(ظهرنا)؛ أي: مَراكبنا.
(مسحنا البيت)؛ أي: طُفْنا؛ لأنَّ الطَّواف فيه مَسْحٌ، وسبق أنه حُذف من الحديث السَّعي والحَلْق؛ للعِلْم به، كما يُقال: لمَّا زَنَا رُجِم، أي: وأُحصِنَ رُجِم.
* * *
١٢ - بابُ مَا يَقُولُ إِذَا رَجَعَ مِنَ الْحجِّ أَوِ الْعُمْرة أَوِ الْغَزوِ
(باب ما يقُول إذا رجَعَ)
١٧٩٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ إِذَا قَفَلَ مِنْ غزْوٍ أَوْ حَج أَوْ عُمْرَةٍ يُكَبرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنَ الأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبيرَاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ: "لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبنا حَامِدُونَ، صَدَقَ الله وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَه".
(قَفَلَ)؛ أي: رجَع، ومنه القافِلة.
(الشَرَف): المكان العالي.
(آيِبُون)؛ أي: نحن، فحذف المبتدأ، أي: راجعُون إلى الله،
стр. 2807
وفيه إيهام الرُّجوع إلى الوطَن.
(لربنا) إما متعلِّقٌ بـ (ساجِدون)، أو عامٌّ لسائر الصِّفات على سَبيل التَّنازُع.
(الأحزاب)؛ أي: الطَّوائف المتفرقة الذين تجمَّعوا عليه ﷺ على باب المدينة، فهزَمَهم الله بلا مُقاتَلةٍ.
* * *
١٣ - بابُ اسْتِقْبَالِ الْحاجِّ الْقَادِمِينَ، وَالثَّلَاثةِ عَلَى الدَّابَّةِ
١٧٩٨ - حدَّثنا مُعَلَّى بن أَسَدٍ، حدثنا يَزِيدُ بن زُريعٍ، حدَّثنا خَالدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄، قال: لَمَّا قَدِمَ النِّبيُّ ﷺ مَكَّةَ، اسْتَقْبَلَتْهُ أُغيلْمَةُ بني عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَحَمَلَ وَاحِدًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَآخَرَ خَلْفَهُ.
(باب استِقبال الحاجِّ القادِمين)
صفةٌ للحاجِّ باعتبار الجِنْس، نحو: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧].
(والثلاثة) عطفٌ على استقبالٍ، وفي بعضها: (الغلامين)، وتوجيهه مع إشكاله: أن يقرأ (الحاج) بالنَّصب، ويكون (استقبال) مضافًا للغلامين، نحو قراءة: ﴿قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧]،
стр. 2808
بنصب أولادهم وجَرِّ الشُّركاء، ويكون الاستقبال مضافًا للحاجِّ، والغلامين مفعولٌ، وذلك لأنَّ الاستقبال يكون من الطَّرَفين، مَن استقبلَك فقد استَقبلتَه.
(أُغيْلِمَة) قال الجَوْهَرِي: تَصغير غِلْمة على غير مكَبَّرِه، كأنهم صغَّروا أَغْلِمةً، وإنْ كانوا لم يقُولوه.
وقال (خ): وكان قياسه: غُلَيْمة، لكنْ رَدُّوه إلى أَفْعِلة كما في أَصبيَة تصغير صِبْيَة.
وفيه أنه لا حرَجَ في الحمْل على الدَّابة ما أَطاقَتْ.
* * *
١٤ - بابُ الْقُدُومِ بِالْغَدَاةِ
١٧٩٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بن الْحَجَّاج، حَدَّثَنَا أَنسُ بن عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله، عَنْ ناَفِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ يُصَلِّي فِي مَسْجدِ الشَّجَرَةِ، وإذَا رَجَعَ صَلَّى بِذِي الْحُلَيْفَةِ ببَطْنِ الْوَادِي، وَبَاتَ حَتَّى يُصْبحَ.
(باب القُدوم بالغَداة)
سبق شرح الحديث فيه.
* * *
стр. 2809
١٥ - بابُ الدُّخُولِ بِالْعَشِيِّ
(باب الدُّخُول بالعَشِيِّ)
١٨٠٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا هَمَّام، عَنْ إِسْحَاقَ ابن عَبْدِ الله بن أَبي طَلْحَةَ، عَنْ أَنسٍ ﵁، قَالَ: كَانَ النَّبيُّ ﷺ لَا يَطْرُقُ أَهْلَهُ، كَانَ لَا يَدْخُلُ إِلَّا غُدْوَةً أوْ عَشِيَّةً.
(يَطْرُق) بضمِّ الراء من الطَّرْق، وهو الإتْيانُ لَيلًا.
(عشية)، قيل: من صلاة المغرب إلى العَتَمة، وقيل: من الزَّوال.
* * *
١٦ - بابٌ لَا يَطْرُقُ أَهْلَهُ إِذَا بَلَغَ الْمَدِينة
١٨٠١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بن إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا شُعْبةُ، عَنْ مُحَارِبٍ، عَنْ جَابرٍ ﵁، قَالَ: نهى النَّبيُّ ﷺ أَنْ يَطْرُقَ أَهْلَهُ لَيْلًا.
(باب: لا يطْرُق أهلَه إذا بلَغ المَدينةَ)
هو بمعنى حديث ما قبلَه، والنَّهي فيه للتَّنزيه لا للتَّحريم، وذلك لئلَّا يكون فيه تَطلُّب عثَراتها، أو كشْفُ أستارها.
* * *
стр. 2810
١٧ - باب مَنْ أَسْرَع نَاقَتَهُ إذَا بَلَغَ الْمَدِينَة
(باب مَنْ أسْرع ناقتَه)؛ أي: بناقته، فنصبَه بنزع الخافِض، قال (ش): وأنكَر عليه الإِسْماعِيْلي تعديتَهُ بنفسه، ورُدَّ بأنَّ في "المُحكَم": أسْرعَ يتعدَّى بحرفٍ وبغير حرفٍ.
١٨٠٢ - حدَّثنا سَعيدُ بن أبي مَرْيَمَ، أخْبَرَناَ مُحَمَّدُ بن جَعْفَرٍ، قالَ: أخْبَرني حُمَيدٌ: أنَّه سَمعَ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَأبْصَرَ دَرَجَاتِ الْمَدِينَةِ، أَوْضَعَ ناَقتهُ، وإنْ كَانَتْ دابَّةً حَرَّكَهَا.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: زَادَ الْحَارِثُ، بن عُمَيْرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ: حَرَّكَهَا مِنْ حُبهَا.
١٨٠٢ / -م - حَدَّثَنَا قتيْبةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنسٍ، قَالَ: جُدُرَاتٍ.
تَابَعَهُ الْحَارِثُ بن عُمَيْرٍ.
(دوحات) جمع دَوْحَة بمهملتين: الشَّجَرة العَظيمة، وفي بعضها: (دَرَجات)، براءٍ، وجيم، أي: طرُقها المرتفِعة.
(أوْضَع)؛ أي: أَسْرَعَها وحَمَلَها على السَّيْر السَّريع، ووضَع البعيرُ: أسْرعَ في مَشْيه.
١٩ - بابٌ السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ
(باب: السَّفَر قِطْعةٌ من العَذاب)
١٨٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبي صَالح، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذابِ، يَمْنَعُ أَحَدكمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَنَوْمَهُ، فإذَا قَضَى نَهْمَتَهُ، فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ".
(طعامه)؛ أي: لذَّة طَعامه، قال (خ): أي: في الوقْت الذي يَستوفيه منه لعَشائه وغَدائه، قال: (ونومه)؛ أي: كذلك، واستِيفاء القَدْر الذي يحتاجه من ذلك.
(نَهْمَته) بفتح النون، وسكون الهاء، أي: هِمَّته، والمراد الحَاجة التي قصَدها.
ففيه الترغيب في الإقامة، وتَرْك الإكثار من السَّفَر لئلا تَفوتَه الجمُعة، والجماعات، والحُقوق الواجبة للأهل، والقرابات، وهذا في غير الأسفار الواجبة.
* * *
стр. 2813
٢٠ - بابُ الْمُسَافِرِ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ يُعَجِّلُ إلى أَهْلِهِ
(باب المُسافِر إذا جَدَّه السَّفَر)
١٨٠٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بن أَبي مَرْيَمَ، أَخْبَرَناَ مُحَمَّدُ بن جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرني زيدُ بن أَسْلَمَ، عَنْ أَبيهِ، قَالَ: كنْتُ مَعَ عَبْدِ الله بن عُمَرَ ﵄ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَبَلَغَهُ عَنْ صَفِيَّةَ بنتِ أَبي عُبَيْدٍ شِدةُ وَجَعٍ، فَأسْرع السَّيْرَ، حَتَّى كَانَ بَعْدَ غرُوبِ الشَّفَقِ نزَلَ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعَتَمَةَ، جَمَعَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ قالَ: إِنِّي رَأَيْتُ النَّبيَّ ﷺ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا.
(صَفية) هي زوجة عبد الله بن عُمر.
(السير)؛ أي: في السَّيْر.
(الشفق): بقيَّة ضَوء الشَّمس وحُمرتها في أول الليل.
(وجمع) إما جملةٌ حاليةٌ، أو استئنافيةٌ، ومرَّ الحديث في (باب: تقصير الصلاة).
وفيه دليلٌ للشَّافعي في جَواز الجمع في السفَر.
стр. 2814
٢٧ - أبواب المحصر
стр. 2815
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٢٧ - أبواب المحصر
١ - بابُ الْمُحصَرِ وَجَزَاء الصَّيْدِ
وَقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، وَقَالَ عَطَاءٌ: الإحْصَارُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يَحْبسُهُ.
(أبواب المُحْصَر)؛ أي: الممنوع من الحجِّ والعُمْرَة.
(كل شيء)؛ أي: لا يختصُّ بمنع العدوِّ فقط، وقال أبو حنيفة: كلُّ منع من عدو أو مرَض أو غيرهما، فهو إحصارٌ، وخصَّه الشافعيُّ ومالكٌ بمنعْ العدوِّ فقط.
* * *
١ / -م - بابٌ إِذَا أُحْصِرَ الْمُعْتَمِرُ
(باب إذا أُحْصِرَ المُعْتَمِر)
١٨٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ نَافعٍ: أَنَّ
стр. 2816
عَبْدَ الله بن عُمَرَ ﵄ حِينَ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي الْفِتْنَةِ قَالَ: إِنْ صُدِدْتُ عَنِ الْبَيْتِ صنَعْتُ كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ . فَأهَلَّ بِعُمْرَةٍ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ الْحُدَيْبيةِ.
الحديث الأول:
(في الفتنة)؛ أي: فتنة مُقاتلة ابن الزُّبَير والحَجَّاج.
(صنعنا)؛ أي: أحْلَلْنا كما أحلَّ النبيُّ ﷺ عامَ الحُدَيبيَة من عُمْرَته.
* * *
١٨٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن مُحَمَّدِ بن أَسْمَاءَ، حَدَّثَنَا جُويرِيَةُ، عَنْ ناَفِعٍ: أَنَّ عُبَيْدَ الله بن عَبْدِ الله، وَسَالِمَ بن عَبْدِ الله أَخْبَرَاهُ: أَنَّهُمَا كلَّمَا عَبْدَ الله بن عُمَرَ ﵄ لَيَالِيَ نزَلَ الْجَيْشُ بِابن الزُّبَيْرِ، فَقَالَا: لَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا تحُجَّ الْعَامَ، وإنَّا نخافُ أَنْ يُحَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْبَيْتِ. فَقَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ، فَحَالَ كفَّارُ قُرَيشٍ دُونَ الْبَيتِ، فَنَحَرَ النَّبيُّ ﷺ هَدْيَهُ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ، وَأُشْهِدُكُمْ أنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الْعُمْرَةَ، إِنْ شَاءَ الله أَنْطَلِقُ، فَإنْ خُلِّيَ بَيْني وَبَيْنَ الْبَيْتِ طُفْتُ، وإنْ حِيلَ بَيْني وَبَيْنَهُ فَعَلْتُ كَمَا فَعَلَ النَّبيُّ ﷺ وَأَناَ مَعَهُ. فَأهَلَّ بِالْعُمْرَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا شَأْنهمَا وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أني قَدْ أَوْجَبْتُ حَجَّةً مَعَ عُمْرتي. فَلَمْ يَحِلَّ مِنْهُمَا حَتَّى حَلَّ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَهْدَى، وَكَانَ يَقُولُ:
стр. 2817
لَا يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ طَوَافًا وَاحِدًا يَوْمَ يَدْخُلُ مَكَّةَ.
١٨٠٨ - حَدَّثَنِي مُوسَى بن إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُويرِيَةُ، عَنْ ناَفِعٍ: أَنَّ بَعْضَ بني عَبْدِ الله قَالَ لَهُ: لَوْ أقمْتَ، بِهَذَا.
الحديث الثاني:
(عبيد الله) في بعضها: (عبد) بالتكبير، وهي موافقة للرِّواية الآتية في (باب: النَّحْر قبْل الحَلْق)، والمُصغَّر أكبر سِنًّا من المُكبَّر.
(الجيش)؛ أي: القادمين مع الحجَّاج من الشَّام لمكة على ابن الزُّبَير وهو فيها.
(إن شاء الله) قالَه تبرُّكًا؛ لأنه كان جازمًا بالإحرام بقرينة: (أُشهدُكم)، ويحتمل أنه منقطِعٌ عما قبلَه، وهو شرطٌ، والجزاء: انطلق.
(شأنهما)؛ أي: الحج والعُمرة.
(واحدًا)؛ أي: فإنَّ القَارِن لا يحتاج لطَوافين، وسبق الحديث مرَاتٍ.
(بهذا)؛ أي: في هذا المكان، أو في هذا العام، وهو إما شرطٌ جزاؤه محذوفٌ، أو تَمنٍّ.
* * *
١٨٠٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّد، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بن صَالح، حَدَّثَنَا
стр. 2818
مُعَاوِيَةُ بن سَلَّام، حَدَّثَنَا يَحْيَى بن أَبي كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: قَالَ ابن عَبَّاسٍ ﵄: قدْ أُحْصِرَ رَسُولُ الله ﷺ ، فَحَلَقَ رَأْسَهُ، وَجَامَعَ نِسَاءَهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ، حَتَّى اعْتَمَرَ عَامًا قابلًا.
الثالث:
(محمد) قال الغَسَّاني: إنه ابن يحيى الذُّهْلي، وقال الكَلابَاذِي: هو أبو حاتم بن إدريس الرازي، وقال أبو مَسْعود الدِّمَشْقي: هو محمَّد ابن مُسلِم الرَّازي.
(فقال) عطفٌ على مقدَّرٍ، أي: قلت، أو سألتُ عنه، فقال.
* * *
٢ - بابُ الإِحْصَارِ فِي الْحَجِّ
(باب الإحْصار في الحَجِّ)
١٨١٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بن مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَناَ عَبْدُ الله، أَخْبَرَناَ يُونس، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرني سَالِمٌ، قَالَ: كَانَ ابن عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: أليْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ رَسُولِ الله ﷺ ، إِنْ حُبس أَحَدكمْ عَنِ الْحَجِّ طَافَ بِالْبَيْت وَبالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قابلًا، فَيُهْدِي، أَوْ يَصُومُ إِنْ لَمْ يَجدْ هَدْيًا.
стр. 2819
١٨١٠ / -م - وَعَنْ عَبْدِ الله، أَخْبَرَناَ مَعْمَرٌ، عَنِ الزّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ، عَنِ ابن عُمَرَ، نَحْوَهُ.
(أحمد) هو ابن محمد السِّمْسَار.
(سنة) بالرَّفْع خبر: (حسبُكم)، أو فاعلٌ بمعنى: يَكفيكُم، ويكون ما بعدَه تفسيرًا للسنَّة، لكنْ قال (ع): ضبَطناه بالنَّصب على الاختصاص، أو على إضْمار فعْلٍ، أي: تمسَّكوا، وشبهه، وخبرُ حسْبُكم: طافَ بالبيت.
وقال السُّهَيْلي: من نصَبَ (سنَّةَ)، فالكلام أمرٌ بعد أمرٍ، كأنه قال: الْزَمُوا سُنَّةَ نبيّكم ﷺ ، كما قال:
يا أيُّها المَائِحُ دلوي دُونَكَا
فـ (دلوي) عندهم منصوبٌ بإضمار فِعْل الأمر، و (دونك): أمرٌ آخر.
(طاف)؛ أي: لأنه إنما هو مُحْصَر عن الوقُوف بعرَفة، وقد جاء: "الحجُّ عرَفة".
(فيهدي)؛ أي: يَذبَح شاةً؛ إذ التحلُّل لا يحصُل إلا بنيَّة التحلُّل، والذَّبح، والحَلْق، وإن لم يجد الهَدْي فيَصومُ بدلَه بعدَدِ أمدادِ الطَّعام الذي يحصل من قيمته.
* * *
стр. 2820
٣ - بابُ النحرِ قَبْلَ الْحلْقِ فِي الْحصْرِ
١٨١١ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ، أَخْبَرَناَ مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ، وَأَمَرَ أَصحَابَهُ بِذَلِكَ.
١٨١٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن عَبْدِ الرَّحِيم، أَخْبَرَناَ أَبُو بَدْرٍ شُجَاعُ بن الْوَليدِ، عَنْ عُمَرَ بن مُحَمَّدٍ الْعُمَرِيّ، قَالَ: وَحَدَّثَ ناَفِعٌ: أَنَّ عَبْدَ الله وَسَالِمًا كَلَّمَا عَبْدَ الله بن عُمَرَ ﵄، فَقَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبيِّ ﷺ مُعْتَمِرِينَ، فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ دُونَ الْبَيْتِ، فَنَحَرَ رَسُولُ الله ﷺ بُدْنه، وَحَلَقَ رَأْسَهُ.
(باب النَّحْر قبل الحَلْق في الحَصْر)
لا يُقال: قضيَّة قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فأخَّر الحَلْق عن النَّحْر، فكيْف يكون متقدِّمًا؟ لأنَّ ذاك في غير الإحْصار، أما نَحْر هدْي المُحصَر؛ فحيثُ أُحصِر، وهناك قد بلَغ مَحِلَّه، فقد ثبَتَ أنَّه ﷺ تحلَّل بالحُدَيْبيَة، ونحرَ بها بعد الحَلْق، وهي من الحِلِّ لا من الحرَم.
قال التَّيْمِي: قال مالك: لا هَدْيَ على المُحصَر، ودليلنا الحديث
صُدِدْتُ عَنِ الْبَيْتِ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ الله ، فَأهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ الْحُدَيْبيةِ، ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ الله بن عُمَرَ نظرَ فِي أَمْرِهِ فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلَّا وَاحِد. فَالْتَفَتَ إِلَى أَصحَابهِ فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ، أُشْهِدكمْ أنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ طَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا، وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ مُجْزِيًا عَنْهُ، وَأَهْدَى.
(بالتلذذ)؛ أي: بالجِماع.
(عذر) ما يَطرأُ على المكلَّف يقتضي التَّسهيل، ولعلَّ المُراد به هنا نَوعٌ منه كالمرَض؛ ليصحَّ عطف أو غير ذلك عليه.
(ولا يرجع)؛ أي: لا يقضي، وهذا في النفل، إذ الفريضة ثابتة في ذمته كما كانت، فيرجع لأجلها في سنة أخرى وإنما وجب قَضاء الذي يَفسُد بالجِماع؛ لتقصيره بخلاف الإِحصار.
قال التَّيْمِي: قال أبو حنيفة: يلزم المُحْصَرَ إذا تحلَّل القَضاء نفْلًا كان أو فرضًا.
(يبعث)؛ أي: إلى الحرَم.
(في أي موضع كان)؛ أي: الحصْرُ لا الحَلْق.
(قبل الطواف) لا يقال: إن ظاهره يقتضي وُجود طوافٍ، ووصولَ هَدْي للحرَم، والفرض أنهم نَحروا بالحُديبية، ولا طوافَ ولا وُصولَ؛ لأنَّا نقول: لا يَلزم ذلك؛ لأنه يصدُق بأنْ لا طوافَ
стр. 2823
ولا وُصولَ، ويصدُق بوجودهما متأَخِّرَين، والواقِع هو الأوَّل.
(ولا يعودوا)، (لا) زائدةٌ، كما في: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢].
(الحُديبية) بتخفيف الياء الأخيرة عند المحقِّقين كالشافعي وغيره، وقيل: مشدَّدة، وهي على مَرحلَةٍ من مكَّة، وهذه الجُمْلة يحتمِل أن تكون من تَتمَّة كلام مالك، وأن تكون من كلام البخاري ردًّا على مَن قال: لا يجوز النَّحْر حيثُ أُحْصِرَ، بل يجب البَعْثُ إلى الحرَم، فلمَّا أُلزموا بنحره ﷺ بالحُدَيْبيَة؛ أجابوا: بأنَّها من الحرَم، فرَدَّ ذلك بقوله: (والحُديبية خارجة من الحرم)، وأما عُمْرَة القَضاء، فإنها سُميت بذلك من المُقاضاة؛ لأنه كان كتَب: (هذا ما قاضَى رسولُ الله ﷺ )، لا أنها تقضي عن العُمرة التي أُحْصُروا فيها، وهي عُمْرَة الحُديبية، وعلى تَقدير أنها قَضاءٌ، فهو على وجه الاستِحباب، ولا نِزَاعَ فيه، إذْ لا دليلَ على الوُجوب، بل عدَم الأمْر بذلك للصَّحابة دليلُ عدَمِ الوجوب.
(أن ذلك مجزئًا) وهو على نصْبِ (أنَّ) الجُزأَين، أو خبر (كان) محذوفةً، أي: يكون مُجزِئًا، ويجوز الرَّفْع على أنه خبرٌ، والمُجزِئ بضمِّ الميم: مِن الإجْزاء، وهو الأداء الكافي لسُقوط التعبُّد.
ووجْهُ ذكْرِ حديث ابن عُمر في هذا الباب: استِغناؤُه بشُهرة قصَّة صَدِّ النبي ﷺ بالحُدَيبيَة، وأنهم لم يُؤمروا بالقَضاء في ذلك.
* * *
стр. 2824
٥ - بابُ قولِ الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾
وَهُوَ مُخَيَّرٌ، فَأمَّا الصَّوْمُ فَثَلَاثَةُ أيَّامٍ.
(باب قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ [البقرة: ١٩٦]؛ أي: مرضًا يضرُّه تَرْك الشَّعر على رأْسه من جِراحٍ، أو صُداعٍ، أو به أَذًى من رأْسه من هامَّةٍ فتُؤذيه.
(فأما الصوم) حُذف منه مُعادِلُ (أمَّا)، أي: وأمَّا النُّسُك فأقلُّه شاةٌ، وأما الصَّدقة فإطعامُ ستَّة مساكين.
* * *
١٨١٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ حُمَيْدِ بن قَيْسٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن أَبي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بن عُجْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ : أَنَّهُ قَالَ: "لَعَلَّكَ آذَاكَ هَوَامُّكَ؟ " قَالَ: نعمْ يَا رَسُولَ الله! فَقَالَ رَسُولُ الله : "احْلِقْ رَأْسَكَ وَصُمْ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوِ انْسُكْ بِشَاةٍ".
(هوامك) جمع هامَّةٍ بالتشديد، وهو المَخُوف، والمراد هنا القَمْل؛ لأنَّه يَهِمُّ على الرأْس، أي: يَدِبُّ، والهَمِيم: الدَّبيب.
* * *
стр. 2825
٦ - بابُ قولِ الله تَعَالى: ﴿أَوْ صَدَقةٍ﴾، وَهْيَ: إِطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ
(باب قول الله : ﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾ [البقرة: ١٩٦])
١٨١٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سَيْفٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُجَاهِدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بن أَبي لَيْلَى: أَنَّ كعْبَ بن عُجْرَةَ حَدَّثَهُ، قَالَ: وَقَفَ عَلَيَّ رَسُولُ الله ﷺ بِالْحُدَيبيَةِ، وَرَأْسِي يتهَافَتُ قَمْلًا، فَقَالَ: "يُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ " قُلْتُ: نعَمْ. قَالَ: "فَاحْلِقْ رَأْسَكَ"، أَوْ قَالَ: "احْلِقْ". قَالَ: فِيَّ نزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ إِلَى آخِرِهَا. فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "صُمْ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ، أَوْ تَصَدَّقْ بِفَرَقٍ بَيْنَ سِتَّةٍ، أَوِ انْسُكْ بِمَا تَيَسَّرَ".
(بفَرْق) بفتح الفاء، وسكون الراء وفتحها: مِكْيالٌ معروفٌ بالمدينة، وهو سِتة عشَر رِطْلًا، قاله التَّيْمي.
قال الأَزْهَري: هو بالفتح في كلام العرَب، والمحدِّثون يسكِّنونه.
(أو انسك)؛ أي: اذْبَح، وفي بعضها: (نُسُك) بلفظ الاسم، والأول هو المُناسِب لأخوَيه إلا أن يقدَّر: أو انسُك بنسُك، أو هو من باب:
(فصم ثلاثة أيام) بيانٌ لقوله في الآية: ﴿صِيَامٍ﴾ وكذا التصدُّق على ستة مساكين بالفَرْق بيانٌ لقوله تعالى: ﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾، لا يُقال: الفاء تدلُّ على التَّرتيب، والآية تخييرٌ؛ لأن عنْد عدَم الشَّاة إنما التَّخييرُ بين أمرَين لا بين ثلاثةٍ.
قال (ن): ليس المراد أنه لا يُجزئ كالصَّوم إلا لعادِمِ الهَدْي، بل سأَله عن النُّسُك، فإنْ كان موجودًا فالتَّخيير بين ثلاثةٍ، وإلا فبين اثنين.
(نصف صاع)؛ أي: لأن الصَّاع أربع أَمْدادٍ، والمُدُّ رِطْلٌ وثلُثٌ، فهو موافقٌ لرواية الفَرْق الذي هو ستَّة عشَر رطلًا، وكذا قاله الشَّافعي، إنما يُشكِل على من يُفسِّر الصَّاع بغير ذلك.
* * *
٨ - بابٌ النُّسُكُ شَاةٌ
(باب النُّسُك شاةٌ)
١٨١٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابن أَبي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن أَبي لَيْلَى، عَنْ كعْبِ بن عُجْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ رَآهُ، وَأَنَّهُ يَسْقُطُ عَلَى وَجْهِهِ فَقَالَ: "أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ " قَالَ: نعمْ. فَأمَرَهُ أَنْ يَحْلِقَ وَهُوَ بِالْحُدَيْبيَةِ، وَلَمْ يتبيَّنْ لَهُمْ: أَنَّهُمْ يَحِلُّونَ بِهَا، وَهُمْ عَلَى طَمَعٍ أَنْ
стр. 2828
يَدْخُلُوا مَكَّةَ، فَأنْزَلَ الله الْفِدْيَةَ، فَأمَرَهُ رَسُولُ الله ﷺ أَنْ يُطْعِمَ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةٍ، أَوْ يُهْدِيَ شَاةً، أَوْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ.
الحديث الأول:
(وإن قمله) بكسر الهمزة، وفي بعضها: (وإنَّ دوابَّه)، وفي بعضها: (وإنه) فالضمير للقمل يدلُّ عليه السِّياق، أو لكَعْب كأنَّ نفْسه تسقُط مبالغةً في كثْرة القمل، أو كثرة الوجَع والأذَى.
(ولم يتبين)؛ أي: لم يَظهر لهم بعد في ذلك الوقْت أنهم يحلون بها؛ لأنهم كانوا على طمَعٍ أنْ يدخلوا مكة.
* * *
١٨١٨ - وَعَنْ مُحَمَّدِ بن يُوسُفَ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنِ ابن أَبي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، أَخْبَرَناَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن أَبي لَيْلَى، عَنْ كعْبِ ابن عُجْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ رَآهُ، وَقَمْلُهُ يَسْقُطُ عَلَى وَجْهِهِ، مِثْلَهُ.
الثاني:
في معنى الأول الذي قبله.
* * *
стр. 2829
٩ - بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾
(باب قَول الله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة: ١٩٧]): هو الجِمَاع، والفُسوق: الخُروج عن حُدود الشريعة.
١٨١٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بن حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبي حَازِمٍ، عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُهُ".
(يَرْفُث) بضم الفاء وكسرها وفتحها، وهو عطفٌ على الشَّرط، وجوابه: (رجَعَ).
(كيوم) بالفتح والكسر، وهو حالٌ، أي: مُشابهًا لنفْسه في البراءة من الذُّنوب في يوم الولادة، أو رجَع بمعنى: صارَ، والظَّرف خبَره.
وإنما أُمر باجتناب ذلك في الحج وإنْ كان حرامًا في جميع الحالات؛ لأنه في الحج أسمج كلُبْس الحرير في الصلاة، وإنما لم يذكُر الجِدال في الحديث اعتمادًا على أنَّه في الآية، ثم المراد بالذُّنوب ما لم يكُن حقَّ آدميٍّ؛ فإنه يحتاج لاستِرضائه.
* * *
قال في "الكشَّاف": الفَرْق أنه بالكسر: ما عادل الشَّيءَ من غير جنسه كالصوم، وبالكسر: ما عُدِلَ به في المِقْدار.
(قِوامًا) بكسر القاف، أي: نِظَام الشيء وعِمَاده، وهو تفسيرٌ لـ (قِيَامًا) في قوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ﴾ الآية [المائدة: ٩٧]، قال في "الكشَّاف": أي: مَعاشًا لهم في أمر دينهم ودُنياهم، ويُقال: القَوام بالفتح: العَدْل بين الشَّيئين، وبالكسر: ما يُقام به الشيء.
(يعدلون)؛ أي: من آية الأنْعام، ذكَره هنا لمناسبة: (أو عَدْل).
* * *
٢ - بابٌ إذا صاد الحلالُ فأهدى للمُحرمِ الصيدَ أكلَه
(باب: إذا صادَ الحَلالُ فأهدَى للمُحرِم الصَّيدَ أكَلَه)
١٨٢١ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بن فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ الله بن أَبي قتَادَةَ، قَالَ: انْطَلَقَ أَبي عَامَ الْحُدَيْبيَةِ، فَأحْرَمَ أَصحَابهُ، وَلَمْ يُحْرِمْ، وَحُدِّثَ النَّبيُّ ﷺ : أَنَّ عَدُوًّا يَغْزُوهُ، فَانْطَلَقَ النَّبيُّ ﷺ ، فَبَيْنَمَا أَناَ مَعَ أَصْحَابهِ تَضَحَّكَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا أَناَ بِحِمَارِ وَحْشٍ، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ، فَطَعَنتُهُ، فَأثْبَتُّهُ، وَاسْتَعَنْتُ بِهِمْ، فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي، فَأكلْنَا مِنْ لَحْمِهِ، وَخَشِينَا أَنْ نُقْتَطَعَ، فَطَلَبْتُ النَّبيَّ ﷺ أَرْفَعُ فَرَسِي شَأوًا، وَأَسِيرُ شَأْوًا، فَلَقِيتُ رَجُلًا مِنْ بني غِفَارٍ
стр. 2833
فِي جَوْف اللَّيْلِ، قُلْتُ: أَيْنَ تَرَكْتَ النَّبيَّ ﷺ ؟ قَالَ: تَرَكْتُهُ بِتَعْهِنَ، وَهُوَ قَايِلٌ السُّقْيَا. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! إِنَّ أَهْلَكَ يَقْرَءُونَ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَرَحْمَةَ الله، إِنَّهُمْ قَدْ خَشُوا أَنْ يُقْتَطَعُوا دُونَكَ، فَانتظِرْهُمْ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! أَصَبْتُ حِمَارَ وَحْشٍ، وَعِنْدِي مِنْهُ فَاضلَةٌ. فَقَالَ لِلْقَوْمِ: "كلُوا"، وَهُمْ مُحْرِمُونَ.
(ولم يُحرم)؛ أي: أبو قَتادة، إما لأنَّ المواقيت لم تكُن وُقِّتت حتى يُقال: إنه جاوَز ميقات المدينة بلا إحرامٍ، أو أن النبي ﷺ بعثَه لكشف حال عَدوٍّ لهم بجِهَة السَّاحل، أو لم يكن خرَج مع النبيِّ ﷺ ، إنما بعثَه أهل المدينة لإعلام النبيِّ ﷺ أن بعض العرَب يقصِدُ الإغارةَ على المدينة.
(يغزوه)؛ أي: يقصده.
(إلى بعض)؛ أي: منتهيًا، أو ناظِرًا إليه، وإنما كان ضحكُهم تعجُّبًا من عُروض الصَّيد مع عدَم تعرُّضهم له.
(أثبتَهُ)؛ أي: جعلَه ثابتًا، المعنى: أسقَطَه لا حَراكَ به، يقال: رماه فأثْبتَه، أي: حبَسَه مكانَه.
(ننقطع)؛ أي: نصير مقطوعين منه ﷺ .
(أرفع) من رفَعت الفرس -مشدَّدًا-، أو مخفَّفًا: كلَّفته السَّير.
(شأْوًا) بمعجمةٍ، وهمزةٍ ساكنةٍ، وواوٍ، أي: مقدار عدوه، أي: راكضةً شديدًا تارةً، وأسوقه بسهولةٍ أُخرى.
стр. 2834
(غِفَار) بكسر الغين، وخفَّة الفاء، يصرف ولا يصرف.
(بتِعْهِنَ) بكسر المثنَّاة فوق وفتحها، وسكون المهملة، وكسر الهاء، وبالنُّون: عينُ ماءٍ على ثلاثة أميالٍ من السُّقْيا -بضم المهملة، وإسكان القاف-: قريةٌ بين مكة والمدينة مِن أعمال الفُرْع بضم الفاء، وسكون الراء، وبالمهملة، وقيل: على مِيْلٍ من السُّقْيا، وهو وادي القَباديد، على ثلاثة مراحل من المدينة، والموضع الذي ذلك الماءُ فيه يُسمَّى القَاحة، وصحَّفه بعضهم بالفاء.
قال أبو ذَرٍّ: وسمعْنا أهلَ ذلك الماء -أي: تَعْهِن- يفتحون الهاء، وقال غيره: وقد سُمع من العرَب من يضمُّ التاء، ويفتَح العين، ويكسر الهاء.
وقال أبو مُوسَى المَدِيني: بضمِّ التاء، والعين، وتشديد الهاء، منهم مَن يكسر الهاء، وأهل الحديث تقولُه بكسر التاء، وسكون العين، انتهى.
(قائل) اسم فاعلٍ من القَيلولة، قال (ش): مِن القَول، هو المراد هنا.
(السُّقْيا) مفعولٌ بفعلٍ مضمَرٍ، كأنه قال: اقصِدُوا السُّقْيا، وقال (ك): المراد تركته بِتِعْهِن، وفي عزمه أن يُقيل بالسُّقْيا، وروي بالموحَّدة، وهو غريبٌ، فإنْ صحَّ فمعناه: أن تِعْهِن موضعٌ مقابل للسُّقْيا (١).
стр. 2835
(فاضلة)؛ أي: فضَلتْ قطعةٌ.
وفيه أن لحم الصَّيد مباحٌ للمحرِم إذا لم يُعِنْ عليه، وفيه أنهم لم يُخبروه بمكان الصَّيد، ولم يدلُّوه عليه إنما هو رآهُ.
* * *
٣ - بابٌ إِذا رَأَى الْمُحرِمُونَ صَيْدًا، فَضَحِكُوا، فَفَطِنَ الْحلَالُ
(باب: إذا رأَى المُحرِمون صَيْدًا)
١٨٢٢ - حدثنا سَعِيدُ بن الرَّبيعِ، حدَّثنا علِيُّ بن المُبَارَكِ، عنْ يَحْيَى، عنْ عَبْدِ الله بن أبي قتادَةَ: أنَّ أبَاه حَدَّثَهُ قالَ: انْطَلَقْنَا مَعَ النبيِّ ﷺ عامَ الحدَيبيةِ، فَأحْرَمَ أَصْحَابُهُ، وَلَمْ أُحْرِمْ، فَأُنْبئْنَا بِعَدوٍّ بِغَيْقَةَ، فتوَجَّهْنَا نَحْوَهمْ، فَبَصرَ أَصْحَابي بِحِمَارِ وَحْشٍ، فَجَعَلَ بَعْضهمْ يَضْحَك إِلَى بَعْضٍ، فَنَظَرْتُ فَرَأَيْتهُ، فَحَمَلْت عَلَيْهِ الْفَرَسَ، فَطَعَنتعُ، فَأثْبته، فَاسْتَعَنتهمْ، فَأبوْا أن يعِينوني، فَأكلْنَا مِنْه، ثمَّ لَحِقْت بِرَسولِ الله ﷺ ، وَخَشِينَا أَنْ نقْتَطَعَ، أَرْفَع فَرَسي شَأوًا، وَأَسِير عَلَيْهِ شَأوًا، فَلَقِيت رَجلًا مِنْ بني غفَارٍ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، فَقلْت: أَيْنَ تَرَكتَ رَسولَ الله ﷺ ؟ فَقَالَ: تَرَكْتُهُ بِتَعْهِنَ، وَهُوَ قَائِلٌ السُّقْيَا. فَلَحِقْت بِرَسولِ الله ﷺ حَتَّى أتيْتُهُ، فَقلْت: يَا رَسولَ الله! إِنَّ أَصْحَابَكَ أَرْسَلوا يَقْرَءونَ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَرَحْمَةَ
стр. 2836
الله وَبَرَكَاتِهِ، وَإنَّهُمْ قَدْ خَشُوا أَنْ يَقْتَطِعَهُمُ الْعُدُوُّ دُونَكَ، فَانْظُرْهُمْ، فَفَعَلَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! إِنَّا اصَّدْناَ حِمَارَ وَحْشٍ، وَإنَّ عِنْدَناَ فَاضلَةً. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ لأَصْحَابهِ: "كُلُوا". وَهُمْ مُحْرِمُونَ.
(أنبئنا)؛ أي: أخبرنا.
(بغَيْقَة) بفتح المعجمة، وسكون التحتانية، وبالقاف: موضعٌ من بلاد بني غِفَار بين الحرَمين.
(فانظُرهم) بضم الظاء، أي: انتَظِرهم، قال تعالى: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ﴾ [الحديد: ١٣].
(صدنا) في بعضها: (اصْطَدْنا)، وفي بعضها: (اصَّدْنا)، بوصل الألف وتشديد الصاد، وأصله: اصتدنا، وفي بعضها بفتح الهمزة وتخفيف الصاد ويقال: أصدني الصيد مخففًا، أي: أرنيه، وفيه استحباب إرسال السلام إلى الغائب.
قال أصحابنا: ويجب على الرسول تبليغه، وعلى المرسل إليه رد الجواب.
* * *
٤ - بابٌ لَا يُعِينُ الْمُحْرِمُ الْحلَالَ فِي قَتلِ الصَّيْدِ
(باب: لا يُعين المُحْرِم الحلال)
المُحْرِم مفعولٌ مقدَّم.
فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا. قَالَ: "مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا". قَالُوا: لَا. قَالَ: "فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا".
(إلا أبا قتادة) وفي بعضها: (أبو) بالرَّفع مبتدأٌ، خبره: (لم يُحْرِم)، و (إلا) بمعنى: لكنْ، ونظيره -لكنْ مع حذْف الخبَر- قوله تعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إلا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، وقيل: هو فاعل المحذوف، أي: وامتنَع قليلٌ، وقال ابن مالك: وهذا مما أغفَلوه، ولا يعرف أكثرهم فيه إلا النَّصب، أو هو على مذهب من جَوَّز: قال علي بن أبو طالِب.
قال ابن مالك: وللكوفيين في مثله مذهبٌ آخر، وهو أن يكون (إلا) حرف عطْفٍ، وما بعدَها عطْفٌ على ما قبلَها.
(أتانًا) فيه أنَّ المراد بحمار في سائر الرِّوايات الأُنثى منه.
* * *
٦ - بابٌ إِذا أَهْدَى لِلْمُحْرِمِ حِمَارًا وَحْشِيًّا حَيًّا لَمْ يَقْبَلْ
(باب: إذا أَهدَى للمُحرِم حِمارًا)
١٨٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِك، عَنِ ابن شهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله بن عَبْدِ الله بن عُتْبةَ بن مَسْعُودٍ، عَنْ عَبْدِ الله بن عَبَّاسٍ، عَنِ
стр. 2840
الصَّعْبِ بن جَثَّامَةَ اللَّيْثيِّ: أنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ الله ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَهْوَ بِالأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: "إِنَّا لَمْ نرُدَّهُ عَلَيْكَ إلَّا أنَا حُرُمٌ".
(بالأبْواء) بفتح الهمزة، وسكون الموحَّدة، والمدِّ: جبَلٌ من عمَل الفُرُع، بينه وبين الجُحْفة مما يَلي المدينة ثلاثةٌ وعشرون مِيْلًا، قيل: سُمي بذلك لوبائه على القَلْب، والأصل: أَوْباء، وقيل: إن السُّيول تتبوَّأه، أي: تَحلُّه، وهناك تُوفيت آمنة أُم النبي ﷺ .
(بوَدَّان) بفتح الواو، وتشديد الدَّال المهملة، وبالنون: هو مِن الجُحْفة، فهو من أعمال الفُرُع، بضمِّ الفاء، والراء، ثم عينٍ مهملةٍ.
(إنا) الأُولى مكسورةٌ ابتداءً به، والثانية مفتوحةٌ؛ لتقدير لام التَّعليل قبلَها.
(لم نردده)؛ وفي بعضها: (لم نرَدَّ) بالإدغام.
قال (ع): رواية المحدِّثين بفتح الدال، وقال المحقِّقون من النُّحاة: غلَط، والصَّواب ضم آخر المضاعَف من كلٍّ مضاعفٍ مجزومٍ، أو موقوفٍ اتصَلَ به ضميرُ المذكَّر مراعاةً للواو المتولِّد عن ضمةِ الهاء، وكأنَّهم قالوا: رُدُّوا، كما فَتحوها مع هاء المؤنَّث مراعاةً للألف، وكأنهم قالوا: رَدُّوا، ومنه حديث: "مَنْ عُرِضَ عليه ريحانٌ فلا يَرُدَّهُ"، وقال ابن الأَثِيْر: يجوز بالفتح، والكسر، والضمِّ.
(حُرُم) بضم الحاء، والراء، أي: مُحرِمون، والتَّقدير: لم نَردَّه