فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا. قَالَ: "مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا". قَالُوا: لَا. قَالَ: "فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا".
(إلا أبا قتادة) وفي بعضها: (أبو) بالرَّفع مبتدأٌ، خبره: (لم يُحْرِم)، و (إلا) بمعنى: لكنْ، ونظيره -لكنْ مع حذْف الخبَر- قوله تعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إلا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، وقيل: هو فاعل المحذوف، أي: وامتنَع قليلٌ، وقال ابن مالك: وهذا مما أغفَلوه، ولا يعرف أكثرهم فيه إلا النَّصب، أو هو على مذهب من جَوَّز: قال علي بن أبو طالِب.
قال ابن مالك: وللكوفيين في مثله مذهبٌ آخر، وهو أن يكون (إلا) حرف عطْفٍ، وما بعدَها عطْفٌ على ما قبلَها.
(أتانًا) فيه أنَّ المراد بحمار في سائر الرِّوايات الأُنثى منه.
* * *
٦ - بابٌ إِذا أَهْدَى لِلْمُحْرِمِ حِمَارًا وَحْشِيًّا حَيًّا لَمْ يَقْبَلْ
(باب: إذا أَهدَى للمُحرِم حِمارًا)
١٨٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِك، عَنِ ابن شهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله بن عَبْدِ الله بن عُتْبةَ بن مَسْعُودٍ، عَنْ عَبْدِ الله بن عَبَّاسٍ، عَنِ
стр. 2840
الصَّعْبِ بن جَثَّامَةَ اللَّيْثيِّ: أنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ الله ﷺ حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَهْوَ بِالأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: "إِنَّا لَمْ نرُدَّهُ عَلَيْكَ إلَّا أنَا حُرُمٌ".
(بالأبْواء) بفتح الهمزة، وسكون الموحَّدة، والمدِّ: جبَلٌ من عمَل الفُرُع، بينه وبين الجُحْفة مما يَلي المدينة ثلاثةٌ وعشرون مِيْلًا، قيل: سُمي بذلك لوبائه على القَلْب، والأصل: أَوْباء، وقيل: إن السُّيول تتبوَّأه، أي: تَحلُّه، وهناك تُوفيت آمنة أُم النبي ﷺ .
(بوَدَّان) بفتح الواو، وتشديد الدَّال المهملة، وبالنون: هو مِن الجُحْفة، فهو من أعمال الفُرُع، بضمِّ الفاء، والراء، ثم عينٍ مهملةٍ.
(إنا) الأُولى مكسورةٌ ابتداءً به، والثانية مفتوحةٌ؛ لتقدير لام التَّعليل قبلَها.
(لم نردده)؛ وفي بعضها: (لم نرَدَّ) بالإدغام.
قال (ع): رواية المحدِّثين بفتح الدال، وقال المحقِّقون من النُّحاة: غلَط، والصَّواب ضم آخر المضاعَف من كلٍّ مضاعفٍ مجزومٍ، أو موقوفٍ اتصَلَ به ضميرُ المذكَّر مراعاةً للواو المتولِّد عن ضمةِ الهاء، وكأنَّهم قالوا: رُدُّوا، كما فَتحوها مع هاء المؤنَّث مراعاةً للألف، وكأنهم قالوا: رَدُّوا، ومنه حديث: "مَنْ عُرِضَ عليه ريحانٌ فلا يَرُدَّهُ"، وقال ابن الأَثِيْر: يجوز بالفتح، والكسر، والضمِّ.
(حُرُم) بضم الحاء، والراء، أي: مُحرِمون، والتَّقدير: لم نَردَّه
стр. 2841
لعلَّةٍ من العِلَل إلا أننا حُرُمٌ.
واعلم أنَّ تبويب البخاري يدلُّ على أنه فَهِمَ من الحديث أنه كان حيًّا، وأكثَر الرّوايات تُصرِّح بأنه كان ميْتًا، وأنه أَتاه بعُضْوٍ منه، فيحتمل أنه أَتاهُ به حيًّا، فرَدَّه، ثم أرسَل إليه بعضْوٍ منه، فردَّه إعلامًا بأن حُكم الجُزْء حُكم الكُلِّ، وحينئذٍ فالقَبول من صيْد أبي قَتادة دون الصَّعب، إما لأنه كان حيًّا، والمُحْرِم لا يتملَّك صيدًا أصلًا، وأما على ما قال (ن): إنَّ أكثر أهل الحديث على أنه على حَذْف مضافٍ، أي: لحم حمار، أو جُزْء حمار، كما هو صريحٌ في رواية مسلم، وتَواترتْ عليه الرِّوايات أنه ظَنَّ أنه صِيْدَ لأجله؛ فإنَّ الصَّعْب قصدَهم باصطياده.
قال: وأما قولهم: إنه علَّل بأنَّا حُرُمٌ، فلا يمنَع كونَه صِيْدَ له، إنما يحرم الصيد على الإنسان إذا صِيْد له بشرط أنه مُحْرِمٌ، فبيَّن الشَّرط الذي يَحرم به.
وفيه أنه يُستحبُّ لمن امتنَع من قَبول الهدية أن يَعتذر للمُهدي تطييبًا لقلبه.
* * *
٧ - بابُ مَا يَقْتُل الْمُحْرِم مِنَ الدَّوَابِّ
(باب: ما يقتل من الدواب)
١٨٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنْ
стр. 2842
عَبْدِ الله بن عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ الله قَالَ: "خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ".
وَعَنْ عَبْدِ الله بن دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ.
١٨٢٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانةَ، عَنْ زَيْدِ بن جُبَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابن عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: حَدَّثتنِي إِحْدَى نِسْوَةِ النَّبيِّ ﷺ ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ : "يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ".
١٨٢٨ - حَدَّثَنَا أَصبَغُ، قَالَ: أَخْبَرَني عَبْدُ الله بن وَهْبٍ، عَنْ يُونس، عَنِ ابن شِهَاب، عَنْ سَالِمٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ الله بن عُمَرَ ﵄: قَالَتْ حَفْصَةُ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "خَمسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَا حَرَجَ عَلَى مَنْ قتلَهُنَّ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأة، وَالْفَأرَةُ، وَالْعَقرَبُ، وَالْكَلْبُ الْعَقورُ".
١٨٢٩ - حَدثَنَا يَحْيَى بن سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَني يُونس، عَنِ ابن شِهَاب، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُن فَاسِقٌ، يَقْتُلُهُن فِي الْحَرَمِ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأة، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ".
(وعن عبد الله) عطفٌ على نافعٍ.
стр. 2843
(إحدى نسوة) تعيَّن في الطريق الآخر أنها حَفْصة، على أن جَهالة عين الصَّحابي لا تضرُّ؛ لأن الصحابة عدولٌ.
(الغراب) قيل: المراد به الأَبْقَع الذي في ظَهْره وبطْنه بياضٌ.
(والحِدَأة) بكسر المهملة، مهموزٌ، والجمع حِدَا -بلا همزٍ- كعِنَبَة وعِنَب، وأما رواية: (الحُدَيَّا)، فقال ثابت: صوابه الهمز على معنى التَّذكير، وإلا فحقيقته الحديئة، وكذا قُيِّد في البخاري؛ قاله صاحب "المُفهِم".
(العَقَوُر)؛ أي: الجارِح، والعَقْر الجَرْح، فقيل: هو الكلب المعروف، وقيل: هو مفترِسٌ كالنَّمِر والذِّئْب.
(كلُّهُنَّ فَاسِق)؛ لأن الفِسْق هو الخُروج، وهذه خرجتْ بالإيذاء والإفساد عن معظَم الدوابِّ، فالغُراب يَنقُر ظَهْر البعير، ويَنزِع عينَه، ويختلِس، وكذا الحِدَأة أَطعِمَةَ النَّاسِ واللَّحم، والعَقْرب تَلْدغ وتُؤلم، والفَأْرة تَسرِق وتأخُذ الفَتِيْلةَ، فتُضرِمُ البيت، والعَقُور يَجرَح.
وتذْكير (فاسقٍ)؛ لأنَّ: (كلُّ) مذكَّرٌ، وقوله بعدُ: (يُقْتلن) إما على معنى: (كلُّ)، لا لفظِه، أو خبرٌ عن (خمْسٌ).
والاتفاق على جواز قتلهنَّ في الحِلِّ، والحرَم، والإحرام، قال مالك: لأنهنَّ مُؤذِيات، فكلُّ مُؤْذٍ يُقتَل قياسًا عليهنَّ.
* * *
١٨٣٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بن حَفْصِ بن غيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ الله ﵁، قَالَ:
стр. 2844
بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ النَّبيِّ ﷺ فِي غَارٍ بِمِنًى، إِذْ نزَلَ عَلَيْهِ: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾، وَإِنَّهُ لَيتلُوهَا، وَإِنِّي لأَتَلَقَّاهَا مِنْ فِيهِ، وَإِنَّ فَاهُ لَرَطْبٌ بِهَا، إِذْ وَثَبَتْ عَلَيْنَا حَيَّةٌ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "اقْتُلُوهَا". فَابْتَدَرْناَهَا، فَذَهَبَتْ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "وُقِيَتْ شَرَّكُمْ، كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا".
١٨٣١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بن الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبيِّ ﷺ : أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ لِلْوَزَغِ: "فُويسِقٌ"، وَلَم أَسْمَعْهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ.
الحديث الثاني:
(لأتلقاها)؛ أي: أتلقَّنُها من فَمِه وأتعلَّمُها منه.
(لرطب) قال التَّيْمِي: الرَّطْب: الغَضُّ الطَّريُّ، كأنَّ معناه: قبْل أن يَجِف ريقُه بها.
(شركم) مفعولٌ ثانٍ لـ (وُقي) المبني للمفعول، أي: سلَّمها الله منكُم كما سلَّمكم منها.
(الوَزَغ) بفتح الواو، والزاي، وبالمعجمة، قيل: إنها تأْخُذ ضَرْع الناقة، فتشرَب من لبنها، قيل: وكانتْ تنفُخ في نار إبراهيم ﵇ لتَلْتهب.
(فُويسق) تصغير فاسقٍ للتَّحقير والذمِّ.
* * *
(عمرو بن سعيد) هو الأَشْدَق، كان أمير المدينة أيامَ مُعاوية.
(البعوث) جمع بَعْثٍ، وهو الجَيْش، أي: الجُيوش التي جهَّزَها يزيد بن مُعاوية إلى عبد الله بن الزُّبَير.
(ولا يُعْضَد)، (لا) زائدةٌ لتوكيد النَّفْي.
(يُعيذ)؛ أي: يَعصِم.
(بخربة) بتثليث المعجمة، وسُكون المهملَة: العَيْب، والمراد هنا: الذي يفِرُّ بشيءٍ يُريد أن ينفرد به، ويغلِبَ عليه مما لا تُجيزه الشَّريعة، قال صاحب "الأَحْوَذي": ولو رُوي بكسر الخاء والزاي والياء باثنتين من تحتٍ كان عائدًا للمعنى، وأيضًا، أي: شيء يُخزي.
* * *
٩ - بابٌ لَا يُنَفرُ صيْدُ الْحرمِ
١٨٣٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الله حَرَّمَ مَكَّةَ، فَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي، وإنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نهارٍ، لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ". وَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ الله! إِلَّا الإذْخِرَ لِصَاغتِنَا وَقُبُورِناَ؟ فَقَالَ: "إِلَّا الإذْخِرَ".
стр. 2847
وَعَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا؟ هُوَ أَنْ يُنَحِّيَهُ مِنَ الظِّل، يَنْزِلُ مَكَانه".
(باب: لا يُنَفَّر صَيْدُ الحَرَم)
(يُخْتَلا)؛ أي: يُجَزُّ، ويُؤخَذ.
(خَلاها) بفتح المعجمة، مقصورٌ: الرُّطَب مِن الكَلأ.
(تُلتقط) بالبناء للمَفعول، أو للفاعل.
(لُقَطَتُهَا) قال القُرْطُبي: المحدِّثون يفتحون القاف، وهو غلَطٌ عند أهل اللِّسان؛ لأنه بالسُّكون: ما يُلتَقط، وبالفتح: الأَخْذ كصَرْعه، وصَرَعه.
(لمعرف): اللام زائدةٌ، أو ضُمِّن: (لا يُلتَقط) معنى: لا يَحلُّ الالتِقاط، ثم المُراد: إلا لمُعرِّفٍ فقط لا يتملَّكُ بعدَه بخلاف لُقَطة سائر البلاد؛ فإنَّه إذا عَرف وقصَد التملُّك كان له ذلك.
(الإذْخِر) بكسر الهمزة، والمهملة، ثم معجمةٍ: نبْتٌ معروفٌ.
(لصَاغتِنا) جمع صائِغ، والاستِثناء مِن: (لا يُختَلَى)، ويُسمَّى مثلُه: الاستِثناء التَّلْقيني، وسبق مباحث الحديث في (كتاب العلم).
(ما لا يُنَفَّر) استفهامٌ عن مضمون ما بعدَه.
* * *
стр. 2848
١٠ - بابُ لَا يَحِلُّ الْقِتَالُ بِمَكةَ
وَقَالَ أَبُو شُرَيحٍ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ : "لَا يَسْفِكُ بِهَا دَمًا".
(باب: لا يَحِلُّ القِتالُ بمكَّة)
١٨٣٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بن أَبي شَيْبةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ يَوْمَ افْتَتَحَ مَكَّةَ: "لَا هِجْرَةَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنيَّةٌ، وَإذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا، فَإِنَّ هَذَا بَلَدٌ حَرَّمَ الله يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، وَهُوَ حَرَام بِحُرْمَةِ الله إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وإنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نهارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ الله إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرفَهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا". قَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ الله! إِلَّا الإذْخِرَ، فَإِنَّهُ لِقَينهِمْ وَلبُيُوتهِمْ؟ قَالَ: قَالَ: "إلَا الإذْخِرَ".
(لا هجرة)؛ أي: من مكة، وإلا فالهجرة مِن بلاد الكُفر للإسلام حكمُها باقٍ، ففيه معجزةُ الإخبار عن بقائها دار إسلامٍ لا يتصوَّر منها هجرة.
(ولكن)؛ أي: لكنْ لكم طريقٌ إلى تحصيل الفَضائل في معنى الهجرة، وذلك بالجِهادِ، ونيَّة الخيْر في كل شيءٍ من لِقَاء رسول الله ﷺ ،
стр. 2849
ونحوه، وقال الطِّيْبي: هو عطْفٌ على مَحلِّ مَدْخُولِ: لا.
(وإذا استنفرتم)؛ أي: طَلبَكم الإمامُ للخُروج للغَزْو؛ فاخرُجوا، في معنى الخُروج للجهاد وهجْر الوطَن لطلَب العِلْم ونحو ذلك.
(لقينهم) بفتح القاف، وسكون الياء، وبالنُّون: الحَدَّاد.
(يُعْضَدُ شوكه)؛ أي: الذي فيه نفْعٌ، وعلى روايةٍ: بناء (يَعْضد) للفاعل، قال أبو الفَرَج: أصحاب الحديث يضمُّون الضَّاد، وقال لنا ابن الخَشَّاب: بكسرها.
(ولبيوتهم)؛ أي: لسُقوفها يجعل فوق الخشَب، وقال التيْمِي: معناه يُوقدونه في بُيوتهم.
(الإذْخِر) قال التَّيْمِي: نبتٌ طيِّبٌ إذا يبسَ دُقَّ، وغُسِلتْ به اليد.
* * *
١١ - بابُ الْحجَامَةِ لِلْمُحرِم
وَكَوَى ابن عُمَرَ ابنهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ. ويَتَدَاوَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ طِيبٌ.
(باب الحِجَامة للمُحرِم)
أي: يكون المُحرِم مَحجُومًا، والحديث يدلُّ على هذا وإنْ كانت الترجمة محتملةً.
стр. 2850
(ويتداوى) فاعلُه إما المُحرِم، وإما ابن عُمر.
* * *
١٨٣٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن عَبْدِ الله، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: قَالَ عَمْرٌو: أَوَّلُ شَيْءٍ سَمِعْتُ عَطَاءً، يَقُولُ: سَمِعْتُ ابن عَبَّاس ﵄ يَقُولُ: احْتَجَمَ رَسُولُ الله ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ. ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: حَدَّثَنِي طَاوُسٌ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، فَقُلْتُ: لَعَلَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُمَا.
الحديث الأول:
(أول شيء)؛ أي: أوَّل مرَّةٍ بقرينةِ: (ثم سمعته يقول)؛ أي: سمعتُ عَطاءً يقول، أي: ففي الأوَّل: روى عن ابن عبَّاس بلا واسطةٍ، وفي الثاني بواسطة طاوُس.
* * *
١٨٣٦ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بن مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بن بِلَالٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بن أَبي عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنِ ابن بُحَيْنَةَ ﵁، قَالَ: احْتَجَمَ النَّبيُّ ﷺ وَهْوَ مُحْرِمٌ بِلَحْيِ جَمَلٍ فِي وَسَطِ رَأْسِهِ.
الثاني:
(بلحى جمل) بفتح الجيم، والميم: اسم موضعٍ قُرب المدينة، وأما لَحَى بفتح اللام، وكسرها مُفرَدًا، وعلى لفْظ المثنَّى، قيل:
стр. 2851
المراد به عَقَبة الجُحْفة، وقيل: ماءٌ.
قال الرَّاجز:
لَوْلا رَسُولُ الله ما زُرْنا مَلَلْ ... ولا الرُّوثيات ولا لَحَى جَمَلْ
ووَهِمَ مَن ظنَّه فكَّي الجمَل، أي: الحيَوان.
(وسط) بفتح السين: مِن مركَز الدَّائرة، وبسُكونها أعمُّ من ذلك، فالأول اسمٌ، والثاني ظرفٌ، فالمراد هنا بتوسُّطه، وهو ما فَوق اليافُوخ بينه وبين القَرنيَن.
* * *
١٢ - بابُ تَزْويج المحرم
(باب تَزْويج المُحرِم)
١٨٣٧ - حَدَّثَنَا أبُو الْمُغِيرَةِ عَبْدُ الْقُدُّوسِ بن الْحَجَّاجِ، حَدَّثنَا الأَوْزَاعيُّ، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بن أَبي رَبَاحٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ.
سيأتي بيان اختلاف روايةِ: أنه تزوَّجها حَلالًا، أو مُحْرِمًا.
* * *
لَيْثُ بن أَبي سُلَيْم.
الحديث الأول:
(الوَرْس) نبْتٌ أصفَر يُصبَغ به.
قال أصحابنا: النَّبات ثلاثةٌ: ما ينبُت للطيب ويتخذ منه كالوَرْس، والزَّعْفُران، وما في معناهما، فيحرُم، وفي استعمال المُحْرِم له الفِدْية، وما لا يَنبُت له، ولا يتخذ منه، فهو حلالٌ، وما ينبُت له ولا يتخذ منه، وفيه الفِدْية على الصَّحيح.
(يلبَس) بفتح الموحَّدة.
(القَمُص) بضمِّ الميم، وبسُكونها.
(البرانس) جمع بُرنسُ: ثوبٌ رأْسه مُلتزِقٌ به، وقيل: قَلَنْسُوة، وسبق ذلك آخر (كتاب العلم)، وأول (الحجِّ).
(القُفَّازين) بضمِّ القاف، وتشديد الفاء: لِبَاسٌ للكَفِّ يتخذ من الجُلود تلبَسُه نِساءُ العرَب؛ ليَحفَظ نُعومة اليَد، وتلبَسُه أيضًا حمَلة الجَوارح من البُزَاةِ وغيرها.
(وتابعه)؛ أي: وتابَع اللَّيثَ هؤلاء الأربعةُ في الرِّواية عن نافِع، وقد وصَلَ مُتابعة (موسى) النَّسائيُّ.
(وإسماعيل) أبو الحُسَين بن بِشْران في "فَوائده".
(وجُويرية) البُخاري في (اللِّباس)، لكنْ ليس فيه القَصْد من التَّرجمة، نعَمْ، وصلَه أبو يَعْلى بتَمامه.
стр. 2854
(وابن إسحاق) أحمد، وأبو داود، والحاكم.
(وقال عبيد الله)؛ أي: ابن عُمرَ، وصلَه النَّسائيُّ، وابن خُزَيمة.
(وكان يقول) كأنَّه كان يُكرِّر ذلك، فإنَّ (كان) تُشعِر بالدَّوام بخلاف ما سبَق من أنَّه قالَ؛ فإنَّه يصدُق بقَول ذلك مرَّةً، والفَرْق بين المرَّتين: إما مِن جِهَة حذْف لفظِ المرأة، أو أن الأوَّل بلفْظ تنقَّبَتْ من التَّفعُّل، والثاني مِن الافتِعال، أو أن الثَّاني بضمِّ الباء على سبيل النَّفْي لا غير، والأول بالضَّمّ والكسر: نفيًا، ونهيًا.
(وقال مالك) هو في "الموطَّأ".
* * *
١٨٣٩ - حَدَّثَنَا قتيْبةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَكَم، عَنْ سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: وَقَصَتْ بِرَجُلٍ مُحْرِمٍ ناَقتُهُ، فَقَتَلَتْهُ، فَأُتِيَ بِهِ رَسُولُ الله ﷺ فَقَالَ: "اغْسِلُوهُ، وَكَفِّنُوهُ، وَلَا تُغَطُّوا رَأْسَهُ، وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يُهِلُّ".
الحديث الثاني:
(وقصت)؛ أي: كَسرَت رقَبتَه.
(يهل)؛ أي: مُهِلًّا قائلًا: لبَّيْكَ اللهمَّ لَبَّيك، وسبق الحديث في (أبواب الكفَن).
* * *
стр. 2855
١٤ - بابُ الاِغْتِسَالِ لِلْمُحْرِمِ
وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ ﵄: يَدْخُلُ الْمُحْرِمُ الْحَمَّامَ. وَلَمْ يَرَ ابن عُمَرَ، وَعَائِشَةُ بِالْحَكِّ بَأسًا.
(باب الاغتِسالِ للمُحرِم)
١٨٤٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ زيدِ بن أَسْلَمَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بن عَبْدِ الله بن حُنَيْنٍ، عَنْ أَبيهِ: أَنَّ عَبْدَ الله بن الْعَبَّاسِ وَالْمِسْوَرَ بن مَخْرَمَةَ اخْتَلَفَا بِالأَبْوَاءِ، فَقَالَ عَبْدُ الله بن عَبَّاسٍ: يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ. وَقَالَ الْمِسْوَرُ: لَا يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ. فَأرْسَلَنِي عَبْدُ الله بن الْعَبَّاسِ إِلَى أَبي أيُّوبَ الأَنْصَارِيّ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنينِ، وَهُوَ يُسْتَرُ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: أَناَ عَبْدُ الله بن حُنَيْنٍ، أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ الله ابن الْعَبَّاسِ، أَسْأَلكَ: كَيْفَ كَانَ رَسولُ الله ﷺ يَغْسِلُ رَأْسَهُ، وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ فَوَضَعَ أَبُو أيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ، فَطَأْطَاَهُ حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ، ثُمَّ قَالَ لإنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ: اصْبُبْ. فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَ حَركَ رَأْسَهُ بِيَدَيهِ، فَأقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُهُ ﷺ يَفْعَلُ.
(الأبواء) قُربَ مكَّة، سبق.
стр. 2856
(القرنين) هما جانِبَا البنَاءِ على رأْس البئْر تُوضَع خشَبة البَكَرة عليها.
(طاطأ)؛ أي: خفَضَ.
(الخفين) سيأتي التَّقييد بقَطْع الأسفَل، فيُحمَل المطلَق على المقيَّد.
* * *
١٥ - بابُ لُبْسِ الْخُفَّيْنِ لِلْمُحْرِمِ إذا لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ
(باب لبس الخفين)
١٨٤١ - حَدَّثَنَا أبو الْوَليدِ، حَدَّثَنَا شُعْبةُ، قَالَ: أَخْبَرَني عَمْرُو بن دِينَارٍ، سَمِعْتُ جَابرَ بن زيدٍ، سَمِعْتُ ابن عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ: "مَنْ لَمْ يَجدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ".
١٨٤٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بن يُونُسَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بن سَعْدٍ، حَدَّثَنَا ابن شهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِ الله ﵁: سُئِلَ رَسُولُ الله ﷺ : مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ: "لَا يَلْبَسِ الْقَمِيصَ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا السَّراوِيلَاتِ، وَلَا الْبُرْنُسَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلَا وَرْسٌ، وإنْ لَمْ
стр. 2857
يَجدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُوناَ أَسفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ".
(المُحْرِم) بالرفع فاعل لبس، وفي بعضها: للمُحْرِم، بلام البيان كالتي في نحو: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣].
(عن سالم عن عبد الله) في بعضها: (ابن)، والصَّواب: (عن).
(نعلين) مفهومُه أنَّه لا يَلبَس في إحدى رجلَيه نَعْلًا، والأُخرى خُفًّا، كما لا يجوز أن يغْسِل في الوُضوء رِجْلًا، ويمسَح على الخُفِّ الأُخرى.
* * *
١٦ - بابٌ إِذا لَمْ يَجِدِ الإِزَارَ فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ
١٨٤٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بن دِينَارٍ، عَنْ جَابرِ بن زَيْدٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: خَطَبنا النَّبيُّ ﷺ بِعَرَفَاتٍ فَقَالَ: "مَنْ لَمْ يَجدِ الإزَارَ فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ، وَمَنْ لَمْ يَجدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَس الْخُفَّيْنِ".
(بابٌ: إذا لم يَجد الإزارَ)
الحديث فيه بمعنى ما سبَق.
* * *
стр. 2858
١٧ - بابُ لُبْسِ السِّلَاحِ لِلْمُحْرِمِ
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: إِذَا خَشِيَ الْعَدُوَّ لَبسَ السِّلَاحَ وَافْتَدَى. وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ فِي الْفِدْيَةِ.
(باب لُبْس السِّلاح للمُحْرِم)
(ولم يُتابَع) بفتح الموحَّدة، أي: لم يقُل به غيره، وقال (ن): لعلَّه أراد إذا كان مُحْرِمًا فلا يكون مُخالِفًا للجماعة.
* * *
١٨٤٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ ﵁: اعْتَمَرَ النَّبيُّ ﷺ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فَأَبَى أَهْلُ مَكَّةَ أَنْ يَدَعُوهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ، حَتَّى قَاضَاهُمْ لَا يُدْخِلُ مَكَّةَ سِلَاحًا إلَّا فِي الْقِرَابِ.
(يدعوه)؛ أي: يتركُوه.
(قاضاهم) من القَضاء، يعني الفَصْل والحُكْم.
(القِرَاب) هو جِرَابٌ يُوضَع فيه السَّيْف بغِمْده، وقال (ش): شِبْهُ جِرابٍ يُطرَح فيه الزَّاد إذا كان راكِبًا من تمرٍ وغيره.
* * *
أنَّ مَن لم يُرِد يدخُلْ بلا إحرامٍ إذا لم يعيِّن له ميقاتًا.
* * *
١٨٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ أَنس بن مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ دَخَلَ عَامَ الْفَتْح، وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ، فَلَمَّا نزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: إِنَّ ابن خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ. فَقَالَ: "اقْتُلُوهُ".
الثاني:
(المِغْفَر): ما يُلبس تحت القَلَنْسُوة، وهو زَرَدٌ يُنسج من الدُّروع على قَدْر الرأْس.
(رجل) قال بعض العصريين: لم يُسَمَّ، وقال (ك): هو أبو بَرْزَة الأَسْلَمي.
قلتُ: كذا ذكَره ابن طاهر وغيره، وقيل: سعيد بن حُرَيث، وقيل: أبو بُرْدة، كما أَوضحتُ ذلك في "شرح الزهر في رجال العمدة".
(ابن خَطَلٍ) بفتح المعجَمة، والمهملة، بعدها لامٌ، اسمه: عبد الله، أو عبد العزيز، كانَ ارتدَّ، وقتَل مسلمًا كان يخدمُه، وكان يهجُو النبيَّ ﷺ والمُسلمين.
ووجْهُ دلالته على الترجمة: دُخوله بالمِغْفَر؛ إذ لو كان مُحرِمًا لكشَفَ رأْسَه، والقاتِل لابن خَطَل: سعيد بن حُرَيث، بضمِّ المهملة،
стр. 2861
وفتح الرَّاء، وبالمثلَّثة.
وفيه جَواز إقامة الحَدِّ، والقِصَاص في حرَم مكة، وقال أبو حنيفة: لا يجوز، وتأَوَّل الحديث بأنَّه كان في الساعة التي أُبيْحت له، وأجاب أصحابنا: بأنه إنما أُبيحت له ساعةَ الدُّخول حتى استولى عليها، وقتَل ابن خَطَلٍ بعد ذلك.
قلتُ: في كتاب "الأَمْوال" لأبي عُبَيد: أنها كانتْ من ضَحْوة العَصْر، فلا يستقيم الجواب بذلك.
(بأستار) لا يُنافي حديثَ: "مَنْ دخَلَ المَسجِدَ فو آمِنٌ"، بل يكون فعلُه ﷺ تخصيصًا لهذا العامِّ، وقيل: يمتنِع دُخول مكة بغير إحرامٍ، ولكنَّه ﷺ دخلَها كذلك يوم الفتْح؛ لأنه كان خائِفًا.
* * *
١٩ - بابٌ إِذَا أَحْرَمَ جَاهِلًا وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ
وَقَالَ عَطَاءٌ: إِذَا تَطَيَّبَ أَوْ لَبسَ جَاهِلًا أَوْ ناَسِيًا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
(باب: إذا أحْرَمَ جاهلًا وعليه قَميصٌ)
* * *
١٨٤٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَليدِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا عَطَاءٌ، قَالَ:
стр. 2862
حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بن يَعْلَى، عَنْ أَبيهِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ عَلَيْهِ جُبَّةٌ أثَرُ صُفْرَةٍ أَوْ نَحْوُهُ، كَانَ عُمَرُ يَقُولُ لِي: تُحِبُّ إِذَا نزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ أَنْ تَرَاهُ؟ فَنَزَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَقَالَ: "اصْنَعْ فِي عُمْرتِكَ مَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ".
١٨٤٨ - وَعَضَّ رَجُلٌ يَدَ رَجُلٍ -يَعْنِي: فَانتزَعَ ثَنِيَّتَهُ- فَأَبْطَلَهُ النَّبيُّ ﷺ .
(به أثر صفرة)؛ أي: بالرَّجل، وفي بعضها: (عليها)، أي: على الجبَّة.
(سُري) بضم السين، أي: كُشِفَ.
(وَعَضَّ رَجُل) هو يَعلَى.
(يَدَ رَجُلٍ) أي: [أجيره] (١) كما في "مسلم".
(ثنيته)؛ أي: سِنه.
(فأبطله)؛ أي: حَكَم بأنه هَدَر، لأنه نزعها دفعًا للصائل، بل وذكر هذا هنا، لأنه من تتمة الحديث، وذكره في الحديث: الجبة، والترجمة: القميص، لأن حكمهما واحد (٢) لا سيما والجبة قميص وزيادة، وسبق شرح الحديث بطوله في أول (الحج)، في
стр. 2863
(باب: غَسل الخَلُوق).
* * *
٢٠ - بابُ الْمُحْرِمِ يَمُوتُ بعَرَفَةَ، وَلَمْ يَأْمُرِ النَّبيُّ ﷺ أَنْ يُؤَدَّى عَنْهُ بَقِيَّةُ الْحَجِّ
(باب المُحْرِم يَمُوت بعرَفةَ)
١٨٤٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بن حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بن زيدٍ، عَنْ عَمْرِو بن دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: بَيْنَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ النَّبيِّ ﷺ بِعَرَفَةَ إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَوَقَصَتْهُ -أَوْ قَالَ: فَأَقْعَصَتْهُ- فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ -أَوْ قَالَ: ثَوْبَيْهِ- وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ الله يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُلَبي".
الحديث الأول:
(أو) شكٌّ من الرَّاوي.
(فأقْعَصَتْهُ) بالقاف، ومهملَتين، أي: قتلَتْه في مكانه.
(تخمروا): تُغطُّوا.
(تحنطوا) تجعلوا فيه حَنُوطًا، وهو أخلاطٌ من الطِّيْب للميت مِن
الحديث فيه بمعنى ما سبق.
* * *
٢٢ - بابُ الْحَجِّ وَالنُّذُورِ عَنِ الْمَيِّتِ، وَالرَّجُلُ يَحُجُّ عَنِ الْمَرْأَةِ
(باب الحجِّ والنُّذُور عن المَيِّت، والرَّجُل يحُجُّ عن المَرأَة)
١٨٥٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أنْ تَحُجَّ، فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى ماتَتْ، أفأَحُجُّ عَنْهَا؟ قالَ: نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كانَ على أُمّكِّ دَيْنٌ، أكُنْتِ قاضيَةً؟ اقْضُوا الله، فَالله أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ".
(اقضوا الله)؛ أي: حقَّ الله.
(فالله أحق بالوفاء)؛ أي: بوفاءِ حقِّه من غيره.
فيه جَواز القِياس، وأنَّ الحجَّ الواجِب كالدَّين الواجِب يُقضَى وإنْ لم يُوص به.
ووجْهُ مطابقة الحديث التَّرجمة: أنَّه إذا جاز حجُّ المرأة عن الرجل، فالرجل عن المرأَة أَولى، وفي بعضها: (المرأَة تحجُّ عن المرأَة)، وقال (ط): خاطَب بلفْظٍ يعمُّ الرِّجالَ والنِّساء، وهو: (اقضوا الله).
* * *
стр. 2866
٢٣ - بابُ الْحَجِّ عَمَّنْ لَا يَسْتَطِيعُ الثُّبُوتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ
(باب الحجِّ عمَّن لا يَستطِيعُ)
١٨٥٣ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابن جُرَيْجٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بن يَسَارٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنِ الْفَضْلِ بن عَبَّاسٍ ﵃: أَنَّ امْرَأَةً (خ).
١٨٥٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بن أَبي سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ابن شِهَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بن يَسَارٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأةٌ مِنْ خَثْعَمَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله! إِنَّ فَرِيضَةَ الله عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكتْ أَبي شَيْخًا كَبيرًا، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، فَهَلْ يَقْضي عَنْهُ أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ؟ قَالَ: "نَعَمْ".
* * *
(يقضي)؛ أي: يُجزئ، أو يَكفِي، أو يَنفُذ.
وفيه جَواز الإرْداف، وسماع صَوت الأجنبيَّة عنْد الحاجة في الاستِفتاء وغيره، وتحريم النَّظَر إليها، وإزالة المُنكَر باليَدِ، وجَواز النِّيابة، والحجُّ عن العاجِز، وبرُّ الوالدَين بالقِيام بمصالحهما من قَضاء
стр. 2867
دينٍ، وحجٍّ، وخدمةٍ، وغير ذلك، ووُجوب الحجِّ عن المَعضُوب، وحجُّ المرأَة بلا محرمٍ عند الأَمْن، وقال مالكٌ: لا تحجُّ إلا عن الميِّت الذي لم يحجَّ حَجَّة الإسلام.
* * *
٢٥ - بابُ حَجِّ الصِّبْيَانِ
(باب حَجِّ الصِّبْيان)
١٨٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بن زيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله ابن أَبي يَزِيدَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابن عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: بَعَثَنِي -أَوْ: قَدَّمَنِي- النَّبيُّ ﷺ فِي الثَّقَلِ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ.
الحديث الأول:
(الثَقَل) بمثلَّثةٍ، وقافٍ مفتوحتين: الأَمتِعة، والمراد هنا آلاتُ السَّفَر، ومتَاع المُسافِرين.
(جمع)؛ أي: من مُزدَلفة.
* * *
١٨٥٧ - حَدَّثَنَا إِسحَاقُ، أَخْبَرَناَ يَعْقُوبُ بن إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابن أَخِي ابن شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ الله بن عَبْدِ الله بن عُتْبَةَ بن مَسْعُودٍ: أَنَّ عَبْدَ الله بن عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: أَقْبَلْتُ وَقَدْ ناَهَزْتُ الْحُلُمَ،
стр. 2868
أَسِيرُ عَلَى أتانٍ لِي، وَرَسُولُ الله ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي بِمِنًى، حَتَّى سِرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ نزَلْتُ عَنْهَا فَرتَعَتْ، فَصَفَفْتُ مَعَ النَّاسِ وَرَاءَ رَسُولِ الله ﷺ .
وقالَ يُوْنُسُ، عنِ ابنِ شِهَابٍ: بِمِنًى في حَجَّةِ الوَدَاعِ.
الثاني:
(ناهزت)؛ أي: قاربْتُ.
(الحُلُم) بضمِّ اللام وسُكونها: البُلوغ.
(فرتعت)؛ أي: الأَتَان.
(وقال يونس) وصلَه مسلم.
* * *
١٨٥٨ - حدثنا عَبْدُ الرَّحْمنِ بن يُوْنسُ، حدَّثنا حاتِمُ بن إسْماعِيلَ، عنْ مُحَمَّدِ بن يُوسُفَ، عنِ السَّائِبِ بن يَزِيدَ، قالَ: حُجَّ بيِ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ وَأَناَ ابن سَبْعِ سِنِينَ.
الثالث:
(حُج بي) بالبناء للمفعول.
* * *
١٨٥٩ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بن زُرَارَةَ، أَخْبَرَناَ الْقَاسِمُ بن مَالِكٍ، عَنِ الْجُعَيْدِ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بن عَبْدِ الْعَزِيزِ، يَقُولُ لِلسَّائِبِ بن يَزِيدَ، وَكَانَ قَدْ حُجَّ بِهِ فِي ثَقَلِ النَّبيِّ ﷺ .
стр. 2869
الرابع:
(يقول) معمولُه يأتي بعدَ هذه الجُملة الاعتراضية، وهي: (للسائب بن يزيد)؛ أي: لأجْله، وفي حقِّه ذلك.
(وكان السائب قد حج به) والواو كأنها عطفٌ على مقولٍ آخرَ سبَق من عُمر بن عبد العَزيز.
* * *
٢٦ - بابُ حَجِّ النِّسَاءِ
(باب حَجِّ النِّساء)
١٨٦٠ - وَقَالَ لِي أَحْمَدُ بن مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَذِنَ عُمَرُ ﵁ لأَزْوَاجِ النَّبيِّ ﷺ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا، فَبَعَثَ مَعَهُنَّ عُثْمَانَ بن عَفَّانَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ.
الحديث الأول:
(إذن)؛ أي: في خروجهنَّ للحج.
(بعث معهن) المَبعُوثان وإنْ لم يكونا مَحْرَمَين، والمرأَة منهيةٌ عن السَّفَر بغير مَحْرَمٍ أو زوجٍ، لكنْ كان معهنَّ نسوةٌ ثِقاتٌ، فقُمْنَ مَقام المَحْرَم، أو أنَّ كل الرِّجال مَحْرَمٌ لهنَّ؛ لأن المَحْرَم مَن حَرُمَ نكاحُها على التَّأْبيد بسببٍ مُباحٍ لحُرمتها، فخرَج بالتَّأْبيد أُخت المرأَة، وبمباحٍ
стр. 2870
أُمُّ الموطوءَة بشُبهةٍ، ولحُرمتها المَلاعَنة؛ لأنَّ تحريمها تغليظٌ وعُقوبةٌ، بل قال الشَّافعي: لا يُشترط المَحْرَم بل الأَمْن على نفْسها، ولو كانتْ وحدَها في القافلة آمنةً مطمئنةً، وكأنَّه نظَر للعلَّة.
* * *
١٨٦١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدُّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا حَبيبُ بن أَبي عَمْرَةَ، قَالَ: حَدَّثتْنَا عَائِشَةُ بنتُ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! أَلَا نَغْزُوا وَنُجَاهِدُ مَعَكُمْ؟ فَقَالَ: "لَكُنَّ أَحْسَنُ الْجهَادِ وَأَجْمَلُهُ الْحَجُّ، حَجٌّ مَبْرُورٌ". فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَا أَدعُ الْحَجَّ بَعْدَ إِذْ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ الله ﷺ .
الثاني:
(نغزو ونجاهد) جمع بينهما لتَغايُرهما، فإنَّ الغَزْو القَصْدُ إلى القِتال، والجِهاد بذْل المقدُور في القتال، ويحتمل الترادُف، فيكون تأْكيدًا.
(لكنّ) بتشديد النُّون ضميرِ النِّسوة، وهو خبرٌ عن المبتدأ، وهو (أحسَن)، و (الحجُّ) بدَلٌ، و (حجٌّ) بدلُ البدَلِ، وقال التَّيْمِي: هو بتخفيف النُّون وسُكونها، و (أحسَن) مبتدأٌ، و (الحجُّ) خبره.
* * *
١٨٦٢ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بن زَيْدٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ
стр. 2871
أَبي مَعْبَدٍ مَوْلَى ابن عَبَّاسٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ". فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله! إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كذَا وَكذَا، وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الْحَجَّ؟ فَقَالَ: "اخْرُجْ مَعَهَا".
الثالث:
(مَحْرَم) يحتمل محْرَم لها، وأن يُرادَ لها أوله، والحديث مخصوصٌ بالزَّوج لما في آخِر الحديث، فإنه إذا كان معها لا تحتاج لِمَحْرَمٍ من بابٍ أَولى، فتجويز الفقهاء الدُّخولَ عليها إذا كان زوجٌ أو نسوةُ ثقاتٌ فبالقياس أيضًا على المَحرَم لعلَّة وُجود الأَمْن، ولذلك عمَّمَ الشافعي في قولٍ سفَرَها عند الأمْن كما سبق.
(أخرج معها) فيه تقديم الأهمِّ عند المُعارَضة، فرجَّح الحج؛ لأن الغَزْو يقوم غيره فيه مَقامَه بخلاف الحجِّ معها.
* * *
١٨٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَناَ يَزِيدُ بن زُريعٍ، أَخْبَرَناَ حَبيبٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: لَمَّا رَجَعَ النَّبيُّ ﷺ مِنْ حَجَّتِهِ قَالَ لأُمِّ سِنَانٍ الأَنْصَارِيَّةِ: "مَا مَنَعَكِ مِنَ الْحَجِّ؟ " قَالَتْ: أَبُو فُلَانٍ -تَعْنِي: زَوْجَهَا- كَانَ لَهُ ناَضحَانِ، حَجَّ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَالآخَرُ يَسْقِي أَرْضًا لَنَا. قَالَ: "فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَقْضي حَجَّةً مَعِي".
стр. 2872
رَوَاهُ ابن جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، سَمِعْتُ ابن عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ .
١٨٦٣ / -م - وَقَالَ عُبَيْدُ الله: عَنْ عَبْدِ الْكَرِيم، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابرٍ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ .
الرابع:
سبق في أول (كتاب العُمْرَةِ)، وأن المراد بأنها تُجزئ: محمولٌ على الثَّواب.
(رواه ابن جُريج) وصلَه البخاري في (باب العُمْرَة في رمضان).
(وقال عبيد الله) وصلَه أحمد، وابن ماجه.
* * *
١٨٦٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بن حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ ابن عُمَيْرٍ، عَنْ قَزَعَةَ مَوْلَى زِيَادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ -وَقَدْ غَزَا مَعَ النَّبيِّ ﷺ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً- قَالَ: أَرْبَعٌ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ -أَوْ قَالَ: يُحَدِّثُهُنَّ عَنِ النَّبيِّ ﷺ فَأَعْجَبننِي وَآنَقْنَنِي: "أَنْ لَا تُسَافِرَ امْرَأةٌ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ لَيْسَ مَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا صَوْمَ يَوْمَيْنِ؛ الْفِطْرِ وَالأَضْحَى، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاتَيْنِ؛ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الصُّبْح حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ؛ مَسْجدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجدِي، وَمَسْجدِ الأَقْصَى".
стр. 2873
الخامس:
سبق شرحه في (كتاب الصلاة)، في (باب: فضْل الصَّلاة بمَسجِد مكَّة).
(وآنَقْنَنِي) بفتح النُّون الأُولى، وسُكون القاف، وفتح النُّون الثانية، أي: أعجَبنني.
قال (ن): تُكرِّر العرَب تكريرَ المعنى باختلاف اللَّفْظ كقوله تعالى: ﴿صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧].
(أن لا تُسافر) بالرفْع لا غيرُ، فـ (أنْ) مُفسِّرةٌ لا ناصِبةٌ.
(زوج) عُلِمَ به أنه مفهوم: لا تُسافِر إلا مع مَحْرَمٍ عُمومُه مخصوصٌ بما جاءَ هنا من سفَرها مع زَوجٍ، أو أن مفهوم المُخالفة ساقِطٌ إذا كان ثَمَّ مُوافقةٌ؛ لأن ذلك من شُروط العمَل بالمخالفة، فإنَّ سفَر الزَّوج معَها أَولى من المَحْرَم.
(ذو مَحْرَم)؛ أي: مَحْرَم، فالمعنى فيهما واحدٌ، كما قاله الجَوْهَرِي.
(ولا صوم يومين)، (صَوم) اسمُ (لا)، و (يومين) خبَرها، أي: لا صومَ في هذين اليومَين، ويجوز أن يكون صوم مُضافًا ليَومَين، أي: لا يصُوم صومهما، أو لا صومَ يومين ثابتٌ، أو مشروعٌ، وسبق كثيرٌ من مباحث الحديث.
* * *
стр. 2874
٢٧ - بابُ مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى الْكَعْبَةِ
(باب مَنْ نذَر المَشْيَ)
١٨٦٥ - حَدَّثَنَا ابن سَلَامٍ، أَخْبَرَناَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، قَالَ: حَدَّثَنِي ثَابتٌ، عَنْ أَنسٍ ﵁: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ رَأَى شَيخًا يُهَادَى بَيْنَ ابنيْهِ قَالَ: "مَا بَالُ هَذَا؟ " قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ. قَالَ: "إِنَّ الله عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ"؛ أَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ.
الحديث الأول:
(يُهادى) بالبناء للمفعول، أي: يمشي بينهما معتمِدًا عليهما.
(أن يمشي)؛ أي: راجِلًا.
(فأمره أن يركب)؛ لأنَّ الوفاء بالنُّذور وإنْ كان واجِبًا إلا أنَّ هذا معذورٌ، هذا إنْ قُلنا: المشي أفْضَلُ، فإنْ قُلنا: الرُّكوب أفْضَل، فيكون نَذْرًا لغير الأفضل، فلا يصحُّ.
قلتُ: النَّذْر صحيحٌ كما صرَّح به أصحابنا، فيُكتفى بالجواب السابق.
* * *
١٨٦٦ - حدثنا إبْراهِيم بن مُوْسَى، أخْبَرَناَ هِشَامُ بن يُوسُفَ: أنَّ ابن جُرَيْحٍ، أخْبَرَهُمْ قالَ: أخْبَرَنِي سَعِيدُ بن أبيِ أيُّوبَ: أنَّ يَزِيدَ بن