Полный текст (8 898 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.
стр. 2591
(عليّ) فاعل رأَى، وحُذف مفعوله، أي: النَّهي.
(أهَلَّ) جوابٌ لـ (ما).
(لَبَّيْكَ)؛ أي: قائلًا لبَّيك، فهو مقول القَول المقدَّر.
(قال) استئنافٌ، أي: قال عَليٌّ، وكأنَّ قائلًا قال له: لِمَ خالفْتَه؟، فأجاب بذلك؛ لأن المجتهدَ لا يُقلِّدُ مجتهدًا، لا سيَّما والسُّنَّة موجودةٌ.
* * *
١٥٦٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابن طَاوُسٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنِ ابن عَبَّاس ﵄ قَالَ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ فِي الأَرْضِ، وَيَجْعَلُونَ الْمُحَرَّمَ صَفَرًا وَيَقُولُونَ: إِذَا بَرَا الدَّبَرْ، وَعَفَا الأَثَرْ، وَانْسَلَخَ صَفَرْ، حَلَّتِ الْعُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرْ، قَدِمَ النَّبيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ صَبيحَةَ رَابعَةٍ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله! أَيُّ الْحِلِّ؟ قَالَ: "حِلٌّ كُلُّهُ".
الحديث الرّابع:
(كانوا)؛ أي: أهلُ الجاهلية.
(يَرون)؛ أي: يعتقدون.
(المُحَرَّمَ صَفَرًا)؛ أي: يجعلون صَفَر من الأشهر الحرُم لا المُحَرَّم. قال الزَّمَخْشَرِيُّ: النَّسِيءُ هو: تأخير حُرْمَةِ الشهر إلى شهرٍ آخَر،
стр. 2592
وربما زادوا في عدد الشُّهور، فيجعلونه ثلاثةَ عشر، أو أربعةَ عشَر، فيتَّسع لهم الوقْت. أي: لأنهم إذا توالتْ عليهم ثلاثةُ أشهرٍ حُرُمٍ ضاق الوقت على أحوالهم وذكر الطِّيْبي نحو ذلك، وفي التركيب لَطافةُ إرادة المعنى اللُّغوي في المحرَّم، فهو من الإيهام.
قال (ن): و (صفَر) مصروفٌ بلا خلاف، ولكن كتَبوه بلا ألف، قال (ك): أي: على لغة رَبيْعَةَ في الوقْف على المنصوب المنوَّن، لكنْ حكى (ش) عن بعضهم: أنه غيرُ مصروفٍ، ثمَّ قال (ن): إنَّ هذهِ الألفاظَ تُقرأ كلُّها ساكنةَ الآخِر موقوفةً؛ لأجْل السَّجْع.
(بَراء) بفتح الراء.
(الدَّبَر) بمهملةٍ وراءٍ مفتوحتين، أي: ما يَلحق ظُهورَ الإبل من جُرحٍ ونحوه من الأثَر باصطِكاكِ الأقْتابِ، فيَبْرأ ذلك الدَّبَر إنْ حصَل في زمَن الحجِّ بعد الانصِراف منه.
(وعفا الأثر)؛ أي: ذهبَ أثرُ ذلك الدَّبَر، يُقال: عفَا الشَّيء: إذا ذهَب.
قال (خ): لكنَّ المعروف في عامة الرِّوايات: (عفَا الوَبَر)، أي: كَثُر، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: ٩٥]، أي: كثُروا، أي: فهو من الأضْداد، قال (ش): وكذا رواه أبو داوُدَ: (وعفَا الوَبَر).
وقيل: المراد بالأثَر: أثَر الإبل، والسَّيْر، أي: آثار مشي الحاجِّ في الطَّريق من وُقوع الأمطارِ وغيرِها لطُول الأيَّام.
стр. 2593
(حلت العُمرة)؛ أي: صارتْ حَلالًا.
ووجه تعلُّق انسلاخ صفَر بالاعتمار في أشهر الحجِّ الّذي هو المقصود في الحديث -مع أن المُحَرَّم وصفر ليسا من أشهر الحجِّ-: أنَّهم لمَّا سمَّوا المحرَّم صفَرًا لزِمَ من تصرُّفهم عن السَّنَة ثلاثةَ عشَرَ شهرًا أن يصير المحرَّم الّذي سمَّوه صفَرًا آخِرَ السنَة، فيكون آخر أشهر الحجِّ، أو يقال: إن المراد أن بَراء الدَّبَر إنّما هو بمضيِّ الحِجَّة والمحرَّم؛ إذ لا بُرْء بأقلَّ من ذلك غالبًا، وأمّا انسلاخُ صفر فلانه من الأشهر الحُرُمِ بزعمهم، فلو وقَع قِتالٌ في طريق مكّة؛ لقَدَروا على المُقاتَلة، فكأنه قال: إذا انقضَى شهرُ الحجِّ، وأثَرُه، والشهرُ الحرامُ جازَ الاعتمارُ، أو يقال: المراد بصفَر: المحرَّم، ويكون قوله: (إذا انسَلخَ صفَر) كالبَيان أو البَدَل من قوله: (إذا بَرأ الدَّبَر)؛ لأنه لا يحصُل إلا في هذه المُدَّة ما بين نحو أربعين يومًا إلى خمسين.
قال (ك): وهذا أَظهرُ، لكنْ بشرط أن يكون مرادُهم بكراهة العُمرة في أشهر الحجِّ هي والزَّمانُ الّذي فيه الأثَر بعدها.
(رابعة)؛ أي: ليلةَ رابعةٍ من ذي الحِجَّة.
(ذلك)؛ أي: الاعتمارُ في أشهر الحجِّ.
(أيُّ الحل)؛ أي: أيُّ شيءٍ يحلُّ لنا.
(كُله)؛ أي: كُلُّ ما كان حرامًا على المُحْرِم، حتّى الجِماع.
* * *
стр. 2594
١٥٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَيْسِ بن مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بن شِهَابٍ، عَنْ أَبي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى النَّبيِّ ﷺ . فَأَمَرَهُ بِالْحِلِّ.
الحديث الخامس:
(فأمره) مقتضى الظاهرِ: فأمَرَني، لكنَّ الراوي رواه بالمعنى لا بحكايةِ لفظِه.
* * *
١٥٦٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ ﵃ زَوْجِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله! مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ قَالَ: "إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ".
السادس:
(لبدت) سبق أن معناه جَعْل صمغٍ ونحوِه في شَعْر الرأْس ليجتَمعَ ولا يقَع فيه قَمْلٌ.
(وقلدت)؛ أي: تعليقُ شيءٍ في عنُق المُهدَى من النِّعَم علامةً أنه هَدْيٌ، وذكرَه وإنْ كان أجنبيًّا من الحِلِّ، وعدمُه بيانٌ، لأنه من أول الأمر مستعد لدوام إحرامه حتَّى يبلغَ الهديُ مَحِلَّه، والتلبيدُ مُشْعِرٌ بمدةٍ
стр. 2595
طويلةٍ، أو ذَكَر ذلك لبيان الواقِع، أو للتأكيد.
وفيه أنه ﷺ كان قارِنًا.
* * *
١٥٦٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَمْرَةَ نصرُ بن عِمْرَانَ الضُّبَعِيُّ قَالَ: تَمَتَّعْتُ، فَنَهَانِي نَاسٌ، فَسَأَلْتُ ابن عَبَّاسٍ ﵄ فَأَمَرَنِي، فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ رَجُلًا يَقُولُ لِي: حَجٌّ مَبْرُورٌ وعُمْرُةٌ مُتَقَبَّلَةٌ، فَأَخبَرْتُ ابن عَبَّاسٍ فقال: سُنَّةَ النبيِّ ﷺ ، فقال لي: أَقِمْ عِنْدِي فأجْعَلَ لَكَ سَهْمًا مِنْ مالِي، قال شُعْبَةُ: فَقُلْتُ: لِمَ؟ فقال: لِلرُّؤْيا الَّتِي رَأَيْتُ.
السابع:
(فأمرني)؛ أي: بالتمتع.
(حج) هو خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هذا، وفي بعضها: (حَجَّةٌ -بالتأنيث- مبرورةٌ).
(سنة) بالرفع: خبرُ مبتدأ محذوفٍ، وبالنصب: على الاختصاص.
(وأجعل) جملةٌ حالية، أي: وأنا أجعل، وفي بعضها: (وأجعلَ) بالنصب.
(رأيت) بتاء المتكلمِ، أي: لأجل موافقةِ أمره، ولسنَّة النَّبيِّ ﷺ .
* * *
стр. 2596
١٥٦٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نعيْمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، قَالَ: قَدِمْتُ مُتَمَتِّعًا مَكَّةَ بِعُمْرَةٍ، فَدَخَلْنَا قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِثَلَاثَةِ أيَّامٍ، فَقَالَ لِي أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ: تَصِيرُ الآنَ حَجَّتُكَ مَكِّيَّةً، فَدَخَلْتُ عَلَى عَطَاءٍ أَسْتَفْتِيهِ فَقَالَ: حَدَّثَنِي جَابرُ بن عَبْدِ الله أَنَّهُ حَجَّ مَعَ النَّبيِّ ﷺ يَوْمَ سَاقَ الْبُدْنَ مَعَهُ وَقَدْ أَهَلُّوا بِالْحَجِّ مُفْرَدًا، فَقَالَ لَهُمْ: "أَحِلُّوا مِنْ إِحْرَامِكُمْ بِطَوَافِ الْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَقَصِّرُوا ثُمَّ أَقِيمُوا حَلَالًا، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ فَأَهِلُّوا بِالْحَجِّ، وَاجْعَلُوا الَّتِي قَدِمْتُمْ بِهَا مُتْعَةً"، فَقَالُوا: كَيْفَ نَجْعَلُهَا مُتْعَةً وَقَدْ سَمَّيْنَا الْحَجَّ؟ فَقَالَ: "افْعَلُوا مَا أَمَرْتُكُمْ، فَلَوْلَا أَنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ لَفَعَلْتُ مِثْلَ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ، وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ مِنِّي حَرَامٌ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ"، فَفَعَلُوا.
الثّامن:
(مكية)؛ أي: فتكونُ قليلةَ الثّواب لقلَّة مَشقَّتها.
(البُدُن) بضم الدال وإسكانها.
(مُفْرَدًا) بفتح الراء وكسرِها باعتبارِ كلِّ واحد.
(أحلوا) في الكلام حذفٌ، أي: اجعَلُوا إحرامَكم عُمرةً، ثمّ حُلُّوا.
(بين الصفا)؛ أي: وبالسَّعي بين الصفا، أو سماه طوافًا.
(قدِمتم) بكسر الدال.
(متعة)؛ أي: عُمرة، ووجْهُ التَّجَوُّز في إطلاقه ظاهرٌ.
стр. 2597
(إلا هذا)؛ أي: هذا الحديث، وقيل: المرادُ ليس له بسنَدٍ عن عَطاءٍ إلا هذا لا مُطلقًا.
* * *
١٥٦٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بن سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بن مُحَمَّدٍ الأَعْوَرُ، عَنْ شُعْبة، عَنْ عَمْرِو بن مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بن الْمُسَيَّبِ قَالَ: اخْتَلَفَ عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ ﵄ وَهمَا بِعُسْفَانَ فِي الْمُتْعَةِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: مَا تُرِيدُ إلا أَنْ تنهَى عَنْ أَمْرٍ فَعَلَهُ النَّبيُّ ﷺ ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَلِيٌّ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا.
التّاسع:
(بِعُسْفان) بضم المهملة الأُولى، وسكون الثّانية: قريةٌ بين مكّة والمدينة، بها بئرٌ على نحوِ مرحلتين من مكّة.
(في المتعة)؛ أي: القِرَان كما سبق بدليل آخِرِ الحديث؛ لمَا فيها من التمتُّع بالتخفيف.
(ألى أن)؛ أي: ما تريد إرادةً منتهيةً إلى ذلك، أو ضَمَّن الإرادةَ معنى المَيْل.
(بهمًا) أي: قِرَانًا، ويحتمل أن القِرَانَ عند عُثمانَ التمتُّع كما سبق آنفًا في قوله: (وأن يجمَع)، أو المرادُ بالمتعة العُمرةُ في أشهر الحجِّ، ولو في ضمْن قِرَان.
* * *
стр. 2598
٣٥ - بابُ مَنْ لَبَّى بِالْحَجِّ وَسَمَّاهُ
١٥٧٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بن زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: حَدَّثَنَا جَابرُ بن عَبْدِ الله ﵄: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ وَنَحْنُ نَقُولُ: لَبَّيْكَ اللهمَّ لَبَّيْكَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ الله ﷺ فَجَعَلْنَاهَا عُمْرَةً.
* * *
٣٦ - بابُ التَّمَتُّعِ
١٥٧١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قتادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُطَرِّفٌ، عَنْ عِمْرَانَ ﵁ قَالَ: تَمَتَّعْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ فَنَزَلَ الْقُرْآنُ قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ.
(باب مَنْ لبَّى بالحجِّ)
(وسماه) فيه حديثان، وفي بعضها بينهما (باب: التمتع على عهد رسول الله ﷺ ).
(فأمرنا)؛ أي: أن نفسخَ الحجَّ.
(ونزلت)؛ أي: قولُه تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦]،
стр. 2599
ظاهر السِّياق أن المراد عُثْمان؛ لكنْ قال (ن): فيه التصريحُ بإنكاره على عُمَر مَنعْ التمتُّع، وأُوِّل قول عُمَر بأنه لم يُرِد إبطالَ التمتُّع، بل ترجيحَ الإفراد عليه.
* * *
٣٧ - بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾
(باب قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٦])
اكتفى (ك) بالترجمةِ السابقةِ عن هذا.
١٥٧٢ - وَقَالَ أَبُو كَامِلٍ فُضَيْلُ بن حُسَيْنٍ الْبَصْرِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بن غِيَاثٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ فَقَالَ: أَهَلَّ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ وَأَزْوَاجُ النَّبيِّ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَداعِ وَأَهْلَلْنَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "اجْعَلُوا إِهْلَالَكُمْ بِالْحَجِّ عُمْرَةً إلا مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ"، طُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَأتيْنَا النِّسَاءَ وَلَبسْنَا الثِّيَابَ، وَقَالَ: "مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ"، ثُمَّ أَمَرَنَا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ أَنْ نُهِلَّ بِالْحَجِّ، فَإِذَا فَرَغْنَا مِنَ الْمَنَاسِكِ جِئْنَا فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَقَدْ تَمَّ حَجُّنَا، وَعَلَيْنَا الْهَدْيُ، كَمَا قَالَ الله
стр. 2600
تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ إِلَى أَمْصَارِكُمْ، الشَّاةُ تَجْزِي، فَجَمَعُوا نُسُكَيْنِ فِي عَامٍ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّ الله تَعَالَى أَنْزَلَهُ فِي كتَابهِ وَسَنَّهُ نبَيُّهُ ﷺ وَأَبَاحَهُ لِلنَّاسِ غَيْرَ أَهْلِ مَكَّةَ، قَالَ الله: ﴿ذلِكَ لِمَن لَمْ يَكُن أَهْلُهُ حَاضِرِى المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾ وَأَشْهُرُ الْحَجِّ التي ذَكَرَ الله تَعَالَى: شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحَجَّةِ، فَمَنْ تَمَتَّعَ فِي هَذِهِ الأَشْهُرِ فَعَلَيْهِ دَمٌ أَوْ صَوْمٌ، وَالرَّفثُ الْجمَاعُ، وَالْفُسُوقُ الْمَعَاصِي، وَالْجدَالُ الْمِرَاءُ.
(البَرَّاء) بتشديد الراء.
(طفنا) استئنافٌ، أو جوابٌ لـ (ما)، أو حالٌ بتقدير: قد.
(المناسك)؛ أي: وقوف عرفةَ، ومَبيت مزدلفةَ، ورمي يوم العيد، والحَلْق.
(إلى أمصاركم) تفسيرٌ من ابن عبّاس لمعنى: ﴿رَجَعْتُمْ﴾.
(الشاة) تفسيرٌ منه أيضًا لمعنى: ﴿الْهَدْيِ﴾، والجملةُ حاليةٌ بلا واوٍ؛ لأنه فصيحٌ.
(يَجزي) بفتح أوَّله، أي: يَكفي، وكذا فسَّر الشّافعيُّ الرجوعَ بأنه إلى أهالِيْكم، وقال أبو حنيفة: الرجوعُ: الفراغُ من أعمال الحجِّ.
(ذلك) هو على قول الشّافعيّ إشارةٌ للحكم الّذي هو وجوب الهَدْي أو الصِّيام، وحاضرو المسجدِ الحرام: أهلُ الحرَم، ومَن كان منه على ما دُون مسافةِ القَصْرِ، وأمّا على قول أبي حنيفة: فذلك إشارةٌ إلى التمتُّع لا إلى حُكمه، فلا متعةَ للحاضرين، قال: وهم أهل
стр. 2601
المواقيت، ومَنْ دونها، وقال مَالِكٌ: هم مَنْ كان بمكةَ، أو بذي طِوى دون غيرهما.
(من الحجِّ والعُمرة) هذا وإنْ فُهم أوَّلًا لكنْ ذُكِرَ للتأكيد.
(أنزله)؛ أي: في آية: ﴿فَمنَ تَمتَّعَ﴾.
(وسنة)؛ أي: شَرَعَهُ حيث أمر الصّحابة بالتمتُّع.
(غير) بالنصب والجرِّ، وقد يتعلَّق بذلك أبو حنيفة في أن ذلك إشارةٌ إلى التمتُّع لا لحكمه، لكنَّ مذهبَ الصحابيِّ ليس بحجَّةٍ عند الشّافعيّ؛ إذ لا يُقَلِّد المجتهدُ مجتهدًا.
(ذكر الله)؛ أي: في الآية الّتي بعد آية التمتُّع، وهي: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] إلى آخرها.
(في هذه الأشهر) فإنّه ذكَرَ ذلك أنه إذا اعتمرَ قبلَ أشهر الحجِّ، ثمّ حجَّ في أشهره أنَّهُ ليس متمتِّعا، ولكن لا يُوجب دمًا ولا صيامًا.
(والفسوق: المعاصي) يُشْعِر بأنَّ (فسوقَ) جمعٌ لا مصدرٌ.
* * *
٣٨ - بابُ الاِغْتِسَالِ عِندَ دُخُولِ مَكَّةَ
(باب الاغتِسال عند دُخول مكَّة)
١٥٧٣ - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بن إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابن عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا
стр. 2602
أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابن عُمَرَ ﵄ إِذَا دَخَلَ أَدْنْىَ الْحَرَمِ أَمْسَكَ عَنِ التَّلْبيَةِ، ثُمَّ يَبيتُ بِذِي طِوًى، ثُمَّ يُصَلِّي بِهِ الصُّبْحَ وَيَغْتَسِلُ، وَيُحَدِّثُ أَنَّ نبَيَّ الله ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
(الحرم)؛ أي: أولُ موضعٍ منه.
(أمسك) تَرَكَ التَّلْبية وإنْ كان يوم النَّحر إلا أنه محمولٌ على مَنْ فرضه ذلك، أو يمسك بمعنى: ثمّ يَستأنِف.
* * *
٣٩ - بابُ دُخُولِ مَكَّةَ نَهَارًا أَوْ لَيْلًا
بَاتَ النَّبيُّ ﷺ بِذِي طِوًى حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ، وَكَانَ ابن عُمَرَ ﵄ يَفْعَلُهُ.
١٥٧٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ الله، قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابن عُمَرَ ﵄ قَالَ: بَاتَ النَّبيُّ ﷺ بِذِي طُوًى حَتَّى أَصْبَحَ ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ، وَكَانَ ابن عُمَرَ ﵄ يَفْعَلُهُ.
(باب دُخول مكَّة نهارًا وليلًا)
أَدْخَلَ (ك) ما فيه في الّذي قبلَه، وحذَفَ هذه الترجمةَ.
(طُوًى) سبق بيانه.
(ثمّ دخل) صريحٌ في أنه بالنَّهار، فقوله في التّرجمة: (وليلًا)،
стр. 2603
إمّا أنَّ (ثمّ) للتراخي، فيحتمل أن الدُّخولَ تَأخَّر إلى اللَّيل، وأنَّ دُخوله ليلًا كان معلومًا في عُمرة الجِعرَانَة، أو أنه أراد أن يأْتي بحديثٍ في الدُّخول ليلًا فما وجَد فيه حديثًا على شرْطه، ثمّ قيل: الدُّخول ليلًا ونهارًا سواءٌ، ولكنَّ الأكثرَ على أنه بالنَّهار أفْضل.
* * *
٤٠ - بابٌ مِنْ أَيْنَ يَدْخُلُ مَكَّةَ
١٥٧٥ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بن الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَدْخُلُ مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا، وَيَخْرُجُ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى.
(باب: مِن أينَ يَدخُل مكَّة؟)
وبعده:
* * *
٤١ - بابٌ مِنْ أَيْنَ يَخْرُجُ مِنْ مَكَّةَ
١٥٧٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ بن مُسَرْهَدٍ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ
стр. 2604
عُبَيْدِ الله، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُليَا الَّتِي بِالْبَطْحَاءَ، وَيَخْرُجُ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: كَانَ يُقَالُ: هُوَ مُسَدَّدٌ كَاسْمِهِ، قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: سَمِعْتُ يَحْيَى بن مَعِينٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ يَحْيَى بن سَعِيدٍ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ مُسَدَّدًا أَتَيْتُهُ فِي بَيْتِهِ فَحَدَّثْتُهُ لَاسْتَحَقَّ ذَلِكَ، وَمَا أُبَالِي كُتُبي كَانَتْ عِنْدِي أَوْ عِنْدَ مُسَدَّدٍ.
١٥٧٧ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، وَمُحَمَّدُ بن الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ابن عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامِ بن عُرْوَةَ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ لَمَّا جَاءَ إِلَى مَكَّةَ دَخَلَ مِنْ أَعْلَاهَا وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا.
١٥٧٨ - حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بن غَيْلَانَ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بن عُرْوَةَ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ دَخَلَ عَامَ الْفَتْح مِنْ كَدَاءٍ، وَخَرَجَ مِنْ كُدًا مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ.
١٥٧٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا ابن وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرٌو، عَنْ هِشَامِ ابن عُرْوَةَ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ دَخَلَ عَامَ الْفَتْح مِنْ كَدَاءٍ أَعْلَى مَكَّةَ.
قَالَ هِشَامٌ: وَكَانَ عُرْوَةُ يَدْخُلُ عَلَى كِلْتَيْهِمَا مِنْ كدَاءٍ وَكُدًا، وَأَكثَرُ مَا يَدْخُلُ مِنْ كَدَاءٍ، وَكَانَتْ أَقْرَبَهُمَا إِلَى مَنْزِلِهِ.
١٥٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، عَنْ هِشَامٍ،
стр. 2605
عَنْ عُرْوَةَ: دَخَلَ النَّبيُّ ﷺ عَامَ الْفَتْح مِنْ كَدَاءٍ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ، وَكَانَ عُرْوَةُ أَكثَرَ مَا يَدْخُلُ مِنْ كَدَاءٍ، وَكَانَ أَقْرَبَهُمَا إِلَى مَنْزِلِهِ.
١٥٨١ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبيهِ: دَخَلَ النَّبيُّ ﷺ عَامَ الْفَتْح مِنْ كَدَاءٍ، وَكَانَ عُرْوَةُ يَدْخُلُ مِنْهُمَا كِلَيْهِمَا، وَأَكثَرُ مَا يَدْخُلُ مِنْ كَدَاءٍ أَقْرَبهِمَا إِلَى مَنْزِلِهِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: كَدَاءٌ وَكُدًا مَوْضعَانِ.
(باب: مِن أين يَخرُج؟)
أهملَهما (ك)، وأدخَل ما فيهما فيما قبلَهما؛ لتقارُبِ الكلِّ في المعنى.
(العليا) هو الّتي يُنزَلُ منها إلى مقابر مكَّة، وهي بجنْب المُحَصَّب.
(السفلى) الّتي في أسْفَل مكّة، وإنّما فَعَل النبيُّ ﷺ ذلك -وهو مُخالفة الطَّريقَين- تفاؤُلًا بتغيُّر الحالِ إلى أكمَلَ منها، أو ليَشهدَ له الطَّريقان، أو ليَتبرَّك به أهلُهما، أو لغير ذلك، أي: كما هي عادتُه في العِيْد وغيره، ثمّ قال الرَّافِعِيُّ: إن في ذلك سُنَّةً في حقِّ مَنْ طَريقه ذلك، قال (ن): وكذا مَنْ ليس ذلك طريقُه، فهو سُنَّةٌ مطلقًا.
(كدا)؛ أي: العُليا الّتي دخَل منها على المشهور، وعليه الجمهور، فيها فتح الكاف، والمدُّ، بخلافِ السُّفْلى الّتي خرجَ منها، فإنها بضَم الكاف، والقَصْر.
قال (ن): وأمّا كُديٌّ بضم الكاف، وتشديد الياء، فهي في طريقِ
стр. 2606
الخارجِ إلى اليمن، وليستْ من هذه الطريقينِ في شيءٍ، ووقَع في الرَّافِعِيِّ: أن السُّفلى بالمدِّ، وللقاضي حُسين: أنها بالفتح مِن غير تَعرُّضٍ من أحدٍ منهما لِمَا ذكره الآخَر، وكلاهما خلاف قَول الجمهور، وكذا وقَع للتَّيْمِيِّ ضَبْطُ كُدَيٌّ بالضمِّ، وتشديد الياء على التَّصغير.
قال (خ): المحدِّثون قَلَّ ما يُقيمون هذين الاسمين، وهما: كَدا وكُدا، قال الشَّاعر وأنشده الخَليل:
أَنْتَ اِبن مُعْتَلَجِ البطَا ... حِ كُدَيِّها وكَدائِها
قال (ك): إنَّ قولَه في بعض أحاديث الباب: (أنه خرج مِن الّتي من أعلى مكةَ) مخالفٌ لما في الروايات، ثمَّ جمَع بين ذلكَ: بأن الدُّخولَ والخروجَ من أعلاها لعلَّه كان في عام الفتْح، والخروجَ من أسفلها في الحجِّ.
قال: هذا إذا كان (كَدًا) بالفتح أوَّلًا وثانيًا، أنها إنْ كان الثّاني بالضمِّ فوجهُه: أنَّ (مِن أعلى) متعلِّقٌ بـ (دخَل)، و (خرَج)، و (من كَدًا) حالٌ مقدَّرة بينهما، ولا يحتاج إلى التَّخصيص بعد عام الفتْح.
(أحمد) قيل: ابن عيسى العَنْبَرِيِّ، لكنْ قال ابن مَنْدَه: كلُّ ما قال البخاريّ: أحمدُ عن ابن وَهْبٍ فهو ابن صالحٍ المِصْرِيُّ.
(أقربهما) بدلٌ من (كَدَا)، أو بيانٌ، وفي بعض النُّسخ كلاهما بالألف، وهو مذهب مَنْ يُجريها في الأحوال الثّلاثة على صورةٍ واحدةٍ.
* * *
стр. 2607
٤٢ - بابُ فَضْلِ مَكَّةَ وَبَنيَانِهَا وَقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
(بابُ فضْلِ مكةَ)
١٥٨٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن مُحَمَّدٍ، حَدَّثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابن جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بن دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابرَ بن عَبْدِ الله ﵄ قَالَ: لَمَّا بنيَتِ الْكَعْبةُ ذَهَبَ النَّبيُّ ﷺ وَعَبَّاسٌ يَنْقُلَانِ الْحِجَارَةَ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ لِلنَّبيِّ ﷺ : اجْعَلْ إِزَارَكَ عَلَى رَقَبَتِكَ، فَخَرَّ إِلَى الأَرْضِ، وَطَمَحَتْ عَيْنَاهُ إِلَى السَّمَاءَ، فَقَالَ: "أَرِنِي إِزَارِي". فَشَدَّهُ عَلَيْهِ.
الحديث الأوّل:
(فخر)؛ أي: وقعَ إلى الأرضِ لمَّا انكشفتْ عورتُه.
стр. 2608
(فطَمَحتْ) بفتح الميم، أي: رجَعَ بصره، يُقال: فلانٌ أَطْمَحَ بصرَه، أي: رفعهُ وعلاه.
(أرِني) بكسر الرَّاء وسكونها، أي: أعطِني؛ لأن الإِراءَة مِن لازمها الإِعطاءُ.
(فشد)؛ أي: العباس، أو النبيُّ ﷺ ، وسبق الحديث في (باب: كراهة التعرِّي).
وبناء الكعبة كان خمس مرات: بناء الملائكة، ثمّ آدم، ثمّ إبراهيم، ثمّ قريش في الجاهلية، وحضرَه ﷺ وهو ابن خمسٍ وثلاثين سنةً، وقيل: ابن خمسةٍ وعشرين، ثمّ بناءُ ابن الزُّبَير، ثمّ الحَجَّاجِ، وهو الموجود اليوم، وقد سبق في (كتاب العلم) في (باب: الأخبار).
* * *
١٥٨٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بن عَبْدِ الله، أَنَّ عَبْدَ الله بن مُحَمَّدِ بن أَبي بَكْرٍ أَخْبَرَ عَبْدَ الله ابن عُمَرَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵃ زَوْج النَّبيِّ ﷺ : أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ لَهَا: "أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ لَمَّا بنوُا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ"، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! أَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: "لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَفَعَلْتُ".
فَقَالَ عَبْدُ الله ﵁: لَئِنْ كَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ سَمِعَتْ هَذَا مِنْ رَسُولِ الله ﷺ ما أُرَى رَسُولَ الله ﷺ تَرَكَ اسْتِلَامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ
стр. 2609
يَلِيَانِ الْحِجْرَ إلا أَنَّ الْبَيْتَ لَمْ يتَمَّمْ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ.
الحديث الثّاني:
(ألم تري) أصله: تَرَيْنَ، فحُذفتْ النون للجزم، أي: ألم يَصِلْ علمُ ذلك إليك.
(حِدثان) بكسر الحاء: مصدر حدَثَ يحدُث، وهو مبتدأٌ حُذفَ خبَرُه وجوبًا، أي: موجودٌ.
(إن كانت) ليس ذلك شكًّا في قولها، ولا تضعيفًا لحديثها؛ فإنها السيِّدة الحافظة، بل جرَى على ما يُعتادُ عليه من كلام العرب من الترديدِ للتَّقريرِ واليقين، كما في: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ١١١]، وفي ﴿إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي﴾ [سبأ: ٥٠].
(استلام) هو مسُّ الحَجَر ومسحُه، إمّا من التَّسلُم، أو من السَّلام.
(الحِجْر) بكسر المهملة، وسكون الجيم: ما تحت الميْزابِ، عليه نصفُ دائرةٍ، تدويره تسعٌ وثلاثون ذراعًا.
قال أصحابنا: ستةُ أذرعٍ منه من البيت بلا خلافٍ، وفي الزائدِ خلافٌ.
(لم يتمم)؛ أي: ما نقَصَ من البيت، وهو الرُّكن الّذي كان في الأصل، والذي هو الظَّاهر في ركن الحجَر لم يَسنَّه إبراهيم ﵇، والمرادُ: أن الركنينِ اللذَين يليان الحِجْر ليسا بركنين، وإنما هما بعض الجِدار الّذي بنتْه قريش، فلذلك لم يستلمهما النبيُّ ﷺ .
* * *
стр. 2610
١٥٨٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، حَدَّثَنَا أَشْعَثُ، عَنِ الأَسْوَدِ بن يَزِيدَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَألتُ النَّبيَّ ﷺ عَنِ الْجَدْرِ: أَمِنَ الْبَيْتِ هُوَ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قُلْتُ: فَمَا لَهُمْ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَ: "إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ"، قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابهِ مُرْتَفِعًا؟ قَالَ: "فَعَلَ ذَلِكِ قَوْمُكِ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاؤُا وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاؤُا، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِالْجَاهِلِيَّةِ، فَأَخَافُ أَنْ تنكِرَ قُلُوبُهُمْ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ فِي الْبَيْتِ وَأَنْ أُلصِقَ بَابَهُ بِالأَرْضِ".
الحديث الثّالث:
(الجَدر) بفَتح الجيم، وفي بعضها تُضَمُّ، أي: الجِدَارُ كما هو مصرَّحٌ به في بعضها بدلَ الجدر، والمرادُ جدار الحِجْر؛ لما فيه من أصول حائطِ البيت.
(قصرت) بفتح الصَّاد المشدَّدة، وفي بعضها بضمِّها، أي: لم يتسعوا لإتمام البيت؛ لقُصور النفقة وقِلَّةِ ذاتِ يَدِهم، يُقال: قَصَّر عنه: إذا ضَعُف.
(ذلكِ) بكسر الكاف.
(ليدخلوا)؛ أي: حَجَبَةُ البيت وخَدَمَتُه، وهم بنو عبد الدَّار.
(ولولا) جوابُها محذوفٌ، أي: لَفعلتُ ذلك.
(ألصق)؛ أي: يكون على وجْهِ الأرضِ غيرَ مرتفعٍ.
* * *
стр. 2611
١٥٨٥ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بن إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ : "لَوْلَا حَدَاثَةُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَنَقَضْتُ الْبَيْتَ ثُمَّ لَبنيْتُهُ عَلَى أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ فَإنَّ قُرَيْشًا اسْتَقْصَرَتْ بناءَهُ، وَجَعَلْتُ لَهُ خَلْفًا".
قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ: خَلْفًا يَعْنِي بَابًا.
الحديث الرّابع:
(استقصرت)؛ أي: قَصَّرتْ عن تمام بنائها، واقتصرَتْ على هذا القَدْر؛ لقُصور النَّفَقة بهم عن تمامها.
(وجَعلتُ) بتاء المتكلِّم.
(خَلْفًا) بفتح المُعْجَمَة، وسكون اللام، أي: بابًا من خَلْفِه يُقابل هذا البابَ الّذي هو مقدَّمٌ، حتّى يدخُلوا من المقدَّم ويخرُجوا من الّذي خَلْف.
* * *
١٥٨٦ - حَدَّثَنَا بَيَانُ بن عَمْرٍو، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بن حَازِمٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بن رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبيِّ قَالَ لَهَا: "يَا عَائِشَةُ، لَؤلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ وَألْزَقْتُهُ بِالأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبيًّا، فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ". فَذَلِكَ الَّذِى حَمَلَ ابن الزُّبَيْرِ ﵄ عَلَى هَدْمِهِ، قَالَ يَزِيدُ:
стр. 2612
وَشَهِدْتُ ابن الزُّبَيْرِ حِينَ هَدَمَهُ وَبناهُ وَأَدْخَلَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ حِجَارَةً كَأَسْنِمَةِ الإبلِ، قَالَ جَرِيرٌ فَقُلْتُ لَهُ: أَيْنَ مَوْضعُهُ؟ قَالَ: أُرِيكَهُ الآنَ، فَدَخَلْتُ مَعَهُ الْحِجْرَ فَأَشَارَ إِلَى مَكَانٍ فَقَالَ: هَا هُنَا، قَالَ جَرِيرٌ: فَحَزَرْتُ مِنَ الْحِجْرِ سِتَّةَ أَذْرُع أَوْ نَحْوَهَا.
الخامس:
(لولا أن قومك حديث عهد) بنضافة (حديث)، أو بتنوينه ورفعِ (عهد) فاعلًا به.
قال (ش): كذا رُوي بالإضافة من غير واوٍ في (حديث).
قال المُطرِّزي: وهو لحنٌ، والصَّواب: (حديثُو عَهْدٍ) بواو الجمْع.
قلت: قد يُوجَّه بأنَّ فَعيلًا يُستعمل للمُفرد، والجمْع، والمؤنَّث، والمذكَّر، كما في: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]، وخُرِّجَ عليه:
خَبيْرٌ بنو لِهْبٍ
إذا قلنا: خبرٌ مقدَّم، فإذا صحَّت الرِّواية وجبَ التأْويلُ.
(ما أخرج)؛ أي: من الحِجْر.
(بابين بابًا شرقيًّا) هو بابُه اليوم.
(وبابًا غربيًّا) هو الخَلْف، وقال (ش): إنَّه (ولجعلت لها خَلْفين)، قال: وهو بفتح الخاء على المشهور، وقيَّده الحَرْبيُّ: خِلفين بكسرها، وقال: الخَالِفَةُ: عَمودٌ في مُؤخَّر البَيت، يُقال: وراءه
стр. 2613
خَلْفٌ جيدٌ، والصَّواب الأوّل.
(كأسنمة) جمع سَنَامٍ.
(فحزرت) بحاء مهملةٍ، وزايٍ، ثمّ راءٍ، أي: قَدَّرتُ.
قال (ك): فيه اليومَ ثلاثُ شرفاتٍ على خلاف بناء إِبْرَاهيمَ.
قال (خ): في الحديثِ أن بعض الواجبات يُترَك إذا خِيْف منه مفسدةٌ، وأن النَّاس لا يُحجَبون عن البيت، ففي أيِّ وقتٍ شاؤوا دخَلُوا.
* * *
٤٣ - بابُ فَضْلِ الْحَرَمِ
وَقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ وَقَوْلهِ جَلَّ ذِكرُهُ: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
(باب فَضْل الحرَم)؛ أي: حرَم مكّة المحيط بها، فله حكمها في الحُرمة تشريفًا لها، وله حدودٌ معروفةٌ من طريق المدينة على ثلاثة أميالٍ، ومن اليمَن والعِراق: سبعةٌ، ومن جُدَّة: عشرةٌ.
(حرمها الله) لا يُنافي ما ثبت مرفوعًا: "إنَّ إبراهيم حَرَّمَها"؛ إذ المعنى: حرمها الله على لسانه، أو هو حرَّمها بإذن الله.
стр. 2614
١٥٨٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن عَبْدِ الله، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بن عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ يَوْمَ فَتْح مَكَّةَ: "إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ الله، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إلا مَنْ عَرَّفَهَا".
(يعضد)؛ أي: يُقطع.
(ينفر)؛ أي: يُزْعَج من مكانه، وهو تنبيهٌ بالأدنى على الأعلى، فلا يُضرَب ولا يُقتل بالأَولى.
(لقَطته) بفتح القاف، وسبق بيانه، ويأتي أيضًا.
(إلا من عرَّفها) استثناءٌ مُفرَّغٌ، فهو فاعلُ يلتقط، والمعنى: عَرَّفَها فقط، ولا يَتَمَلَّك، وإلا فاللُّقَطَة في غير الحرَم حكمها التعريفُ، إلا أنه يجوز تملُّكها بشرْطه، وفي لُقَطَة الحرم يمتنع، فهي خاصيَّةٌ.
* * *
٤٤ - بابُ تَوْرِيثِ دُورِ مَكَّةَ وبَيْعِهَا وشِرائِها
وَأَنَّ النَّاسَ فِي مَسْجدِ الْحَرَامِ سَوَاءٌ خَاصَّةً؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
الْبَادِي: الطَّارِي، مَعْكُوفًا: مَحْبُوسًا.
стр. 2615
(باب توريث دُوْرِ مكةَ وبَيْعها وشِرائها)
أسقطه (ك)، وأدخل حديثه فيما قبله.
(خاصة)؛ أي: المساواةُ إنّما هي في المسجد نفسه، لا في سائر مواضعِ مكةَ.
(الطارئ) يريدُ المسافر، كما أن العاكِفَ هو المقيمُ.
(معكوفًا)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا﴾ [الفتح: ٢٥].
* * *
١٥٨٨ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابن وَهْبٍ، عَنْ يُونسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عَلِيِّ بن حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بن عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بن زيدٍ ﵄ أنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ الله! أَيْنَ تنزِلُ فِي دارِكَ بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ: "وَهَلْ تَرَكَ عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ"، وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ هُوَ وَطَالِبٌ، وَلَمْ يَرِثْهُ جَعْفَرٌ وَلَا عَلِيٌّ ﵄ شَيْئًا؛ لأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ، وَكَانَ عَقِيلٌ وَطَالِبٌ كَافِرَيْنِ، فَكَانَ عُمَرُ بن الْخَطَابِ ﵁ يَقُولُ: لَا يَرِثُ الْمُؤْمِنُ الْكَافِرَ، قَالَ ابن شِهَابٍ: وَكَانُوا يَتَأَوَّلُونَ قَوْلَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ الآيَةَ.
(ابْن عُثمان)؛ أي: أمير المؤمنين.
(دارك) استدلَّ به الشَّافِعيُّ على أن دُوْرَ أهلِ مكةَ مُلْكٌ لهم؛ إذ الأصل في الإضافة ذلك.
стр. 2616
(رباع) جمع رَبْع، وهو المَحَلَّة، أو المنزِل، أو الدَّار، فيكون قولُه عَقِبَه: (أو دور) للتوكيدِ أو شكًّا من الراوي، والعمومُ وإن كان مُستفادًا من النكرة في النَّفْي إلا أنه أتى بلفظ الجمع للإِيماء إلى أنه لم يترك من الربوع المعدودة شيئًا، فيكون (مِن) للتبعيض.
(وكان عقيل) هو مُدرَجٌ من بعض الرواة، ولعلَّه من أُسامة، وطالبٌ أسَنُّ منه بعشر سنين، كما أنه أسنُّ من جَعْفَرٍ بعشرٍ، وجعفرٌ أسَنُّ من عليٍّ بعشر، وهو من النَّوادر.
(كافرين)؛ أي: عند وفاة أبيهما، وإلا فقد أسلَم عَقِيْلٌ بعد ذلك، قيل: كان أبو طالب أكبرَ ولد عبد المُطَّلِب احتوى على أملاكه، وحازَها وحْدَه على عادة الجاهلية من تَقديم الأسَنِّ، فتسلَّط عَقِيْلٌ بعد هجرة النبيّ ﷺ .
قال الدَّاوُدِيُّ: باعَ عقيلٌ ما كان للنبي ﷺ ولمن هاجَر من بني عبد المُطَّلِبِ كما كانوا يفعلون بدُورِ مَنْ هاجر من المؤمنين، فإمضاؤُه ﷺ تصرفاتِ عَقِيْلٍ إمّا كَرَمًا عليه، وإما استمالةً له، وإما تصحيحًا لتصرُّفات الجاهلية كتصحيح أَنْكِحَة الكفار.
قال (خ): وعندي أن تلك الدُّور إنْ كانت قائمةً على ملك عَقِيْلٍ، فلم يتركها النبي ﷺ ؛ لأنها دورٌ هجَروها في الله.
قال: واحتج الشَّافِعِيُّ بإجازة بيع عَقِيْلٍ الدُّورَ الّتي ورِثَها في الله في حال كفره، ثمّ باعها بعد أن أسلم على جواز بيع دور مكّة.
(وكانوا)؛ أي: السَّلَف يفسِّرون الوِلايةَ بولاية الميراث حتّى
стр. 2617
لا يرث المؤمنُ الكافرَ.
ووجْهُ الدلالة منها -وإنْ كان الّذي فيها أن المؤمنين يرثُ بعضُهم بعضًا- أنَّ اسمَ الإشارة قد يُوضع موضع الضمير، فكأنه أتى بضميرِ الفصلِ بين المبتدأ والخبر، فأفاد الحَصْرَ، أي: لا يرث إلا بعضُهم بعضًا، أو أن ذلك يُستفاد من معنى الآية، وهو: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٧٢]، إذ المُهاجَرَةُ كانت أوَّل عهد البعثة من تمام الإيمان، فمَن لم يكن مهاجِرًا فإنّه ليس مؤمنًا، فلهذا لم يرثِ المؤمّن المهاجر منه.
* * *
٤٥ - باب نُزُولِ النَّبي ﷺ مَكَّةَ
(باب نُزولِ النبيِّ ﷺ )
١٥٨٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبَو سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ حِينَ أَرَادَ قُدُومَ مَكَّةَ: (مَنْزِلُنَا غَدًا إِنْ شَاءَ الله بِخَيْفِ بني كِنَانةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ".
الحديث الأوّل:
(إن شاء الله) تبرُّكٌ، وامتثالٌ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾ الآية [الكهف: ٢٣].
стр. 2618
(بخَيْف) بمعجمة مفتوحةٍ، وياء ساكنة، وفاءٍ: ما انحدر من الجبل وارتفع عن السيل.
(كِنانة) بكسر الكاف، والمراد به: المُحَصَّب -بمهملتين مفتوحتين-.
(تقاسموا)؛ أي: تَحَالفوا.
(على الكفر)؛ أي: المذكورِ في الحديث الآتي.
* * *
١٥٩٠ - حدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ، حدَّثنا الأَوْزاعيُّ، قالَ: حَدَّثَني الزُّهْرِيُّ، عَنْ أبي سَلَمَةَ، عَنْ أبي هُرَيْرةَ ﷺ قَالَ: قالَ النَّبيُّ ﷺ من الغدِ يَوْمَ النَّحْرِ وَهُوَ بِمِنًى: "نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بني كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ"، يَعْنِي ذَلِكَ الْمُحَصَّبَ، وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا وَكِنَانَة تَحَالَفَتْ عَلَى بني هَاشِمٍ وَبني عَبْدِ الْمُطَّلِبِ -أَوْ بني الْمُطَّلِبِ- أَنْ لَا يُنَكحُوهُمْ وَلَا يُبَايِعُوهُمْ حَتَّى يُسْلِمُوا إِلَيْهِمُ النَّبيَّ ﷺ .
وَقَالَ سَلَامَةُ عَنْ عُقَيْلٍ، وَيَحْيَى بن الضَّحَّاكِ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، أَخْبَرَنِي ابن شهَابٍ، وَقَالَا: بني هَاشِمٍ وَبني الْمُطَّلِبِ، قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: بني الْمُطَّلِبِ أَشْبَهُ.
الحديث الثّاني:
(من الغد) أصله غَدَوٌ، فحُذفت لامُه، وهو أوَّل النهار، وقال الجَوْهَرِي: الغُدْوَة -بضمِّ الغين-: ما بين صلاة الصُّبح وطلوع الشّمس.
стр. 2619
(يوم) بالنصب، أي: قال ذلك في غَدَاةِ يوم النَّحر حالَ كونِه بمِنَى، والمرادُ بالغد: الثالثَ عشَرَ من ذي الحجة، لأنه يوم النزول بالمُحَصَّب، فهو مجازٌ في إطلاقه كما يُطلق (أمسِ) على ماضٍ مُطلقًا، وإلا فثاني العيدِ هو الغدُ حقيقةً، وليس مرادًا.
(أن قُريشًا وكنانة) إذا كان قُريشُ بني النَّضْرِ فهم قسمٌ من كِنَانة، فيكون من ذِكْر عامٍ بعد خاص.
قال (ك): يَحْتَمِل أن يريد بكِنانة غيرَ قُريش، فقُريش قَسِيمٌ له لا قِسْمٌ منه.
قلت: هو بَعيدٌ.
(يَسْلموا) بإسكان السين وتخفيف اللام.
(وقال سلامة) بتخفيف اللام: ابن رَوْحٍ.
(عُقَيل) بضم العين وفتح القاف عَمُّ سَلَامة، وقد وصله ابن خُزَيْمَة في "صحيحه".
(ويحيى) وصله أبو عَوَانة في "صحيحه"، أي: ففي هاتين الروايتين الجزْمُ بأنهم بني المُطَّلبِ، والأُولى متردِّدَةٌ، فقال البُخَارِيُّ: (بني المطلب أشبهُ)؛ أي: بالصواب، لأن عبدَ المُطَّلِبِ هو ابن هاشِمٍ، ولفظةُ (هاشمٍ) مغني عنه، وأمّا المُطَّلِبُ فهو أخو هَاشِم، وهما ابنان لعبد مَنَافٍ، فالمقصود أنهم تحالفوا علي بني عبد مناف.
قال (خ): ويُشْبهُ أنه ﷺ إنَّما اختار النزولَ هناك شكرًا لله تعالى على النعمة في دخول مكّة ظاهرًا ونقضًا لِمَا تعاقَدَ قريشٌ عليه أن لا يكلموا بني هاشم ولا يجالسوهم ولا يناكحوهم ولا يبايعوهم.
стр. 2620
قال ابن الأثير: تظافرتْ قريش علي بني هاشِمٍ والمُطَّلِب، حتّى حَصروهم في الشِّعْب بعد المَبْعِث بست سنين، فمكثوا في ذلك الحصار ثلاثَ سنين.
قال (ن): الأمرُ الّذي تعاقدوا عليه إخراجُ النّبيّ ﷺ ، وبني هاشم، والمطَّلبِ من مكةَ إلى هذا الشِّعْبِ، وهو خَيْف بني كِنانة، وكتبوا بينهم الصحيفةَ المشهورة فيها أنواع من الباطل، فأرسل الله تعالى عليها الأَرَضَةَ فأكلت ما فيها من الكفر، وتركت ما فيها من ذِكْرِ الله، فأخبرَ جبريلٌ النبيَّ ﷺ بذلك فأخبر به عمَّه أبا طالب، فأخبرهم عمُّه عنه بذلك، فوجدوه كما قال.
* * *
٤٦ - بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ الآيَةَ
(بابُ قولِ الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٦])
لم يذكر البخاريّ فيها حديثًا، إمّا لكونه لم يجدْه على شرطه، أو أنه من التراجمِ الّتي ذكرها لِيُوْرِدَ فيها حديثًا فما ساعدَه القَدَرُ.
* * *
стр. 2621
٤٧ - بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٩٧)﴾
(باب قولهِ تعالى) ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ﴾ [المائدة: ٩٧])
١٥٩١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن عَبْدِ الله، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بن سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بن الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "يُخَرِّبُ الْكَعْبةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ".
الحديث الأوّل:
(ذو السُّويقتين) الساقُ مؤنثة، فلذلك أتى في تصغيره بتاء التأنيث، وإنّما صَغَّر لأن في سِيْقَان الحَبَشَة دِقّةٌ وخُمُوشَةٌ، والمراد: يخرّبها ضعيفٌ من هذه الطائفة، ولا ينافي هذا قوله تعالى ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: ٦٧]، لأن الأمْنَ إلى قرب القيامة وخراب الدنيا، وحينئذٍ فيأتي ذو السُّوَيْقتين.
* * *
١٥٩٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بن بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂. وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ ابن مُقَاتِلٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الله هُوَ ابن الْمُبَارَكِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ ابن أَبي حَفْصَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضيَ الله عَنْهَا
стр. 2622
قَالَتْ: كَانُوا يَصُومُونَ عَاشُورَاءَ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ رَمَضَانُ، وَكَانَ يَوْمًا تُسْتَرُ فِيهِ الْكَعْبةُ، فَلَمَّا فَرَضَ الله رَمَضَانَ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ شَاءَ أَنْ يَصُومَهُ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يترُكَهُ فَلْيتركْهُ".
الحديث الثّاني:
(عاشوراء) ممدودٌ وغيرُ منصرف.
قال (ك): وفيه نَسْخُ السُّنةِ بالكتاب، والنسخُ بلا بدلٍ.
قلت: مذهبُ الشَّافِعِيِّ وجَمْعٌ: أن عاشوراءَ لم يَجِب حتّى يُنسخ، وبتقدير أنه كان واجبًا فلا معارضةَ بينَه وبين رمضان، فلا نسخ، وأمّا قوله: (بلا بدل)، فعجيب! فإنهم يمُثِّلون به لما هو ببدل أثقل إذا قلنا بالنسخ.
* * *
١٥٩٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا أَبي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنِ الْحَجَّاج ابن حَجَّاجٍ، عَنْ قتادَةَ، عَنْ عَبْدِ الله بن أَبي عُتْبَةَ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "لَيُحَجَّنَّ الْبَيْتُ وَلَيُعْتَمَرَنَّ بَعْدَ خُرُوج يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ).
تَابَعَهُ أَبَانُ وَعِمْرَانُ عَنْ قتادَةَ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: عَنْ شُعْبَةَ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُحَجَّ الْبَيْتُ"، وَالأَوَّلُ أكثَرُ، سَمِعَ قتادَةُ عَبْدَ الله، وَعَبْدُ الله أَبَا سَعِيدٍ.
стр. 2623
الثّالث:
(لِيُحَجنَّ) بضم الياء، وفتح الحاء والجيم.
(يأجوج مأجوج) بمنع الصرْفِ لأنهما أعجميان، وقُرئ بالهمز فيهما وبقلب الياء همزة، قيل: يأجوجُ من التُّرْك، ومأجوجُ من الجَبَلِ والدَّيْلَم، وقيل: إنهما صِنفان مُفْرِطوا الطُّول، ومفرطوا القِصَر.
(سمع قتادة) فائدةُ ذلك: أن قتَادَةَ لمَّا كان مُدَلِّسًا بيَّنَ البخاريُّ أن عَنْعَنتَه قريبٌ من السماع.
(تابعه أبان)؛ أي: العَطَّار، وصله أحمد.
(وعمران)؛ أي: القَطَّان بقاف ونون، ووصله أحمد أيضًا، وأبو يَعْلَى، وابن خُزَيْمَةَ.
(وقال عبد الرّحمن)؛ أي: ابن مَهْدِي، وصله أحمد أيضًا.
(والأول أكثر)؛ أي: الّذي يقتضي أن البيتَ يُحَجُّ بعد أَشْراط السّاعة، بخلاف الثّاني فإنه يقتضي أن لا يُحَجَّ بعدها، إذ قبلها هو محجوجٌ قطعًا، فالعمل بمقتضاه صحيحٌ ظاهرٌ، أو المراد أنه يُحَجّ بعد يأجوجَ مدة، ثمّ يصير عند ظهور قرب السّاعة متروكًا، ومعنى (أكثر): أي: عدد رواته أكثرُ من رواة الثّاني، فرُجِّح عليه، وقال التَّيْمِيُّ: معناه أن البيتَ يُحج إلى يوم القيامة.
* * *
стр. 2624
٤٨ - بابُ كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ
١٥٩٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بن الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الأَحْدَبُ، عَنْ أَبي وَائِلٍ، قَالَ: جِئْتُ إِلَى شَيْبَةَ. وَحَدَّثَنَا قَبيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ أَبي وَائِلٍ، قَالَ: جَلَسْتُ مَعَ شَيْبَةَ عَلَى الْكُرْسيِّ فِي الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: لَقَدْ جَلَسَ هَذَا الْمَجْلِسَ عُمَرُ ﵁ فَقَالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لَا أَدَعَ فِيهَا صَفْرَاءَ وَلَا بَيْضَاءَ إلا قَسَمْتُهُ، قُلْتُ: إِنَّ صَاحِبَيْكَ لَمْ يَفْعَلَا، قَالَ: هُمَا الْمَرْآنِ أَقْتَدِي بِهِمَا.
(باب كُسْوَةِ الكعبةِ)
(شيبة)؛ أي: ابن عُثمان الحَجَبيّ، أسلم يوم الفتح، وأعطاه ﷺ هو وابن عمِّه عُثمانَ بن طَلْحَةَ مفتاحَ الكعبة، وقال: "خُذوها يا بني أبي طلحةَ خالدةً تالدةً إلى يوم القيامةِ لا يأخذُها منكم إلا ظالمٌ"، وهو الآن بيد بني شيبةَ، مات سنةَ تسعٍ وخمسين.
(الكرسي) بضم الكاف وكسرها.
(صفراء ولا بيضاء)؛ أي: ذَهبًا وفضة، أي: ما يُهدى إلى البيت، كانوا يطرحونه في صندوق في البيت، ثمّ يقتسمه الحَجَبَةُ، فأراد عُمَرُ أن يَقْسِمه بين المسلمين، فقال له شَيْبَةُ: (إن صاحبيك)؛ أي: النبيَّ ﷺ ، وأبا بَكْرٍ ﵁.
стр. 2625
(لم يفعلا)؛ أي: لم يَقْسِماهُ، ولم يتعرَّضا له، فقال عُمر ﵁: (هما المَرْءَان)؛ أي: الكاملان، لا أخرج عنهما بل (أقتدي بهما).
واعلم أن بعضَهم توهَّم أن المراد بالصفراء، أو البيضاء حُلِيُّ الكعبة، وغَلِطَ صاحبُ "المُفْهِم" لأن ذلك مُحبَّسٌ عليها كالحُصْر والقناديل، وإنَّما ذلك الكنز الّذي كان يُهدى إليها فاضلًا عما كانت تحتاجه، فلما فتح ﷺ مكةَ تركه رعايةً لقلوب قريش، ثمّ بقي كذلك في زمن الصدِّيق وعمر. قال: ولا أدري ما صنع به بعد ذلك.
وأمَّا ترجمة البخاريّ عليه بكسوة الكعبة فلا تصريح فيه بذلك، فيكون مقصودُه التنبيهَ على أن حكم الكسوة حكمُ المال بها، فيجوز قِسْمتها على أهل الحاجة استنباطًا مِن رَأْيِ عُمرَ قسمةَ الذهب والفضة الكائنَين بها.
وقيل: بل وجهُ مناسبةِ الحديث للترجمة: أن الكعبةَ لم تزل مُعظَّمةً تُقصد بالهدايا تعظيمًا لها، فالكسوة من باب التعظيم لها أيضًا، وقال (ك): لعلّها كانت مَكسوّة وقت جلوس عُمَرَ، فحيث لم يُنكره وقررَها دلَّ على جوازها، والحديث مختصر، والمراد من الكسوة تموُّهُها بالذهب والفضة.
* * *
٤٩ - بابُ هَدْمِ الْكَعْبَةِ
قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "يَغْزُو جَيْشٌ
стр. 2626
الْكَعْبَةَ، فَيُخْسَفُ بِهِمْ".
(بابُ هَدْمِ الكعبة)
أسقطه (ك)، وأدخل حديثه فيما قبله.
(قالت عائشة) الحديثُ يأتي أوائل (الصوم).
قال (ك): يأتي في (البيع) في (باب ما ذكر في الأسواق).
(جيش) بجيم ومثناةٍ، لا بحاء وموحدة.
* * *
١٥٩٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بن عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بن سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بن الأَخْنَسِ، حَدَّثَنِي ابن أَبي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "كَأَنِّي بِهِ أَسْوَدَ أَفْحَجَ، يَقْلَعُهَا حَجَرًا حَجَرًا".
١٥٩٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بن بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بن الْمُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّويقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ".
الحديثُ الأولُ، والثّاني:
(كأني به)؛ أي: بالبيت مُتَلبس به.
(أسود) مبتدأ خبره: (يقلعها)، والجملة حالٌ بلا واو، والأسودُ خبرٌ لمبتدأ محذوف، أي: القالعُ له أسود، ويدلُّ عليه سياق الكلام، وروي (أسودَ) بالنصب على الذم والاختصاص، فلا يضر كونه نكرة،
стр. 2627
فقد قال الزَّمَخْشَرِيُّ في ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]: أنه منصوبٌ على الاختصاص؛ أو الضمير فيه للقالع، والأسود بدلٌ منه، فإن الظاهرَ يُبْدَلُ من ضمير الغَيْبة، نحو: ضربته زيدًا، وقال الطِّيْبي: إنّه ضميرٌ مُبْهَم يفسره ما بعده، فهو نصب على التمييز نحو: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]، فـ (سبعَ) تمييزٌ للضمير، وقال التُّوْرِبشْتيُّ: هما حالان.
(أفحج) بسكون الفاء وفتح المهملة، أي: تتقارب صدورُ قدميه وتتباعد عَقِبَاه، وقال (خ): البعيدُ ما بين الرِّجلين، وذلك من نُعُوت الحبش.
(حجرًا حجرًا) حالٌ، نحو: بَوَّبْتُه بابًا بابًا، أي: مُبَوَّبًا، أو هو بدل من الضمير.
* * *
٥٠ - بابُ مَا ذُكِرَ فِي الْحَجَرِ الأَسْوَدِ
(بابُ ما ذُكِرَ في الحَجَرِ الأَسْوَدِ)
ويقال: الركنُ الأسود، وارتفاعهُ عن الأرض ذراعًا وثُلُثَا ذراعٍ، قال ﷺ : "نزلَ من الجنَّة أشدُّ بياضًا من اللَبن فسَوَّدَتْه خطايا بني آدم"، رواه التّرمذيّ.
стр. 2628
١٥٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَابسِ بن رَبيعَةَ، عَنْ عُمَرَ ﵁: أَنَّهُ جَاءَ إِلَى الْحَجَرِ الأَسْوَدِ فَقَبَّلَهُ، فَقَالَ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبيَّ ﵁ يُقَبلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ.
(يقبلك) فيه استحبابُ تَقْبيْلِهِ في الطّواف، وكذا وَضْع الجبهة عليه خلافًا لِمَالِك، وهو من مَفَاريدِ مذهبه.
(لا تضر ولا تنفع) ذَكَر ذلك لدفع توهُّم قريبِ عهدٍ بإسلام ما كان يُعتقد في حجارة أصنام الجاهلية من الضرر والنفع، والمراد بذاته لا ينفع وإن كان امتثالَ ما شُرِعَ فيه يُنْتَفَع في الثّواب، ولكن لا قدرةَ له على النفع ولا الضر، لأنه حجر كسائر الأحجار، وأشاع عُمَرُ هذا في الموسم ليُشهَر في البلدان، ويحفظه المتخلِّفون في الأقطار.
قال (خ): فيه تسليم الحُكْم، وترك طلب العِلل.
وحسنُ الاتباع فيما لم يُكشف لنا عنه من الشّريعة ضربان: ما كُشف عن علته، وما لم يكشف، والثّاني ليس فيه إلا التسليمُ، فالله يُفَضل ما يشاء كما فضَّل تلك البقعةَ على سائر البقاع، ويومَ عرفة على سائر الأيَّام، قال الرَّاجز:
ما أنتِ يا مَكَّةُ إلا وادِيْ ... شَرَّفَكِ الله علَى البِلادِ
* * *
стр. 2629
٥١ - بابُ إِغْلَاقِ الْبَيْتِ، وَيُصَلِّي فِي أَيِّ نَوَاحِي الْبَيْتِ شَاءَ
(بابُ إغلاقِ، البيتِ ويُصلّي في أي نواحيه)
أسقطه (ك)، وأدخل حديثه فيما قبله.
١٥٩٨ - حَدَّثَنَا قتيْبَةُ بن سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابن شهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبيهِ، أَنَّهُ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ الله ﷺ الْبَيْتَ هُوَ وَأُسَامَةُ ابن زيدٍ وَبلَالٌ وَعُثْمَانُ بن طَلْحَةَ، فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا فتحُوا كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ، فَلَقِيْتُ بِلَالًا فسَأَلْتُه: هَلْ صَلَّى فِيهِ رَسُولُ الله ﷺ ؟ قالَ: نعمْ بَيْنَ العَمُودَيْنِ اليَمَانِيَيْنِ.
(عُثمان بن طلحة)؛ أي: حاجِب الكعبة، وسبق شرح الحديث في (باب: الأبواب والغَلق)، في (كتاب الصّلاة).
(ولج)؛ أي: دَخَل.
(اليمانيين) بتخفيف الياء لجعلهم الألف إحدى ياءي النسب، وجوَّز سيبويهِ التشديدَ، فالحديثُ وإن دل على تعيُّن مكانِ الصّلاة، وهو ضد التّرجمة إلا أن ذلك لِما لَمْ يكن يقصد بل اتفاقٌ = دلَّ أن نواحيَ البيت من داخله سواءٌ كما في خارجه.
* * *
стр. 2630
٥٢ - بابُ الصَّلاةِ في الكَعْبَةِ
(باب الصّلاةِ في الكعبة)
١٥٩٩ - حدَّثَنا أحْمَدُ بن مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنا عَبْدُ الله، أَخْبَرَنا مُوسى ابن عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عنِ ابن عُمَرَ ﵄ أنَّه كانَ إذا دَخَلَ الكَعْبَةَ مَشَى قِبَلَ الْوَجْهِ حِينَ يَدْخُلُ، وَيَجْعَلُ الْبَابَ قِبَلَ الظَّهْرِ، يَمْشِي حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجدَارِ الَّذِي قِبَلَ وَجْهِهِ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِ أَذْرُعٍ، فَيُصَلِّي يَتَوَخَّى الْمَكَانَ الَّذِي أَخْبَرَهُ بِلَالٌ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ صَلَّى فِيهِ، وَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ بَأْسٌ أَنْ يُصَلِّيَ فِي أَيِّ نَوَاحِي الْبَيْتِ شَاءَ.
(قريب) في بعضها: (قريبًا) على أن اسم (كان) مقدَّر، أي: المقدار، أو الساحة.
(يتوخى)؛ أي: يقصد، وسبق الحديث في (باب: الصّلاة بين السَّوَاري).
* * *
٥٣ - بابُ مَنْ لَمْ يَدْخُلِ الْكَعْبَةَ
وَكَانَ ابن عُمَرَ ﵄ يَحُجُّ كَثِيرًا وَلَا يَدْخُلُ.
١٦٠٠ - حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ، حدَّثَنا خالِدُ بن عَبْدِ الله، حَدَّثَنَا إسماعيلُ
следующие страницы →