،
стр. 305
أي: من طاعة الأئمة، ويحتمل أنَّ المراد: أحبُّ أعمال الدِّين، فحُذف المضاف.
وأما (يَمرُقون من الدِّين)، فالمعنى: من الإيمان بدليل رواية: (يمرُقُونَ مِنَ الإِسلامِ)، وأجاب التَّيْمِي: بأن الخوارج إنما خرجوا من الطاعة، ولم يخرجوا من دائرة الإسلام اتفاقًا، ثم المراد من الدِّين دين الإسلام لا كلُّ دينٍ ولو كان باطلًا حتى يكون الدَّوام عليه أحبَّ إلى الله، فاللام فيه للعهد.
(إليه)؛ أي: إلى الله تعالى.
قال (ط): القصد من الباب تسمية الأعمال دِيْنًا بخلاف قول المرجئة، وإنما قال ﷺ ذلك خشيةَ مَلالِ الأُمة بالمبالغة في العبادة كما قال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: ٢٧] الآيةَ، فذمَّهم الله تعالى على مثْل ذلك، وقد نَدِم ابن عَمْرو لمَّا ضعُف عن العهد، وقال: ليتَني قبلتُ رُخصة النبيِّ ﷺ .
قال (ن): من فوائد الحديث: تسمية الأَعمال دِيْنًا، واستعمال المَجاز في إطْلاق الملَل على الله تعالى، وجواز الحلِف بلا استحلافٍ تفخيمًا للأمر، أو للحثِّ على الطاعة، أو التَّنفير عن مَحذورٍ ونحوه، وقصْد المُداومة حيث لا مَشقَّةَ لمَا فيه من النَّشاط، فإنَّه مع المشقَّة قد يترك الكلَّ أو البعض.
* * *
стр. 306
٣٣ - بابُ زِيَادَةِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]، ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١]، وَقَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فَإِذَا تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الكَمَالِ فَهُوَ نَاقِصٌ .
(باب: زيادة الإيمان ونقصانه)
(هدى)؛ أي: دلالةً موصولةً للبِغية، وقيل: الهدى: الدلالة مطلقًا.
ووجه دلالة هذه الآية على التَّرجمة: أنَّ زيادة الهُدى تَستلزم زيادةَ الإيمان.
(وقال ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، إنما لم يقُل: وقوله كما في الآية قبلَها؛ لأن تلك صريحةٌ في المراد منه، وهو الزيادة، وهذه ليست صريحةً في القصد، وهو النُّقصان بل يَستلزمه؛ لأن الشيء إذا قَبِلَ أَحَد الضِّدَّين قَبِلَ الضِّدَّ الآخَر، فلهذا قال: (فإذا ترك شيئًا) إلى آخره.
وقال (ط): في هذه الآية حُجةٌ في زيادة الإيمان ونقصانه.
قال (ش): نازَعه الإِسْمَاعِيْليُّ في إدخالها التَّرجمة؛ إذْ لا شكَّ أنَّ الكمال يَستلزم النُّقصان قبْله، والتوحيد كان كاملًا قبْل نُزول هذه الآية، وإنما تجدَّد الحجُّ، وهو عملٌ محضٌ، وحديث أنس وابن عُمر
стр. 307
في وصف الإِيمان بالشَّعيرة والبُرَّة والذُّرة.
قلتُ: صوابه: (وعُمر)، مع أنَّ الوصْف بذلك إنما هو في حديث أنَس فقط، وأيضًا فما قالَه الإِسْمَاعِيْلي مُتَعَدٍّ إلى إيراد حديث عُمر في الباب، ولكن جوابه أنَّ المُراد شُمول المؤمن للكُلِّ، فساغ إدخاله في الترجمة.
(فهو ناقص)؛ أي: وصف الإيمان بمثْل ذلك، وهو وصفٌ للجِسْم تشبيها للمعنى به، ويُسمَّى مثْله استعارة بالكناية.
* * *
٤٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قتادَةُ، عَنْ أَنسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قَالَ أَبَانُ: حَدَّثَنَا قتادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "مِنْ إِيمَانٍ" مَكَانَ: "مِنْ خَيْرٍ".
الحديث الأول (م ت):
إسناده بصريُّون إلا أنسًا آخِر من مات بالبَصرة.
(يخرج) بفتح الياء: مِن الخُروج، وبضمها: مِن الإِخراج.
стр. 308
(من خير)؛ أي: (من إيمانٍ) كما في الرواية الأُخرى، ولأنَّ الخير ما يُقرِّب العبد إلى الله تعالى، وما ذاك إلا الإيمان، وإنما نُكِّر إيمانٌ، وخيرٌ بمعناه مع أنَّه لا بُدَّ فيه من الإيمان بجميع ما جاءتْ به الرسُل؛ لأنَّه لا يصدُق الإيمان إلا بذلك؛ لقَصْد التَّيسير والتقليل بأقلِّ ما يصدُق عليه، وإنْ كان الزائد على ذلك قد يُسمَّى إيمانًا، فالآتي به مع الأَصْل يَخرج من النار من بابٍ أَولى.
وقد سبقت الإشارة إلى ذلك أول (كتاب الإيمان).
(من قال) إلى آخره، قد يَستدِلُّ بذلك مَن لا يكتفي في الإيمان بمجرَّد التصديق، وأنَّه لا بُدَّ من القَول والفِعْل، وعليه البخاري، ولكنَّ الجمهور على الاكتفاء به.
قلتُ: فيُجاب بأنَّ قول: لا إله إلا الله لا بُدَّ معه من تصديق القَلْب، فإنْ قُلنا: نفْس التصديق يَتفاوت؛ فالمراتب إشارةٌ إلى تفاوُته، فالاحتراز عن المنافقين الذين يقولون بألسنتِهم ما ليس في قُلوبهم، وسيأْتي فيه مَزيد بيانٍ.
وأما التلفُّظ بلا إله إلا الله فلإِجْراء الأحكام عليه، فيُؤوَّل على أنَّا لا نجزم بأنَّه يخرج من النار إلا إذا تلفَّظ، وأما عند الله فهو يُخرجه وإنْ لم يتلفَّظ، وإنما لم يذكر: محمد رسول الله، وإنْ كان لا بُدَّ منه في الإيمان حُكمًا؛ لاستلزام حقيقةِ: لا إله إلا الله ذلك، أو للاكتفاء بالجُزء الأول كما تقول قَرأْتُ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾؛ إِذ المراد: إلى آخِر السورة، فصار الجُزء دالًّا على الكُلِّ.
стр. 309
قال (ك): أو أنَّ هذا كان قبْل مَشروعية ضمِّها إليه، وفيه نظَرٌ.
(برة) بضم المُوحَّدة، وتشديد الراء.
(ذرة) بفتح المعجمة، وتشديد الراء، وهي أَصغَر النَّمْل، وصحَّفها شُعبة بضم الذال، وتخفيف الراء، توهَّم ذلك من ذِكْر الشَّعير والبُرَّة قبلَه.
ثم المراد الترقِّي من الأكبر إلى الأصغر، والأخير هو المُعتبَر الذي لا يجوز النَّقْص منه ولا الزيادة عليه، فما ذكر من الشعيرة والبرة إنما هو من الأعمال لا زيادةٌ في التصديق، لكنْ قوله: (في قَلْبه) يُشعر بأنَّ الزيادة من التَّصديق، ويُجاب بأنَّ الزائد من الأعمال لا بُدَّ فيه من نيةٍ وهي قلبيةٌ، فكانت الزيادة بما في القَلْب، قاله المُهَلَّب.
ويحتمل أن الزيادة من نفْس التصديق عند من يقول: إنَّه يزيد وينقص في ذاته باعتبار زيادة العِلْم لا غايته كما قال تعالى: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤]، أو باعتبار زيادة المُعايَنة كما في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٧]، حيث جعل له مزيَّةً على عِلْم اليقين.
قلتُ: وفيه إذا صحَّ يُقوي ما سبَق قريبًا، وقال التَّيْمِي: إن البخاري استدلَّ بذلك على نُقصان الإيمان للترقِّي في النُّقصان من الشَّعيرة إلى البُرَّة والذَّرَّة.
قال (ك): بل ويدلُّ على الزيادة أيضًا.
стр. 310
قال (ن): وفيه غير ما سبَق دُخول طائفةٍ من عُصاة الموحِّدين النارَ، وأن الكبيرة لا يكفر مَن عمِلَها، ولا يخلَّد في النار.
(قال أبان) وعلَّقه البخاري لعدَم تلاقيهما، وذكره متابعةً إما لضَعْفه، أو ضَعْف شيخه عنه؛ لأنَّه مدلسٌ لا يُحتجُّ به إذا عنْعن، وإنْ روى له مسلمٌ في الأُصول، وأيضًا ففيه تغيير بعض اللفْظ، وفيه أيضًا: (من إيمان) مكان (من خير)، وفيه: (حدَّثَنا) بدل (عَنْ).
قال (ك): والساقط بين البخاري وأَبَان يحتمل أنْ يكون مُسلِم بن إبراهيم، وأنْ يكون غيرَه.
قلتُ: وصلَه الحاكم في "الأربعين" له، والبيهقي في "كتاب الاعتقاد".
* * *
٤٥ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ، سَمعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ، أَخْبَرَناَ قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُمَرَ ابْنِ الْخَطَّابِ: أَنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ! آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونهَا، لَوْ عَلَيْنَا -مَعْشَرَ اليَهُودِ- نزَلَتْ لَاتَّخَذْناَ ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا، قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، قَالَ عُمَرُ: قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ، وَالمَكَانَ الَّذِي نزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ.
стр. 311
الحديث الثاني (م ت س):
سنَده كوفيُّون سِوى أوَّله وآخِره، وفيه اختلاف عبارتهم في: حدَّث وسَمع وعَنْ؛ مُراعاةً للاصطلاح.
(أن رجلا) هو كعْب الأَحبار قبْل أن يُسلم، كذا في "مسنَد مُسدَّد" بإسنادٍ حسَنٍ، وفي أوَّل "تاريخ دمشق" لابن عساكر من طَريقه، وفي "الأوسط" للطَّبَراني من هذا الوجْه، وفي روايةٍ في "الصَّحيح": (أنَّ اليهود قالوا)، ولعلَّه لما سأل كان في جماعةٍ منهم فنُسب القول للكل.
واليهود: عَلَمٌ على قوم موسى ﵊، وهو معرفةٌ دخل عليها لام التعريف، واشتقاقه من مادة: هادَ، أي: مالَ؛ لأنَّهم مالوا عن عبادة العِجْل، أو عن دين موسى، أو مِن هاد: إذا رجع من خيرٍ إلى شرٍّ، وعكسه لكثْرة انتقالاتهم، وقيل: لأنَّهم يهودون، أي: يتحركون عند قراءة التوراة، وقيل: يَعرب بن يَهوذا بن يعقوب -بالمعجمة-، ثم نُسب إليه، فقيل: يهودي، ثم حذفت الياء في الجمع، فقيل: يهود، وكلُّ جمعٍ يُنسب إلى جنس يفرق بينهما بالياء كرومي ورومية.
(آية) مبتدأٌ وإن كان نكرةً؛ لوصفه بما بعده، والخبر: (لو علينا) إلى آخره، أي: لو نزل علينا؛ لاختصاص (لو) بالفعل فسَّره (نزلت) المذكورة نحو: ﴿لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ [الإسراء: ١٠٠]، أو المسوغ للابتداء بنكرةٍ وصفٌ مقدَّرٌ، أي: آيةٌ عظيمةٌ، و (في كتابكم تقرؤونها) خبرٌ ثم خبرٌ، ويحتمل أن الخبر محذوفٌ مقدَّمٌ على المبتدأ، أي: في كتابكم آيةٌ، يدل عليه قوله بعده: (في كتابكم).
стр. 312
(معشر) نصب على الاختصاص بـ: أعني أو نحوه، والمعشر الجماعة شأنهم واحدٌ.
(لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا)؛ أي: لعظَّمناه وجعلناه عيدًا لنا في كل سنةٍ؛ لعِظَم ما حصل فيه من كمال الدين، والعِيْد مأْخوذ من العَود؛ لأنَّه يعود كل عامٍ، وقيل: السرور العائد، أي: يكون لنا سرورًا وفرحًا؛ قاله الزَّمَخْشَري.
وقال: ومعنى: ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، أي: ما تحتاجون إليه في تكليفكم، ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]، أي: نعمائي، أو الدِّين؛ إذ لا نعمةَ أتم من ذلك، ﴿وَرَضيتُ﴾، أي: اخترتُ.
(أي آية) وإنما لم يقُل: وما تلْك الآية؛ لأن السؤال بـ (أيُّ) عن تعيين المشارك، والمطلوب تعيين تلك الآية، وما يُسأل بها عن الحقيقة.
(قد عرفنا)؛ أي: ما أهملناه ولا خفى علينا زمانُ نزولها، ولا مكانه بل ضبَطنا جميع ما يتعلق بها، وأشار بالجمُعة لزمان النُّزول، وبعرفة وإنْ كان للزمان لكن أُريد زمَن الوقوف به، فتضمَّن معرفة المكان أيضًا، أو أنَّه من إطلاق المشترك على معنيَيه، فدلَّ على الزمان والمكان، أو أنَّه قال: عرفنا المكان، ولم يتعرض لتعيينه.
(بعرفة) متعلِّقٌ بـ (قائم)، أو بـ (نزلت).
(يوم جمعة) في روايةٍ: (يوم الجمُعة)، وهي بضم الميم وإسكانها وبفتحها، والفرْق بين المسكَّن والمفتوح: أن الأول للمفعول كضُحْكة
стр. 313
بمعنى: مضحوك عليه، والثاني للفاعل كضُحَكة بمعنى: ضاحك، وهُمْزة، ولمُزْة، فالمعنى: إما مجموعٌ فيه الناس، أو جامعٌ لهم.
فإن قيل: عرفة غير منصرفٍ للعلمية والتأنيث، فلم لا كانت جمعة كذلك؟
قيل: لأن جمعة ليس علمًا بل صفةً أو غيرها.
ووجه مطابقة جواب عمر ﵁: - (قد عرَفناه ...) إلى آخره: أنَّ النزول إذا كان بعرفة فقد يعقُبه عيدٌ، وإنما لم يجعل نفس عرفة عيدًا؛ لأنَّها نزلت بعد العصر ففات العِيْد، فلذلك قال الفُقهاء: رؤية الهلال بالنهار للَّيلة المستقبَلة.
قال (ن): أو إنا ما تركنا تعظيم زمان النُّزول، ولا مكانه، أما المكان فعرفات مكان مُعظم الحج، وأما الزمان فيوم الجمعة يوم عرفة، وقد اجتمع فيه فَضيلتان وشرَفان، ومعلومٌ تعظيمنا لكل منهما، فإذا اجتمعا زاد التعظيم فقد اتخذنا ذلك اليوم عيدًا وعظمنا مكانه.
قلتُ: المعنى: أنَّ الله تعالى قد فعَل ذلك كذلك، وإن كان سابقًا على نُزول الآية.
* * *
٣٤ - بابٌ الزَّكَاةُ مِنَ الإِسْلَامِ وَقَوْلُهُ: (﴿وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] .
стр. 314
(باب الزكاة من الإسلام)، هما مبتدأٌ وخبرٌ، وما أورد فيه من الحديث، وإنْ كان فيه أن الصلاة والصيام كذلك لكن سبَق ما يدلُّ عليهما، وهذا هو الذي ورد فيه الزكاة؛ كما قاله التَّيْمِي.
(وقوله) يجوز رفعه كما سبق في نظيره.
(ألا ليعبدوا الله) استثناءٌ من مفعولٍ لأجله عامٍّ، أي: ما أُمروا لأجل شيءٍ إلا للعبادة.
(حنفاء) جمع حَنِيْف، وهو المائل عن الضلال إلى الهدى.
(ويقيموا) عطف خاصٍّ على عامِّ.
وفيه أن الصلاة والزكاة أفضل من سائر العبادات البدَنية والمالية.
(القيمة)؛ أي: المستقيمة؛ مثل: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾؛ أي: مستقيمة؛ قاله الزَّمَخْشَري.
* * *
٤٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنسٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ سَمعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، ثَائِرُ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتهِ، وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْألُ عَنِ الإسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ"، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ"، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَصِيَامُ رَمَضَانَ"، قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ"، قَالَ: وَذَكَرَ
стр. 315
لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ الزَّكَاةَ، قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ"، قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللهِ! لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أنقُصُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أفلَحَ إِنْ صَدَقَ".
(م د س).
وسنده مَدَنيُّون، وهو مسلسلٌ بالأقارب، فإنَّ إسماعيل هو ابن أبي أُويس، وهو ابن أخت مالك، وأبو سُهيل عمُّ مالك، وأبوه حَليف طلحة بن عبد الله.
(حدثني)؛ أي: حدَّثه وحدَه بخلاف قوله قبْله: (حدثنا).
(رجل)، قال (ط): هو ضِمام -بكسر المعجمة- ابن ثَعلبة من بني سعد بن بكْر، وتبِعه (ع)، وابن العرَبي، وابن المُنذِر، وابن باطِيْش، وآخرون.
قال (ن) في "شرح المهذب": وفيه نظرٌ.
وقال القُرطُبي في "المفهم"، ثم شيخُنا شيخ الإسلام البُلْقِيْني: الظاهر أنَّه غيرُه؛ لاختلاف السِّياقين.
(نجد) هو ما ارتفع من الأرض من تِهامة إلى العراق، وهو مذكَّرٌ.
(ثائر الرأس)؛ أي: مُنتفِش شعره منتشره، فالإسناد للرأْس إما لإطلاقه على الشَّعر؛ لأنَّه أصله كإطلاق السماء على المطر، أو للمبالغة بجعل الرأس كأنَّها المنتفِشة، أو على حذف مضافٍ، أي: شعر الرأْس
стр. 316
للقرينة العقلية، وهو بالرفع صفةٌ لـ (رجل)، وقيل: نصب على الحال، ولا تضرُّ إضافته؛ لأنَّها لفظيةٌ.
(نسمع) بنونٍ مفتوحةٍ، وكذا (نَفقَه) على الأشهر الأكثر فيهما، ويُروى بضم المُثنَّاة تحت على البناء للمفعول.
(دوي) بفتح الدال، وحكي ضمها: شدَّة الصوت وبُعده في الهواء، أي: شديدٌ لا يُفهم منه شيءٌ كدوي النَّحل.
(عن الإسلام)؛ أي: عن فرائضه بعد التوحيد، وتصديق الرسول ﷺ ، ولذلك لم يذكر له الشهادتين لعلمه ﷺ أنَّه لا يَسأل، ويحتمل أنَّه ذكرهما ولم يَسمع طلْحة لبُعده، أو لم ينقل ذلك لشهرته.
(إلا أن تطوع) بتشديد الطاء والواو، وأصله تتطوَّع بتاءين، فأُدغم، قيل: ويجوز تخفيف الطاء على حذف إحدى التاءين، وينبغي أن يكون المحذوف هو الأصلية؛ لأنَّ الزائدة جاءت بمعنًى.
وقد اختلف في هذا الاستثناء، فقال الشافعي ﵁ وغيره: منقطعٌ، فلا يلزم إتمام التطوُّع، والتقدير: فالتطوع خيرٌ لك، وقدَّره الطَّيْبِي، وقال: إنَّه مثل: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إلا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦]، أي: لا يجب شيءٌ إلا أن تطوَّع، وقد علم أن التطوع ليس بموجَبٍ، فلا يجب شيءٌ آخَر أصلًا، ومَن أوجَب إتمامَ تطوع الصوم والصلاة قال: متصلٌ، أي: إلا إذا تطوَّعت، فالتطوُّع عليك يَلزمك إتمامُه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، وبالقياس على الحج المتفَق على لزوم إتمامه، فعلى الأول يكون دليلًا
стр. 317
أن التهجد لا يلزم الأُمة بل نُسخ عنهم، وكذا عن النبي ﷺ على المرجَّح، وعدَم وجوب الوتر والعيدين خلافًا لأبي حنيفة، وخلافًا لقول الإِصْطَخْري من أصحابنا: أنَّ صلاة العيدين فرض كفايةٍ.
(قال: وذكر له رسول الله ﷺ ) كأن الراوي نسِي تلك، أو التبسَ فاستدركَه.
ففيه: التحرِّي في مُراعاة المروي.
(أفلح)؛ أي: فازَ، أو ظفِرَ، قيل: الفوز أربعة: بقاءٌ بلا فناءٍ، وغنًى بلا فقرٍ، وعزٌّ بلا ذلٍّ، وعلم بلا جهلٍ، فلا كلمةَ أجمع منها.
قال (ن): قيل: فلاحه راجعٌ إلى قوله: (ولا أنقُص)، والمختار رجوعه له ولقوله: (ولا أزيد)؛ إذ ليس فيه أنَّه إذا أتى بزائدٍ لا يُفلح، يُعلم ذلك بالضرورة، لأنَّه إذا أفلح بالواجِب فلأَنْ يُفلح بزيادة الندب عليه أَولى.
قال (ك): أو يحمل على أنَّه حلَف على أنْ لا يزيد في الإبلاغ على ما سَمع، ولا ينقُص منه، أو: أنَّه مبالغة في التصديق والقَبول، أي: قلتُ ما قلته لا أزيد عليه من جهة السؤال ولا أنقُص منه من طريق القبول، أو أن هذا كان قبْل مشروعية شيءٍ آخر، أو: (لا أزيد عليه) تتغيَّر صفته؛ كأنَّه قال: لا أُصلي الظُّهر خمسًا، أو أن المراد: نحافظ على الفرائض وإنْ لم نفعل النوافل، أو: لا أزيد على شرائع الإسلام، وسيأتي في (الصيام) في حديثٍ ما يوضح المراد، فإنَّ فيه: (وأخبَره ﷺ -
стр. 318
بشَرائع الإسلام)، فهذه ثمانية أجوبةٍ دفعتْ مفهوم الشَّرط في أنَّه إذا زادَ لا يُفلح.
ولقد حلَف وأقرَّه النبي ﷺ ، وهو قد أَنكَر على من حلَف: أنْ لا يفعل خيرًا، وأنَّه كيف قال: لا أزيد، وهو لم يذكر جميع الواجبات، ولا المنهيات، ولا المندوبات، ولم ينكره ﷺ ؟، بل قال: إنَّه أَفلَح.
واعلم أنَّه إنما لم يذكر الحج؛ لأنَّه لم يكن فُرض، أو أن الرجل سأله عن حاله، وهو ممن لم يجب الحجُّ عليه، أو أن هذا لتفاوُت الرواة حفْظًا أو نحوه، فإنَّ بعضهم لم يذكر الصوم، وبعضٌ الزّكاة، وبعضٌ ذكر صِلَة الرحم، وبعضٌ أداء الخمُس، وبالجملة فالقاعدة أن الزيادة يجب العمَل بها إلا أنْ تُغيِّر الباقي، فيقَع التعارُض.
(وأبيه) لا يُعارضه حديث: "إنَّ الله يَنهاكُم أنْ تحلِفُوا بآبائكم"، إما لأنَّه هنا ليس حلِفًا بل كلمةً جرتْ عادة العرب تحسينُ الكلام بها، وذاك من الحَلِف حقيقةً.
قال (ن): وفي الحديث أنَّه يُقال: (رمضان) من غير ذكْر (شهر)، فإنَّ المال ليس فيه حقٌّ سِوى الزّكاة.
قال (ط): وفيه أن الفرائض تُسمى إسلامًا، وفي قوله: (إنْ صدَق): أنَّه إن لم يصدُق في التزامها فليس بمفلحٍ، وهو خلاف قول المُرجئة.
* * *
стр. 319
٣٥ - بابٌ اتِّبَاعُ الجَنَائِزِ مِنَ الإِيمَانِ
(باب اتباع الجنائز من الإيمان)، بتشديد اتّباع، والجنائز جمع -جِنازة- بجيم تكسر في الأفْصح، مِنْ جَنَز، أي: سَتَر، ويُقال: إنَّه بالفتح: الميِّت، وبالكسر: النَّعش عليه الميت، وقيل: بالعكس، وقال الجَوْهَري: بالكسر، والعامة تفتحه، قال: وهو الميِّت على السَّرير، وإلا فهو سَريرٌ ونعشٌ.
٤٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَنْجُوفيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِم إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا، وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ".
تَابَعَهُ عُثْمَانُ الْمُؤَذِّنُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْث، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، نَحْوَهُ.
(م ت س ق).
سنَده بصريون إلا أبا هريرة، نعَمْ، قيل: الحسَن لم يسمع من أبي هريرة، فيكون: (عن أبي هريرة) راجعًا إلى (محمد) فقط، أو هو من حديث الحسَن مُرسَلًا.
стр. 320
(تبع) في رواية: (اتبَعَ)، وهو الموافق للترجمة، وظاهره يقتضي المشيَ وراءَ الجنازة، وهو قول أبي حنيفة، وقال الأئمة غيرُه: قُدَّامَها؛ للعُرف في معنى الاتباع؛ إذ المراد عُرفًا أن يُنسب إليها ويُعدَّ من شِيْعتها؛ لأن النبي ﷺ والشيخين كانوا يمشون أمامَها، وأيضًا فالشَّفيع إنما يكون قُدَّام المشفوع له، وهم شُفعاء بدليلِ: "وقد جئْناكَ شُفعاءَ له"، وقال الثوري: الكلُّ سواءٌ.
(إيمانًا) مرَّ بيانه في الأحاديث المُتعلِّقة برمضان.
ووجه دخوله في الترجمة سبَق نظيره.
(معه)؛ أي: مع المسلم، أو صاحب الجنازة، وفي بعضها: (معها)، أي: الجنازة.
(يصلي عليها ويفرغ) الأحسَن في الفعلين البناء للفاعل، ويجوز البِناء على المفعول، والجارُّ والمجرور فيهما هو النائب عن الفاعل، ومع ذلك يُقيَّد بأنْ يُصلِّي هو عليها، ويتبعَها إلى أن يُفرغ من دفنها جمعًا بين الرِّوايتين بحمل المطلَق على المقيَّد، فإنْ صلَّى فقط فليس له القِيراطان، وكذا لو صلَّى وذهب إلى القبر، ومكَث حتى جاءتْ، وحضر الدَّفن، أو حضَر الدَّفْن ولم يُصلِّ، أو تَبِعَها ولم يُصلِّ.
(يرجع) من الرُّجوع لا من الرَّجع.
(بقيراطين) القِيْراط لغةً: نِصْف دانقٍ، وأصله قِرَّاط -بتشديد الراء- بدليل جمعه على قَراريط، فأُبدل من أحد حرْفي تضعيفه ياء كما في دِيْنار، والمقصود من القِيْراط هنا الحِصَّة.