الحديث: حديث مالكٍ، عن ابن شِهَاب، ولكنْ أُريد أن لا أُدخِل فيه مُعادًا.
قال (ك): هذا تصريحٌ منه أنه لم يُعِدْ حديثًا في "الجامع"، ولم يُكرِّر، فما اشتُهر أنَّ تكريرًا قريبًا من النِّصْف كلامٌ إقْناعيٌّ (١) على سَبيل المُسامَحة، وعند التَّحقيق لا بُدَّ من تَقييدٍ، أو إهمالٍ، أو زيادةٍ، أو نقصٍ، أو تفاوُتٍ في الإسناد.
وكلمة: (هَمْ)، بفتح الهاء وسكون الميم، قيل: فارسيَّةٌ، وقيل: عربيّةٌ، ومعناها قَريبٌ من معنى لفظ: أيضًا.
* * *
٩١ - بابُ الْوُقُوف بِعَرَفَةَ
(باب الوُقوف بعرَفة)
١٦٦٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن عَبْدِ الله، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن جُبَيْرِ بن مُطْعِم، عَنْ أَبيهِ: كُنْتُ أَطْلُبُ بَعِيرًا لِي.
وَحَدَّثنا مُسَدَّد، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو: سَمعَ مُحَمَّدَ بن جُبَيْرٍ، عَنْ أَبيهِ جُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ قَالَ: أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي، فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ يَوْمَ
стр. 2697
عَرَفَةَ، فَرَأَيْتُ النَّبيَّ ﷺ وَاقِفًا بِعَرَفَةَ، فَقُلْتُ: هَذَا وَالله مِنَ الْحُمْسِ، فَمَا شَأْنُهُ هَا هُنَا؟
الحديث الأوّل:
(أضللت) مِن أَضَلَّ البَعيرَ، أي: أضاعَهُ، أو هو ذهَب عنه.
(الحُمْس) بضمِّ المهملة، وسكون الميم: جمْع أَحْمَس، وهو من الحَماسَة، وهو الشِّدَّة.
قال الجَوْهَرِي: فسُمِّيت قريشٌ بذلك؛ لأنهم تَحَمَّسُوا في دينهم، أي: تشدَّدوا فيه، فكانوا لا يستظِلُّون لأيام مِنَى، ولا يدخُلون البُيوت من أَبوابها، وغير ذلك.
(فما شأنه هنا) وجْه السُّؤال والتَّعجُّب من جُبَيْر مع أنه أَسلَم عامَ خَيْبَر، إمّا لأنَّه لم يبلُغه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]، أو قصَد السُّؤال عن حِكْمة المُخالَفة للحُمْس، أو أنَّه ﷺ كان لَه بها وِقْفةٌ قبْل الهجرة.
* * *
١٦٦٥ - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بن أَبي الْمَغْرَاءِ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامِ بن عُرْوَةَ، قَالَ عُرْوَةُ: كَانَ النَّاسُ يَطُوفُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عُرَاةً إلا الْحُمْسَ، وَالْحُمْسُ قُرَيْشٌ وَمَا وَلَدَتْ، وَكَانَتِ الْحُمْسُ يَحْتَسِبُونَ عَلَى النَّاسِ، يُعْطِي الرَّجُلُ الرَّجُلَ الثِّيَابَ يَطُوفُ فِيهَا، وَتُعْطِي الْمَرْأةَ الْمَرْأةَ الثِّيَابَ تَطُوفُ فِيهَا، فَمَنْ لَمْ يُعْطِهِ الْحُمْسُ طَافَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانًا،
стр. 2698
وَكَانَ يُفِيضُ جَمَاعَةُ النَّاسِ مِنْ عَرَفَاتٍ، وَيُفِيضُ الْحُمْسُ مِنْ جَمْعٍ، قَالَ: وَأَخْبَرَني أَبي عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نزَلَتْ فِي الْحُمْسِ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾، قَالَ: كَانُوا يُفِيضُونَ مِنْ جَمْعٍ فَدُفِعُوا إِلَى عَرَفَاتٍ.
الثّاني:
(وما ولدت)؛ أي: وأَولادهم، وإنّما عبَّر بـ (ما) دون (مَنْ)؛ لقَصْد التَّعميم، وقيل: المُراد والدُهم، وهو كِنايةٌ؛ لأن الصَّحيح أنَّ قُريشًا ولَد النَّضْر بن كِنَانَة.
(يحتسبون)؛ أي: يُعطُون النَّاسَ الثِّيابَ لله تعالى.
(ويفيض) الإفاضَة الدَّفْعُ بكثْرةٍ.
قال الزَّمَخْشَري: مِن إفاضة الماءِ، فالأَصْل في أفَضْتُم، أي: أنفسَكم؛ بتَرْك ذكْر المَفعول.
(جماعة النَّاس)؛ أي: غير الحُمْس.
(عَرَفَات) علَمٌ للمَوقِف، إمّا لأنَّها وُصِفَتْ لإبراهيم ﵇ فلمَّا رآها عَرَفها، أو لأنَّ جِبْريل كان يُعرِّفُه المَشاعِر، ويقول له: عرَفْتَ؟ أو أُهبط آدم من الجنَّة في الهِنْد، وحَوَّاء بجُدَّة، فالتقَيَا فتَعارفا في أرْض المَوقِف، أو لأن النَّاسَ فيها يَتعارَفون، أو لأَنَّ إبراهيم عرَف حقيقة رُؤْياه في ذَبْح ولَده هناك، أو لأن الخَلْق يعترِفون فيها بذُنوبهم، أو لأنَّ فيه جِبَالًا، والجِبَال الأَعْراف، وكلُّ عالٍ فهو عَرْفٌ.
стр. 2699
(جَمْع) بفتح الجيم، وسُكون الميم: المُزْدَلِفة، إمّا لأنَّ آدم اجتَمع مع حَوَّاء بها، أي: دَنَا منها، أو (١) يُجمَع فيها بين الصَّلاتين، وأهلُها يَزدَلِفُون، أي: يتقرَّبون إلى الله بالوُقوف فيها.
(فدفعوا) مبنيٌّ للمَفعول، أي: أُمِروا بالذَّهاب إلى عَرَفَات حيث قيل لهم: أَفِيْضُوا، وذلك أن الحُمْس كان يترفَّعون على النَّاس عن أنْ يُساوُوهم في المَوقِف، ويقولون: نحن أهْلُ الله وقُطَّان حرَمه، فلا نَخرُج منه، ولا نحلُّ الحرَم، ويقِفون بجمْعٍ، وسائرُ النَّاس بعرَفاتٍ، فنزلت الآيةُ في أَمْرهم بأن يَقفوا بعرَفات، ويُفيضوا منها كسائر النَّاس.
* * *
٩٢ - بابُ السَّيْرِ إذَا دَفعَ مِنْ عَرَفَةَ
(باب السَّير إذا دفع من عَرَفَةَ)
في بعضها: (من عَرَفَاتٍ)، والمراد مكان الوقوف، عَرَفَات: اسمٌ في لفْظ الجمْع، لا واحدَ له، فقول النَّاس: (نزَلْنا عرَفَة) شَبيةٌ بالمُولَّد، وليس بعرَبيٍّ مَحْضٍ.
١٦٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ ابن عُرْوَةَ، عَنْ أَبيهِ بَأَنَّهُ قَالَ: سُئِلَ أُسَامَةُ وَأَنا جَالِسٌ: كيْفَ كَانَ
стр. 2700
رَسُولُ الله ﷺ يَسِيرُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ حِينَ دَفَعَ؟ قَالَ: كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ.
قَالَ هِشَامٌ: وَالنَّصُّ فَوْقَ الْعَنَقِ، فَجْوَةٌ مُتَّسَعٌ، وَالْجَمِيعُ فَجَوَاتٌ وَفِجَاءٌ، وَكَذَلِكَ رَكوَةٌ وَرِكَاءٌ، مَنَاصٌ لَيْسَ حِينَ فِرَارٍ.
(العَنَق) بمهملَةٍ، ونونٍ مفتوحتين، وقافٍ: السَّيْر السَّريع، أي: يسير العَنَق، فهو كقولهم: رجَعَ القَهْقَرى، وقيل: هو المُنْبَسِط.
(فَجْوة) بفتح الفاء، وسكون الجيم، أي: مُتَّسِعًا خاليّا من المَارَّة، وفَجْوة الدَّار: ساحَتُها.
(والنَّصّ) بفتح النُّون، وتشديد الصاد: السَّيْر الشَّديد الّذي يبلُغ فيه الغايةَ، قال الجَوْهَرِي: حتّى يَستَخرِج أقْصَى ما عندَه.
(فوق)؛ أي: أرفَع منه في السُّرعة.
وفيه أنَّ السَّكينة المأْمور بها إنَّما هي للرِّفْق بالنَّاس.
(مناص) هذا يقَعُ في بعض النُّسَخ، ووجْه ذكره هنا: رفْعُ توهُّم أن يكونَ النَّصُّ والمَنَاص أحدهما مشتقًّا من الآخَر، ويُقرأ بالجَرِّ على الحِكاية للَفظ الآية.
(ليس حين فرار) بنصْب (حينَ) خبرَ (ليس)، واسمُها محذوفٌ، أي: ليس الحِيْنُ حينَ هرَبٍ، وهو قَول سِيْبَوَيْهِ.
* * *
стр. 2701
٩٣ - بابُ النُّزُولِ بَيْنَ عَرَفَةَ وَجَمْع
(باب النزول بين عَرَفَةَ وجَمْعٍ)
١٦٦٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بن زيدٍ، عَنْ يَحْيَى بن سَعِيدٍ، عَنْ مُوسَى بن عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابن عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ بن زيدٍ ﵄ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ حَيْثُ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ مَالَ إِلَى الشِّعْبِ، فَقَضَى حَاجَتَهُ، فتوَضأ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! أَتُصَلِّي؟ فَقَالَ: "الصَّلَاةُ أَمَامَكَ".
الحديث الأول:
(مال)؛ أي: عدَلَ.
(الصّلاة) بالنَّصب بفعلٍ مقدَّرٍ، أي: صلَّى الصّلاة، أو بالرَّفْع مبتدأٌ حُذف خبَرُه، أي: الصّلاة حضَرتْ، أو فاعلٌ بفعْلٍ محذوفٍ، أي: حضَرت الصَّلاةُ، وأمّا قوله: (الصّلاة أمامك) فبالرَّفْع: مبتدأٌ، والخبَر (أمامَك)، أي: الصَّلاة فيما بَين يدَيْكَ، وهو المُزْدَلِفة، يُصلِّي فيها المَغرِب والعِشاء.
وفيه: يُذَكِّرُ التابع المَتبوعَ حيْثُ خالَفَ عادتَه؛ ليُبيِّن له وجْهَ الصَّواب، وسبق الحديث في (باب: إسْباغ الوُضوء).
* * *
١٦٦٨ - حَدَّثَنا مُوْسَى بن إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنا جُويرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ
стр. 2702
قالَ: كَانَ عَبْدُ الله بن عُمَرَ ﵄ يَجْمَعُ بَيْنَ المَغْرِبِ والْعِشَاءَ بِجَمْعٍ، غَيْرَ أَنَّهُ يَمُرُّ بالشِّعْبِ الَّذِي أَخَذَهُ رَسُولُ الله ﷺ ، فَيَدْخُلُ فَيَنْتَفِضُ وَيَتَوَضَّأُ، وَلَا يُصَلِّي حَتَّى يُصَلِّيَ بِجَمْعٍ.
الحديث الثّاني:
(بجَمْعٍ)؛ أي: بالمُزْدَلِفة.
(غير أنه) في معنى الاستثناء المُنقطِع، أي: كان يَجمَع بمُزْدَلِفَة بين المَغرِب والعِشاء، لكنْ هذه الهَيْئة لا مُطلَقًا، وفيه أنَّه جمْع تأْخيرٍ.
(أخذه)؛ أي: سلَكَه.
(فينتفض)؛ أي: يَقضي حاجتَه، فهو كنايةٌ عنه؛ لاستِلزامه نقْض الفعل، أو لأَنَّ الاستِنْفاضَ الاستِنجاء.
قال التَّيْمي: هذا تَرخيصٌ عزيمةٌ، وأوجَب أصحاب الرَّأْي إعادةَ الصّلاة على مَنْ صلاها قبل أن يأْتيَ المُزْدَلِفة.
* * *
١٦٦٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بن جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بن أَبي حَرْمَلَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابن عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ بن زيدٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: رَدِفْتُ رَسُولَ الله ﷺ مِنْ عَرَفَاتٍ، فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ الله ﷺ الشِّعْبَ الأَيْسَرَ الَّذِي دُونَ المُزْدَلِفةِ أَنَاخَ، فَبَالَ، ثُمَّ جَاءَ فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ الْوَضُوءَ، تَوَضَّأ وُضُوأً خَفِيفًا، فَقُلْتُ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ الله، قَالَ: "الصَّلَاةُ أَمَامَكَ"، فَرَكِبَ رَسُولُ الله ﷺ حَتَّى أتى المُزْدَلِفةَ، فَصَلَّى ثُمَّ
стр. 2703
رَدِفَ الْفَضْلُ رَسُولَ الله ﷺ غَدَاةَ جَمْعٍ.
١٦٧٠ - قَالَ كُرَيْبٌ، فَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الله بن عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ الْفَضْلِ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَمْ يَزَلْ يُلَبي حَتَّى بَلَغَ الْجَمْرَةَ.
الثّالث:
(الشِّعْب) بكسر الشين: الطَّريق بين الجبَلَين.
(فصببت) فيه الاستِعانة، وسبَق أنها ثلاثة أقسامِ.
(خفيفًا) إمّا بأنَّه مرَّةً مرَّةً، أو خفَّف استعمال الماءِ على خِلاف عادته.
(عادة جَمْع)؛ أي: عادة اللَّيلة الّتي كان فيها بجمْعٍ، والمُراد صَبيحة يوم النَّحْر.
وفيه استحبابُ الرُّكوب، وجوازُ الإرداف على الدَّابة المُطيقة.
(الجَمْرَة)؛ أي: جمْرة العقَبة.
وفيه أن قطْع التَّلْبية حين بلُوغِها، لا الرَّميِ إليها.
* * *
٩٤ - بابُ أَمْرِ النَّبيِّ ﷺ بالسَّكِينَةِ عِنْدَ الإفَاضَةِ، وَإِشَارَتِهِ إِلَيْهِمْ بالسَّوْطِ
(باب أَمْر النبيِّ ﷺ بالسَّكينة)؛ أي: الوَقار.
стр. 2704
١٦٧١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بن أَبي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بن سُوَيْدٍ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بن أَبي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بن جُبَيْرٍ مَوْلَى وَالِبَةَ الْكُوفِيُّ، حَدَّثَنِي ابن عَبَّاسٍ ﵄ أنَّهُ دَفَعَ مَعَ النَّبيِّ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَسَمِعَ النَّبيُّ ﷺ وَرَاءَهُ زَجْرًا شَدِيدًا وَضَرْبًا وَصَوْتًا لِلإبلِ، فَأَشَارَ بِسَوْطِهِ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ! عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَإِنَّ الْبرَّ لَيْسَ بِالإيضَاعِ". أَوْضَعُوا أَسْرَعُوا، خِلَالَكُمْ مِنَ التَّخَلُّلِ بَيْنَكُمْ، وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا: بَيْنَهُمَا.
(والبة) بلامٍ مكسورةٍ، وموحَّدةٍ.
(أوضعوا) إشارةٌ إلى تفسير الإيْضَاعِ في الحَديث بالإسراع، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾ [التوبة: ٤٧]، ثمّ استَطردَ في تَفسير خِلال، ثمّ ذكَر: ﴿خِلَالَهَا﴾ [النمل: ٦١]، في الآية الأُخرى، كلُّ ذلك لتكثير الفَوائد.
* * *
٩٥ - بابُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِالمُزْدَلِفَةِ
١٦٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُوسَى ابن عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْب، عَنْ أُسَامَةَ بن زَيْدٍ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: دَفَعَ رَسُولُ الله ﷺ مِنْ عَرَفَةَ، فَنَزَلَ الشِّعْبَ، فَبَالَ ثُمَّ تَوَضَّأ، وَلَمْ يُسْبغِ الْوُضُوءَ، فَقُلْتُ لَهُ: الصَّلَاةُ، فَقَالَ: "الصَّلَاةُ أَمَامَكَ"، فَجَاءَ المُزْدَلِفةَ،
стр. 2705
فتوَضَّأ فَأَسْبَغَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنًاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا.
(باب الجَمْع بين الصَّلاتَين بمُزْدَلِفَة)
أسقطَه (ك)؛ لأنَّ الحديث فيه كالذي قبلَه، وكذا الباب الّذي بعدَه وهو:
* * *
٩٦ - بابُ مَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يَتَطَوَّعْ
١٦٧٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا ابن أَبي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ ابن عَبْدِ الله، عَنِ ابن عُمَرَ ﵄ قَالَ: جَمَعَ النَّبيُّ ﷺ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءَ بِجَمْعٍ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بإقامَةٍ، وَلَمْ يُسَبحْ بَيْنَهُمَا، وَلَا عَلَى إِثْرِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا.
(باب مَنْ جَمَع بينهما ولم يَطَّوَّع)
(ولم يصل بينهما) وفي الحديث الآخر الّذي هو أوَّل حديثَي التَّرجمة الثّانية: (ولم يسبح بينهما)؛ أي: لم يتَنفَّل.
(إثر) بكسر الهمزة: بمعنى أثَر بفتحتين، وهذا لا يُنافي قَولَ الفُقهاء (١): يستحبُّ تأْخير سنَّة المَغربَين عنها خلافًا لمَا يُوهِم مقتضَى:
стр. 2706
(ولا على إِثْر): أنَّه لا يتنفَّل لا بينَهما ولا بعدَهما؛ لأنَّ المُراد أنه لم يُصلِّ بعد كلِّ واحدةٍ منهما؛ وإنْ صلَّى بعدَهما معًا، أو أنَّ المَنْفيَّ تَعقيبُه لا المُهْلة.
قلتُ: هذا أصلَحُ من الأوَّل؛ فإنَّ لفْظَ: (واحدةِ) شاملٌ لكلٍّ من الأُولى والثَّانية.
* * *
١٦٧٤ - حَدَّثَنا خَالِدُ بن مَخْلَدٍ، حَدَّثَنا سُلَيمانُ بن بِلالٍ، حَدَّثَنا يَحْيَى بن سَعِيدٍ، قال: أخبرني عَدِيُّ بن ثَابتٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الله ابن يَزِيدَ الْخَطْمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ جَمَعَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِالمُزْدَلِفَةِ.
الحديث الثّاني:
في معنى ما قبلَه.
* * *
٩٧ - بابُ مَنْ أَذَّنَ وَأَقَامَ لِكُلِّ وَاحِدَةِ مِنْهُمَا
(باب مَنْ أَذَّن وأَقامَ)
أسقطَه (ك) أيضًا؛ لتقارُب الأحاديث.
стр. 2707
١٦٧٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بن خَالِدٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بن يَزِيدَ يَقُولُ: حَجَّ عَبْدُ الله ﵁ فَأَتَيْنَا المُزْدَلِفَةَ حِينَ الأَذَانِ بِالْعَتَمَةِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَ رَجُلًا فَأَذَّنَ وَأقامَ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ، وَصَلَّى بَعْدَهَا رَكعَتَيْنِ، ثُمَّ دَعَا بِعَشَائِهِ فتعَشَّى، ثُمَّ أَمَرَ -أُرَى- فَأَذَّنَ وَأقامَ. قَالَ عَمْرٌو: لَا أَعْلَمُ الشَّكَّ إلا مِنْ زُهَيْرٍ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ رَكعَتَيْنِ، فَلَمَّا طَلَعَ الْفَجْرُ قَالَ: إِنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ لَا يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ إلا هَذِهِ الصَّلَاةَ، فِي هَذَا الْمَكَانِ، مِنْ هَذَا الْيَوْمِ.
قَالَ عَبْدُ الله: هُمَا صَلَاتَانِ تُحَوَّلَانِ عَنْ وَقْتِهِمَا صَلَاةُ الْمَغْرِبِ بَعْدَ مَا يَأْتِي النَّاسُ المُزْدَلِفَةَ، وَالْفَجْرُ حِينَ يَبْزُغُ الْفَجْرُ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبيَّ ﷺ يَفْعَلُهُ.
(بالعتمة)؛ أي: وقْت العِشاء الأَخيرة.
(ثمّ صلّى بعدها ركعتين) هي سُنَّة المَغرِب؛ لأن هذا في جَمْع تأخيرٍ، والذي تقدَّم أنه لم يُصلِّ بينهما هو في جَمْع التَّقديم.
(بعشائه) بفتح العين: ما يُتعَشَّى به من المأْكول.
(أُرَى) بضمِّ الهمزة، أي: أظُنُّ أنه أَمَر رجلًا بالتَّأْذين والإقامة، وهذا هو المُراد من الشَّكِّ.
(فلما طلع)، في بعضها: (فلَمَّا حِيْنَ طَلَعَ)؛ أي: لمَّا كان حين طُلوعه، والجَواب محذوفٌ، أي: صلَّى صلاةَ الفَجْر، والمذكور جَزاء هو على سَبيل الكِناية؛ لأن هذا القَول رديفُ فعل الصّلاة.
стр. 2708
(الساعة) بالنَّصب.
(الصّلاة) بالنَّصب أيضًا.
(تحولان عن وقتيهما) أنها تَحويل المَغرِب فهو تأْخيرها إلى وقْت العِشاء، وأمّا تحويل الصُّبح فهو تَقديمها عن الوقْت الظَّاهر طُلوعه لكلِّ أحَدٍ كما هو العادة في أَداء الصَّلاة، فقُدِّمت إلى وقتٍ منْهم مَنْ يقول: طلَع الفَجْر، ومنهم من يقول: لم يَطلُع، لكنَّ النبيَّ ﷺ تحقَّقَ الطُّلوعَ بوحْيٍ أو غيره، أو أنَّ المراد أنه في سائر البلاد كان يُصلِّي بعد الطُّلوع، وفي ذلك اليوم صلَّى حالَ الطُّلوع، أو المراد المُبالغة في التَّبكير؛ لإرادة الاشتغال بالمناسك.
وفي الحديث الأَذان لمَا يُبدَأ به في جمْع التَّأخير سواءٌ الأُولى أو الثَّانية، وهو ما قالَه النَّووي، خلافًا لمَا قاله الرَّافعي، وتبعه "الحاوي": أنَّه إنْ قدَّم الأَخيرة أذَّنَ لها، وإلا فلا، على أن هذا الحديثَ ليس فيه جزْمٌ بأذان، ونقَل التَّيْمِي عن الشَّافعي: أنه يُصلِّيهما بأذانٍ وإقامتَين، وعن أصحاب الرأْي: أنَّه يُقيم لهما، وعن مالك: يُصلِّيهما بأذانٍ وإقامتين، وقال (ن): يجمع بينهما وإقامةٍ واحدةٍ، وقال أحمد: أيَّها فعَلتَ أجزأَك.
* * *
٩٨ - بابُ مَنْ قَدَّمَ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ بِلَيْلِ، فَيَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَيَدْعُنَ، ويُقَدِّمُ إِذَا غَابَ الْقَمَرُ
(بابُ مَنْ قَدَّمَ ضَعَفَةَ أهْلِهِ)؛ أي: ضُعفاءَهم، وهم النِّساء والصِّبيان.
стр. 2709
(يقدم) بالبناء للفاعل، أو المفعول.
* * *
١٦٧٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بن بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونس، عَنِ ابن شِهَابٍ، قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ عَبْدُ الله بن عُمَرَ ﵄ يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ، فَيَقِفُونَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ بِالْمُزْدَلِفَةِ بِلَيْلٍ، فَيَذْكُرُونَ الله مَا بَدَا لَهُمْ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ الإِمَامُ، وَقَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ مِنًى لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِذَا قَدِمُوا رَمَوُا الْجَمْرَةَ، وَكَانَ ابن عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: أَرْخَصَ فِي أُولَئِكَ رَسُولُ الله ﷺ .
الحديث الأوّل:
(المَشْعَر) بفتح الميم، وهو الرِّواية، وحكَى الجَوْهَري كسْرَها، أي: مَعْلَمٌ للعبادة.
(الحرام)؛ أي: المُحرَّم الّذي يحرُم فيه الصَّيد وغيره؛ لكونه مِن الحرم، أو معناه ذو الحُرمة، وهو قُزَح، بضم القاف، وفتح الزَّاي، وبحاءٍ مهملةٍ: جبَلٌ معروفٌ بالمُزدَلِفَة، والحديث يدلُّ عليه، وقيل: هو المُزْدَلِفَة.
(بدا) بلا همزٍ، أي: ظهَرَ، وسنَحَ لهم في خَواطرهم، وأَرادُوه.
(يرجعون)؛ أي: إلى مِنَى.
(يقف)؛ أي: بالمُزْدَلِفَة.
الحديث الثّاني، والثّالث:
(في ضعفة)؛ أي: من جُملة ضُعفائهم من النِّساء والصِّبيان، وذلك لئلَّا يتأَذَّوا بالزِّحام.
(يا بنيَّ) تصغير (ابن).
(في منزلها)؛ أي: بمِنَى.
(يا هنتاه) سبق بيانه قريبًا.
(أُرانا) بضمِّ الهمزة، أي: نظُنُّ.
(غلَّسنا) من التَّغليس، وهو السَّيرُ بغَلَسٍ، أي: ظُلْمةِ آخِر اللَّيل، أي: تقدَّمْنا على الوقْت المشروع.
(الظُّعُن) بضمِّ الظاء، والعين، وقد تسكَّن: النِّساء، شُبهنَ بذلك لأنهنَّ يظْعَنَّ بارتحالِ أزْواجهنَّ ويُقِمْن بإقامتهنَّ، وقال الجَوْهَرِيُّ: الظَّعيْنة: الهَوْدجَ كانتْ فيه امرأةٌ أو لم تكن، والمرأةُ ما دامَتْ في الهَوْدَج.
قال (ن): أَصْل الظَّعِيْنة الهَوْدَج الّذي فيه المرأة على البَعير، ثمّ سُميت المرأةُ به مجازًا، واشتُهر حتّى خفِيَت الحقيقة.
* * *
١٦٨٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن كَثيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ هُوَ ابن الْقَاسِم، عَنِ الْقَاسِم، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَت: اسْتَأْذَنَتْ
به): ما يُفرَح به.
ففيه أن الضُّعَفاء يجوز دفْعهم قبْل الفَجْر، وأمّا الأَقْوياء فيجب عليهم المَبيت بِمُزدَلِفَة، ومن تَركَه لَزِمَه دمٌ، وحُكي عن النَّخَعي أنه لا يُحسَب حَجُّه، وقيل: سنَّةٌ، وقال عَطَاء: ليس برُكْنٍ ولا واجبٍ ولا سُنةٍ بل ينزَّل كسائر المنازِل لا فَضيلةَ فيه.
ثمّ اختُلف في المبيت الواجب، فالصَّحيح عند الشَّافعي: أنه ساعةٌ في النِّصف الثّاني من اللَّيل، وعن مالك ثلاثُ رواياتٍ: كلُّ اللَّيل، مُعظَمه، أقَلُّ زَمانٍ.
* * *
٩٩ - بابُ مَنْ يُصَلِّي الْفَجْرَ بِجَمْعٍ
(باب: متَى يُصلِّي الفجْر بجَمْعٍ)
١٦٨٢ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بن حَفْصِ بن غِيَاث، حَدَّثَنَا أَبي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَارَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ الله ﵁، قَالَ: مَا رَأَيْتُ النَّبيَّ ﷺ صَلَّى صَلَاةً بِغَيْرِ مِيقَاتِهَا إلا صَلَاتَيْنِ؛ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَصَلَّى الْفَجْرَ قَبْلَ مِيقَاتِهَا.
الحديث الأوّل:
(عبد الله)؛ أي: ابن مَسعود.
стр. 2714
(لغير ميقاتها) سبق في الباب الّذي قبلَه تفسيرُ ذلك، وتأْويلُ تقديم الصُّبْح على وقتها المُعتاد صلاتُه فيه وتَبكيرُها قبل الفجر لأجْل المَناسك، فقد صرَّح في الحديث الّذي بعدَه أنه صلَّى الصُّبح حين طلَع الفَجْرُ، ففي غير هذا كان يتأَخَّر بالصُّبح حتّى يأتيَه بلال، وفي هذا اليوم لم يتَّأخَّر.
قال (ن): وقد احتجَّ أبو حنيفة بقول ابن مَسعود: (وما رأَيتُ إلا صلاتَين) على مَنعْ الجمْع بين الصلاتين في السَّفَر، وجوابه: أنه مَفهومٌ، وهم يقولون به، ونحن إنّما نقول به إذا لم يُعارضْه منطوقٌ، وقد تَظاهَرت الأحاديثُ بجَواز الجمْع، ثمّ هو متروكُ الظَّاهر بالإجماع في صلاتَي الظُّهر والعصر بعرَفاتِ.
* * *
١٦٨٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن يَزِيدَ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ عَبْدِ الله ﵁ إِلَى مَكَّةَ، ثُمَّ قَدِمْنَا جَمْعًا، فَصَلَّى الصَّلَاتَيْنِ، كُلَّ صَلَاةٍ وَحْدَهَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، وَالْعَشَاءُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، قَائِلٌ يَقُولُ: طَلَعَ الْفَجْرُ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: لَمْ يَطْلُعِ الْفَجْرُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "إِنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ حُوِّلَتَا عَنْ وَقْتِهِمَا فِي هَذَا الْمَكَانِ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، فَلَا يَقْدَمُ النَّاسُ جَمْعًا حَتَّى يُعْتِمُوا، وَصَلَاةَ الْفَجْرِ هَذِهِ السَّاعَةَ"، ثُمَّ وَقَفَ حَتَّى أَسْفَرَ، ثُمَّ قَالَ: لَوْ أَنَّ أَمِيرَ
стр. 2715
الْمُؤْمِنِينَ أَفَاضَ الآنَ أَصَابَ السُّنَّةَ، فَمَا أَدْرِي أَقَوْلُهُ كَانَ أَسْرَعَ أَمْ دَفْعُ عُثْمَانَ ﵁؟ فَلَمْ يَزَلْ يُلَبي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبةِ يَوْمَ النَّحْرِ.
الحديث الثّاني:
(والعَشاء بينهما) بفتح العين، وما يُوجَد في بعض النُّسَخ بكسر العين فخِلاف الصَّواب؛ لأن المعنى أنه تَعشَّى كما سبق في الباب قبلَه: أنَّه دَعَا بعَشائه فتعشَّى، ثمّ صلَّى العِشَاءَ، قاله (ع) (١) في "المَشَارِق"، قال: وفعَل ذلك ليُنبه على أنَّه يُغتفَر الفَصْلُ اليَسير بينهما.
(المغرب) بالنَّصب.
(يُعْتِموا) من الإِعْتام، وهو دُخول وقْت العِشاء الأخيرة.
(حُوِّلتا) قال شيخنا شيخ الإسلام البُلْقِيْني: لعلَّ هذا مُدرجٌ من كلام ابن مَسعود، ففي (باب: مَنْ أذَّن وأقام): قال عبد الله: هما صلاتانِ مُحوَّلتان.
قال: وقد حكَى البَيْهَقي عن أحمد تَردُّدًا في أنه مرفوعٌ، أو مُدرَجٌ، ثمّ جزَم البَيْهقي بأنه مُدْرَجٌ.
قال شيخنا: وهو في "السنن الكبرى" للنَّسائي أيضًا.
قلتُ: لا تَنافيَ بين الأمرَين، فمرَّة رُفِعَ ومرَّةً وُقِفَ.
(هذه السّاعة)؛ أي: قبل الظُّهر للعامَّة، ولكنْ بعد طُلوعه كما بينَّاه.
стр. 2716
(فما أدري) هو من مَقول ابن مَسعود.
* * *
١٠٠ - بابٌ مَتَى يُدْفَعُ مِنْ جَمْعِ
(باب: متى يَدفَعُ مِن جَمْع؟)
أسقطه (ك)، وأدخَلَ حديثه فيما قبلَه.
١٦٨٤ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بن مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبي إِسْحَاقَ، سَمِعْتُ عَمْرَو بن مَيْمُونٍ يَقُولُ: شَهِدْتُ عُمَرَ ﵁ صَلَّى بِجَمْع الصُّبْحَ، ثُمَّ وَقَفَ فَقَالَ: إِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يُفِيضُونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيَقُولُونَ أَشْرِقْ ثَبيرُ، وَأَنَّ النَّبيَّ ﷺ خَالَفَهُمْ، ثُمَّ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ.
(أشرق) بلفظ الأمر، أي: لتَطْلُعْ عليك الشَّمسُ، مِن أشْرَق الرَّجُل: إذا دخَل في وقْت الشُّروق.
(ثَبيْر) حُذِفَ منه حرْف النِّداء، أي: يا ثَبيْرُ، وهو بفتح المثلَّثة، وكسر الموحَّدة، وسكون الياء: جبَلٌ عظيمٌ بالمُزدَلِفَة على يَسَار الذَّاهِب منها إلى مِنَى، هذا هو المُراد، وإنْ كان للعرَب ثَبيْرٌ غيره.
قال محمَّد بن الحسَن: لهم أَربعةُ جِبَال حِجَازيَّةٍ كلٌّ منها اسمُه: ثَبيْر.
стр. 2717
(كيما نُغِير)؛ أي: نَذهبَ سَريعًا.
قال (خ): أي: لكي نَدفَعَ ونُفيضَ بعد الشُّروق، فخالفَهم النبيُّ فأفاضَ قبْلَ الإشراق، يُقال: أغارَ يُغِيْر: أَسْرَعَ في العَدْوِ، وقيل: نُغِير على لُحُوم الأَضاحي، مِن النَّهب، وقيل: نَدخُل في الغَوْر، وهو المُنْخَفِض من الأرض على لُغةِ مَنْ يقول: أَغارَ، أي: أتَى الغَوْرَ.
* * *
١٠١ - بابُ التَّلْبيَةَ وَالتَّكْبيِرِ غَدَاةَ النَّحْرِ حِينَ يِرْمِي الْجَمْرَةَ، وَالاِرْتِدَافِ فِي السّيْرِ
(باب التَّلْبية والتَّكبير)
١٦٨٥ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بن مَخْلَدٍ، أَخْبَرَنَا ابن جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ أَرْدَفَ الْفَضْلَ، فَأَخْبَرَ الْفَضْلُ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يُلَبي حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ.
١٦٨٦ - و ١٦٨٧ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بن حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بن جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبي، عَنْ يُونس الإيْلِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ الله بن عَبْدِ الله، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ أُسَامَةَ بن زيدٍ ﵄ كَانَ رِدْفَ النَّبيِّ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، ثُمَّ أَرْدَفَ الْفَضْلَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى، قَالَ: فَكِلَاهُمَا
стр. 2718
قَالا: لَمْ يَزَلِ النَّبيُّ ﷺ يُلَبي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ.
الحديث الأوّل، والثّاني:
(رِدْف) بكسر الراء، وسُكون الدَّال، ورُوي بفتح الرَّاء، وكسر الدَّال: اسم فاعِل كحَذِر.
(فكلاهما) خبره محذوفٌ، أي: مُرْدَفان.
واعلم أن هذَين الحديثَين ليس فيهما ذكْر التكبير الّذي تَرجَم به، لكنْ سبَق في الحديث بأطْوَل من ذلك، وأنَّه التكبير الّذي قد يقَع في خِلال التَّلْبية كالذِّكْر، فيكون هذا مختصرًا منه، أو أنَّ غرَضه أن يستدلَّ بهذا الحديث على أنَّ التَّكبير غير مَشرُوعٍ يدلُّ عليه لفْظ: (لَم يَزَلْ) الدَّالُّ على الدَّوام، وسبَق أنَّ مالِكًا يقول: انتِهاء التَّكبير بزَوال يوم عرَفة، والجُمهور: حتّى يبلُغ الجَمْرة، وأحمد: حتّى يَرميَها، فيكون هذا مستنِدًا لأحمد، لكن الجمهور حملُوه على الشُّروع في الرَّمي جمعًا بينه وبين حديث الفَضْل السَّابق في (باب: النُّزُول بين عرَفة وجمْعٍ): أنَّه لم يزَل يُلبي حتّى بلَغ الجمْرة.
* * *
١٠٢ - بابٌ
﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ
стр. 2719
إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
(باب قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ﴾ [البقرة: ١٩٦])
حذفَه (ك)، وأدخل حديثه فيما قبلَه؛ لسبقه في (باب التمتُّع).
* * *
١٦٨٨ - حَدَّثنا إِسحَاقُ بن مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثنا أَبُو جَمْرَةَ، قَالَ: سَأَلتُ ابن عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ الْمُتْعَةِ فَأَمَرَنِي بِهَا، وَسَأَلتُهُ عَنِ الْهَدْيِ فَقَالَ: فِيهَا جَزُورٌ أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ شَاةٌ أَوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ، قَالَ: وَكَأَنَّ نَاسًا كَرِهُوهَا، فَنِمْتُ فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ إنْسَانًا يُنَادِي: حَجٌّ مَبْرُورٌ، وَمُتْعَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ، فَأَتَيْتُ ابن عَبَّاسٍ ﵄ فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ: الله أَكبَرُ، سُنَّةُ أَبي الْقَاسِم ﷺ ، قَالَ: وَقَالَ آدَمُ، وَوَهْبُ بن جَرِيرٍ، وَغُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبة: عُمْرَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ، وَحَجٌّ مَبْرُورٌ.
(الجَزور) بفتح الجيم يقَع على الذَّكَر والأُنثى من الإبل، وقال صاحب "المُحكَم": هو النَّاقة المَجْزُورة.
(أو شرك)؛ أي: لأن البَدَنَة تُجزئ عن سَبْعةٍ، فإذا شارك غيره في سُبُع أحدهما أجزأَه.
(سنة) خبر مبتدأ محذوفٍ، ويجوز نصبه.
(الله أكبر) فيه تعجُّبٌ مِن رُؤياه الّتي وافقَت السنَّةَ، وسبَق تفسير الحجِّ المَبْرور في (باب: من قال: إِنَّ الإيمان هو العمَل).
(قال آدم) وصلَه البُخاري في (التمتُّع والقِرَان).
يُسمِّنون الناقة.
(المُعْتَرُّ) الّذي يتعرَّض للمَسأَلة، ولا يَسأَل، وقال الزَّمخشَريُّ: وهو المتعرض بالسُّؤال بخلاف القَانِع؛ فإنّه الرَّاضي بما عندَه، وبما يُعطَى.
قال: والشَّعائِر: الهَدايَا، لأنها من مَعالم الحجِّ، وتَعظيمُها اختيارُ عِظَام الأجْرام الحِسَان غاليةِ الأثْمان.
(والعتيق) فيه أقوالٌ: القَديم؛ لأنه أوَّل بيتٍ وُضعَ للنَّاس، (عتقَه من الجبابرة) هو قَولُ قَتادة: كَمْ مِن جبَّارٍ سار إليه ليَهدِمه فمنَعه الله، وقال مُجاهِد: أُعتِقَ من الغَرَق.
* * *
١٦٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ: "ارْكَبْهَا"، فَقَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ، فَقَالَ: "ارْكَبْهَا"، قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ، قَالَ: "ارْكَبْهَا، ويلَكَ"، فِي الثَّالِثَةِ أَوْ فِي الثَّانِيَةِ.
الحديث الأوّل:
(بَدَنَةً) قال (ن): حيث أُطلِقَتْ في الفقه والحديث فهي البَعير ذكرًا كان أو أُنثَى بشَرْط سِنِّ الأُضحيّة، وهي الّتي دخلَتْ في السَّادسة، وقال صاحب "العَيْن": هي ناقةٌ تُهدَى إلى مكَّة.
стр. 2722
فيه دليلٌ على رُكوب البدَنة المُهْداة، قال الشَّافعي: يَركبها عند الحَاجة، وقال أحمد: وبدُونها، وقال أبو حنيفة: لا يركَب إلا عند الضَّرورة، وقيل: يجب الرُّكوب لمطلَق الأمر، ولمُخالفة الجاهليَّة، وإكْرام البَحِيْرة والسَّائبة.
(ويلك) كلمةٌ تُقال لمَن وَقَع في مَهْلَكةٍ كما هنا؛ فإنَّه وقَع في تعَبٍ وجُهدٍ، وقيل: هي تَجري على الأَلسنة مِن غير قَصْدٍ إلى ما وُضعتْ له، وقيل: تُدغِم العرَب بها الكلامَ، كقَولهم: لا أَبَ له، ولا أُمَّ له.
وقال التَّيْمِي: الهَدْي إنْ كان تطوُّعًا فهو على مِلْكه وتصرُّفه، حتّى يَنحَر، أو نَذْرًا زال وصار للمَساكين، ولكنْ له أن يَركبه بالمعروف إذا احتاج له، ولعلَّه امتَنع من ركوبها شفَقًا من إثْمٍ أو غُرْمٍ، فقال: (اركَبْ)؛ ليُعلِمه أنه لا إثْمَ عليه ولا غُرْمَ.
* * *
١٠٤ - بابُ مَنْ سَاقَ الْبُدْنَ مَعَهُ
(باب مَنْ ساقَ البُدْنَ)
١٦٩١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بن بُكَيْرٍ، حَدَّثَنا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عنِ ابن شِهَابٍ، عن سَالِمٍ بن عَبْدِ الله، أنَّ ابن عُمَرَ ﵄ قالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ الله ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، وَأَهْدَى فَسَاقَ مَعَهُ
والمعنى؛ لأنه تَرفَّهَ باتحاد المِيْقاتِ والإحرامِ والفِعْلِ جمعًا بين الأحاديث، فأمَّا لفظ (أهَلَّ بالعُمرة ثمّ أَهلَّ بالحجِّ)، فمَحمولٌ على التَّلْبية في أثناء الإحرام لا أنه أحْرَم بالعمرة ثمّ أَدخَلَ الحجَّ عليها؛ لأنه يؤدِّي لمخالفة الأحاديث الأُخرى.
ويُؤيِّد هذا التأويل لفظ: (وتمتَّع النَّاسُ معَه)، فمن المعلوم أنَّ أكثَرهم أحرَموا بالحجِّ، وإنّما فسَخُوا إلى العُمرة آخِرًا، وصاروا متمتِّعين.
(يقصر) بالرفع والجزم، وإنّما لم يَذكُر الحَلْق وإنْ كان أفضلَ؛ ليَبقَى له شعْرٌ يحلِقُه في الحجِّ؛ فإنَّ الحَلْق في تحلُّل الحجِّ أفضَلُ منه في تحلُّل العُمرة.
(ليحْلِلْ)؛ أي: يصير حلالًا، فيفعَل ما حُظِرَ من طِيْبِ ونحوه.
(لمن لم يجد)؛ أي: لم يجد الهَدْيَ؛ لعدَمه، أو لأنه يُباعُ بأكثَر من ثَمن المِثْل.
(اسْتَلَم)؛ أي: مسَحَ.
(خَبَّ)؛ أي: رَمَلَ.
(وَقَضَى حَجَّهُ)؛ أي: وقَف بعرفة، ولذا عطَف عليه: (وأفَاضَ فطَافَ بالبَيتِ).
(من أهدى) هو فاعلٌ وفعلٌ، وفي بعضها هنا: (باب: مَنْ أَهدَى)، فعليه يكون فاعلٌ وفعلٌ ضميرٌ يَعود على ابن عُمر، فلذلك قال (ش): إن هذا من تمام الحَديث الّذي قبلَه، وليس بترجمةٍ.
* * *
стр. 2725
١٠٥ - بابُ مَنِ اشْتَرَي الْهَدْيَ مِنَ الطَّرِيقِ
(باب مَنْ اشتَرى الهَدْيَ من الطَّريق)
أراد مَذْهب ابن عُمر أنَّ الهَدْي ما أُدخِل مِن الحِلِّ إلى الحرَم؛ لأنَّ قُدَيدًا من الحِلِّ.
١٦٩٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ الله بن عَبْدِ الله بن عُمَرَ ﵃ لأَبيهِ: أَقِمْ، فَإِنِّي لَا آمَنُهَا أَنْ سَتُصَدُّ عَنِ الْبَيْتِ، قَالَ: إِذًا أَفْعَلَ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ الله ﷺ ، وَقَدْ قَالَ الله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، فَأَنا أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عَلَى نَفْسِي الْعُمْرَةَ، فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْبَيْدَاءٍ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَقَالَ: مَا شَأْنُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إلا وَاحِدٌ، ثُمَّ اشْتَرَى الْهَدْيَ مِنْ قُدَيْدٍ، ثُمَّ قَدِمَ فَطَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا، فَلَمْ يَحِلَّ حَتَّى حَلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا.
(لا آمَنُها) الضَّمير للجماعة الصَّادِّين وكذا في: (أن تُصَدَّ)، قال (ك): وفي بعضها: (سَتُصَدُّ)، بالرفع كأنه يُريد بدون (أَنْ)، أي: فيكون مبنيًّا للمفعول، وفي بعضها: (اِيْمَنُها) بكسر أوَّل المضارع، فتَنقلب الألف ياءً.
قال سِيْبَويهِ: يجوز كسر حرف المُضارَعة إذا كان الماضي على
стр. 2726
فَعِلَ ومُستقبَله على يَفْعَل؛ كـ: أنا أَعلَمُ، وأنت تَعلَم، ونحن نعلَمُ.
(إذن أفعل) بالنَّصْب.
(قُدَيْد) بضم القاف، وفتح المهملَة الأُولى، وسُكون الياء: مَوضعٌ، وسبَق الحديث في (باب: طَوَاف القَارِن).
* * *
١٠٦ - بابُ مَنْ أَشْعَرَ وَقَلَّدَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ثمَّ أَحْرَمَ
وَقَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابن عُمَرَ ﵄ إِذَا أَهْدَى مِنَ الْمَدِينَةِ قَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، يَطْعُنَ فِي شِقِّ سَنَامِهِ الأَيْمَنِ بِالشَّفْرَةِ، وَوَجْهُهَا قِبَلَ الْقِبْلَةِ بَارِكَةً.
(باب مَنْ أشْعَرَ وقَلَّدَ بذي الحُلَيفة)
الإشعار: الإعلام بأنْ يَضرِب صفْحة سنَامِها اليُمنى بحديدةٍ حتّى تتلطَّخ بالدَّم، وهو سمه، وإنْ كان فيه إيلامُ الدَّابَّة؛ إذْ لا مانِعَ إلا ما منَعه الشَّرع، ومِن فوائده التَّمييز عند الاختِلاط، وأنْ تُعْرَف إذا ضلَّت، ويَتبعُها المساكين للمَنْحَر، حتّى يَنالُوا منها، وتَعظيم شِعار الشَّرع، وحَثُّ الغير عليه، والتَّقليد: أن يُعلِّق في عنُق المُهْدَى شيءٌ؛ ليُعلَم أنه هَدْيٌ.
قال أبو حنيفة: الإشعار بِدْعةٌ؛ لأنه مُثْلَةٌ.
قال (ن): وهو مخالِفٌ للأحاديث الصَّحيحة، وليس مُثْلةٌ، بل
стр. 2727
هو كالخِتَان والفَصْدِ وغيرهما، وقال (خ): أشْعَرَ النبيُّ ﷺ بُدنَه آخِرَ حياته، ونَهْيُه عن المُثْلَة كان أوَّلَ مَقدَمه المدينةَ مع أنه ليس من المُثْلة بل مِن بابٍ آخر.
(يَطْعُنُ) بضمِّ العين: يَضرِب برُمحٍ ونحوه.
(شِقِّ) بالكسر: النِّصْف، والنَّاحية.
(بالشفرة) هي السِّكِّين العَظيمة، وقال (ش): العَريضة.
* * *
١٦٩٤ - و ١٦٩٥ - حَدَّثَنا أحمدُ بن مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنا عَبْدُ الله، أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بن الزُّبَيْرِ، عَنِ الْمِسْوَرِ بن مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ قَالَا: خَرَجَ النَّبيُّ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً مِنْ أَصْحَابهِ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِذِي الْحُلَيْفَةِ قَلَّدَ النَّبيُّ ﷺ الْهَدْيَ وَأَشْعَرَ وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ.
١٦٩٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نعيْم، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ، عَنِ الْقَاسِم، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: فتَلْتُ قَلَائِدَ بُدْنِ النَّبيِّ ﷺ بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا وَأَشْعَرَهَا وَأَهْدَاهَا، فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ أُحِلَّ لَهُ.
الحديث الأوّل والثّاني:
(من المدينة) في بعضها بدل هذا: (زمَنَ الحُدَيْبيَة).
(بضع) بالكسر وبالفتح: ما بين الثَّلاث إلى التِّسْع.
* * *
стр. 2728
١٠٧ - بابُ فَتلِ الْقَلَائِدِ لِلْبُدْنِ وَالْبَقَرِ
(باب فَتْل القلائد للبُدْنِ والبقَر)
١٦٩٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ الله، قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ ﵃ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ؟ قَالَ: "إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَحِلَّ مِنَ الْحَجِّ".
١٦٩٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، وَعَنْ عَمْرَةَ بنتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُهْدِي مِنَ الْمَدِينَةِ، فَأَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِهِ، ثُمَّ لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا مِمَّا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ.
الحديث الأوّل، والثّاني:
(لَبَّدْتُ) هو أن يجعل صَمْغًا في شَعْره كاللِّبْد.
ووجْه مُطابقة التَّرجمة: أن التَّقليد لا بُدَّ له من الفَتْل.
* * *
١٠٨ - بابُ إِشْعَارِ الْبُدْنِ
وَقَالَ عُروَةُ، عَنِ الْمِسْوَرِ ﵁: قَلَّدَ النَّبيُّ ﷺ الْهَدْيَ وَأَشْعَرَهُ
стр. 2729
وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ.
١٦٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بن حُمَيْدٍ، عَنِ الْقَاسِم، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: فتلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ النَّبيِّ ﷺ ثُمَّ أَشْعَرَهَا وَقَلَّدَهَا -أَوْ قَلَّدْتُهَا- ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إِلَى الْبَيْتِ، وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ، فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ لَهُ حِلٌّ.
(باب إشْعَارِ البُدْنِ)
(وقال عروة) هو من حديثٍ طويلٍ، وصلَه البخاريّ في (الشُّروط).
* * *
١٠٩ - بابُ مَنْ قَلَّدَ الْقَلَائِدَ بِيَدِهِ
١٧٠٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الله بن أَبي بَكْرِ بن عَمْرِو بن حَزْمٍ، عَنْ عَمْرَةَ بنتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أنَّهَا أَخْبَرَتَهُ أَنَّ زِيَادَ بن أَبي سُفْيَانَ كتَبَ إِلَى عَائِشَةَ ﵂: إِنَّ عَبْدَ الله بن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: مَنْ أَهْدَى هَدْيًا حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَاجِّ حَتَّى يُنْحَرَ هَدْيُهُ، قَالَتْ عَمْرَةُ: فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: لَيْسَ كَمَا قَالَ ابن عَبَّاسٍ، أَنا فتلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ الله ﷺ بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَها رَسُولُ الله ﷺ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا معَ أَبي، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُوْلِ الله ﷺ شَيْءٌ أَحَلَّهُ الله حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ.
стр. 2730
(باب مَنْ فتَلَ القَلائدَ بيَده)
(من أهدى)؛ أي: بعَث إلى مكّة هَدْيًا.
(على الحاج) في بعضها: (مِنَ الحاجِّ).
(حتّى نحر)؛ أي: أبو بكرٍ، وفي بعضها بالبناء للمَفعول، وهذه الغَاية وإنْ كان مُقتضاها أنَّ نفْي تحريم شيءٍ على النبيِّ ﷺ لا مستمرة بعدها مع أنَّ الحُكم استِمرارها لمَا بعد الغايَةِ: أنَّه في مَعْرِض رَدِّ قَول ابن عبَّاس: أن مَنْ أَهْدَى يَحرُم عليه محرَّماتُ الإحرام حتّى ينْحَرَ هَدْيَه، فهو غايةٌ لـ (نحر) لا لـ (يحرم)، ثمّ إن ابن عبَّاس قالَه قياسًا، فردَّتْه عائشة: بأنَّه لا اعتبارَ بالقِياس مع مُخالفة النَّصِّ.
* * *
١١٠ - بابُ تَقْلِيدِ الْغَنَمِ
١٧٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَهْدَى النَّبيُّ ﷺ مَرَّة غَنَمًا.
١٧٠٢ - حَدَّثَنا أَبُو النُّعْمَان، حَدَّثَنا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنا إبراهيمُ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: كُنْتُ أفتِلُ القَلَائِدَ للنَّبيِّ ﷺ فَيُقَلِّدُ الْغَنَمَ، ويُقِيمُ فِي أَهْلِهِ حَلَالًا.
١٧٠٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بن
стр. 2731
الْمُعْتَمِرِ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أَفْتِلُ قَلَائِدَ الْغَنَم لِلنَّبيِّ ﷺ فَيَبْعَثُ بِهَا، ثُمَّ يَمْكُثُ حَلَالًا.
١٧٠٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعيْمٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: فَتَلْتُ لِهَدْيِ النَّبيِّ ﷺ -تَعْنِي الْقَلَائِدَ- قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ.
(باب تَقْليد الغَنَمِ)
أحاديثه الأربعة متقاربةُ المعنى، وفيها دليلٌ للجُمهور على جَواز تَقْليد الغَنَم خلافًا لمالك.
قال (ع): لعلَّه لم يَبْلُغْه الحديث، والاتفاق أن الغَنَم لا تُشْعَر لضَعْفها عن الجَرْح، ولأنه يستَتِر بالصُّوف.
* * *
١١١ - بابُ الْقَلَائِدِ مِنَ الْعِهْنِ
(باب القَلائِد مِنَ العِهْن)؛ أي: الصُّوف المَصبوغ أَلْوانًا في الغالِب، وهذا ليكون أبلَغَ في العَلامة.
* * *
стр. 2732
١١٢ - بابُ تَقْلِيدِ النَّعْلِ
(باب تَقْليد النَّعْل)
١٧٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بن عَبْدِ الأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى بن أَبي كثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ نبَيَّ الله ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، قَالَ: "ارْكَبْهَا"، قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةً، قَالَ: "ارْكَبْهَا"، قَالَ فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ رَاكِبَهَا يُسَايِرُ النَّبيَّ ﷺ وَالنَّعْلُ فِي عُنُقِهَا.
١٧٠٦ / -م - تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بن بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بن عُمَرَ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بن الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ .
(محمّد) قال الغَسَّاني: قال ابن السَّكَن: أي: ابن سَلام، ولعلَّه ابن المُثَنَّى، فسيأْتي في (باب: الذَّبْح بعد الحَلْق): (حدَّثنا محمَّد بن المُثنَّى، ثنا عبد الأَعْلى).
(راكبها) حالٌ؛ لأن إضافته لفظيةٌ، فهو نكرةٌ، أو بدلٌ من الضَّمير في: (رأَيتُه).
قال التَّيْمِي: تُقلَّد الغَنَم؛ لأنَّ النِّعال تَثقُل عليها.
стр. 2733
(تابعه محمّد بن بشار) أخرج الإِسْماعِيْلِي الحديثَ من هذه الطَّريق.
* * *
١١٣ - بابُ الجِلَال لِلْبُدْنِ
(باب الجِلَال للبُدْنِ)
الجِلَال: أَكيسَةٌ تُجْعل على ظُهورها، واحدُه: جُلٌّ.
وَكَانَ ابن عُمَرَ ﵄ لَا يَشُقُّ مِنَ الْجلَالِ إلا مَوْضعَ السَّنَامِ، وإذَا نَحَرَهَا نزَعَ جِلَالَهَا، مَخَافَةَ أَنْ يُفْسِدَهَا الدَّمُ، ثُمَّ يَتَصَدَّقُ بِهَا.
١٧٠٧ - حَدَّثَنَا قَبيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابن أَبي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن أَبي لَيْلَى، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ الله ﷺ أَنْ أتصَدَّقَ بِجلَالِ الْبُدْنِ الَّتِي نَحَرْتُ وَبجُلُودِهَا.
(لا يشق) فائدةُ شَقِّ مَوضع السَّنام إظهارُ الإشْعار.
(أن أتَصَدَّقَ) فيه منع بيع الجِلَال والجُلود للهَدْي والأُضحية؛ لأن الأَمْر حقيقةٌ في الوجوب.
قلتُ: وفيه نظَرٌ، فذاك صيغة افْعَلْ لا لفْظ أَمَرَ.
* * *
стр. 2734
١١٤ - بابُ مَنِ اشْتَرَى هَدْيَهُ مِنَ الطَّرِيقِ وقَلَّدَها
(باب من اشْتَرَى هَدْيَهُ من الطَّريق وقَلَّدَها)
أَنَّث ضمير الهَدْي باعتبار إرادة الجنْس، أو أنَّ ممّا يصدُق عليه الهَدْيُ البَدَنة، ولهذا في بعضها بدل (هَدْيَهُ): (بُدْنَةُ) بباءٍ، والهَدْي: بسكون الدَّال وبكسرها مع تشديد الياء.
١٧٠٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بن الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بن عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: أَرَادَ ابن عُمَرَ ﵄ الْحَجَّ عَامَ حَجَّةِ الْحَرُورِّيةِ فِي عَهْدِ ابن الزُّبَيْرِ ﵄، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ كَائِنٌ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، وَنَخَافُ أَنْ يَصُدُّوكَ، فَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، إِذًا أَصْنَعَ كَمَا صَنَعَ، أُشْهِدُكُمْ أنِّي أَوْجَبْتُ عُمْرَةً، حَتَّى كَانَ بِظَاهِرِ الْبَيْدَاءِ قَالَ: مَا شَأْنُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إلا وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي جَمَعْتُ حَجَّةً مَعَ عُمْرَةٍ، وَأَهْدَى هَدْيًا مُقَلَّدًا اشْتَرَاهُ حَتَّى قَدِمَ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَبالصَّفَا، وَلَمْ يرِدْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَوْمِ النَّحْرِ، فَحَلَقَ وَنَحَرَ وَرَأَى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَهُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ بِطَوَافِهِ الأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: كَذَلِكَ صَنَعَ النَّبيُّ ﷺ .
(الحَرُورِّية)؛ أي: الخَوارج، نسبةً إلى حَرُورَاء مِن قُرى الكُوفة، كما سبق بيانه في (باب: لا تقضي الحائِضُ الصلاةَ).
стр. 2735
(البَيْدَاء): الشَّرَفُ قُدَّام ذي الحُلَيفة إلى جِهَة مكَّة، وسبق شرح الحديث في (باب: طواف القَارِن).
(طواف الحجِّ) في بعضها: (طوافه الحجَّ) بنصْب (الحج) على نَزْع الخافِض، أي: للحجِّ، كما صُرِّح به في بعض النُّسخ.
(بطواف الأوّل) ليس المراد: أنَّه قبل الوُقوف، بل المُراد: بعدَه، وأنه اكتفَى به في القِرَان، فأراد بالأوَّل الواحِد.
قلتُ: لأنَّ (أوَّل) لا يحتاج أن يكون بعدَه شيءٌ، فلو قال: أوَّل عبْدٍ يدخُل فهو حُرٌّ، فلم يدخُل إلا واحدٌ = عَتَقَ، وقد سبق الخِلاف في الاكتفاء بطوافٍ واحدٍ.
* * *
١١٥ - بابُ ذَبْحِ الرَّجُلِ الْبَقَرَ عَنْ نِسَائِهِ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِنَّ
(باب ذَبْح الرَّجل البقَر عن نِسائه)
١٧٠٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بن سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بنتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، لَا نُرَى إلا الْحَجَّ، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ أَمَرَ رَسُولُ الله ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، إِذَا طَافَ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَنْ يَحِلَّ، قَالَتْ: فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمٍ بَقَرٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: نَحَرَ