أَبي مَعْبَدٍ مَوْلَى ابن عَبَّاسٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "لَا تُسَافِرِ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ". فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله! إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كذَا وَكذَا، وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الْحَجَّ؟ فَقَالَ: "اخْرُجْ مَعَهَا".
الثالث:
(مَحْرَم) يحتمل محْرَم لها، وأن يُرادَ لها أوله، والحديث مخصوصٌ بالزَّوج لما في آخِر الحديث، فإنه إذا كان معها لا تحتاج لِمَحْرَمٍ من بابٍ أَولى، فتجويز الفقهاء الدُّخولَ عليها إذا كان زوجٌ أو نسوةُ ثقاتٌ فبالقياس أيضًا على المَحرَم لعلَّة وُجود الأَمْن، ولذلك عمَّمَ الشافعي في قولٍ سفَرَها عند الأمْن كما سبق.
(أخرج معها) فيه تقديم الأهمِّ عند المُعارَضة، فرجَّح الحج؛ لأن الغَزْو يقوم غيره فيه مَقامَه بخلاف الحجِّ معها.
* * *
١٨٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَناَ يَزِيدُ بن زُريعٍ، أَخْبَرَناَ حَبيبٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: لَمَّا رَجَعَ النَّبيُّ ﷺ مِنْ حَجَّتِهِ قَالَ لأُمِّ سِنَانٍ الأَنْصَارِيَّةِ: "مَا مَنَعَكِ مِنَ الْحَجِّ؟ " قَالَتْ: أَبُو فُلَانٍ -تَعْنِي: زَوْجَهَا- كَانَ لَهُ ناَضحَانِ، حَجَّ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَالآخَرُ يَسْقِي أَرْضًا لَنَا. قَالَ: "فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَقْضي حَجَّةً مَعِي".
стр. 2872
رَوَاهُ ابن جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، سَمِعْتُ ابن عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ .
١٨٦٣ / -م - وَقَالَ عُبَيْدُ الله: عَنْ عَبْدِ الْكَرِيم، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابرٍ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ .
الرابع:
سبق في أول (كتاب العُمْرَةِ)، وأن المراد بأنها تُجزئ: محمولٌ على الثَّواب.
(رواه ابن جُريج) وصلَه البخاري في (باب العُمْرَة في رمضان).
(وقال عبيد الله) وصلَه أحمد، وابن ماجه.
* * *
١٨٦٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بن حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ ابن عُمَيْرٍ، عَنْ قَزَعَةَ مَوْلَى زِيَادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ -وَقَدْ غَزَا مَعَ النَّبيِّ ﷺ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً- قَالَ: أَرْبَعٌ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ -أَوْ قَالَ: يُحَدِّثُهُنَّ عَنِ النَّبيِّ ﷺ فَأَعْجَبننِي وَآنَقْنَنِي: "أَنْ لَا تُسَافِرَ امْرَأةٌ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ لَيْسَ مَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا صَوْمَ يَوْمَيْنِ؛ الْفِطْرِ وَالأَضْحَى، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاتَيْنِ؛ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الصُّبْح حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ؛ مَسْجدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجدِي، وَمَسْجدِ الأَقْصَى".
стр. 2873
الخامس:
سبق شرحه في (كتاب الصلاة)، في (باب: فضْل الصَّلاة بمَسجِد مكَّة).
(وآنَقْنَنِي) بفتح النُّون الأُولى، وسُكون القاف، وفتح النُّون الثانية، أي: أعجَبنني.
قال (ن): تُكرِّر العرَب تكريرَ المعنى باختلاف اللَّفْظ كقوله تعالى: ﴿صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧].
(أن لا تُسافر) بالرفْع لا غيرُ، فـ (أنْ) مُفسِّرةٌ لا ناصِبةٌ.
(زوج) عُلِمَ به أنه مفهوم: لا تُسافِر إلا مع مَحْرَمٍ عُمومُه مخصوصٌ بما جاءَ هنا من سفَرها مع زَوجٍ، أو أن مفهوم المُخالفة ساقِطٌ إذا كان ثَمَّ مُوافقةٌ؛ لأن ذلك من شُروط العمَل بالمخالفة، فإنَّ سفَر الزَّوج معَها أَولى من المَحْرَم.
(ذو مَحْرَم)؛ أي: مَحْرَم، فالمعنى فيهما واحدٌ، كما قاله الجَوْهَرِي.
(ولا صوم يومين)، (صَوم) اسمُ (لا)، و (يومين) خبَرها، أي: لا صومَ في هذين اليومَين، ويجوز أن يكون صوم مُضافًا ليَومَين، أي: لا يصُوم صومهما، أو لا صومَ يومين ثابتٌ، أو مشروعٌ، وسبق كثيرٌ من مباحث الحديث.
* * *
стр. 2874
٢٧ - بابُ مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى الْكَعْبَةِ
(باب مَنْ نذَر المَشْيَ)
١٨٦٥ - حَدَّثَنَا ابن سَلَامٍ، أَخْبَرَناَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، قَالَ: حَدَّثَنِي ثَابتٌ، عَنْ أَنسٍ ﵁: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ رَأَى شَيخًا يُهَادَى بَيْنَ ابنيْهِ قَالَ: "مَا بَالُ هَذَا؟ " قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ. قَالَ: "إِنَّ الله عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ"؛ أَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ.
الحديث الأول:
(يُهادى) بالبناء للمفعول، أي: يمشي بينهما معتمِدًا عليهما.
(أن يمشي)؛ أي: راجِلًا.
(فأمره أن يركب)؛ لأنَّ الوفاء بالنُّذور وإنْ كان واجِبًا إلا أنَّ هذا معذورٌ، هذا إنْ قُلنا: المشي أفْضَلُ، فإنْ قُلنا: الرُّكوب أفْضَل، فيكون نَذْرًا لغير الأفضل، فلا يصحُّ.
قلتُ: النَّذْر صحيحٌ كما صرَّح به أصحابنا، فيُكتفى بالجواب السابق.
* * *
١٨٦٦ - حدثنا إبْراهِيم بن مُوْسَى، أخْبَرَناَ هِشَامُ بن يُوسُفَ: أنَّ ابن جُرَيْحٍ، أخْبَرَهُمْ قالَ: أخْبَرَنِي سَعِيدُ بن أبيِ أيُّوبَ: أنَّ يَزِيدَ بن
مخالفٌ للكتاب والسنَّة.
(يا بني النجار) هم بطْنٌ من الأنصار.
(ثامنوني)؛ أي: بايعُوني بالثَّمَن.
(بالخَرِب) بفتح المعجمة، وكسر الراء: جمع خَرِبَة كنَبِق، وفي بعضها بكسر ثم فتحٍ كنِعْمَة، ونِعَم، ورُوي بفتح المهملَة والثاء المثلَّثة، أي: الموضع المَحرُوث للزِّراعة، وسبق الحديث في (باب: هل تُنبش قُبور المشركين ليُتخذَ مكانُها مساجدَ؟).
* * *
١٨٦٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بن عَبْدِ الله، قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُبَيْدِ الله، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "حُرِّمَ مَا بَيْنَ لابَتَيَ الْمَدِينَةِ عَلَى لِسَانِي". قَالَ: وَأَتَى النَّبيُّ ﷺ بني حَارِثَةَ فَقَالَ: "أَرَاكُمْ يَا بني حَارِثَةَ قَدْ خَرَجْتُمْ مِنَ الْحَرَمِ"، ثُمَّ الْتَفَتَ، فَقَالَ: "بَلْ أَنْتُمْ فِيهِ".
الحديث الثاني:
(لابتي) اللَّابَة بتخفيف المُوحَّدة: الحَرَّة، وهي أرضٌ لبسَتْها حجارةٌ سُودٌ، والمدينة بين حَرَّتَين، شرقيَّةٍ وغربيَّةٍ، وقيل: المراد بذلك: حرَّمَ المدينة ولابتَيها جميعًا.
(يا بني حارثة) قَبيلةٌ من الأنصار ظنَّ أنهم خارجون من الحرَم،
стр. 2879
فلمَّا تأَمَّل مواضعَهم رآهم داخلين، فقال: (بل أنتم فيه).
* * *
١٨٧٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: مَا عِنْدَناَ شَيْءٌ إِلَّا كتَابُ الله، وَهَذِهِ الصَّحِيفَةُ عَنِ النَّبيِّ ﷺ : "الْمَدِينَةُ حَرَمٌ، مَا بَيْنَ عَائِرٍ إِلَى كَذَا، مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ"، وَقَالَ: "ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، وَمَنْ تَوَلَّى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ".
الثالث:
(شيء)؛ أي: من أحكام الشَّريعة، أي: مكتوبٌ، وإلا فالشَّريعة كثيرةٌ إلا أن السُّنن في ذلك الوقت لم تكُنْ مكتوبةً في الكتُب مُدَوَّنة في الدَّواوين، نعَمْ، تقدَّم في (كتاب العِلْم): أن في الصَّحيفة العَقْل، وفِكَاك الأَسير، وليس بمُنافٍ ما هنا أنَّ فيها المدينة حرَم ... إلى آخره؛ لجَواز كون الكُلِّ فيها.
(عائر) بمهملةٍ، وألفٍ، وهمزةٍ، وراءٍ: جبَلٌ بالمَدينة، وفي
стр. 2880
بعضها: (عَيْر) بلا ألف، قال (ع): وأكثَر رُواة البخاري ذكَره.
وأما ثَوْر، أي: وهو ما في "مسلم": ما بَيْن عَيْرٍ إلى ثَوْر، فمِن رُواة البُخاري مَن كنَّى عنه بكذا بذالٍ معجمةٍ، ومنهم من يَترك مكانَه بَياضًا؛ لأنهم أعتقَدوا أنَّ ذِكْر ثَوْرٍ خطأٌ؛ إذْ ليس بالمدينة موضعٌ يسمَّى ثَورًا، إنما ذلك بمكة، وقال بعضهم: الصَّواب: (مِن عَيْرٍ إلى أُحُدٍ).
قال (ش): قال مُصعب الزُّبَيري، وغيره: ليس في المدينة عَيْرٌ ولا ثَورٌ، إنما هو بمكَّة، وأجاب (ن) عن الإشكال: بأنَّه يحتمل أنَّه كان بالمدينة ثَوْرٌ اسمًا لجبَل، إما أُحُد أو غيرُه، لكنْ خَفِيَ اسمه، وقال الطِّيْبي: المُراد أنَّ حرَم المدينة قدْر ما بين عَيْرٍ وثَوْرٍ من حرَم مكة فهو بتقدير حذف المضاف.
قلتُ: وذكر ذلك أيضًا المُنذِري في "حَواشي السُّنن" قال: أو يكون المُراد أنَّه حرم من المدينة كالتَّحريم لمَا بين عَيْرٍ وثَوْرٍ من مكة، أو يكون (إلى) هنا بمعنى: (مع)، أي: حرامٌ ما بين عائِرٍ مع ما حُرِّم في مكَّة إلى ثَورٍ، انتهى.
(آوى) بالمدِّ على الأفْصح في المُتعدِّي، وعكسه في اللازِم.
(مُحدثًا) قال (خ): -بفتْح الدال- الرأي المُحْدَث في أمْر الدِّين والسُّنَّة، وبكسرها، أي: صاحِبُه الذي أحدَثَه وابتدَعه، وقال التَّيْمِي: مَن ظَلَم فيها، أو أعانَ ظالمًا.
стр. 2881
(صَرْف)؛ أي: فَريضَة.
(عَدْل)؛ أي: نافِلَة، وقال الحسَن: بالعكس فيهما، وقال الأَصْمَعي: الصَّرْف: التَّوبة، والعَدْل: القُرْبة، قالوا: معناه: لا يَقبَل قَبولَ رِضًا، وإنْ قُبلتْ قَبول جَزاءٍ.
(لعنة) المراد بها هنا: البُعْد من رحمة الله، وعن الجنَّة أوَّل الأَمْر بخلاف لَعْنة الكافِر؛ فإنها البُعد أوَّلًا وآخِرًا.
وفيه وَعيْد شَديدٌ، فَيُستدلُّ بها على أنها كبيرةٌ.
(ذمة)؛ أي: العَهْد والأَمان، أي: أَمان المسلم للكافِر صحيحٌ، والمسلمون كنفْسٍ واحدةٍ، وشُروط الأمان مذكورةٌ في الفِقه.
وفيه أمانُ العبد والمرأَة جائزٌ.
(أخفر)؛ أي: نقَضَ عَهْدَه، ويُقال: خفَرتُ الرجلَ: أمنتَه، وأَخْفَرتُه: نقضْتُ عَهْدَه، فالهمزة للإزالة.
(تولى)؛ أي: اتخذَهم أولياءَ.
(بغير إذن) ليس بقَيْدٍ على الغالِب.
قال (خ) (١): أو أنه تأْكيدٌ للتَّحريم؛ لأنه لو استأْذنَهم في ذلك منَعُوه، وحالُوا بينه وبين ما يَفعل.
وفيه تحريم انتِماء الإنسان إلى غير أبيه، أو العَتِيْق إلى غير
стр. 2882
مُعْتقِه؛ لمَا فيه من كُفْر النِّعمة، وتضييع حُقوق الإرث، والوَلاءِ، وغير ذلك، مع ما فيه من قَطيعة الرَّحم والعُقوق.
* * *
٢ - بابُ فَضْلِ الْمَدِينَةِ وَأَنَّهَا تَنْفِي النَّاسَ
(باب فَضْل المَدينة)
١٨٧١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بن سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْحُبَابِ سَعِيدَ بن يَسَارٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى يَقُولُونَ: يَثْرِبُ، وَهْيَ الْمَدِينَةُ، تَنْفِي النَّاسَ كمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ".
(بقرية)؛ أي: بالهجرة إليها، والنُّزول بها.
(تأكل) كنايةٌ عن كَون أهلها تَغلِبُ أهلَ سائر البلاد؛ لأن الآكِل غالبٌ على المأكول، قال (ن): لأنها مركَز جُيوش الإسلام في أوَّل الأمر، عنها فُتِحت البلاد، وغُنِمت أموالُها، وأن أكْلها يكون من القُرى المُفتَتحة، وإليها تُساق غنائمُها.
(يثرب)؛ أي: كانوا يسمُّونها يثْرِب، ولكن كَرِه النبيُّ ﷺ -
стр. 2883
تسميتَها به؛ لأنها من التَّثْريب الذي هو التَّعيير، فأَحَبَّ النبيُّ ﷺ أن يُقال لها: المَدينة، أي: فهي الكامِلة التي تَستحقُّ أن يُقال لها: المَدينة على الإطْلاق كالبَيْت للكَعْبة، وأما تسميتها في القُرآن: يَثْرِب؛ فإنما هو حكايةٌ عن المُنافقين.
(تَنْفِي الناس)؛ أي: الخَبيْثَ الرَّديءَ منهم، وقَرينتُه التَّشبيه بخبَث الحديد.
و (الكِيْر): هو ما يَنفخ به الحدَّاد، معروفٌ.
قال (ك): وأما المبنيُّ من الطِّين، فهو الكُور.
(الخَبَث) بفتح الخاء، والباء، ويُروى بضمٍ، ثم كسْرٍ.
* * *
٣ - بابٌ الْمَدِينَةُ طَابَةُ
(باب المَدينة طَابَة)
تأْنيث طَاب، وكذا طَيْبة تأْنيث طيب غير منصرفَين.
١٨٧٢ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بن مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بن يَحْيَى، عَنْ عَبَّاسِ بن سَهْلِ بن سَعْدٍ، عَنْ أَبي حُمَيْدٍ ﵁: أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبيِّ ﷺ مِنْ تَبُوكَ حَتَّى أَشرَفْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: "هَذِهِ طَابَةُ".
стр. 2884
(تبوك) بطرَف الشَّام بينه وبين المدينة أربعةَ عشَر مَرحلةً، غير منصرفٍ.
* * *
٤ - بابُ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ
(باب لابَتَيَ المَدينة)
١٨٧٣ - حدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أخْبَرَناَ مالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابِ، عَنْ سَعِيدِ بن المُسَيَّبِ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁: أنَّهُ كانَ يَقُولُ: لَوْ رَأَيْتُ الظِّبَاءَ بِالمَدِينَةِ تَرْتَعُ مَا ذَعَرْتُهَا، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ".
(ذَعَرْتُهَا) بمعجمةٍ، ثم مهملةٍ، وراءٍ، أي: أَفْزعتُها ونفَّرتُها.
* * *
٥ - باب مَنْ رَغِبَ عَن الَمدينةِ
(باب مَنْ رَغِبَ عن المَدينة)
١٨٧٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بن الْمُسَيَّبِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ -
стр. 2885
يَقُولُ: "يَتْرُكُونَ الْمَدِينَةَ عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ، لَا يَغْشَاهَا إِلَّا الْعَوَافِ -يُرِيدُ: عَوَافِيَ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ- وَآخِرُ مَنْ يُحْشَرُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ، يُرِيدَانِ الْمَدِينَةَ يَنْعِقَانِ بِغَنَمِهِمَا، فَيَجدَانِهَا وَحْشًا، حَتَّى إِذَا بَلَغَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ خَرَّا عَلَى وُجُوهِهِمَا".
الحديث الأول:
(على خير ما كانت)؛ أي: أعمَرَها وأكثَرَها ثمارًا.
(لا يغشاها)؛ أي: لا يسكُنها.
(إلا العَوَاف) جمع: عافِيَة، وهو كلُّ طالبِ رزْقٍ من إنسانٍ، أو بهيمةٍ، أو طائرٍ، وعافية الماء، وارِدَتُه، والمراد هنا السِّباع والطُّيور.
(يُحشر)؛ أي: يُساقُ، ويُجلَى من الوطَن، وقيل: آخِر مَن يموت يُحشر؛ لأنَّ الحشْر بعد الموت، ويحتمل أن يتأخَّر حشْرُهما لتأخُّر موتهما، والقَول الأوَّل هو لفْظٌ رواه مسلم، وفي "كتاب العُقَيلي": هما عافِيَا هذه الأُمة وآخرُها حشْرًا، وهما يَنزِلان بجبَلٍ من جبال العرَب يُقال له: ورقان.
(مُزَيْنَة) بضمِّ الميم، وفتح الزاي: قَبيلةٌ من مُضَر.
(يَنْعِقَان) بكسر العين وفتحها، مِن النَّعيق: هو صَوت الرَّاعي، ونَعِقَ -بالكسر-: صاحَ بها وزجَرها.
(يَجدَانها)؛ أي: يجدان أهلَها وُحوشًا، أو يجدان أنَّ المدينة ذاتُ وُحوشٍ، وقيل: تصير غنَمُها وُحوشًا، إما بانقِلاب ذاتها، أو أنها
стр. 2886
تتوحَّش وتَنفِر من أصواتهما، وقال ابن الجَوْزِي: الوَحوش بفتح الواو، والمعنى: أنها خاليةٌ، ويُروى: (وَحْشًا)، أي: كثيرة الوحوش لمَّا خلَتْ من سُكَّانها.
(الوداع) عقَبَةٌ عند حرَم المدينة؛ لأن المودِّعين يمشُون إليها في الوداع لمن يخرُج من المدينة، وهذا سيقَع عند قُرب الساعة، وقال (ع): هذا جرَى في العَصْر الأول وانقضَى، وقد تُركت المدينة على أحسَن ما كانتْ حين انتقلَت الخِلافة عنها إلى الشَّام، وذلك الوقْت خير ما كانت للدِّين لكثْرة العُلماء بها، وللدُّنيا لعِمارتها واتساع حال أهلها، وذكَر الأخْباريُّون في بعض الفِتَن التي جرَت بالمدينة: أنه رحَلَ عنها أكثَرُ النَّاس، وبقِيَتْ أكثَر ثمارها للعَوافي، وخلَتْ مدَّةً، ثم تراجَع الناس إليها.
* * *
١٨٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بن عُرْوَةَ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَبْدِ الله بن الزُّبَيْرِ، عَنْ سُفْيَانَ بن أَبي زُهَيْرٍ ﵁ أنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "تُفْتَحُ الْيَمَنُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَتُفْتَحُ الشَّأْمُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يُبسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَتُفْتَحُ الْعِرَاقُ، فَيَأْتِي
стр. 2887
قَوْمٌ يُبسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ".
الحديث الثاني:
(يُبسون) بمثنَّاةٍ مضمومةٍ، ثم موحَّدةٍ مكسورةٍ، وسين مهملةٍ رُباعيًّا، وبفتْح أوله، وكسْر ثانيه ثُلاثيًّا، قال ابن مالك: أي: يَسيرون، وحكَى (ط) عن أبي عُبَيد: أن أهل اليمَن إذا ساقُوا حمارًا وغيرَه يقولون: بَسْ بَسْ، وفيه لُغتان مشهورتان: بَسَّ وأَبَسَّ، وقال الحَرْبي: بَسَسْتُ الغنَم: دعَوتُها، فالمعنى: يَدعُون النَّاسَ إلى بلاد الخِصْب، وهذا أليَقُ بمعنى الحديث، أي: يسُوقون أموالَهم، وهو أحَد الأقوال في قوله تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥]، أي: سِيْقت، كما قال تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ﴾ [النبأ: ٢٠]، والمعنى: أنَّهم يتحمَّلون من المدينة إلى هذه البلاد المُفتَتحة لسَعَة العَيْش.
فالمراد: أن المدينة خيرٌ لهم؛ لأنها حَرَمُ الرسول ﷺ ، ومَهْبط الوَحْي، ومَنْزِل البركات.
وجواب (لَو) محذوفٌ دلَّ عليه ما قبلَه، أي: لو كانوا من أَهل العِلْم لعرَفوا ذلك، ولَمَا فارَقُوا المدينة، أو هي للتَّمنِّي فلا جوابَ لها.
وفيه مُعجزةٌ للنبي ﷺ في إخباره بفتح هذه الأقاليم، وأنَّ الناس يتحمَّلون بأهاليهم، ويُفارِقون المدينة، وأنَّ هذه الأقاليم تُفتَح على هذا الترتيب، ووُجِد جميع ذلك.
стр. 2888
وقال المطرِّزي: أخبر أن اليمَن تُفتَح فيأْتي منها قومٌ للمدينة، حتى يكثُر أهلُها، والمدينةُ خيرٌ لهم من غيرها، وكذا الشَام والعِراق.
* * *
٦ - بابٌ الإِيمَانُ يَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ
١٨٧٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بن الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَنسُ بن عِيَاضٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ الله، عَنْ خُبَيْبِ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بن عَاصِمٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "إِنَّ الإيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ كمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا".
(باب: الإيمان يأْرِزُ إلى المَدينة)
(يأرِز) بكسر الراء، وبالزَّاي: ينضمُّ، ويجتمع بعضُه إلى بعضٍ.
* * *
٧ - بابُ إِثمِ مَنْ كَادَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ
١٨٧٧ - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بن حُرَيْثٍ، أَخْبَرَناَ الْفَضْلُ، عَنْ جُعَيْدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ سَعْدًا ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَكِيدُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَحَدٌ إِلَّا انْمَاعَ كمَا يَنْمَاعُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ".
стр. 2889
(باب إثْم مَن كادَ أهْلَ المَدينة)
(انْمَاع): انْفَعَلَ مِن الميَعان، ويجوز بإدغام النُّون في الميم، أي: ذابَ وجَرَى على وجه الأرض مُتلاشِيًا.
قال (ن): يعني مَن أرادَ المَكْر بهم لا يُمهله الله، ولم يكُن له كما انقضَى شأْن مَن حاز بها أيَّام بني أُمية، مثْل مسلِم بن عقبة، فإنه هلَكَ في مُنصَرَفه عنها، ثم هلَك مَن أرسلَه إليها يَزِيْد بن مُعاوية على إثْر ذلك، وغيرهما ممن صنَع صنيعهما.
وقيل: المُراد: مَن كادَها اغتيالًا، وعلى غفْلةٍ من أهلها لا يتمُّ له أمرٌ.
* * *
٨ - بابُ آطَامِ الْمَدِينَةِ
(باب آطَامِ المَدينة)
جمع أُطُم، بضمَّتين، أو بسكون الطَّاء، وهو جمعُ أطَمَةٍ كأكَمَةٍ وأُكُم.
قال (ع): الآطَام بالمدِّ واحدٌ وجمعٌ، ويُقال: إِطَام بالكسر: الأبنية المرتفِعة كالحُصون، وهي حُصون لأهل المدينة.
١٨٧٨ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا ابن شِهَابٍ، قَالَ:
стр. 2890
أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، سَمِعْتُ أُسَامَةَ ﵁، قَالَ: أَشْرَفَ النَّبيُّ ﷺ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: "هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى؟ إِنِّي لأَرَى مَوَاقِعَ الْفِتَنِ خِلَالَ بُيُوتكُمْ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ".
تَابَعَهُ مَعْمَرٌ، وَسُلَيْمَانُ بن كَثِيرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.
(خلال) جمع خَلَلٍ، وهو الفُرْجَة بين الشَّيئين.
ووجْهُ الشَّبَه العُموم والكثْرة.
(تابعه مَعْمَرٌ) وصلَه البخاري في (الفِتَن).
(وسليمان) وصلَه في كتاب "بر الوالدين" خارج الصَّحيح.
* * *
٩ - بابٌ لَا يَدْخُلُ الدَّجَّالُ الْمَدِينَةَ
(باب: لا يَدخُل الدَّجَّال المَدينةَ)، من الدَّجَل، وهو الكَذِب والخَلْط؛ لأنَّه كذَّابٌ خلاطٌ.
١٨٧٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بن عَبْدِ الله، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بن سَعْدٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبي بَكْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ رُعْبُ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، لَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ، عَلَى كُلِّ بَابٍ مَلَكَانِ".
стр. 2891
الحديث الأول:
(رعب)؛ أي: خَوف، وإذا لم يدخُل رُعْبُه، فأَولى اْنْ لا يدخُل.
(المسيح) سُمي بذلك؛ لأنه يمسَح الأرضَ، أو ممسُوح العَين؛ لأنه أَعْوَر.
(الدجال) ذكَر وصْفه بذلك ليُميَّز عن عيسى ﵇.
* * *
١٨٨٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نُعَيْمِ بن عَبْدِ الله الْمُجْمِرِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ، لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ".
الثاني:
(أنقاب) جمع نِقْبٍ، وجمعه في الكثْرة: نِقَاب، والنِّقْب: الطَّريق في الجبَل، وقيل: الطَّريق على رأْس الجبَل.
قال الأخْفَش: المراد هنا: طرُق المدينة وفِجَاجها.
(الطاعون): المَوت، والوَباء، وهذه الجُملة مستأنَفةٌ بيانٌ لموجِب كون الملائكة على الأنْقاب.
* * *
١٨٨١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بن الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، حَدَّثَنَا أَبُو
الرابع:
(السِّبَاخ) جمع سَبْخَة، وهي أرضٌ تعلُوها مُلوحةٌ، والمُراد ينزِل خارجَ المدينة.
(رجل) قال مَعْمَر في "جامعه": بلغَني أنه الخَضر ﵇.
(فيقولون لا) هم اليَهود، ومَنْ صدَّقه من أهْل الشِّقاوة، أو العُموم يقُولون ذلك خوفًا منه لا تصديقًا له، أو قصَدوا بذلك عدَم الشَّكِّ في كُفْره، وأنه دجَّالٌ.
(أشد بصيرة) في بعضها: (أشَدَّ منِّي بَصيرةً)، فالمفضَّل والمفضَّل عليه واحدٌ باعتبارَين، وإنما يقول ذلك؛ لأن النبيَّ ﷺ أخبر بأنَّ علامة الدَّجَّال أن يُحييَ المقتولَ، فزادتْ بصيرتُه بحصُول تلك العَلامة.
(فلا يُسلط عليه)؛ أي: لا يَقدِرُ على قَتْله بأن يجعل الله بدَنَه كالنُّحاس لا يَجري عليه السَّيْف ونحو ذلك، وفي بعضها: (فلا أُسَلَّطُ عليه)، أي: أقْتُله، ففيه همزةُ إنكارِ مقدَّرةٌ، وفي بعضها ظاهرةٌ، وكأنه يُنكِر إرادتَه القَتْلَ، وعدَمَ تَسلُّطه عليه.
* * *
١٠ - بابٌ الْمَدِينَةُ تَنْفِي الْخَبَثَ
(باب: المدينةُ تَنْفِي الخَبَثَ)
١٨٨٣ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بن عَبَّاسٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا
стр. 2894
سُفْيانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بن المُنْكَدِرِ، عَنْ جَابرٍ ﵁: جَاءَ أعْرَابيٌّ النَّبيَّ ﷺ ، فَبَايَعَهُ عَلَى الإسْلَامِ، فَجَاءَ مِنَ الْغَدِ مَحْمُومًا، فَقَالَ: أَقِلْنِي، فَأَبَى؛ ثَلَاثَ مِرَارٍ، فَقَالَ: "الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ، تَنْفِي خَبَثَهَا، وَيَنْصَعُ طَيِّبُهَا".
الحديث الأول:
(أقلني)؛ أي: مِن المُبايَعة على الإسلام.
(ثلاث) تَنازَعَه الفِعْلان قبْلَه، أي: قال ذلك ثَلاثَ مرَّاتٍ، وهو ﷺ يأبى من إقالته.
(كالكير) إما المنفخ، فهو لشِدَّة نفْخه ينفي عن النَّار السِّخَام، والدُّخان، والرَّماد، حتى لا يبقَى إلا خالِصُ الجَمْر، وإما الموضع المشتمِل على النَّار، وهو المعروف في اللُّغة، فهو لشِدَّة حَرارته ينزعُ خَبَثَ الحديد، والذَّهب، والفِضَّة، ويُخرج خلاصةَ ذلك، فالمدينة كذلك؛ لمَا فيها من شِدَّة العَيْش، وضيْق الحال تُخلِّصُ النَّفْس من شَهواتها وشَرَهها.
(وينصع) من النُّصوع بمهملَتين، وهو الخُلُوص، والنَّاصِع: الخالِص، ويُروى أوَّله بمثنَّاة فوق مفتوحةٍ، ومضمومة، ومثنَّاةٍ تحت مفتوحةٍ.
(طَيِّبُهَا) بفتح الطاء، وتشديد المُثنَّاة تحت مرفوعًا، ويُروى بكسر الطَّاء، وتسكين الياء، وهو أَليَقُ بقوله: (وينصَع)، نعَمْ، قال القَزَّاز:
стр. 2895
إن (يَنْصَع) لم أجِدْ له في الطِّيْب وَجْهًا، وإنَّ الكلام يَضُوع، أي: يَفُوحُ، قال: ورُوي: (يَنْضَخ) بضادٍ، وخاءٍ معجمَتين، وبحاءٍ مهملةٍ، وفي "الفائِق": يُبضع، بياءٍ مضمومةٍ، بعدها موحَّدةٌ، ثم ضادٌ معجمةٌ، أي: مِن بضَعْتُ اللَّحم، أي: قطَعتُه.
قال الصَّاغَاني: وخالَف بهذا جميعَ الرُّواة.
قال (ك): وفي بعضها بالموحَّدة مع المهملتين، من البَضْع، وهو الجَمْع.
* * *
١٨٨٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بن حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بن ثَابتٍ، عَنْ عَبْدِ الله بن يَزِيدَ، قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بن ثَابتٍ ﵁ يَقُولُ: لَمَّا خَرَجَ النَّبيُّ ﷺ إِلَى أُحُدٍ، رَجَعَ ناَسٌ مِنْ أَصْحَابهِ، فَقَالَتْ فِرْقَةٌ: نقتُلُهُمْ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: لَا نَقتُلُهُمْ. فَنَزَلَتْ: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾، وَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "إِنَّهَا تنفِي الرِّجَالَ كَمَا تَنْفِي النَّارُ خَبَثَ الْحَدِيدِ".
الحديث الثاني:
(يقتلهم)؛ أي: يقتُل الرَّاجعين.
(تنفي الرجال) اللام فيه للعَهْد عن شِرارهم وأخْباثهم، والمراد بالنَّفْي: الإظهار والتَّمييز بقَرينة المشبَّه به، ويُروى: (الدَّجَّال) بالدال.
* * *
стр. 2896
١٨٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بن جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبي، سَمِعْتُ يُونُسَ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ أَنسٍ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "اللهمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضعْفَيْ مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنَ الْبَرَكَةِ".
تَابَعَهُ عُثْمَانُ بن عُمَرَ، عَنْ يُونس.
الثالث:
(ضعْفَي)؛ أي: مِثْلَيه كما قال الجَوْهَري، لكنَّ الفُقهاء قالوا: ضعْف الشَّيء: مِثْلاه، وضعْفاه: ثلاثَةُ أمثالِه، وسبَق بيانه في (الإيمان) في (باب حُسْن إسلام المَرء).
(البركة)؛ أي: كثرة الخَيْر، وهذا مُجمَلٌ فسَّره: "اللهمَّ بارِكْ لَنا في صَاعِنَا ومُدِّنَا"، فَعُرف منه أنها البرَكة الدُّنيوية، حتى لا يُقال: إنَّ مقتَضى إطلاق البركة أنْ يكون ثَواب صلاة المدينة ضعْفَي ثَواب الصَّلاة بمكة، أو المراد عُموم البركة، لكنْ خُصَّت الصَّلاة ونحوُها بدليلٍ خارجيٍّ.
(تابعه عُثمان) وصلَه صاحب "الزُّهْرِيات".
* * *
١٨٨٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بن جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنسٍ ﵁: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَنَظَرَ إِلَى جُدُرَاتِ الْمَدِينَةِ، أَوْضَعَ رَاحِلَتَهُ، وَإنْ كَانَ عَلَى دَابَّةٍ، حَرَّكهَا مِنْ حُبهَا.
стр. 2897
الرابع:
(جُدُرات) بضمَّتين: جمع جُدُرٍ، وهو جمْع جِدار.
(أوضع)؛ أي: حَمَلَها على السَّير السَّريع.
* * *
١١ - بابُ كَرَاهِيَةِ النَّبيِّ ﷺ أَنْ تُعْرَى الْمَدِينَةُ
(باب كَراهة النَّبي ﷺ أنْ تُعْرَى المدينة)
بضمِّ أوَّل (تُعرى)، أي: تُخْلَى، وأَعرَيْتُ المكانَ: جعلتُه خاليًا، أي: يجعل حوالَيها خاليًا، ورُوي: (تَعْرُو) بفتح أوله، أي: تَخلُو، وتصير عَراءً، وهو الفَضاء من الأرض الذي لا سُتْرةَ به.
١٨٨٧ - حَدَّثَنَا ابن سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا الْفَزَارِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنسٍ ﵁، قَالَ: أَرَادَ بنو سَلِمَةَ أَنْ تتَحَوَّلُوا إِلَى قُرْبِ الْمَسْجدِ، فَكَرِهَ رَسُولُ الله ﷺ أَنْ تُعْرَى الْمَدِينَةُ، وَقَالَ: "يَا بني سَلِمَةَ! أَلَا تَحْتَسِبُونَ آثَارَكمْ؟ " فَأَقَامُوا.
الحديث الأول:
(يا بني سَلِمة) بكسر اللام.
(تحتسبون)؛ أي: تعدُّون الأجْرَ في خُطاكم إلى المسجد؛ فإنَّ لكُل خُطوةٍ أجْرًا، وفي بعضها: (تحتَسِبُوا) بلا نُونٍ؛ لأن حذْفَها بدُون
стр. 2898
جازمٍ وناصبٍ فصيحٌ.
* * *
١٨٨٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ الله بن عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بن عَاصِمٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضي".
الثاني:
(بيتي)؛ أي: قَبْري، أو الحُجْرة، وهو بمعناه؛ لأنَّ فيها القبر.
(روضة)؛ أي: كرَوْضَةٍ في نُزول الرَّحمة، وحُصول السَّعادة؛ إذ العِبادة فيه تُؤدِّي إلى الجنَّة، أو الموضع يُنقَل بعينه إلى الجنَّة، فهو إما تَشبيهٌ، أو مجازٌ، أو حقيقةٌ.
(على حَوْضي) قال أكثر العلماء: أي: مِنْبَره بعَيْنه يُوضَع على حَوْضه، وقيل: يُوضَع له هناك مِنْبَر، وقيل: إنَّ مُلازَمة مِنْبره للأعمال الصَّالحة تُورِد صاحبَها الحَوْضَ، وهو الكَوثَر، فيَشرب منه.
* * *
١٨٨٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بن إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ الله ﷺ الْمَدِينَةَ وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبلَالٌ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى يَقُولُ:
стр. 2899
كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ ... وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ
وَكَانَ بِلَالٌ إِذَا أُقْلِعَ عَنْهُ الْحُمَّى يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ يَقُولُ:
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبيتَنَّ لَيْلَةً ... بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ
وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مَجَنَّةٍ ... وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ
قَالَ: اللهمَّ الْعَنْ شَيْبَةَ بن رَبيعَةَ، وَعُتْبهَ بن رَبيعَةَ، وَأُمَيَّةَ بن خَلَفٍ، كمَا أَخْرَجُوناَ مِنْ أَرْضنَا إِلَى أَرْضِ الْوَبَاءِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "اللهمَّ حَببْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، اللهمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا، وَفِي مُدِّناَ، وَصَحِّحْهَا لنا، وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ". قَالَتْ: وَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، وَهْيَ أَوْبَأُ أَرْضِ الله. قَالَتْ: فَكَانَ بُطْحَانُ يَجْرِي نَجْلًا. تَعْنِي: مَاءً آجِنًا.
الثالث:
(وُعِكَ) بضمِّ الواو، وكسر المهملة، أي: حُمَّ، والمَوعُوك المَحمُوم.
(مُصَبَّحٌ) بلفْظ المَفعول، أي: يُقال له: صبَّحَك الله بالخير، أنْعَم الله صبَاحَك، والحال أنَّ المَوت يَفجَؤُه، فلا يُمسي حيًّا، ويحتمل أنه صباح في أهله، أو يُسقى صباحه، وهو شُرْب الغَداة.
والبَيْت لحَكِيْم النَّهْشَلي، كان يَرتجِزُ به في يوم الوقيط.
(شِرَاك) بكسر المعجمة: إحدى سِيُور النَّعْل التي على وَجْهها.
стр. 2900
(أقلع)؛ أي: كَفَّ، وفي بعضها بالبناء للمفعول.
(عَقِيرَتهُ) بفتح المهملة، وكسر القاف، أي: صوتَه، قيل: إنَّ رجُلًا قُطعت رجلُه، فكان يرفَع المقطوعة على الصَّحيحة، ويَصيح من شِدَّة وجَعها بأعلى صوته، فقيل لكُلِّ رافعٍ لصَوته من شدَّةٍ: رفَعَ عَقيرتَه، وهي فَعِيْلةٌ بمعنى: مَفْعولة.
(بوادٍ) يُروى: (بفَيْح).
(وحولي) مبتدأٌ، وما بعدَه الخبَر، والجُملة حاليَّةٌ، نعم، أنشده الجَوْهَري: (بمكَّة حَولي) بلا واوٍ، وهو حالٌ أيضًا.
(إذْخِر) بمعجمَتين، وكسر الهمزة: نَبْتٌ، سبَق بيانه.
(وجَلِيل) بفتح الجيم، وكسر اللام الأُولى: النَّمَّام، وهو نَبْتٌ ضعيفٌ يُحشَى به خَصَاصُ البيت، وقيل: إذا عَظُم النَّمَّام وجَلَّ يُقال له: الجَلِيل، واحده جَليلة.
(مياه) بالهاء: جمعُ ماءٍ كجِبَاهٍ.
(مَجَنَّة) بفتح الميم، والجيم، والنُّون: موضع على أميالٍ من مكَّة كان سُوقًا في الجاهليَّة، وقال (ش): بفتح الميم وكسرها، والميم زائدةٌ: سُوق هَجَر.
(شامة) بالمعجمة.
(وطَفيل) بفتح الطَّاء: جبَلان بناحيةِ مكَّة.
قال (خ): كنْتُ أحسَبهما جبَلَين حتى مرَرْتُ بهما وجدتُهما
стр. 2901
عينَيْن من ماءٍ، وكذا قال أبو الفَرَج: إنهما عَيْنان لا جبَلان، وفي "العُباب": شابة -بموحَّدةٍ-: موضعُ بلاد هُذَيل، قال: والمحدِّثون يقولونه بالميم، وفي شِعْر أبي ذُؤَيب يُروى بالباء والميم، وقال الأسيري في "شرح أبيات النَّوادِر": ويُروَى: (قَفيل) بالقاف بدلَ الطَّاء، وكلُّها مواضع بمكَّة وما يَليها.
(كما)؛ أي: اللهمَّ أبعِدْهم مِن رحمتِكَ كما أبعَدُونا من مكَّة.
(الوباء) بالقَصْر، والمدِّ: مرَضٌ عامٌّ، وقال (ن): الموت الدُّرِيْع، وقال الأطِبَّاء: عُفونة الهواء.
(صاعنا)؛ أي: صاع المدينة، وهو كِيْلٌ يسَع أربعة أمدادٍ، والمُدُّ: رِطْلٌ وثلُثٌ عند أهل الحِجَاز، ورِطْلان في غيرهما، وقيل: يحتمل أنْ تَرجع البركة إلى التصرُّف بها في التِّجارة وأرباحِها، وإلى كثْرة ما يُكال بها من غَلَّاتها وثمارها، أو في المكيل بها؛ لاتساع عَيْشهم عند الفُتوح، حتى كثُر الحَمْل إلى المدينة، وزادَ مدُّهم وصار هاشميًّا مثل مُدِّ الرسول ﷺ مرَّتين، أو مرَّةً ونصفًا.
وفيه إجابة دعوة النبي ﷺ .
(الجُحْفة) بضمِّ الجيم، وسُكون المهملة: مِيْقات أهل مصر،
وكان سكَّانها يومئذٍ يَهود.
وفيه دليلٌ من دلائل النبوَّة، لا يشْربُ أحدٌ من مائها إلا صارَ مَحمومًا.
стр. 2902
قال الأَصْمَعي: لم يُولد أحدٌ بغَدِيْر خُمٍّ -وهو من الجُحْفة- فعاشَ إلى أنْ يحتلِمَ إلا أن يتحوَّل منها.
فإنْ قيل: ما الجمْع بين قُدومهم على الوَباء وحديث النَّهي عنه؟.
قيل: إما لأنَّ القُدوم كان قبْل النَّهي، أو أن المنْهيَّ عنه الأمرُ العامُّ، والذي في المدينة كان للغُرَباء.
وفي الحديث الدُّعاء على الكفَّار بالأمراض، وللمسلمين بالصِّحة، وكشْفِ الضُّرِّ عنهم، ورَدٌّ لقَول بعض المتصوِّفة: إن الدُّعاء قَدْحٌ في التوكُّل، وقَولِ المعتزلة: لا فائدةَ في الدُّعاء مع سبْق القَدَر، والمَذْهب أنَّ الدُّعاء عبادةٌ مستقلةٌ، ولا يُستجاب منه إلا ما سبَق به التقدير.
(بُطْحَان) بضمِّ الموحَّدة، وسكون المهملة: وادٍ في صحراء المدينة.
(نَجْلًا) بفتح النون، وإسكان الجيم: الماءُ الذي يظهر على وجه الأرض، والآجِن: الماء المتغيِّر الطَّعْم واللَّون.
قال (ش) فيما سبق: إنَّه ضبطُ أكثرِهم، أي: يظهر، ويجري، وينبسط، وضبطها الأَصِيْلي: بفتح الجيم، وهو وهمٌ.
قال ابن السِّكِّيْت: النَّجْل: النَّزُّ حين يظهَر وينبُع عين الماء، وقال الجِرْمِي: نَجْلًا، أي: واسِعًا، ومنه عينٌ نجلاء، وقيل: الغَدِير الذي لا يَزال فيه الماء، وقول البخاري في تفسيره: (يعني ماءً آجنًا) هو خطأٌ
стр. 2903
في التفسير، وإنما الآجِن: الماء المُتغيِّر.
* * *
١٨٩٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بن بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدِ بن يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بن أَبي هِلَالٍ، عَنْ زيدِ بن أَسْلَمَ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: اللهمَّ ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبيلِكَ، وَاجْعَلْ مَوْتِي فِي بَلَدِ رَسُولِكَ ﷺ .
١٨٩٠ / -م - وَقَالَ ابن زُرَيْعٍ: عَنْ رَوْحِ بن الْقَاسِمِ، عَنْ زيدِ بن أَسْلَمَ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ حَفْصَةَ بنتِ عُمَرَ ﵄، قَالَتْ: سَمِعْتُ عُمَرَ نَحْوَهُ.
وَقَالَ هِشَامٌ: عَنْ زيدٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ حَفْصَةَ، سَمِعْتُ عُمَرَ ﵁.
الحديث الرابع:
(ارزقني الشهادة) قد اسْتُجِيبتْ فيما حصَل له في قتْله من ثَواب الشهادة؛ لأنه قُتل مظلومًا.
(عن أبيه)؛ أي: فالاختلاف بين ذلك والطَّريقِ الثَّانية: أنَّ في تلك: (عن أبيه)، وهي المشهورة.
стр. 2904
٣٠ - كِتابُ الصَّومِ
стр. 2905
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٣٠ - كِتابُ الصَّومِ
(كتاب الصَّوم)
هو لغةً: الإمساك، وشرعًا: إمساكٌ عن وُصولِ عينٍ جوفَه، واستِمناءٍ من الفجْر إلى الغُروب بنيَّةٍ مُعتبرةٍ.
١ - بابُ وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ
وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
(باب وُجوب صَوم رمَضان)
١٨٩١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بن سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بن جَعْفَرٍ، عَنْ
стр. 2906
أَبي سُهَيْلٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ طَلْحَةَ بن عُبَيْدِ الله: أَنَّ أَعْرَابيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ثَائِرَ الرَّأْسِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! أَخْبرْنِي مَاذَا فَرَضَ الله عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: "الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، إِلَّا أَنْ تَطوَّعَ شَيْئًا". فَقَالَ: أَخْبرْنِي مَا فَرَضَ الله عَلَيَّ مِنَ الصِّيَامِ؟ فَقَالَ: "شَهْرَ رَمَضَانَ، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا". فَقَالَ: أَخْبرْنِي بِمَا فَرَضَ الله عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ؟ فَقَالَ: فَأَخبَرَهُ رَسُولُ الله ﷺ شَرَائِعَ الإسْلَامِ. قَالَ: وَالَّذِي أكْرَمَكَ لَا أتَطَوَّعُ شَيْئًا، وَلَا أنقُصُ مِمَّا فَرَضَ الله عَلَيَّ شَيْئًا. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ، أَوْ: دَخَلَ الْجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ".
١٨٩٢ - حدثنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ ناَفعٍ، عَن ابن عُمَرَ ﵄ قَالَ: صَامَ النَّبيُّ ﷺ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تُرِكَ. وَكَانَ عَبْدُ الله لَا يَصُومُهُ، إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ صَوْمَهُ.
الحديث الأول:
(أعرابيًّا) واحد الأَعراب، وهم سكَّان البادية.
(ثَائِر)؛ أي: منْتَفِشَ.
(تَطُّوع) بشدة الطاء وخفَّتها، واختُلف في الاستِثناء، هل هو منقطعٌ أو متصلٌ؟.
(شرائع الإسلام)؛ أي: كالحجِّ إنْ قُلنا: كان فُرض مُطلقًا، أو
стр. 2907
قلنا: فُرض على غير السائل، ونُصُب الزكاة، ومقاديرها، وغير ذلك، وبهذا يزول الإشكال عن الإخبار بِفَلاحِهِ مع أنَّ للإسلام فرائض غير المَذكورة في الحديث.
وقيل: دلَّ على أن الفَرائض تُوجِبُ الجنَّةَ، والسُّنَن تُوجب الزِّيادة فيها.
وسبَق الحديث في (الإيمان)، وأنَّ هذا الأَعْرابي هل هو ضمَامُ ابن ثَعْلبَة، أو غيره.
(عاشوراء) ممدودٌ ومقصورٌ، وهو عاشِر المُحرَّم، وقيل: تاسِعُه، مِن أسماء الإبل، فإنهم يُسمُّون خامس أولاد الإبل ربْعًا، وهكذا، فيكون التَّاسِع عاشُورًا، وسبَق ردُّه.
ثم الاتفاق على أنَّ صومَهُ سُنَّةٌ في زماننا، وأما في زمانه فاختُلف فيه، كان واجبًا أم لا؟، وعلى الأول فهل نُسِخَ برمَضان، فيكون ببدَلٍ أثقَل، أو نُسِخَ لا ببدَلٍ، وسبَق بيان ذلك.
* * *
١٨٩٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبةُ بن سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بن أَبي حَبيبٍ: أَنَّ عِرَاكَ بن مَالِكٍ، حَدَّثَهُ: أَنَّ عُرْوَةَ أَخْبَرَهُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ الله ﷺ بِصِيَامِهِ حَتَّى فُرِضَ رَمَضَانُ، وَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ".
стр. 2908
الحديث الثاني:
بمعنى ما قبله.
* * *
٢ - بابُ فَضْلِ الصَّوْمِ
(باب فَضْل الصَّوم)
١٨٩٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبي الزِّناَدِ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ؛ مَرَّتَيْنِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ الله تَعَالَى مِنْ رِيح الْمِسْكِ، يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي، الصِّيَامُ لِي، وَأَناَ أَجْزِي بِهِ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا".
(جُنة) بضمِّ الجيم، أي: التُّرس، أي: فيكون مانِعًا من النَّار، أو من المَعاصي؛ لأنه يَكسِر الشَّهوة، ويُضعف القوَّة.
(يَرْفُث) بضم الفاء، وكسرها، على أنَّ ماضيه (رَفَثَ) بالفتْح، فأما على أنَّه بالكسر، فالمضارع: يَرفُث بالفتح رفْثًا بالسكون في المصدر، والفتْح في الاسم، أي: يُفْحِش في الكلام.
стр. 2909
(يجهل)؛ أي: يَفعل فِعْل الجُهَّال كالصِّياح والسُّخرية، أو يَسفَه.
(فليقل) أي: بقلبه، ولسانه: الأوَّل لكَفِّ نفْسه عن مُقاتلة خصمه، والثاني لكَفِّ خصمه عن الزِّيادة، وهو من أسرار الشريعة، فهو مِن حمل اللَّفظ على حقيقتيه، أو حقيقته ومَجازِه، وذلك واجبٌ عند الشَّافعي، وهذا وإنْ لم يختصَّ بالصَّائم إلا أنَّه في الصِّيام أَوْكَد.
وقال الأَوزاعي: يُفطِر بالسَّبِّ والغِيْبة، فقيل: معناه: يصير كالمُفطِر في سُقوط الأجْر لا أنه يُفطِر حقيقةً.
(لَخُلُوف) بضمِّ الخاء على الصَّحيح المشهور، وهو تغيُّر رائحة الفَمِ.
(عند الله) قال (ط): أي: في الآخِرة كما في: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الحج: ٤٧]، أي: مِن أيام الآخرة.
قال المَازَرِي: هذا استعارةٌ؛ لأنَّ استِطابةَ بعض الرَّوائح من صفات الحيَوان الذي له طبيعةٌ تميل إلى الشَّيء، وتَستطيبه وتنفِر عنه، فتَستقْذره، والله مُقدَّسٌ عن ذلك، لكنْ جرَتْ عادتُنا بتقريب الرَّوائح الطَّيِّبة، فاستُعير ذلك في تَقْريب الصَّوم.
وقيل: المعنى: لَجزاء خُلُوفه أطيَبُ منه، أي: فيُجازيه في الآخرة بكون نكْهته أطيَب من المِسْك، وقيل: المراد: عند ملائكة الله، فهو على حَذْف مضافٍ، وقيل: أكثَر له قَبولًا من قَبول رِيْح المِسْك عندكم؛ لأنَّ الطِّيب مُستلزِمٌ للقَبول عادةً، أو على وجْه
стр. 2910
الفَرْض، أي: لو تُصوِّر الطِّيْب عند الله لكان الخُلُوف أَطيب، أو المقصود من التركيب زُبْدتُه، وهو الثَّناء على الصائم، والرِّضَا بفِعْله؛ لئلا يمنعَه الخُلُوف المتغيِّر من مُواظبة الصَّوم.
وقال (ن): الأصحُّ أن الخُلُوف أكثَر ثَوابًا من المِسْك حيث نُدب إليه في الجُمَع والأعياد.
وقال البَيْضاوي: هو تفضيلٌ لمَا يُستكرهُ من الصَّائم على أطْيَب ما يُستلَذُّ من جنْسه، وهو المِسْك؛ ليُقاس عليه ما فَوقه من آثار الصَّوم (١).
(من أجلي) هذا يحتاج لتقديرٍ، حتى لا يتَّحِدَ المتكلِّم في: (والذي نفْسي) مع: (لأَجْلي)، أي: قال الله، وقَول الله في مثل ذلك، وهو المسمَّى بالقُدسي، والإلهي، والربَّاني، يُفارِق لفْظ القُرآن أنَّ ذلك معجزةٌ بقصده مُتعبَّدٌ بتلاوته.
وعبارة (ك) في نفي الإعجاز فيه بالكُلِّية، وأنَّه لم يأْتِ به جبريل ليس بجيِّدٍ فيها، نعَمْ، الفَرْق بينه وبين الأحاديث النَّبويَّة -مع أنَّه ما ينطِقُ عن الهَوَى، وكلُّها وَحْيٌ- أنَّ هذا أيضًا يُضاف (٢) إلى الله تعالى