الْمُعْتَمِرِ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أَفْتِلُ قَلَائِدَ الْغَنَم لِلنَّبيِّ ﷺ فَيَبْعَثُ بِهَا، ثُمَّ يَمْكُثُ حَلَالًا.
١٧٠٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعيْمٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: فَتَلْتُ لِهَدْيِ النَّبيِّ ﷺ -تَعْنِي الْقَلَائِدَ- قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ.
(باب تَقْليد الغَنَمِ)
أحاديثه الأربعة متقاربةُ المعنى، وفيها دليلٌ للجُمهور على جَواز تَقْليد الغَنَم خلافًا لمالك.
قال (ع): لعلَّه لم يَبْلُغْه الحديث، والاتفاق أن الغَنَم لا تُشْعَر لضَعْفها عن الجَرْح، ولأنه يستَتِر بالصُّوف.
* * *
١١١ - بابُ الْقَلَائِدِ مِنَ الْعِهْنِ
(باب القَلائِد مِنَ العِهْن)؛ أي: الصُّوف المَصبوغ أَلْوانًا في الغالِب، وهذا ليكون أبلَغَ في العَلامة.
* * *
стр. 2732
١١٢ - بابُ تَقْلِيدِ النَّعْلِ
(باب تَقْليد النَّعْل)
١٧٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بن عَبْدِ الأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى بن أَبي كثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ نبَيَّ الله ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، قَالَ: "ارْكَبْهَا"، قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةً، قَالَ: "ارْكَبْهَا"، قَالَ فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ رَاكِبَهَا يُسَايِرُ النَّبيَّ ﷺ وَالنَّعْلُ فِي عُنُقِهَا.
١٧٠٦ / -م - تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بن بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بن عُمَرَ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بن الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ .
(محمّد) قال الغَسَّاني: قال ابن السَّكَن: أي: ابن سَلام، ولعلَّه ابن المُثَنَّى، فسيأْتي في (باب: الذَّبْح بعد الحَلْق): (حدَّثنا محمَّد بن المُثنَّى، ثنا عبد الأَعْلى).
(راكبها) حالٌ؛ لأن إضافته لفظيةٌ، فهو نكرةٌ، أو بدلٌ من الضَّمير في: (رأَيتُه).
قال التَّيْمِي: تُقلَّد الغَنَم؛ لأنَّ النِّعال تَثقُل عليها.
стр. 2733
(تابعه محمّد بن بشار) أخرج الإِسْماعِيْلِي الحديثَ من هذه الطَّريق.
* * *
١١٣ - بابُ الجِلَال لِلْبُدْنِ
(باب الجِلَال للبُدْنِ)
الجِلَال: أَكيسَةٌ تُجْعل على ظُهورها، واحدُه: جُلٌّ.
وَكَانَ ابن عُمَرَ ﵄ لَا يَشُقُّ مِنَ الْجلَالِ إلا مَوْضعَ السَّنَامِ، وإذَا نَحَرَهَا نزَعَ جِلَالَهَا، مَخَافَةَ أَنْ يُفْسِدَهَا الدَّمُ، ثُمَّ يَتَصَدَّقُ بِهَا.
١٧٠٧ - حَدَّثَنَا قَبيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابن أَبي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن أَبي لَيْلَى، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ الله ﷺ أَنْ أتصَدَّقَ بِجلَالِ الْبُدْنِ الَّتِي نَحَرْتُ وَبجُلُودِهَا.
(لا يشق) فائدةُ شَقِّ مَوضع السَّنام إظهارُ الإشْعار.
(أن أتَصَدَّقَ) فيه منع بيع الجِلَال والجُلود للهَدْي والأُضحية؛ لأن الأَمْر حقيقةٌ في الوجوب.
قلتُ: وفيه نظَرٌ، فذاك صيغة افْعَلْ لا لفْظ أَمَرَ.
* * *
стр. 2734
١١٤ - بابُ مَنِ اشْتَرَى هَدْيَهُ مِنَ الطَّرِيقِ وقَلَّدَها
(باب من اشْتَرَى هَدْيَهُ من الطَّريق وقَلَّدَها)
أَنَّث ضمير الهَدْي باعتبار إرادة الجنْس، أو أنَّ ممّا يصدُق عليه الهَدْيُ البَدَنة، ولهذا في بعضها بدل (هَدْيَهُ): (بُدْنَةُ) بباءٍ، والهَدْي: بسكون الدَّال وبكسرها مع تشديد الياء.
١٧٠٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بن الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بن عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: أَرَادَ ابن عُمَرَ ﵄ الْحَجَّ عَامَ حَجَّةِ الْحَرُورِّيةِ فِي عَهْدِ ابن الزُّبَيْرِ ﵄، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ كَائِنٌ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، وَنَخَافُ أَنْ يَصُدُّوكَ، فَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، إِذًا أَصْنَعَ كَمَا صَنَعَ، أُشْهِدُكُمْ أنِّي أَوْجَبْتُ عُمْرَةً، حَتَّى كَانَ بِظَاهِرِ الْبَيْدَاءِ قَالَ: مَا شَأْنُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إلا وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي جَمَعْتُ حَجَّةً مَعَ عُمْرَةٍ، وَأَهْدَى هَدْيًا مُقَلَّدًا اشْتَرَاهُ حَتَّى قَدِمَ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَبالصَّفَا، وَلَمْ يرِدْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَوْمِ النَّحْرِ، فَحَلَقَ وَنَحَرَ وَرَأَى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَهُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ بِطَوَافِهِ الأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: كَذَلِكَ صَنَعَ النَّبيُّ ﷺ .
(الحَرُورِّية)؛ أي: الخَوارج، نسبةً إلى حَرُورَاء مِن قُرى الكُوفة، كما سبق بيانه في (باب: لا تقضي الحائِضُ الصلاةَ).
стр. 2735
(البَيْدَاء): الشَّرَفُ قُدَّام ذي الحُلَيفة إلى جِهَة مكَّة، وسبق شرح الحديث في (باب: طواف القَارِن).
(طواف الحجِّ) في بعضها: (طوافه الحجَّ) بنصْب (الحج) على نَزْع الخافِض، أي: للحجِّ، كما صُرِّح به في بعض النُّسخ.
(بطواف الأوّل) ليس المراد: أنَّه قبل الوُقوف، بل المُراد: بعدَه، وأنه اكتفَى به في القِرَان، فأراد بالأوَّل الواحِد.
قلتُ: لأنَّ (أوَّل) لا يحتاج أن يكون بعدَه شيءٌ، فلو قال: أوَّل عبْدٍ يدخُل فهو حُرٌّ، فلم يدخُل إلا واحدٌ = عَتَقَ، وقد سبق الخِلاف في الاكتفاء بطوافٍ واحدٍ.
* * *
١١٥ - بابُ ذَبْحِ الرَّجُلِ الْبَقَرَ عَنْ نِسَائِهِ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِنَّ
(باب ذَبْح الرَّجل البقَر عن نِسائه)
١٧٠٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بن سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بنتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، لَا نُرَى إلا الْحَجَّ، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ أَمَرَ رَسُولُ الله ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، إِذَا طَافَ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَنْ يَحِلَّ، قَالَتْ: فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمٍ بَقَرٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: نَحَرَ
стр. 2736
رَسُولُ الله ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ.
قَالَ يَحْيَى: فَذَكَرْتُهُ لِلْقَاسم، فَقَالَ: أَتَتْكَ بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ.
(ولا نُرى) بضمِّ أوله، أي: لا نَظُنُّ، وذلك كان ظَنَّ بعضهم لا كلهم.
(أن يَحِل) بكسر الحاء، أي: يصير حَلالًا بأنْ يتمتَّع.
(أَتَتْك)؛ أي: عَمْرةُ.
(على وجهه)؛ أي: على ما هو من غير نقصٍ ولا زيادةٍ.
قال (ن): هذا محمولٌ على أنَّه استأذنهنَّ؛ لأن التَّضحية عن الغَير لا تجوز إِلَّا بإذنه.
قلتُ: وكأنَّ البخاريّ عَمِلَ بأَنَّ الأصْل عدَم الاستئذان.
* * *
١١٦ - بابُ النَّحْرِ فِي مَنْحَرِ النَّبيِّ ﷺ بِمِنًى
(باب النَّحْرِ في مَنْحَرِ النّبيّ ﷺ )
١٧١٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بن إِبْرَاهِيمَ، سَمعَ خَالِدَ بن الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بن عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ الله ﵁ كَانَ يَنْحَرُ فِي الْمَنْحَرِ، قَالَ عُبَيْدُ الله: مَنْحَرِ رَسُولِ الله ﷺ .
стр. 2737
١٧١١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بن الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَنسُ بن عِيَاضٍ، حَدَّثَنَا مُوسَى بن عُقْبةَ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابن عُمَرَ ﵄ كَانَ يَبْعَثُ بِهَدْيِهِ مِنْ جَمْعٍ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، حَتَّى يُدْخَلَ بِهِ مَنْحَرُ النَّبيِّ ﷺ مَعَ حُجَّاجٍ فِيهِمُ الْحُرُّ وَالْمَمْلُوكُ.
الحديث الأول، والثّاني:
(جَمْع)؛ أي: مُزْدَلِفَة.
* * *
١١٧ - باب مَنْ نَحَر بيَدِه
(باب من نحر بيده)
١٧١٢ - حَدَّثَنا سَهْلُ بنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنا وُهَيْبٌ عن أيُّوبَ عن أَبي قِلابَةَ عن أنسٍ، وَذَكَرَ الحديثَ، قال: ونَحَرَ النبيُّ ﷺ بيده سَبْعَ بُدْنٍ قِيامًا وضَحَّى بالمدينة كَبْشَيْنِ أَمْلَحَينِ أَقْرَنَينِ. مُخْتَصَرًا (١).
(الحديث)، اللام للعَهْد، وهو ما يأْتي بعدُ في (باب: نَحْر البُدْن قائمةً).
(سبعة أبْدُن) أنَّث العدَد على إرادة أبْعِرَةٍ، قالَه التَّيْمِي، وفي بعضها: (سبع).
(قيامًا) حالٌ.
(أملحين)؛ أي: أبيضَين يُخالطُهما سَوادٌ.
(أقْرَنين) هو كبير القَرْن.
стр. 2738
١١٨ - بابُ نَحْرِ الإِبلِ مُقَيَّدَةً
(باب نَحْر الإبل المُقيَّدة)
١٧١٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بن زُرَيْعٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ زِيَادِ بن جُبَيْرٍ، قَالَ: رَأَيْتُ ابن عُمَرَ ﵄ أَتَى عَلَى رَجُلٍ، قَدْ أَنَاخَ بَدَنتَهُ يَنْحَرُهَا، قَالَ: ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةً، سُنَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَقَالَ شُعْبةُ، عَنْ يُونس: أَخْبَرَنِي زِيَادٌ.
(قيامًا)؛ بمعنى: قائمةً، وهو حالٌ مقدَّرةٌ، أو أنَّ (ابعثْها) بمعنى: أَقِمْها، أو عاملُه محذوفٌ، أي: انْحَرْها.
(مُقيدة) مصدرٌ، أي: مَعْقُولَة.
(سُنَّة) مفعولٌ لمحذوفٍ، أي: اتْبَعْ سُنَّةَ.
وفيه أنَّ هذا السُّنَّة، ويُستحبُّ أن تكون مَعْقُولةَ اليُسرى، وسَوَّى أبو حنيفة بين كونها قائمةً وباركةً، وقال عَطاء: البارِكة أفْضل، أنها البقَر والغَنَم فيُستحبُّ أن تكون مُضطجعةً على جانبها الأَيْسَر، وتُترك رجلُها اليُمنى، وتُشَدُّ قوائمها الثلاث.
(وقال شعبة) وصلَه إسحاق بن راهَوَيْهِ في "مسنده"، أي: فإنَّ الطَّريق الأوَّل كان مُعَنْعنًا.
* * *
(بكتاب الله)؛ أي: قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦]، وسبَق بيانه في (باب: مَنْ أهَلَّ في زَمان النبيِّ ﷺ ).
ووجْه دلالة هذا على التَّرجمة: أن بلُوغ الهَدْي مَحِلَّه عبارةٌ عن الذَّبْح، لمحلو تقدَّم الحَلْق عليه صار يتحلَّل قبْل الذَّبح، وتقديم الذَّبْح هو الأصل، وإنّما تأخيره رُخْصةٌ.
قال (ن): أعمال يوم النَّحر أربعةٌ: رمْي جَمْرَة العقَبة، ثمّ الذَّبْح، ثمّ الحَلْق، ثمّ الطَّواف، وتَرتيبُها هكذا سنَّةٌ، فلو قدَّمَ مُؤخَّرًا جازَ ولا فِدْيةَ؛ لأنَّ: (لا حرَجَ) معناه: لا شَيءَ عليك، خلافًا لبعض النَّاس في إيجابه الدَّمَ، وحمَلَ: (لا حرَج) على: (لا إِثْمَ).
* * *
١٢٧ - بابُ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ عِنْدَ الإِحْلَالِ
(باب الحَلْق والتَّقْصير)
١٧٢٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بن أَبي حَمْزَةَ، قَالَ نَافِعٌ: كانَ ابن عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: حَلَقَ رَسُولُ الله ﷺ فِي حَجَّتِهِ.
الحديث الأول:
(في حجته)؛ أي: حَجَّة الوداع.
* * *
стр. 2749
١٧٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "اللهمَّ ارْحَم الْمُحَلِّقِينَ"، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ الله! قَالَ: "اللهمَّ ارْحَم الْمُحَلِّقِينَ"، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ الله! قَالَ: "وَالْمُقَصِّرِينَ".
وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ: "رَحِمَ الله الْمُحَلِّقِينَ"؛ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، قَالَ: وَقَالَ عُبَيْدُ الله: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، وَقَالَ فِي الرَّابعَةِ: "وَالْمُقَصِّرِينَ".
الثّاني:
(والمُقصرين) تقديره: قيل: وارْحَم المُقَصِّرين؛ لأن الشَّرط أن يكون المَعطوفُ والمَعطُوف عليه من كلامِ واحدٍ، ويُسمَّى مثْلُه العَطْف التَّلْفيقي، كما في: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤].
وفيه تَفْضيل الحَلْق؛ لأنه أبلَغُ في العبادة، وأدلُّ على صِدْقه النِّيِّة؛ فإنَّ المقَصِّر يبقى عليه شَعْرٌ، وهو زينةٌ، والحاجُّ إنّما هو أشْعَثُ أغْبَر، ففي التَّقصير تقصيرٌ.
ثمّ المذهب: أنَّ الحَلْق أو التقصير نُسُكٌ وركنٌ في الحجِّ والعُمرة، لا يحصُل كلٌّ منهما إلا به خلافًا للحنفية، وأقلُّ ما يُجزئ عندنا: ثلاث شَعراتٍ، وعند أبي حنيفة: ربُع الرَّأْس، وعند أبي يوسف: النِّصف، وأحمد: أكثَرها، وفي روايةٍ لمالك: الكل، والمُلبد يلزمه الحَلْق عند الجمهور، والصّحيح عندنا: يُستحبُّ.
قال (خ): كانت عادتهم اتخاذ الشَّعر على الرؤُوس وتوفيرَه
стр. 2750
وتربيتَه، ويرَون الحَلْقَ نَوع شُهرةٍ، فمالوا إلى التَّقصير، فمنهم مَنْ حلَقَ، ومنهم من قَصَّرَ، فدَعَا لهم ﷺ بالرَّحمة للمُحلِّقين دون المقصِّرين، حتَّى استُعطِفَ عليهم فعمَّهم بعد ذلك بالدُّعاء.
(وقال اللَّيث) وصلَه مسلم وغيره.
* * *
١٧٢٨ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بن الْوَليدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بن الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبي زُرْعَةَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "اللهمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ"، قَالُوا: وَلِلْمُقَصِّرِينَ، قَالَ: "اللهمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ"، قَالُوا: وَلِلْمُقَصِّرِينَ؛ قَالَهَا ثَلَاثًا. قَالَ: "وَللْمُقَصِّرِينَ".
١٧٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن مُحَمَّدِ بن أَسْمَاءَ، حَدَّثَنَا جُويرِيَةُ بن أَسْمَاءَ، عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ الله قَالَ: حَلَقَ النَّبيُّ ﷺ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابهِ، وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ.
١٧٣٠ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابن جُرَيْجٍ، عَنِ الْحَسَنِ بن مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ ﵃، قَالَ: قَصَّرْتُ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ بِمِشْقَصٍ.
الثالث، والرابع، والخامس:
(بِمِشْقَص) بكسر الميم: سَهْمٌ فيه نَصْلٌ عَرِيْضٌ، وقال (ش):
стр. 2751
نصْل السَّهم إذا كان طَويلًا، فإنْ عُرِّض سُمِّي مِعْبَلةً، أي: بكسر الميم، وسكون المهملة، وفتح الموحَّدة، ومراده: قصَّرتُ عنه في بعض عُمره.
* * *
١٢٨ - باب تَقْصِيرِ الْمُتَمَتِّع بَعْدَ الْعُمْرَةِ
(باب تَقْصِير المُتمتَّع بعد العُمرة)
١٧٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن أَبي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بن سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بن عُقْبَةَ، أَخْبَرَني كُرَيْبٌ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبيُّ ﷺ مَكَّةَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ وَبالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ يَحِلُّوا، وَيَحْلِقُوا أَوْ يُقَصِّرُوا.
(يحلقوا أو يقصروا) ليس المراد أنهما سواءٌ في الفضل، بل سواءٌ في سُقوط الوجوب.
* * *
١٢٩ - بابُ الزِّيَارَةِ يَوْمَ النَّحْرِ
وَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، وَابن عَبَّاسٍ ﵄: أَخَّرَ النَّبيُّ ﷺ الزِّيارَةَ إِلَى اللَّيْلِ، وَيُذْكَرُ عَنْ أَبي حَسَّانَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ
стр. 2752
النَّبيَّ ﷺ كَانَ يَزُورُ الْبَيْتَ أَيَّامَ مِنًى.
(باب الزِّيارة يومَ النَّحر)؛ أي: في زيارة البَيت والطَّواف به.
(وقال ابن الزُّبَير) وصلَه أبو داود، والترمذي.
(ويُذكر عن أبي حَسَّان) وصلَه الطَّبَراني في "الكبير"، والبيهقي.
(يَزُور)؛ أي: يطُوف بالبَيت في أيام التَّشريق.
* * *
١٧٣٢ - وَقَالَ لنا أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ الله، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ طَافَ طَوَافًا وَاحِدًا، ثُمَّ يَقِيلُ، ثُمَّ يَأْتِي مِنًى؛ يَعْنِي: يَوْمَ النَّحْرِ.
وَرَفَعَهُ عَبْدُ الرَّزَاقِ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ الله.
١٧٣٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بن بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ جَعْفَرِ بن رَبيعَةَ، عَنِ الأَعْرَج، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: حَجَجْنَا مَعَ النَّبيِّ ﷺ ، فَأَفَضْنَا يَوْمَ النَّحْرِ، فَحَاضَتْ صَفِيَّةُ، فَأَرَادَ النَّبيُّ ﷺ مِنْهَا مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! إِنَّهَا حَائِضٌ، قَالَ: "حَابسَتُنَا هِيَ؟ " قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ. قَالَ: "اخْرُجُوا".
وَيُذْكَرُ عَنِ الْقَاسِم، وَعُرْوَةَ، وَالأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَفَاضَتْ صَفِيَّةُ يَوْمَ النَّحْرِ.
стр. 2753
(ورفعه)؛ أي: إلى رسول الله ﷺ .
(فأفضنا)؛ أي: طُفْنا.
(حابستنا هي) خبرٌ مقدَّمٌ، ومبتدأٌ مؤخَّرٌ، ويجوز أن تكون: حابسة مبتدأً، وهي فاعلٌ سدَّ مسَدَّ الخبَر؛ لأن همزة الاستفهام فيه مقدَّرةٌ.
قلتُ: يجوز أن يكون ضَميرًا متصلًا نحو: ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ﴾ [مريم: ٤٦].
قال التَّيْمي: ظَنَّ ﷺ أنها لم تَطُف طَوافَ الزِّيارة، فتحبسُهم إلى أن تطهُر، فلمَّا قالوا له: إنها طافَتْ يوم النَّحْر؛ قال: (اخرُجُوا)، ورخَّص لها في تَرْك طَواف الوداع؛ لأنه ليس بواجبٍ عند الأكثَر.
قلت: أو بعُذْر الحَيْض، ولو كان واجِبًا.
* * *
١٣٠ - بابٌ إِذَا رَمَى بَعْدَ مَا أَمْسَى، أَوْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ؛ نَاسيًا أَوْ جَاهِلًا
(باب: إذا رَمَى بعدَ ما أَمْسَى)
١٧٣٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بن إسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنا ابن طَاوسٍ، عَنْ أبيهِ، عَنْ ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قيل له فِي الذَّبْحِ وَالْحَلْقِ وَالرَّمْيِ وَالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، فَقَالَ: "لَا حَرَجَ".
стр. 2754
الحديث الأوّل:
(والتقديم والتأخير) أي: في بعضها على بعضٍ.
* * *
١٧٣٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن عَبْدِ الله، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بن زُريعٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبيُّ ﷺ يُسْأَلُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى، فَيَقُولُ: "لَا حَرَجَ"، فَسَألهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، قَالَ: "اذْبَحْ، وَلَا حَرَجَ"، وَقَالَ: رَمَيْتُ بَعْدَمَا أَمْسَيْتُ، فَقَالَ: "لَا حَرَجَ".
الثّاني:
(يسأل)؛ أي: عن التَّقديم والتَّأْخير في أفعال يَوم العِيْد، نعَمْ، ليس في الحديث ما في التَّرجمة من كونه ناسيًا أو جاهلًا؛ لأنه مختصرٌ من الحديث الآتي في الباب بعدَه وهو:
* * *
١٣١ - بابُ الْفُتيَا عَلَى الدَّابَةِ عِنْدَ الْجَمْرَةِ
(باب الفُتْيا على الدَّابة عند الجَمْرة)
١٧٣٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ،
стр. 2755
عَنْ عِيسَى بن طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ الله بن عَمْرٍو: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ، فَقَالَ رَجُل: لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، قَالَ: "اذْبَحْ، وَلَا حَرَجَ"، فَجَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: "ارْمِ، وَلَا حَرَجَ"، فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إلَّا قَالَ: "افْعَلْ، وَلَا حَرَجَ".
الحديث الأوّل:
(عن شيء)؛ أي: من هذه الأمور المذكورة.
* * *
١٧٣٧ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بن يَحْيَى بن سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبي، حَدَّثَنَا ابن جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عِيسَى بن طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ الله بن عَمْرِو بن الْعَاصِ ﵁ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ شَهِدَ النَّبيَّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: كنْتُ أَحْسِبُ أَنَّ كَذَا قَبْلَ كَذَا، ثُمَّ قَامَ آخَرُ، فَقَالَ: كنْتُ أَحْسِبُ أَنَّ كَذَا قَبْلَ كَذَا، حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ، نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "افْعَلْ، وَلَا حَرَجَ"، لَهُنَّ كلِّهِنَّ، فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ إلا قَالَ: "افْعَلْ، وَلَا حَرَجَ".
١٧٣٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بن إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عِيسَى بن طَلْحَةَ بن عُبَيْدِ الله: أنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الله بن عَمْرِو بن الْعَاصِ ﵁ قَالَ: وَقَفَ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى نَاقَتِهِ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.
стр. 2756
تَابَعَهُ مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.
الثّاني:
(لَهُنَّ) إمّا متعلِّقٌ بـ: قال، أي: قال لأجْلِهنَّ كلِّهنَّ: افعَلْ ولا حرَجَ، أو بمحذوفٍ، أي: يوم النَّحْر لَهُنَّ، أو يتعلَّق بـ: لا حرَجَ، أي: لا حرج لأجْلِهنَّ عليكم، أما كونه كان عند الجمْرة في الحديث المطوَّل الّذي اختُصر هذا منه، سبق في (كتاب العِلْم): (رأيتُه ﷺ عند الجَمْرة)، وأمّا كونه على الدابَّة فمِن حديث: (على ناقته)، فالأحاديث المُطلَقة تُحمَل على المقيَّدة.
* * *
١٣٢ - بابُ الْخُطْبَةِ أَيَّامَ مِنًى
(باب الخُطْبة أَيَّامَ مِنَى)
١٧٣٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن عَبْدِ الله، حَدَّثَنِي يَحْيَى بن سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بن غَزْوَانَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ! أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ " قَالُوا: يَوْمٌ حَرَامٌ، قَالَ: "فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ " قَالُوا: بَلَدٌ حَرَامٌ، قَالَ: "فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ " قَالُوا: شَهْرٌ حَرَامٌ، قَالَ: "فَإِنَّ دِمَاءِكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ
стр. 2757
هَذَا"، فَأَعَادَهَا مِرَارًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: "اللهمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ اللهمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ " قَالَ ابن عَبَّاسٍ ﵄: فَوَالَّذِي نفسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَوَصِيَّتُهُ إِلَى أُمَّتِهِ: "فَلْيُبْلِغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كفَّارًا؛ يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ".
الحديث الأوّل:
(بلد الحرام)؛ أي: يَحرُم القِتَال فيه لذلك اليَوم وذلك الشَّهر.
(بعدي)؛ أي: بعد فِرَاقِي من هذا الموقف، أو بعد حياتي.
(كُفارًا)؛ أي: كالكُفَّار، أو لا يُكفِّرْ بعضُكم بعضًا، فتَستحلُّوا القتالَ.
(يضرب) بالرفع، ويُروى بالجزم، وسبقَ في (الإيمان).
* * *
١٧٤٠ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بن عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، قَالَ: سَمِعْتُ جَابرَ بن زَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابن عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ.
تَابَعَهُ ابن عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو.
الحديث الثّاني:
(تابعه ابن عُيَيْنة) وصلَه أحمد، ومسلم.
* * *
قال (ش): وعلى هذا قال: (ذو الحجة)؛ أي: ألَيسَ ذو الحِجَّة هذا الشَّهر؟.
(بالبلدة الحرام)؛ أي: مكّة، وُصفت بالحَرام، وهو للمُذكَّر؛ لأنه اضمَحلَّ فيه معنى الوصفية وصار اسمًا، وفي بعضها سُقوط الحَرام، قيل: لأنَّها اسمٌ خاصٌّ بها، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ [النمل: ٩١]، أو اللام منها للعَهْد عن هذه الآية، وقال الطِّيْبي: المُطلَق محمولٌ على الكامل، أي: الجامِعة للخير المُستحِقَّة للكمال كما أن الكعْبة تُسمَّى بالبيت المُطلَق.
(يوم تلقون) بفتح (يومٍ) وكسره مع التَّنوين وعدَمه، واعلَم أن هذا الحديث لم يُجيبوا فيه كما أجابوا في الحديث السابق بأَنَّه يومٌ حرامٌ ونحوه؛ لأن [في] هذا فخامةً ليست في ذاك بسبب زيادة لفْظ: (أَتدرُون)، ولذلك سكَتوا، أو أنَّ السُّكوت كان أوَّلًا، والجَواب بالتَّعيين كان آخِرًا، وإنما نسبه بهذه الأشياء؛ لأنهم كانوا لا يَرَون كُنْهها.
(اللهُمَّ اشهد) لمَّا أوجَب الله عليه التَّبليغ وبلَّغَ؛ أشهَد الله على أدائه الواجب.
(مُبلِّغ) بفتح اللام، أي: رُبَّ شخصٍ بلَغ إليه كلامي وهو أحفَظ له من السامع مني، وسبَق الحديث في (كتاب العلم) في (باب: قَول النبيِّ ﷺ : رُبَّ مُبلَّغٍ).
* * *
стр. 2760
١٧٤٢ - حَدَّثنا مُحَمَّدُ بن الْمُثَنَّى، حَدَّثنا يَزِيدُ بن هَارُونَ، أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بن مُحَمَّدِ بن زَيْدٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنِ ابن عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ بِمِنًى: "أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ " قَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَقَالَ: "فَإنَّ هَذَا يَوْمٌ حَرَامٌ، أَفَتَدْرُونَ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ " قَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "بَلَادٌ حَرَامٌ"، أَفَتَدْرُونَ أيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ " قَالُوا: الله ورَسُولُهُ أعلمُ، قال: "شَهْرٌ حَرَامٌ" قال: "فإنَّ الله حَرَّمَ عليكُمْ دِمَاءِكُمْ وأمْوَالَكُمْ وأعْرَاضَكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا".
وَقَالَ هِشَامُ بن الْغَازِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابن عُمَرَ ﵄: وَقَفَ النَّبيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ بَيْنَ الْجَمَرَاتِ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي حَجَّ، بِهَذَا، وَقَالَ: "هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الأَكْبَرِ"، فَطَفِقَ النَّبيُّ ﷺ يَقُولُ: "اللهمَّ اشْهَدْ"، وَوَدَّعَ النَّاسَ، فَقَالُوا: هَذ حَجَّةُ الْوَدَاعِ.
الحديث الرابع:
هو بمعنى الّذي قبله.
(وقال هشام بن الغَازِ) بالمعجمة، والزاي: اسم فاعِل من الغَزْو، وقد وصلَ ذلك أبو داود، وابن ماجه.
(بهذا)؛ أي: مُلْتبسًا بهذا الكلام المذكور.
(الحجِّ الأكبر) سُمي بذلك قيل: لمُقابلة العُمْرَة الّتي هي الحجُّ الأصغر، وقيل: لأنه ﷺ كان واقِفًا فيه، وقيل: لاجتِماع المسلمين والمشركين فيه، وموافقتِه لأعياد أهل الكتاب.
стр. 2761
(حجة) بفتح الحاء على المعروف في الرِّواية، وهو القِياس؛ لأنه للمرَّةِ لا للهَيْئة.
(الوداع) بفتح الواو، وجاء كسرها، سُميت بذلك لأنَّ النبيَّ ﷺ وَدَّع النَّاس فيها، ولم يتفِق له وقْفةٌ أُخرى، ولا اجتماعٌ مثل ذلك.
* * *
١٣٣ - باب هَلْ يَبيتُ أَصْحَابُ السِّقَايَةِ أَوْ غَيْرُهُمْ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى ؟
١٧٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن عُبَيْدِ بن مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بن يُونس، عَنْ عُبَيْدِ الله، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ ﵄: رَخَّصَ النَّبيُّ ﷺ .
١٧٤٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بن مُوسَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابن جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ الله، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ أَذِنَ.
١٧٤٥ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بن عبدِ الله بن نُمَيْرٍ، حَدَّثنا أَبي، حَدَّثنا عُبَيْدُ الله، قالَ: حَدَّثني نَافِعٌ، عَنِ ابن عُمَرَ ﵄: أنَّ الْعَبَّاسَ ﵁ اسْتَأْذَنَ النَّبيَّ ﷺ ؛ لِيَبيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى، مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ.
تَابَعَهُ أَبُو أُسَامَةَ، وَعُقْبَةُ بن خَالِدٍ، وَأَبُو ضَمْرَةَ.
стр. 2762
(باب: هل يَبيت أَصحابُ السِّقَاية أو غيرُهم؟)
الحديث فيه سبَق في (باب: سِقاية الحاجِّ).
(تابعه أبو أُسامة) وصلَه مسلم.
(وأبو ضَمْرَة)؛ أي: أنَس بن عِيَاض، وصلَه البُخاري في (باب: ما جاءَ في سِقاية الحاجِّ).
* * *
١٣٤ - بابُ رَمْيِ الْجِمَارِ
وَقَالَ جَابرٌ: رَمَى النَّبيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وَرَمَى بَعْدَ ذَلِكَ بَعْدَ الزَّوَالِ.
(باب رَمْي الجمَار) سبع حصَياتٍ.
الجِمار: جمع جَمْرة، والمراد: الثلاث الجمَرات، وأصْل الجمرة الحصَاة.
(وقال جابر) رواه مسلم، وابن خُزَيمة، وابن حِبان.
* * *
١٧٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ وَبَرَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ ابن عُمَرَ ﵄: مَتَى أَرْمِي الْجمَارَ؟ قَالَ: إِذَا رَمَى إِمَامُكَ
стр. 2763
فَارْمِهْ، فَأعَدْتُ عَلَيْهِ الْمَسْألَةَ، قَالَ: كُنَّا نتَحَيَّنُ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا.
(يتحين): يتفعَّل من الحين، أي: يُراقب الوقْتَ.
(فإذا زالت)؛ أي: في غير يوم النَّحْر.
* * *
١٣٥ - بابُ رَمْيِ الْجِمَارِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي
(باب رَمْي الجمَار مِن بطْن الوادي)
١٧٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن كثِيرٍ، أَخْبَرَناَ سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن يَزِيدَ قَالَ: رَمَى عَبْدُ الله مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! إِنَّ ناَسًا يَرْمُونها مِنْ فَوْقهَا، فَقَالَ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ غيْرُهُ، هَذَا مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورة الْبقَرَةِ ﷺ .
وَقَالَ عَبْدُ الله بن الْوَليدِ: حَدثنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، بِهَذَا.
(يا أبا عبد الرحمن) هي كُنية ابن مَسعود.
(سورة البقرة) خُصَّت بالذِّكْر؛ لأن مُعظَم المَناسِك فيها خُصوصًا وقْت الرَّمي؛ فإنه في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، ففيه جَواز أنْ يُقال: سُورة البقَرة.
стр. 2764
قال (ن): نَدْبُ كون الرَّمي مِن بطْن الوادي، وأنْ تكون مكَّة عن يَساره إنما هو في رمي يوم النَّحر، ورمي التَّشريق يُستحبُّ من فَوقها.
* * *
١٣٦ - بابُ رَمْيِ الْجِمَارِ بِسَبْعِ حَصَيَات
ذكَرَهُ ابن عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبيِّ ﷺ .
١٧٤٨ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بن عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبةُ، عَنِ الْحَكَم، عَنْ إبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ الله ﵁: أَنَّهُ انتهَى إِلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى جَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِه، وَمِنًى عَنْ يَمِينهِ، وَرَمَى بِسَبْعٍ، وَقَالَ: هَكَذَا رَمَى الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبقَرَةِ ﷺ .
(باب رمي الجمَار بسَبْعِ حصَيَاتٍ، ذكَره ابن عُمر)
وكذا قال في (باب: يُكبر مع كلِّ حصَاةٍ)، وفي (باب: مَن رمَى الجِمَار)، ولم يقِفْ، وقد وصلَه البخاري في (باب: إذا رمَى الجمرتين يقوم).
(الجمرة الكبرى)؛ أي: جمْرة العقَبة، وهي آخِر الجمَرات بالنِّسبة للمُتوجِّه من مِنَى إلى مكَّة.
* * *
قَالَ الزُّهْرِيُّ: سَمِعْتُ سَالِمَ بن عَبْدِ الله يُحَدِّثُ مِثْلَ هَذَا، عَنْ أَبيهِ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، وَكَانَ ابن عُمَرَ يَفْعَلُهُ.
(وقال محمد) قال ابن السَّكَن: هو ابن بَشَّار، وقال الكَلابَاذِي: إما هو، وإما ابن المُثنى، وقال غيرهما: وصلَه الإِسْماعِيْلِي مِن حديث ابن المُثنَّى.
(إن رسول الله ﷺ ) هو مِن مَراسِيْل الزُّهْري.
قال (ك): ولا يَصير مُسنَدًا بما ذكَره آخرًا؛ لأنه قال: يُحدِّث بمثله، أي: لا به نفْسِه.
قلتُ: فيه نظَرٌ، فإنَّهم إنما يُطلِقون المثل غالبًا على الشَّيء نفسه.
* * *
١٤٣ - بابُ الطِّيبِ بَعْدَ رَمْيِ الْجِمَارِ، وَالْحَلْقِ قَبْلَ الإِفَاضَةِ
(باب الطيْب عند رمي الجمَار، والحَلْق قبْل الإفاضة)؛ أي: طَواف الرّكن، فالمُحرِم يتحلَّل باثنين من الثَّلاث، وهو أَول تحلُّلَي الحجِّ.
١٧٥٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن عَبْدِ الله، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن الْقَاسِم: أنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ -وكَانَ أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ- يَقُولُ:
стр. 2770
سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: طَيَّبْتُ رَسُولَ الله ﷺ بِيَدَيَّ هَاتَيْنِ حِينَ أَحْرَمَ، وَلحِلِّهِ حِينَ أَحَلَّ، قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ. وَبَسَطَتْ يَدَيْهَا.
(عبد الرحمن بن القاسم) بن محمَّد بن أبي بكْرٍ الصِّدّيق.
(حين أحْرَم)؛ أي: حين أراد الإحْرَامَ.
(حين أحل)؛ أي: حقيقة الحِلِّ؛ لأنَّ التَّطيُّب إنما هو خبر كان، أي: طَواف الوداع واجب إلا على الحائِض.
* * *
١٤٤ - بابُ طَواف الودَاعِ
١٧٥٥ - حَدَّثنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثنا سُفيانُ، عَنْ ابن طَاوسٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄، قال: أُمِرَ النَّاسُ أنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بالبَيْتِ إلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الْحَائِضِ.
١٧٥٦ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بن الْفَرَج، أَخْبَرَناَ ابن وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بن الْحَارِثِ، عَنْ قتَادَةَ: أَنَّ أَنس بن مَالِكٍ ﵁ حَدَّثَهُ: أَنَّ النبيَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، ثُمَّ رَقَدَ رَقْدَةً بِالْمُحَصَّبِ، ثُمَّ ركبَ إِلَى الْبَيْتِ، فَطَافَ بِهِ.
تَابَعَهُ اللَّيْثُ. حَدَّثَنِي خَالِدٌ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قتَادَةَ: أَنَّ أَنس بن مَالِكٍ ﵁ حَدَّثَهُ عَنِ النَّبيِّ ﷺ .