Полный текст (8 898 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
للقرينة العقلية، وهو بالرفع صفةٌ لـ (رجل)، وقيل: نصب على الحال، ولا تضرُّ إضافته؛ لأنَّها لفظيةٌ.
(نسمع) بنونٍ مفتوحةٍ، وكذا (نَفقَه) على الأشهر الأكثر فيهما، ويُروى بضم المُثنَّاة تحت على البناء للمفعول.
(دوي) بفتح الدال، وحكي ضمها: شدَّة الصوت وبُعده في الهواء، أي: شديدٌ لا يُفهم منه شيءٌ كدوي النَّحل.
(عن الإسلام)؛ أي: عن فرائضه بعد التوحيد، وتصديق الرسول ﷺ ، ولذلك لم يذكر له الشهادتين لعلمه ﷺ أنَّه لا يَسأل، ويحتمل أنَّه ذكرهما ولم يَسمع طلْحة لبُعده، أو لم ينقل ذلك لشهرته.
(إلا أن تطوع) بتشديد الطاء والواو، وأصله تتطوَّع بتاءين، فأُدغم، قيل: ويجوز تخفيف الطاء على حذف إحدى التاءين، وينبغي أن يكون المحذوف هو الأصلية؛ لأنَّ الزائدة جاءت بمعنًى.
وقد اختلف في هذا الاستثناء، فقال الشافعي ﵁ وغيره: منقطعٌ، فلا يلزم إتمام التطوُّع، والتقدير: فالتطوع خيرٌ لك، وقدَّره الطَّيْبِي، وقال: إنَّه مثل: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إلا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦]، أي: لا يجب شيءٌ إلا أن تطوَّع، وقد علم أن التطوع ليس بموجَبٍ، فلا يجب شيءٌ آخَر أصلًا، ومَن أوجَب إتمامَ تطوع الصوم والصلاة قال: متصلٌ، أي: إلا إذا تطوَّعت، فالتطوُّع عليك يَلزمك إتمامُه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، وبالقياس على الحج المتفَق على لزوم إتمامه، فعلى الأول يكون دليلًا
стр. 317
أن التهجد لا يلزم الأُمة بل نُسخ عنهم، وكذا عن النبي ﷺ على المرجَّح، وعدَم وجوب الوتر والعيدين خلافًا لأبي حنيفة، وخلافًا لقول الإِصْطَخْري من أصحابنا: أنَّ صلاة العيدين فرض كفايةٍ.
(قال: وذكر له رسول الله ﷺ ) كأن الراوي نسِي تلك، أو التبسَ فاستدركَه.
ففيه: التحرِّي في مُراعاة المروي.
(أفلح)؛ أي: فازَ، أو ظفِرَ، قيل: الفوز أربعة: بقاءٌ بلا فناءٍ، وغنًى بلا فقرٍ، وعزٌّ بلا ذلٍّ، وعلم بلا جهلٍ، فلا كلمةَ أجمع منها.
قال (ن): قيل: فلاحه راجعٌ إلى قوله: (ولا أنقُص)، والمختار رجوعه له ولقوله: (ولا أزيد)؛ إذ ليس فيه أنَّه إذا أتى بزائدٍ لا يُفلح، يُعلم ذلك بالضرورة، لأنَّه إذا أفلح بالواجِب فلأَنْ يُفلح بزيادة الندب عليه أَولى.
قال (ك): أو يحمل على أنَّه حلَف على أنْ لا يزيد في الإبلاغ على ما سَمع، ولا ينقُص منه، أو: أنَّه مبالغة في التصديق والقَبول، أي: قلتُ ما قلته لا أزيد عليه من جهة السؤال ولا أنقُص منه من طريق القبول، أو أن هذا كان قبْل مشروعية شيءٍ آخر، أو: (لا أزيد عليه) تتغيَّر صفته؛ كأنَّه قال: لا أُصلي الظُّهر خمسًا، أو أن المراد: نحافظ على الفرائض وإنْ لم نفعل النوافل، أو: لا أزيد على شرائع الإسلام، وسيأتي في (الصيام) في حديثٍ ما يوضح المراد، فإنَّ فيه: (وأخبَره ﷺ -
стр. 318
بشَرائع الإسلام)، فهذه ثمانية أجوبةٍ دفعتْ مفهوم الشَّرط في أنَّه إذا زادَ لا يُفلح.
ولقد حلَف وأقرَّه النبي ﷺ ، وهو قد أَنكَر على من حلَف: أنْ لا يفعل خيرًا، وأنَّه كيف قال: لا أزيد، وهو لم يذكر جميع الواجبات، ولا المنهيات، ولا المندوبات، ولم ينكره ﷺ ؟، بل قال: إنَّه أَفلَح.
واعلم أنَّه إنما لم يذكر الحج؛ لأنَّه لم يكن فُرض، أو أن الرجل سأله عن حاله، وهو ممن لم يجب الحجُّ عليه، أو أن هذا لتفاوُت الرواة حفْظًا أو نحوه، فإنَّ بعضهم لم يذكر الصوم، وبعضٌ الزّكاة، وبعضٌ ذكر صِلَة الرحم، وبعضٌ أداء الخمُس، وبالجملة فالقاعدة أن الزيادة يجب العمَل بها إلا أنْ تُغيِّر الباقي، فيقَع التعارُض.
(وأبيه) لا يُعارضه حديث: "إنَّ الله يَنهاكُم أنْ تحلِفُوا بآبائكم"، إما لأنَّه هنا ليس حلِفًا بل كلمةً جرتْ عادة العرب تحسينُ الكلام بها، وذاك من الحَلِف حقيقةً.
قال (ن): وفي الحديث أنَّه يُقال: (رمضان) من غير ذكْر (شهر)، فإنَّ المال ليس فيه حقٌّ سِوى الزّكاة.
قال (ط): وفيه أن الفرائض تُسمى إسلامًا، وفي قوله: (إنْ صدَق): أنَّه إن لم يصدُق في التزامها فليس بمفلحٍ، وهو خلاف قول المُرجئة.
* * *
стр. 319
٣٥ - بابٌ اتِّبَاعُ الجَنَائِزِ مِنَ الإِيمَانِ
(باب اتباع الجنائز من الإيمان)، بتشديد اتّباع، والجنائز جمع -جِنازة- بجيم تكسر في الأفْصح، مِنْ جَنَز، أي: سَتَر، ويُقال: إنَّه بالفتح: الميِّت، وبالكسر: النَّعش عليه الميت، وقيل: بالعكس، وقال الجَوْهَري: بالكسر، والعامة تفتحه، قال: وهو الميِّت على السَّرير، وإلا فهو سَريرٌ ونعشٌ.
٤٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَلِيٍّ الْمَنْجُوفيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِم إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا، وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ".
تَابَعَهُ عُثْمَانُ الْمُؤَذِّنُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْث، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، نَحْوَهُ.
(م ت س ق).
سنَده بصريون إلا أبا هريرة، نعَمْ، قيل: الحسَن لم يسمع من أبي هريرة، فيكون: (عن أبي هريرة) راجعًا إلى (محمد) فقط، أو هو من حديث الحسَن مُرسَلًا.
стр. 320
(تبع) في رواية: (اتبَعَ)، وهو الموافق للترجمة، وظاهره يقتضي المشيَ وراءَ الجنازة، وهو قول أبي حنيفة، وقال الأئمة غيرُه: قُدَّامَها؛ للعُرف في معنى الاتباع؛ إذ المراد عُرفًا أن يُنسب إليها ويُعدَّ من شِيْعتها؛ لأن النبي ﷺ والشيخين كانوا يمشون أمامَها، وأيضًا فالشَّفيع إنما يكون قُدَّام المشفوع له، وهم شُفعاء بدليلِ: "وقد جئْناكَ شُفعاءَ له"، وقال الثوري: الكلُّ سواءٌ.
(إيمانًا) مرَّ بيانه في الأحاديث المُتعلِّقة برمضان.
ووجه دخوله في الترجمة سبَق نظيره.
(معه)؛ أي: مع المسلم، أو صاحب الجنازة، وفي بعضها: (معها)، أي: الجنازة.
(يصلي عليها ويفرغ) الأحسَن في الفعلين البناء للفاعل، ويجوز البِناء على المفعول، والجارُّ والمجرور فيهما هو النائب عن الفاعل، ومع ذلك يُقيَّد بأنْ يُصلِّي هو عليها، ويتبعَها إلى أن يُفرغ من دفنها جمعًا بين الرِّوايتين بحمل المطلَق على المقيَّد، فإنْ صلَّى فقط فليس له القِيراطان، وكذا لو صلَّى وذهب إلى القبر، ومكَث حتى جاءتْ، وحضر الدَّفن، أو حضَر الدَّفْن ولم يُصلِّ، أو تَبِعَها ولم يُصلِّ.
(يرجع) من الرُّجوع لا من الرَّجع.
(بقيراطين) القِيْراط لغةً: نِصْف دانقٍ، وأصله قِرَّاط -بتشديد الراء- بدليل جمعه على قَراريط، فأُبدل من أحد حرْفي تضعيفه ياء كما في دِيْنار، والمقصود من القِيْراط هنا الحِصَّة.
стр. 321
قلتُ: فهو إشارةٌ إلى أَجْرٍ معلومٍ عند الله، ونحو ذلك حديث: "مَنْ يَعمَل لي على قِيْراطٍ"، فلعلَّ العُرف كان في ذلك العهد عليه.
وقال الطِّيْبِي: هو جزءٌ من الدِّينار نِصْف عُشره في أكثر البلاد، وجزء من أربعةٍ وعشرين في الشام، وقد يُطلق على بعضِ الشيء.
(كل قيراط مثل أُحد) تفسيرٌ للمقصود من الكلام لا للفْظ القِيْراط، والمعنى: يَرجع بحصَّتين من الأَجْر، فبيَّن الجنسَ بقوله: (مِنَ الأَجْر)، والمقدارَ بقوله: (بمِثْل أُحُدٍ)، وكلاهما صفةٌ لقيراطين، لكن الأُولى قُدِّمت فصار حالًا.
(ثم رجع) يدلُّ على أنَّه كان معه ومُتبِعَه؛ لأن الرُّجوع يقتضي ذهابًا حتى لا يحصل القيراطان على الصلاة فقط.
(تابعه) سبَق بيان المتابعة أول الكتاب، والضَّمير لـ (رَوْح)؛ لأنَّ عُثمان في مَرتبته لا لأحمد، وإنْ كان البخاري قد يَروي عن عثمان بلا واسطةٍ، وربَّما روى عن محمَّد، أي: الذُّهْلي عنه.
(عن محمد)؛ أي: ابن سِيْرين، أي: ولم يَروه عن الحسَن.
فإنْ قيل: هل قول البخاري: (تابعه)، يَجزم بأنَّه سمعَه منه كما إذا قال: (عن فُلانٍ) حيث أمكَن السَّماعُ؟
قيل: قياس المُتابعة على العَنْعنة تقتضي ذلك، لكنْ صرَّحوا به في المُعَنعن، ولم يُصرِّحوا به فيها.
وهذه المتابعة وصلَها أبو نُعيم في "المُستخرَج".
стр. 322
(نحوه) بالنصب، والظاهر أنْ يكون بمعنى ما سبَق لا بلفْظه.
قال (ن): واعلم أنَّ الصلاة يحصل بها قيراطٌ، فإذا انضمَّ إليها الاتباع إلى الفَراغ حصل القِيْراط الثاني بالإتيان مع الأول كما هو ظاهر بعض الروايات -أي: في "مسلم"- لكنْ هذا الحديث بيَّن المراد كما في قوله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] الآيةَ.
قال: ثم المراد بالدَّفن على الصَّحيح تسوية القبْر بالتَّمام، وقيل: نصب اللَّبِن عليه وإن لم يُهَل الترابُ.
* * *
٣٦ - بابُ خَوْفِ المُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: مَا عَرَضْتُ قَوْلي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أكُونَ مُكَذِّبًا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَدْركتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ.
وَيُذْكَرُ عَنِ الْحَسَنِ: مَا خَافَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِقٌ.
وَمَا يُحْذَرُ مِنَ الإصْرَارِ عَلَى النِّفَاقِ وَالعِصْيانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ؛ لِقَوْلِ
стр. 323
اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥].
(باب خوف المؤمن أن يحبط عمله)؛ أي: يَبطُل، ومراده أن يَحبَط بكُفرٍ أو نحوه لا بمطلَق المعصية، فإنَّ ذلك من قول المعتزلة، وقال (ن): الحبط نقصُ الإيمان؛ إذ الكُفر إما باعتقاد أو فعل ما يَقتضيه عالمًا، ونازعَه (ك): بأنَّه قد يكفُر بكلمة الكُفر، وبالفعل الموجِب للكُفر وإنْ لم يَعلم أنَّه كفرٌ، وفيه نظَرٌ؛ فإنَّه أراد بالفعل الأعمَّ من القول، فيَشمل كلمة الكُفر وغيرها، وأما إذا لم يعلم أنَّ ذلك الفعل كفرٌ؛ فلا يكفر به.
(وهو لا يشعر) جملةٌ حاليةٌ، وهو مثل معنى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر: ٤٧].
ومُناسبة تعقيب هذا الباب بما سبَق: أنَّ اتباع الجنائز إيمانًا واحتسابا فيه حثٌّ على الإخلاص، فإنَّها مظِنَّة أنْ يُراعي أهلَها، أو يترك أهلها هذا القَصْد، وربَّما وقع ذلك وهو لا يشعُر، فيقَع إحباط عمَله.
(مكذبًا) بكسر الذال المُشدَّدة؛ لأنَّه خافَ التقصير في العمَل، وكأنَّه لم يُصدِّق؛ إذ لم يَجرِ على مُقتضَى التصديق، أو إني أَقول: إني مؤمنٌ، ولا أعمل عمَلهم.
وقال (ن): معناه أنَّ الله تعالى ذمَّ من أمَر بالمعروف ونهى عن المُنكَر وقصَّر في العمل، فقال: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا
стр. 324
لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣]، فخَشِيَ أنْ يكون مكذِّبًا؛ إذ لم يبلُغ غايةَ العمل، وضبَطه بعضهم بفتح الذال، أي: خشيتُ أنْ يُكذِّبني مَن يرى عمَلي مُخالفًا لقولي.
(أدركت ثلاثين) ذكَر في "تهذيب الكمال" وغيره غالبَهم.
(يخاف)؛ أي: يخشَى حُصوله في الخاتمة؛ لأن الخوف يرجع للمُستقبَل.
(ما منهم أحد ...) إلى آخره، أي: يَجزِم بعدَم حُضور النِّفاق كما هو جازمٌ بذلك في إيمان جِبْريل ومِيْكائيل، ويحتمل أنَّهم كانوا يقولون بزيادة الإيمان ونقْصه، فاستفاد هذه المسألةَ من أحوالهم.
(ويذكر) إنما لم يَجزم به كالذي قبْلَه؛ لأنَّه لم يثبُت عنده ثُبوت ذلك، فأتى بصيغة التَّمريض، كذا قال (ك)، وفيه نظَرٌ؛ فإنَّ الأثَر ثابتٌ لا ضعفَ فيه، وإنما المؤلِّف اختصره، وهذه عادته كما أفاد شيخُنا العِراقيُّ: أنَّه إذا اختصر حديثًا أو أثرًا أتى فيه بصيغة التمريض، وهذه فائدةٌ مهمةٌ تنفع في هذا الكتاب.
(ما خافه)؛ أي: من الله، فحذف الجارَّ.
(وما يحذر) بالبناء للمفعول عطْفٌ على (خوف) في الترجمة، أي: وباب ما يُحذر، ويحتمل أنَّه عطفٌ على (يقول) الذي قبْله على البناء على الفاعل، و (ما) نافيةٌ، أي: ما منهم من أحدٍ ما يحذَر، وهو ردٌّ على المرجئة حيث قالوا: لا حذَرَ من المعاصي عند حُصول الإيمان،
стр. 325
فعَقَد الباب لأمرين: الخَوْف من نحوِ عُروض الكُفر، فإنَّه كالإجماع السُّكوتي بما نقل عن التابعين الثلاثة، والخوف من الإِصْرار على المعاصي بالآيةِ.
(على التقاتل) في بعضها: (على النِّفاق)، ولكن الأُولى هي المناسبة لقوله: (وقِتالُه كُفرٌ)، والثانية لما تقدَّم.
(ولم يصروا)؛ أي: لم يُقيموا ولم يُداوموا، بل استغفروا لذنوبهم، فمفهومه أنَّ عند عدَم ذلك يكون الحذَر.
قال (ك): مُراد البخاري الردُّ على المرجئة في قولهم: إنَّ الله لا يُعذِّب مَن قال: لا إله إلا الله على معصيةٍ، ولا يُحبط شيئًا من عمَله بذنْبٍ، وإنَّ إيمان المطيع والعاصي سواءٌ، فصدَّر بقول أئمة التابعين وما نقَلوه عن الصَّحابة إشارةً إلى أنَّه لا خِلافَ بينهم فيه، وأنَّهم مع اجتهادهم خافُوا أن لا يَنجُوا، وبذلك استدلَّ أبو وائل كما سيأتي، ولما سُئل: المرجئةُ أَمصيبُون أم مُخطئون في قولهم: سِباب المُسلم وقِتاله ونحو ذلك لا يضرُّ إيمانَهم = فروى الحديث ردًّا عليهم.
وقول ابن أبي مُلَيكة معناه: أنَّهم خافُوا أن يكونوا ممن داهَنَ ونافَق، فقوله: (ما منْهم أحدٌ يقول: إنَّه على إيمان جبريل) بناءً على أنَّ الإيمان يَزيد ويَنقُص، وأنَّ إيمان جبريل أكمَل من إيمان آحاد الناسِ خلافًا لقول المُرجئة: إيمانُ أفسَق الفُسَّاق وإيمانُ جبريل سواءٌ.
قال (ط): إنما خافوا لأنَّهم طالتْ أعمارهم حتى رأَوا من التغيير
стр. 326
ما لم يَعهدوه، ولم يَقدِروا على إنكاره، فخافوا أن يكونوا داهنوا ونافقوا، وقال: إنما يَحبط عمَل المؤمن وهو لا يَشعُر إذا عدَّ الذَّنب يسيرًا، وكان عند الله عظيمًا، فالحبَط نُقصانٌ لا كُفرٌ، وأما حديث: "الشِّرْك أَخْفَى فيكم مِن دَبِيْب النَّمْل"، فالمراد به أنَّ الرياء في عقْد الإيمان الشِّرك الأكبر، وهو كفرٌ؛ لأن الرياء في الأعمال، وهو الشِّرك الأصغر مع سلامة عقد الإيمان، فإنَّه لا يخرج من الإيمان.
* * *
٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبةُ، عَنْ زُبَيْدٍ قَالَ: سَاَلْتُ أَبَا وَائِلٍ عَنِ المُرْجِئَةِ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كفْرٌ".
الحديث الأول (م ت س ق):
(المرجئة) بالهمزة بوزْن: مُرجِعَة، أي: الفِرقة الملقَّبة بذلك؛ لأنَّهم يُرجئون العمَل، أي: يُؤخِّرونه، ويُقال فيه: المُرجية؛ بلا همزٍ أيضًا، قلبت تخفيفًا، أو أنَّه من الرَّجاء من حيث قولهم: لا يضرُّ مع الإيمان معصية كما لا ينفَع مع الكُفر طاعةٌ.
قال الجَوْهَري: ويقال فيهم: مُرجئيَّة، أي: بالهمز وتشديد الياء، جمع مُرجئيٍّ بياء النَّسب، وحكى غيره: مُرجيَة بلا همزٍ مع تخفيف الياء، فصارتْ ثلاثة أوجهٍ.
(سباب) يحتمل أنْ يكون على بابه في المُفاعلة، وأن يكون
стр. 327
بمعنى: السبِّ، أي: الشَّتْم، وهو التكلُّم في عِرض الإنسان بما يَعيبه، وفسَّره الرَّاغِب بالشَّتْم الوَجيع.
وقال (ش): إنَّه مصدرٌ لـ (سبَّ)، يقول: سبَّ يسُبُّ سَبًّا وسِبابًا، انتهى.
وهو مضافٌ للمفعول.
(فسوق) وهو الخُروج عن الطاعة.
(وقتاله) يحتمِل حقيقة المقاتَلة، ويحتمل المُشاتَمة والمُخاصَمة، فإنَّ العرَب تُسمي المُخاصَمة: مُقاتلةً.
(كفر)، قال (ط): ليس المراد بالكُفر الخُروج عن المِلَّة؛ أي: لانعِقاد إجماع أَهل السنَّة على أنَّه لا يكفر بذلك، بل المراد كُفران حقِّ المسلمين؛ لأنَّ الله تعالى جعلَهم إخوةً، وأمَر بالإصلاح بينهم، ونهاهم الرسولُ ﷺ عن التقاطُع والمُقاتَلة، وأخبر بأنَّ مَن فعل ذلك كفَر حقَّ أخيه المسلم، أو المراد: أنَّه يَؤُول إلى الكُفر لشُؤْمه، أو: أنَّه كفِعل الكُفَّار.
قال (خ): أو المُراد المُستحِلُّ له بلا تأْويلٍ، ووجْه إبَطال قول المرجئة بالحديث أنَّهم لا يُفسِّقون مُرتكب الكبيرة.
وفي الحديث جعْل السِّباب فُسوقًا، والقِتال كُفرًا، أي: بالمعنى السابق، وإنما عبر في الثاني بذلك مع استوائهما في أنَّهما فسقٌ؛ لأنَّه أغلَظ، وبأخلاق الكفَّار أشبَه.
* * *
стр. 328
٤٩ - أَخْبَرَناَ قُتيْبَة بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنسَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيلَةِ القَدْرِ، فتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقَالَ: "إِنِّي خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، وإِنَّهُ تَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمُ، الْتَمِسُوهَا فِي السَّبع وَالتِّسْعِ وَالخَمْسِ".
الحديث الثاني (خ):
وهو من رواية صحابيٍّ عن صحابيٍّ.
(خرج)؛ أي: من الحُجْرة.
(يخبر) إما استئنافٌ أو حالٌ مقدَّرةٌ؛ لأن الخبَر بعد الخُروج نحو: ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣].
(فتلاحى)؛ أي: تَنازَعَ (رجلان) هما عبد الله بن أبي حَدْرَد -بمهملةٍ وتكرير الدال المهملة أيضًا- وكَعْب بن مالِك، كانَ له على عبد الله دَينٌ فطلبَه، فتنازعا، وارتفَع صوتُهما في المَسجِد.
قال الإِسْمَاعِيْلي: إنَّ البخاري أورد هذا الحديث في الباب تَنْبيهًا على أنَّ التلاحي غير المُشاتَمة؛ لأنَّ التلاحي مُحاورةٌ، فليس بفُسوقٍ.
(أخبركم) الإخبار يتعدَّى لثلاثةٍ، فالأخيران محذوفان، أي: أُخبركم ليلةَ القَدْر كذا، أو أنَّ بليلة القَدْر نُزِّل منزلة المفعولين؛ إذ المراد: أنَّ ليلة القَدْر كذا، ولا يصحُّ أن يكون هو الثاني، ويكون الثالث محذوفًا؛ لأنَّ الثاني والثالث مِن مفاعيله كمفعولَي عَلِمتُ.
стр. 329
(فرفعت)؛ أي: رُفع بيانُها، أو عِلْمها، وإلا فهي باقيةٌ إلى يوم القيامة، وغلِط من قال: رُفعتْ بالكلِّية؛ لأنَّ قوله آخِر الحديث: (فالتمِسُوها) يَردُّ عليه.
فإنْ قيل: كيف يُؤمر بطلَب ما رُفع عِلْمه؟
قيل: المُراد بطلَب التعبُّد في مظانِّها، وربَّما يقع العمَل مُصادِفًا لها لا أنَّه مأمورٌ بطلب العِلْم بعينها.
والأوجه أن يُقال: رُفعت من قلْبي، أي: نسيتُها.
(أن يكون)؛ أي: الرفع.
(خيرًا)؛ أي: ليَزيدوا في الاجتهاد، وَيقوموا في اللَّيالي لطلَبها؛ إذ لو كانتْ معيَّنةً لاقتصرتُم عليها، لكنْ إذا كان خيرًا فلا مذمةَ ولا حبط العمل، فيُؤوَّل (خيرًا) بأنَّه ليس للتَّفضيل بل المراد: يكون فيه خيرًا، أو إنْ كان في عدَم الرفع خيرٌ أكثَر منه، أو للتعليل بالنسبة إلى أمرٍ آخَر، وهو كونه سببًا لزيادة العمَل والاجتهاد المُستلزِم لزيادة الثواب.
(في السبع)؛ أي: السبع والعشرين من رمضان، والتسع والعشرين منه، والخمس والعشرين منه، ودليل هذا التقدير بقيَّةُ الأحاديث التي فيها ذكر العشرين مع السبْع، أو التسع، أو نحو ذلك، وفي بعض النُّسَخ: تقديم التسع على السبع.
ووجْه مُناسبة الحديث للترجمة: ذَمُّ التَّلاحي، وأن صاحبَه ناقصٌ؛ لاشتغاله عن كثيرٍ من الخير بسببه لا سيَّما إذا كان في المسجد
стр. 330
عند جَهْر الصوت بحضْرة النبي ﷺ ، بل ربَّما جرَّ إلى بُطلان العمَل وهو لا يشعر، قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ [الحجرات: ٢] الآيةَ.
فإنْ قلنا: للترجمة جُزءان فدلالته على الجزء الأول أَظهر كالحديث الأول على الجزء الثاني = فهو لفٌّ ونشرٌ، بخلاف ما إذا قُلنا: الترجمة أمرٌ واحدٌ.
* * *
٣٧ - بابُ سؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِي ﷺ عَنِ الإِيمَانِ، وَالإِسْلَامِ، وَالإِحْسَانِ، وَعِلْمِ السَّاعَةِ وَبَيَانِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: "جَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ"، فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا، وَمَا بيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ مِنَ الإيمَانِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] .
(باب سؤال جبريل)، من إضافة المصدر إلى الفاعل.
(النبي ﷺ بالنصب مفعولًا.
(وعلم الساعة)؛ أي: القيامة، سُميت بذلك لوقوعها بغتةً، أو لسُرعة حسابها، أو على العكس لطُولها كما يُقال: للأَسوَد كافُور تَلْميحًا، أو أنَّها عند الله على طُولها كساعةٍ عند الخلْق، والتقدير: عِلْم
стр. 331
وقْت الساعة؛ لأنَّ السُّؤال لم يقَع عن نفْس الساعة بل عن وقْتها؛ إذ السؤال بـ (متى).
(وبيان) عطفٌ على سؤال، وإنما جعلَه بيانًا؛ لأنَّ فيه بيان أكثر المسؤول عنه، وإنْ لم يقع فيه بَيان وقْت الساعة، أو أنَّ قوله: لا يعلمُها إلا الله بَيانٌ للحكم.
(ثم قال) إنما عطَف الجملة الفعلية على الاسم أو على جملةٍ اسميةٍ؛ لأنَّ المقصود من هذا كيفية الاستدلال به على جعْل كلِّ ذلك دِيْنًا، فغيَّر الأُسلوب الأول الذي هو بيانُ الترجمة بأسلوبٍ آخر.
(فجعل)؛ أي: النبيُّ ﷺ .
(كله) دخلَ فيه عِلْم وقْت الساعة؛ لأنَّه متضمنٌ للإيمان بها، وإنْ كان عِلْم وقتها ليس من الدِّين، وقصَد بالكلِّ الأكثر.
(وما بين) يحتمل أن محلَّه جرٌّ عطْفًا على شؤال، لكن الأَجود أنَّ الواو بمعنى (مع)؛ لأنَّه لم يذكر في الباب ما بيَّنه لعبْد القَيْس حتى تَرجَم عليه، وكذا القول في قوله بعده: (وقَولِ الله) كما سيأْتي.
(لوفد) هم الجماعة المُختارة من القوم ليتقدَّموهم للِقاء العُظماء، واحدهم: وافِدٌ.
(عبد القيس) قَبيلةٌ عظيمةٌ من العرب.
(وقول الله) بالجرِّ عطفٌ على الموصول بأُسلوبٍ آخَر في (وما بيَّن)؛ لأنه لم يذكر معنى الآية، والتقدير: جعَل ذلك دِينًا مع كونه بيَّن
стр. 332
للوفْد أن الإيمان هو الإسلام حيث فسَّر في قصَّتهم الإيمان بما فسَّر به الإسلام هنا، ومع أنَّ الآية دلَّتْ على أنَّ الإسلام هو الدِّين، فعُلم أن الإسلام والإيمان والدِّين بمعنًى واحدٍ، وهو مراد البخاري.
ويحتمل أن محلَّ (ما بيَّن) رفعٌ، و (قولُ) عطفٌ عليه على أنَّه مبتدأٌ حُذف خبره، والتقدير: ما بيَّنه ﷺ في الآية يدلان على ما ذكَره، أما الحديث، فلتفسيره هناك الإيمانَ بما فسَّر به هنا الإسلامَ، وأما الآية فمِن حيث أفادتْ أنَّ الإسلام هو الدِّين، وإنما ضمَّ ذلك إلى الترجمة لأنَّها لا تدلُّ على أن الإيمان هو الإسلام بل على أن الكلَّ هو الدِّين، فاستظهَر بذلك في تعميم مراده.
* * *
٥٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ؛، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: مَا الإيمَانُ؟ قَالَ: "الإيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَبِلِقَائِهِ وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالبَعْثِ"، قَالَ: مَا الإسْلَامُ؟ قَالَ: "الإسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَكَاةَ المَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ"، قَالَ: مَا الإحْسَانُ؟ قَالَ: "أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ"، قَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: "مَا المَسْؤلُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا: إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ رَبَّهَا، وإذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإبِلِ البُهْمُ فِي البُنْيَانِ، فِي
стр. 333
خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا الله"، ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] الآيَةَ، ثُمَّ أَدْبَرَ فَقَالَ: "رُدُّوهُ"، فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَقَالَ: "هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ".
قَالَ أبو عَبْدِ اللهِ: جَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَ الإيمَانِ.
الحديث الأول (م د س):
(إسماعيل) هو ابن عُلَيَّة كما عبَّر عنه بذلك في (باب حُب الرسول من الإيمان)، وذكره هنا بالاسم، وذلك دليلٌ على كمال ضبْط البخاري، وأمانتِه في نقْل لفْظ الشيوخ بعينه.
(أبو حيان) -بالياء تحت- ابن سَعيد بن حَيَّان.
(بارزا)؛ أي: ظاهرًا جالسًا مع الناس.
(رجل)؛ أي: شخصٌ في صورة رجل.
(أن تؤمن) إنما فسَّر الإيمان بذلك؛ لأن المَحدود الشرعي، والتفسير المراد به اللُّغوي حتى لا يَلزم تفسير الشيء بنفْسه، أو أن المراد بالتفسير المتضمِّن للاعتراف، ولهذا عُدِّي بالباء، أي: تُصدِّق مُعترفًا بكذا.
(بالله)؛ أي: بوجوده وبصفاته الواجبة للإله .
(وملائكته) جمع (مَلَك) نظرًا إلى أصله الذي هو مَلاك مَفْعَل من الألُوكة بمعنى: الرِّسالة، فزيدتْ فيه التاء؛ لتأكيد معنى الجمع، أو لتأْنيث الجمع، والملائكة: أجسامٌ عُلويةٌ نورانيةٌ تتشكَّل بما شاءتْ.
стр. 334
(وبلقائه)، قيل: هو الانتقال إلى دار الجَزاء، ويكون قوله: (بالبَعْث)، أي: عند قيام الساعة، وقيل: اللِّقاء ما يكون بعد البَعْث عند الحِساب.
قال (ن): وليس المراد باللِّقاء رُؤية الله تعالى، فإنَّ أحدًا لا يقطَع بها لنفْسه، فإنَّه لا يدري بما يُختم له، والرُّؤية مختصةٌ بالمؤمن.
قال (ك): وفيه نظَرٌ؛ إذ لا دَخْل لقطْعه بذلك لنفسه، بل يقطع بأنَّه حقٌّ في نفْس الأمر، نعم، إذا قيل: الرؤية من المسائل المختلف فيها لا من ضَروريات الدِّين التي يجب الإيمان بها؛ صحَّ ذلك، انتهى.
قال (خ): المراد باللِّقاء الإيمان برُؤية الله تعالى في الآخرة.
(ورسله)، جمع رسول، وهو النبيُّ المنزَّل عليه كتابٌ، والنبيُّ أعمُّ منه، وإنما أخَّره عن الملائكة لأنَّهم خُلقوا أولًا؛ ولأنَّهم يَسبقون بالمَجيء إلى الرسُل لا لكونهم أفْضل كما يقوله المعتزلة، وإنما لم يَذكُر الإيمان بالكتُب؛ لاستلزام الإيمان بالرسُل له لأنَّها منزلةٌ عليهم.
(وتؤمن بالبعث) إنما أَعاد (تُؤمن) لأنَّه إيمانٌ بما سيُوجد، وما سبَق إيمانٌ بالموجود في الحال، فهما نوعان، والمراد بالبَعث: بَعْث الموتى من القُبور، وما بعدَه من حسابٍ وصراطٍ وجنةٍ ونارٍ، وقيل: المراد بِعْثة الأنبياء.
(أن تعبد الله) العبادة الطاعة بخُضوعٍ، فإنْ حُملت على معرفة
стр. 335
الله تعالى كان عطْف الصلاة والزكاة والصَّوم عليها للتغايُر، والكلُّ إسلامٌ، واقتصَر على الثلاث؛ لأنَّها أركانه، وأظْهَرُ شعائرِه، وتَرَك الحج إما لأنَّه لم يكن فُرض، وإما لأن بعض الرواة شكَّ فيه فأسقطَه، وإنْ بقيت الطاعة على عُمومها، فعطف الثلاثة عطف خاصٍّ على عالم تنْبيهًا على شرَفه ومَرتبته كما في: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨].
(ولا تشرك) ذكَره بعد (أنْ تعبُد الله)؛ لأنَّ الكفَّار يزعمون عبادتَه تعالى، ويعبدون معه أوثانًا يزعمونها شركًا.
(ويقيم الصلاة) سبَق بَيان الكلِّ، ومعنى الإقامة، والمراد بالصلاة المكتوبة كما في "مسلم"، فإن النافلة وإنْ كانت من الإسلام لكن ليستْ من أركانه، فيُحمل المطلَق هنا على المقيَّد هناك.
(الزكاة المفروضة) قيل: احترازٌ من المُعجَّلة، وقيل: تأْكيدٌ، وقيل: لأن العرَب كانت تدع المال للسَّخاء والجُود، فنبَّه بالفرض على رفْض نيَّة ما كانوا عليه، وقيل: احترازٌ من التطوُّع، فإنَّها زكاة لغويةٌ.
واعلم أن هذا الحديث يقتضي تغايُر الإيمان والإسلام، وسبَق مِرارًا أن البخاري يَرى أنَّهما والدِّين عباراتٌ عن واحدٍ، والمتضح أنَّ محلَّ الخلاف إذا أُفرد لفظٌ، فإنْ اجتمعتْ تغايرتْ كما هنا، على أنَّ في ذلك اضطِرابًا عظيمًا للعلماء.
قال (خ): إنَّ الصحيح أنَّ المسلم قد يكون مؤمنًا، وقد لا يكون، والمؤمن مسلمٌ دائمًا، فهو أخصُّ، قال: وإذ تقرَّر هذا استقامَ تأْويل
стр. 336
الآيات والأحاديث، واعتدل القَول فيها، وذلك أن أَصل الإسلام الاستسلام، فقد يكون المرء مُنقادًا في الظاهر دون الباطِن، وقد يكون صادقًا في الباطن غير منقادٍ في الظاهر.
وقال البَغَوي: جعَل النبيُّ ﷺ الإسلامَ اسمًا لما ظهَر من الأعمال، والإيمان اسمًا لما بطَن من الاعتقاد، وليس ذلك لكون الأعمال ليستْ من الإيمان، أو التصديق بالقَلْب ليس من الإسلام بل ذلك تفصيلٌ لجملةٍ هي كلُّها لمسمًى واحدٍ، وجِماعها الدِّين، ولهذا قال: (يُعلِّمُكم دِينَكُم)، فالتصديق والعمل يتناولهما اسم الإيمان والإسلام جميعًا.
وقال ابن الصَّلاح: ما في الحديث بَيانٌ لأصل الإيمان، وهو: التصديق الباطِن، ولأصل الإسلام، وهو: الاستِسلام والانقياد الظاهِر، فإنَّ اسم الإيمان يتناول ما فُسِّر به الإسلام، وهو سائر الطاعات؛ لكونها ثمرات التَّصديق الباطِن الذي هو أَصْل الإيمان، وبهذا فسَّر الإيمان في حديث الوفْد بما هو الإسلام هنا، واسم الإسلام يتناول أيضًا ما هو أصل الإيمان، وهو التَّصديق الباطِن، ويتناول الطاعات، فإنَّ الكلَّ استسلامٌ، فتحقَّق بذلك أنَّهما يجتمعان ويفترقان.
(الإحسان) هو الإخلاص، قال الطِّيْبِي: يُقال على وجهين: الإنْعام على شخصٍ، وتحسين الفِعْل، فالحديث يحتمل الأول؛ لأنَّ المُرائي يُبطل عمَل نفْسه، فقيل له: أحسِنْ إلى نفْسك، واعبُد الله كأنَّك تراه، ومن المعنى الثاني قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٣٦]،
стр. 337
أي: المُجيدين المتقين في تعبير الرُّؤيا، فكأنَّه يسأل: ما الإجادة والإتقان في حقيقة الإيمان والإسلام؟ فأجابَه بما يُنبئ عن الإخلاص.
(كأنك تراه) في محلِّ نصبٍ على الحال من الفاعل، أي: تَعبُد الله متشبِّهًا بمن يَراه.
(فإنَّه يراك) ليس هو نفْس جواب الشرط؛ لأنَّه ليس مُتسبِّبًا عنه بل الجواب مقدَّرٌ، أي: فإنْ لم تكن تراه فاعبُدِ الله، أو اعبد فإنَّه يَراك، كما يُقال: إنْ أكرمتني فقد أكرمتُك أمسِ، أي: إنْ تعتدَّ بإكرامك فاعتدَّ وإكرامي، ويحتمل: فإنْ لم تكن تَراه فلا تغفُل؛ فإنَّه يراك، فإنَّ رؤيته مستلزمةٌ لأنْ لا تغفُل عنه، فالجزاء لازمُه، وهذا قول البَياني، والأول قول النَّحوي.
قال (ن): هذا أصلٌ عظيمٌ من الدِّين، وقاعدةٌ مهمة من قواعد المسلمين، وهو عمدةُ الصدِّيقين، وبُغْية السالكين، وكنز العارفين.
وتلخيص معناه: أنْ تعبُد الله عبادةَ من يَرى الله، وَيراه، فإنَّه لا يستبقي شيئًا من الخُضوع والإخلاص، وحفْظ القَلْب والجوارح، ومُراعاة الآداب ما دام في عبادته، والمعنى: إنك إنما تُراعي الآداب إذا رأَيتَه ورآك، لكونه يَراك، لا لكونكَ تراه، وهذا المعنى موجود وإنْ لم تَرَه؛ لأنَّه يراك.
وحاصله: الحثُّ على الإخلاص، ورعاية المُراقبة، وهو من جَوامع الكَلِم التي أُوتيَها ﷺ ، وقد ندب أهل الحقائق إلى مُجالسة
стр. 338
الصالحين، فيَمتنع من مُلابسة شيءٍ من النقائص احتراما واستحياءًا، فكيف لمَن لا يَزال الله مطَّلِعا عليه في سِرِّه وعلانيته.
وقال (ع): اشتمل الحديث على شرح جميع وظائف العبادة الظاهرة والباطنة من العقائد، وأعمال الجوارح، وإخلاص السرائر، والتحفُّظ من آفات الأعمال، فعُلوم الشريعة راجعةٌ إليه، متشعِّبةٌ منه.
وقال (خ): اختلاف هذه الأسماء الثلاثة يُوهم افتراقًا في أحكامها، وليس كذلك، إنما هو اختلاف ترتُّب وتفضيل لما تضمنه اسم الإيمان من قولٍ وفعلٍ وإخلاصٍ، فأشار في الإحسان إلى الإخلاص، ولم يكن خارجًا عن الجوابَين الأولين، ولهذا في قصَّة الوفْد جعَل الكلَّ إيمانا.
قال (ك): وعُلم منه أن الرُّؤية لا يُشترط فيها خُروج الشعاع ولا انطِباع صورة المرئيِّ في الحدَقة، ولا مُواجهةٌ، ولا مقابلةٌ، ولا رفْع الحجُب، فيجوز أنَّ الله تعالى يُرى يوم القيامة بحالةٍ يخلقها في الحاسَّة؛ إذ هذه الأمور إنما هي في الرُّؤية العادية، ولهذا جوَّز الأشاعرة أنْ يَرى أعمى في الصّين قُبَّةَ الأندلس.
(بأعلم) الباء زائدةٌ لتأْكيد معنى النَّفي، والمراد نفْي علمِ وقْتها؛ إذ الوجود مقطوعٌ به، نعَمْ، الأعلمية لا يَلزم منه نفْي عِلْمها، فيحتمل أنَّهما يعلمان ذلك سواءً، والقصد إنما هو نفْي عِلْم كلٍّ منهما وقتَها، فيُؤوَّل على أنَّهما مستويان في عِلْم وُجودها، أو أنَّه ﷺ نفَى أن يكون صالحًا لأنْ يُسأل عن ذلك لما عُرف أنَّ المسؤول في الجُملة ينبغي أنْ
стр. 339
يكون أعلَم من السائل.
(أشراطها)؛ أي: علاماتها، وقيل: مقدِّماتها، وقيل: صِغار أُمورها، وهو جمع: شَرَطٍ -بفتح الراء-، والمراد أَشراطها السَّابقة لا المقارِنة المضايِقة لها كطُلوع الشَّمس من مَغربها، وخُروج الدابَّة ونحوها.
(إذا ولدت) أتَى بـ (إذا) لأنَّها لمَا يتحقَّق بخلاف (إنْ)، حتى لو قال شخصٌ: إنْ قامت القيامةُ، أشعَرَ بالشكِّ الذي يكفر به، وجواب الشرط محذوفٌ، أي: فالوِلادة شرَطٌ -بفتح الراء- معدودٌ من الأشراط، وجملة الشَّرْط متضمِّنةٌ له كما في قوله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، التقدير: وأَمْن مَن دخلَه.
واعلم أنَّه عُدَّ من الأَشراط اثنين، والجمْع يقتضي ثلاثةً، فهو حجةٌ لمن قال: أقلُّ الجمْع اثنان، أو أنَّه اكتفَى باثنين لحُصول المقصود كما في الآية المذكورة، وإنما أتى به جمْعَ قِلَّةٍ، والعلامات أكثَر من عشَرةٍ؛ لأنَّ جمع القِلَّة قد يقُوم مَقام الكثْرة، وبالعكس، أو لفَقْد جمع الكثْرة لشرط، أو أنَّ الفَرْق بين القِلَّة والكثرة إنما هو في النَّكِرات لا في المعارِف.
(ربها)؛ أي: مالكَها وسيِّدَها.
قال الأكثر: إنَّه إشار إلى كثْرة السَّراري وأولادهنَّ، فإن ولدَها مِن سيِّدِها سيِّدُها؛ لمصير مآلِ الإنسان لولَده غالبًا، وقد يتصرَّف فيه في حياته بإِذْنِ أو قرينةِ حالٍ أو عُرفٍ.
стр. 340
وقيل: معناه: أن الإماء يَلِدْن الملوك، فتكون أمةً من جُملة الرَّعية، فهو سيِّدها وسيِّد غيرها.
وقيل: تفسُد الأحوال فيكثُر بيع أُمَّهات الأَولاد، ويكثُر تردادها حتى يشتريَها ابنُها ولا يدري، وعلى هذا القول لا تختصُّ بأُمهات الأولاد بل قد تَلِدُ الأمة حُرًّا من غير سيِّدها بوطئ شُبهةٍ، أو يكون رقيقًا لكونه من نكاحٍ أو زنا، فيعتق، ثم يَشتري أُمَّه ولا يَدري.
ولا مُنافاةَ بين إطلاق الربِّ هنا على غير الله تعالى، وحديثِ: "لا يَقُلْ أَحدُكُم: رَبِّي، وليَقُل: سَيِّدي ومَولايَ"؛ لأنَّ هذا من باب التشديد والمُبالغة، أو الرسول مخصوصٌ منه.
(رعاة) بضم الراء: جمع راعٍ كقُضاةٍ وقاضٍ، وفي بعضها: رِعَاء بكسر الراء، والهمز، جمع أيضًا كتاجِر وتجَار.
(البهم) بضم الباء: جمع أَبْهم، وهو الذي لا شِبْهَ له، ورُوي بجرِّ الميم وضمِّها، فمَن جرَّ جعلَه صفةً للإبل، أي: رعاة الإبل السُّود، قالوا: وهي شرُّها وأَدونُها؛ لأنَّ الكِرام منها البِيْض والصُّفر، ومن رفَع جعلَه صفةً للرِّعاء، أي: المَجهولون الذين لا يُعرفون، جمع البَهيم، ومنه أُبهم الأمر، فهو مُبهَمٌ، وهو بضم المُوحَّدة، وسُكون الهاء، قاله (ع)، وغيره.
وقال ابن الأَثِيْر: بضمِّها، ويُروى بفتح الباء، ولا وَجْهَ له بعد ذِكْر الإبِل، فإنَّ البَهْم ليس من صفات الإبل، وإنما هو من صفات ولَد الضَّأْن والمَعْز.
стр. 341
وبالجُملة فمعنى الحديث: اتساع الإسلام بهم حتى يَتطاولون في البُنيان والمَساكِن بعد أنْ كانوا أَصحابَ بَوَادٍ لا يَستقرُّ لهم قَرارٌ، بل يَنتجِعون مواقِعَ الغَيث، فبُسطت لهم الدُّنيا بعد أن كانوا أهل فاقةٍ، حتى صاروا يَتباهَون في إِطالة البُنيان، أو أنَّ العرَب تستولي على الناس وبلادهم، وَيزيدون في بُنيانهم، فهو إشارةٌ إلى اتساع دِيْن الإسلام، كما أنَّ العلامة الأُولى أيضًا فيها اتساع الإسلام، واستيلاء أهله على بلاد الكُفر، وسَبْي ذراريهم.
قال البَيْضاوي: لأنَّ بُلوغ الأمر الغايةَ مُنْذرٌ بالتَّراجع المُؤذن بأنَّ القيامة ستَقوم، لامتناع شرعٍ آخَر بعدَه، وهو تعالى لا يَترك عِباده سُدًى.
وقال (ط): معناه: أنَّ ارتفاع الأَسافِل من العَبيد والسِّفْلة الجمَّالين وغيرهم من علامات القِيامة، وهذا معنى قول الطِّيْبِي: المَقصود انقِلاب الأحوال.
(في البنيان)؛ أي: يَتفاخَروا في طُول البُنيان، وتتكثَّر به.
(في خمس) خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: عِلْم وقْت الساعة في جُملة خمسةٍ، أو متعلِّق بـ (أَعلم).
ووجْه الحصْر في الآية حتى يُوافق الحصْر في الحديث تقديم: (عنْده)، والحصْر في الباقي ظاهر للعارف بالقواعد، وهذه الخمْس تحتمل أن الحصْر فيها لكونها المسؤول عنها، وإلا فالأُمور التي لا يعلمُها إلا الله لا حَصْرَ لها، أو يُقال: إنَّ غير الخمس عائدٌ إليها.
стр. 342
قلتُ: الحصر أنَّها لا يَعلمها إلا الله، لا أنَّ الله لا يَعلم إلا إيَّاها.
(الآية) نصب بفِعْل محذوفٍ، أي: أَعني، أو اقرأ الآيةَ، أو بالرفْع لأنَّه مبتدأٌ وخبره محذوفٌ، أي: الآية مقروءةٌ، أو بالجرِّ، أي: إلى الآية، أي: مَقطعها وتمامها.
ووجه سُؤال الساعة -وجبريل يعلَم أنَّ وقتَها غير معلومِ لخلْق الله- التَّنبيه على أنَّه لا يطمع أحدٌ في الاطِّلاع عليه، والفَصْل بين ما يُمكن معرفته وما لا يُمكن.
(ثم أدبر)؛ أي: الرجل السائل.
(فلم يروا شيئًا) مبالغةٌ حيث لم يقُل: لم يَروه، أو لو يَروا أحدًا، أي: لم يَروا عينَه ولا أثَره.
(هذا جبريل)، فيه أنَّ الملَك يتمثَّل لغير النبيِّ، وأن يراه غيره قائلًا سامعًا.
(يعلم)؛ أي: بسبب سُؤاله؛ ليعلموا من الجواب، وإن كان نفس السؤال ليس تعليمًا، وأيضًا فسؤاله لغرَض التَّعليم.
(جعل ذلك كله من الإيمان)، وفي الأول: (جعَلَهُ كلَّهُ دِيْنا)، وهو ظاهرٌ، وأما هنا فـ (مِنْ) تبعيضيةٌ، والمراد بالإيمان هو الكامل، فيكون الكل داخلًا فيه، وإما ابتدائية، فمَبْدأ الإسلام والإحسان منه، وهذه القصَّة قبْل حَجَّة الوَداع.
وفي الحديث: أنَّ العالم إِذا سُئل عما لا يَعلَم يُصرِّح بأنَّه لا يَعلمه، ولا ينقُص ذلك من جلالته بل يدلُّ على ورَعه وتقْواه، وأنَّه
стр. 343
يَسأل العالم ليَعلم السامعون، وغير ذلك.
* * *
٣٨ - باب
(باب)
٥١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صالحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أبَو سُفْيَانَ: أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ: سَأَلتكَ: هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَزَعَمْتَ أنَّهمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الإيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلتكَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ، لَا يَسْخَطُهُ أَحَد.
الحديث الثاني (م):
وربَّما يُوجد في بعض النُّسَخ قبْله: (بابٌ)، وصوَّبه (ن)، وقال: إنَّه أكثر أُصول بلادنا، قال: لأنَّ ترجمة الباب الأول لا يَدخُل فيها هذا الحديث.
وقال (ك): بل يتعلَّق بالترجمة؛ لأن المراد بها جعْل الإيمان دِيْنًا، وهذا يدلُّ عليه.
قال (ن): في الاستدلال به إشكالٌ من حيث إنَّ هِرَقْل كافرٌ فلا يُستدلُّ بقوله.
стр. 344
قلتُ: وكذا ذكره الإِسْمَاعِيْلي، وقد يُقال: هذا الحديث رواه الصَّحابة ولم يُنكروه بل استَحسنوه.
قال (ك): لا إشكالَ؛ لأنَّ في إيمان هِرَقْل اختلافًا، وبتقدير عدَم إيمانه فليس هذا أمرًا شرعيًّا بل مُحاورةٌ، ومحاورتهم كانت على العُرف الصحيح المعتبَر الجاري على القَوانين، فيُستدلُّ به، وأيضًا فهو من أهل الكتاب، وفي شرعهم كان الإيمان دِيْنًا، وشرْعُ مَن قبْلَنا حُجَّةٌ، وتداولتْه الصحابة كما قالَه كثيرٌ.
والإسناد مَدَنيُّون، وفيه ثلاثة تابعيون.
وسبق كثير من شرح الحديث أوائل الكتاب.
(هل يزيدون) إنْ قيل: القياس: أَيزيدون؟ كما رواه هناك؛ لأن أَم المتصلة إنما تكون بعد الهمزة؛ قيل: هي منقطعةٌ، تقديره: بل أَينقُصون؟ حتى يكون إِضْرابًا عن سؤال الزِّيادة، واستفهامًا عن النُّقصان، على أنَّ صاحب "المفصَّل" أطلق أنَّها لا تقع إلا بعد الاستفهام، فهو أَعمُّ، نعَمْ، المُتصِلة لا تقَع إلا بين اسمين أو فعلَين، وفاعلهما واحدٌ كما هنا.
فإنْ قيل: الاتصال يقتضي الاستفهامَ عن تعيين أحد الأَمرَين، وهل لطلَب الوُجود؛ قيل: يجب حمل مُطلَق (هل) على أعمَّ منه تصحيحًا للمَعنى، وتطبيقًا بينه وبين الرِّواية السابقة.
(فزعمت) سبَق في تلك الرواية: (فذكرت).
(الإيمان)؛ أي: أَمْر الإيمان.
стр. 345
(هل يرتد) هناك: (أَيَرتَدُّ؟).
(سخطة) مما زيد هنا، وفي إسناد السابق بين البخاري والزُّهري اثنان، وهنا ثلاثةٌ، وأيضًا فهناك أتمُّ من هذا.
وقد اختُلف في حذْف بعض الحديث، ويُسمى الخَرم، فمُنع مطلقًا، وجُوِّز مطلقًا؛ والصَّحيح يجوز إذا كان ما يَتركه غير متعلِّقٍ بما رواه بحيث لا تختلف الدلالة، والظاهر أن هذا الخرم من الزُّهري لا من البخاري؛ لاختلاف شُيوخ الإسنادَين بالنِّسبة إلى البخاري، ولعلَّ شيخه ابن حمزة لم يَذكُر في الاستدلال على أنَّ الإيمان دِينٌ إلا هذا القَدْرَ، وإنما يقَع الخَرْم لاختلاف المقامات والسِّياقات، فهناك بيانُ كيفيَّة الوحي يقتضي ذِكْر الكُلِّ، ومقام الاستدلال يقتضي الاختصار.
* * *
٣٩ - بابُ فَضْلِ مَنِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ
(باب فضل من استبرأ لدينه)
٥٢ - حَدَّثَنَا أبُو نُعيْمٍ، حَدَّثَنَا زكرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "الحَلَالُ بيِّنٌ وَالحَرَامُ بيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعي يَرْعَى
стр. 346
حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلَا وَإنَّ لِكُلّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا إنَّ حِمَى اللهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ".
(ع).
(زكريا) هو ابن أبي زائِدة.
(وعامر) هو الشَّعبي، والإسناد كلُّه كوفيون، فإنَّ النُّعمان وَليَها.
(سمعت) يُشعر بسماع النُّعمان من النبيِّ ﷺ ، ففيه رَدٌّ على مَن قال: لم يَسمع.
والحديث أجمع العُلماء على عظيم مَوقعه، وأنَّه أحد الأحاديث التي عليها مَدار الإسلام، قيل: هو ثلُث الإسلام؛ لأنَّه يَدور عليه، وعلى: "الأَعمال بالنيَّة"، و"مِنْ حُسْنِ إِسلامِ المَرءِ"، وقد سبَق في حديث النيَّة: أنَّ أبا داود قال: يَدور على أربعةٍ، والرابع: "لا يُؤمِنُ أَحدُكم حتى يُحبَّ لأَخيهِ ما يُحبُّ لنَفْسِهِ"، وسبَب عَظيمِ مَوقع هذا الحديث أنَّه نبَّه فيه على صلاح المَطْعم والمَشْرَب والمَلبَس والمَنكَح وغيرها، وأنَّه يكون حلالًا، وأَرشدَ إلى الحلال، وأنَّه ينبغي أن يترك الشُّبُهات، وأَوضحه بضَرْب المثَل بالحِمَى.
(بين)؛ أي: ظاهرٌ واضحُ الأدلَّة.
(مشبهات)؛ أي: التي يَتجاذبها دليلان بحيث يَعسُر الترجيح.
قال (ن): الحلال البيِّن كالخُبْز، والفواكه، والكلام، والمشي،
стр. 347
وغير ذلك، والحرام البيِّن كالخمر، والميتة، والدم، والزِّنا، والكذب، وغير ذلك، والمُشتَبِه ما ليس بواضحِ الحِلِّ والحُرمة لا يَعرفها كثيرٌ من الناس، بل يعرفُها العُلماء بنصٍّ، أو قياسٍ، أو استصحابٍ، أو غير ذلك، فإذا رُدِّد الشيء بين ذلك اجتَهد فيه المجتهدُ، وألحقَه بأَحدهما بالدليل الشَّرعي، وإذا كان الدليل غير خالٍ من احتمالٍ؛ فالوَرع تَرْكه، وما لم يَظهر للمُجتهد فيه شيءٌ فهو مُشتبهٌ، فهل يُؤخذ فيه بالحِلِّ، أو بالحُرمة، أو توقُّفٍ؟ ثلاثة مذاهب.
وضُبِطَ (مُشبِهات) بكسر المُوحَّدة، أي: مُتشبهات أنفُسها بالحَلال، وبالفتح، أي: شُبِّهت بالحلال، والوجهان أيضًا مُشبِهات بلا تشديدٍ اسم فاعل الاشتباه، أو مفعوله، أو مُشتبِهات بالكسر من الافتِعال.
(اتقى)؛ أي: احتَذَرَ، وأحذر.
(استبرأ) بالهمز، أي: حصَّل البَراءةَ لدِينه من الذَّمِّ الشَّرعي، وصانَ عِرْضَه عن كلام الناس.
(لعرضه) إشارةٌ لما يتعلَّق بالناس.
(ودينه) إشارةٌ إلى ما يتعلَّق بالله تعالى، أو الأول للمُروءة، والثاني للشَّرع.
(ومن وقع) يحتمل أن تكون (مَنْ) شرطيةً، وموصولةً، والخبر جواب الشرط.
(كراع)؛ أي: كانَ كراع، وفي نُسخةٍ: (فقَدْ وَقَعَ في الحَرَامِ
стр. 348
كراع)، فيكون هو الخبر، أو جواب الشَّرط، ويحتمل أن: (يُوشك) هو الخبر، أو الجواب، وما قبلَه حالٌ.
(الحمى) بكسر الحاء، وفتح الميم، أي: الموضع الذي حماه الإمام لأمرٍ، ومنعَ الناسَ منه، فمَن دخله عاقبَه، ومن اجتَنبَه سَلِم، وحَمَيتُه دفعتُ عنه، فهو حِمَى، أي: محظورٌ.
(يوشك) من أفعال المقاربة، بكسر الشين، أي: يَقرُب، وفي لغةٍ رديئةٍ بالفتح، وهو صفةٌ، أو استئنافٌ، أو خبرٌ، أو جوابٌ كما سبق.
(أن يواقعه)؛ أي: الحَرامَ بكثْرة تَعاطيه للشُّبُهات، وإنْ لم يتعمَّد، فيأْثم بذلك إذا قصَّر، وقال (خ): لأنَّه يَعتاد التَّساهُل، فيَجسُر على شيءٍ، ثم على أغلَظ منه، حتى يقَع في الحرام المحقَّق كما قال بعض السلف: المعاصي بَريد الكُفر، أي: تَسوق إليه.
(ألا) بالتخفيف: حرف تنبيهٍ يُبتدأ بها، ويدلُّ على صِحَّة ما بعدها، وتكريرها دليلُ تفخيمِ شأْن مَدخولها وعِظَمه.
(محارمه)؛ أي: المعاصي التي حرَّمها الله كالقتل والسرقة.
واعلم أن في نُسخةٍ ذكر الواو في الأول والثالث دُون الثاني إشعارًا بأن بين الجُملتين المعطوفة إحداهما على الأُخرى مناسبةً؛ إذ هو بالحقيقة مُشبِّه للحرام بالحِمى المشتبِه بما حوله، وبينهما مشاركةٌ، وترك الواو في الثاني إشعارًا بكمال الانقطاع، وبالبَون البعيد بين حمى الملوك وحمى الله تعالى؛ إذ لا ملك حقيقةً إلا لله تعالى، أو
стр. 349
إشعارًا بكمال الاتحاد، إذ لما كان لكلِّ ملِكٍ حِمى كان لله تعالى حِمى؛ لأنَّه ملك الملوك، وهو الملِك الحقيقيُّ، فذكره مع ذِكْر فائدةٍ زائدةٍ، وهي أنَّ حِمَى الله تعالى مَحارمه، وكذا بين الأُولى والثانية مُناسبة؛ لأن الأصل الاتقاء، والوُقوع ما كان بالقَلْب؛ لأنَّه عِماد الأمر ومِلاكه، والمناسبة بينهما بالضِّدِّية، أي: كما أنَّ حِفْظ الأصل بحفْظ الفَرع كذلك حفْظ الفرع بحفْظ الأصل، فلا بُدَّ من رعاية الأَصل والفَرع حتى تتمَّ البراءة الكاملة بتعاضدهما.
(مضغة)؛ أي: قِطْعة من اللَّحم؛ لأنَّها تُمضَغ في الفم لصِغَرها، فالمراد تصغير القَلْب بالنسبة إلى باقي الجسد مع أنَّ صلاحه وفساده به.
(صلحت) بفتح اللام على الأفصح، وقد تُضمُّ، وإنما عبَّر بـ (إذا) وهي للتَّحقق دون (إِنْ) التي للشكِّ؛ لأنَّها قد تَحلُّ محلَّها.
(القَلْب) سُمي بذلك لتقلُّبه، أو لأنَّه خالص البدَن، وخالص كلِّ شيءٍ قَلْبه، وهو سُلطان البدَن، وفي الطِّبِّ أنَّه أوَّل نُقطةٍ تكون في النُّطفة، وبه تظهَر القُوى، وتنْبعث الأَرواح، ويَنشأُ الإدراك، ويَبتدئ التعقُّل.
قيل: في الحديث حجةٌ على أنَّ العقل في القَلْب، ولهذا قال تعالى: ﴿لهم قلوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦]، وهو قول أصحابنا، وجمهور المتكلمين.
وقال (ن): لا دلالة في ذلك.
стр. 350
وقال أبو حنيفة: العقل في الدِّماغ، وحُكي الأول أيضًا عن الفَلاسفة، والثاني عن الأطبَّاء احتجاجًا بأنَّه إذا فسَد الدماغ فسَد العقل، ورُدَّ بأنَّ الدِّماغ آلةٌ عندهم، وأنَّ فَساد الآلة يقتضي فسادَه، وعلى قاعدتنا أنَّ الله تعالى أَجرى العادةَ بذلك.
قال (ط): هذا الحديث أصلٌ لحماية الذَّرائع.
وقال (ن): فيه دلالةٌ على أنَّ مَن حلَف: لا يأْكُلُ لحمًا فأَكلَ قَلْبًا حَنِثَ، ومَن منعَ قال: في العُرف لا يُسمَّى لحمًا.
* فائدة: قال الغَزالي: السَّلاطين في زماننا ظلَمةٌ، قلَّما يأْخذون شيئًا على وجْهه بحقِّه، فلا تحلُّ مُعاملتهم، ولا من يتعلَّق بهم حتى القُضاة، ولا التجَّار في الأَسواق التي يعمرها بغير حقٍّ، واستِبراء الدِّين والورع اجتِناب الرُّبُط والمَدارس والقَناطر التي أَنشؤوها بالأموال التي لا يُعلم مالكُها، عافانا الله منها.
* * *
٤٠ - بابٌ أَدَاءُ الخُمُسِ مِنَ الإِيمَانِ
(باب أداء الخمس من الإيمان)
رُوي بفتح الخاء وضمِّها، ففي الحديث شاهدٌ لهما، فإنَّ فيه ذِكْر تأْدية خُمس الغَنيمة، وذِكْر قواعد الإسلام الخَمْسة، نعَمْ، في نُسخةٍ: (أَداء الخمُس)، وهو يُرجِّح الأول.
стр. 351
٥٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجعدِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ شُعبَةُ، عَنْ أَبِي جَمرَةَ قَالَ: كنْتُ أَقْعُدُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ، يُجْلِسُنِي عَلَى سَرِيرِهِ فَقَالَ: أَقِم عِنْدِي حَتَّى أَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالِي، فَأقمتُ مَعَهُ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أتوُا النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنِ القَوْمُ؟ أَوْ مَنِ الوَفْد؟ "، قَالُوا: رَبِيعَةُ، قَالَ: "مرحَبًا بِالقَوْمِ -أَوْ بِالوَفْدِ- غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى"، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأتِيكَ إلا فِي شَهْرِ الحَرَامِ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هذَا الحَيُّ مِنْ كفَّارِ مُضَرَ، فَمُرنَا بِأمر فَضل، نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَناَ، وَندخُلْ بِهِ الجَنَّةَ، وَسَألوهُ عَنِ الأَشرِبَةِ، فَأَمَرَهُم بِأربَعٍ، وَنهاهُم عَنْ أربَعٍ، أَمَرَهُم بِالإيمَانِ بِاللهِ وَحدَهُ، قَالَ: "أترُونَ مَا الإيمَانُ بِاللهِ وَحدَه؟ "، قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ، قَالَ: "شَهادَةُ أَنْ لَا إِلَه إلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تعطُوا مِنَ المَغْنَم الخُمُسَ"، وَنهاهُم عَنْ أَربَعٍ؛ عَنِ الحَنْتَمِ وَالدُّبَّاء وَالنَّقِيرِ وَالمُزَفَّتِ، وَرُبَّمَا قَالَ: المُقَيَّرِ، وَقَالَ: "احفَظُوهُنَّ وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءكم".
(م ت د س).
(عن أبي جمرة) بالجيم، وإنْ كان شُعبة يَروي عن سبعةٍ بالحاء المهملة عن ابن عبَّاس، ولكن لا يُطلق إلا هذا، والكلُّ مقيَّدون بما يدلُّ عليهم.
(أقعد) أتى به مضارعًا؛ لحكاية الحال الماضية استحضارًا لتلك الصورة للحاضرين.
стр. 352
(فيجلسني)؛ أي: يَرفعني بعد أن أَقعُد، فلذلك عطفَه على (أَقعُد) بالفاء؛ لأن الجُلوس على السَّرير قد يكون بعد القُعود في غيره.
(سريره) جمعه: أَسِرَّةٌ وسُرُرٌ -بضمتين-، وجاء فتح الراء، قيل: هو من السُّرور؛ لأنَّه مجلس السُّرور.
وفي ذلك استحباب إكرام العالم ورفْعه.
(أقم عندي)؛ أي: تَوطَّن لتُساعدني بالتَّرجمة عن الأَعجمي وله، أو لتبليغ مَن لم يسمع لزَحمةٍ أو نحوها، وقيل: قال له ذلك لرُؤيا تأْتي إنْ شاء الله تعالى في (باب التمتُّع).
(سهمًا)؛ أي: نَصيبًا، وجمعه: سُهْمان -بالضم-.
(فأقمت معه)؛ أي: عنده بمكة، عبَّر بالمعيَّة المشعِرة بالمصاحبة مبالغةً.
(وفد)؛ أي: وَرَد، فهو وافدٌ، والجمع وَفْدٌ، وجمع الوَفْد: أَو فادٌ ووُفودٌ، والمراد جمعٌ يتقدَّمون للقاء العُظماء.
قلتُ: كذا شَرح (ك)؛ لكن لفْظ الحديث: (أنَّ وَفْد عبْد القَيْس لمَّا أتوا).
(عبد القيس) أبو قَبيلةٍ، وهو ابن أَفْصَى بفتح الهمزة، وسكون الفاء، وبصادٍ مهملةٍ، ابن دُعْمِي بضمِّ الدال، وسكون العين المهملتين، وياء النَّسَب، بن جَدِيْلَة بفتح الجيم، بن أسَد بن ربيعة بن نِزار، وكان
стр. 353
الوفْد أربعة عشَر رجلًا بالأَشجِّ كما سيأتي، ويُروى: أنَّهم كانوا أربعين، فإما أنْ تكون لهم وِفادتان، وإما أنَّ الأَشراف أربعةَ عشرَ، والباقي تبَعٌ، ومنهم مَن سَمَّى الأربعين.
(أو من الوفد) شكٌّ من الرَّاوي، والظاهر أنَّه من ابن عبَّاس.
(ربيعة)؛ أي: ابن نِزَار بن مَعَدِّ بن عدنان؛ لأن عبْد القَيس من ولده.
(مرحبًا) نصبٌ على المصدر بعاملٍ محذوفٍ وجوبًا، أي: صادفتَ سَعَةً، فاستأْنِس ولا تَستوحش.
(غيرَ) نصبٌ على الحال على المَعروف كما قال (ن)، ويُروى بالجرِّ صفةً للقوم، وإنْ كان بأل؛ لأن مثْله قريبٌ من النكرة.
(خزايا) بفتح المعجمة، والزاي، جمع: خَزْيَان كسكران، وهو المُستَحِي، وقيل: الذَّليل، وقيل: المفتضح.
(ندامى) جمع: نَدمان، أي: نادِم، وقيل: جمع: نادم وإنْ كان ندمان في الغالب من المنادَمة، وكان قياسه: نادِمين، ولكنه جُمع على نَدَاما؛ لمناسبةِ خَزايا تحسينًا، كما في: "لا دريتَ ولا تَليتَ"، والقياس: لا تلَوت، والغَدايا والعَشايا، والقياس: غُدوات.
والمراد: أنَّه لم يقع منكم سوءٌ، ولا أصابكم قتالٌ ولا سبيٌ ونحو ذلك فتستحيوا منه وتَذلُّوا، ورواه مسلم: (ولا النَّدامى) باللام، ورُوي أيضًا: (الخَزايا والنَّدامى)، ولا يُشكل ذلك على النصب على
стр. 354
الحال؛ لأن (غير) إضافتُها غير محضةٍ إما لتوغُّلها في الإبهام، أو أن الشرط في تعريفها أن تقَع بين ضِدَّين، أو غير ذلك.
(الشهر) سمي بذلك لشُهرته، أو المراد الجنس، فيشمل الأربعة الحرم.
(الحرام) لحُرمة القتال فيه ونحوه، ويُروى: (شَهْرُ الحَرام)؛ أي: شهر الوقْت الحرام، كذا عند البصريين؛ لأنَّهم يمنعون إضافة الموصوف إلى صِفَته، وأما الكوفيُّون فيُجيزونه.
وإنما تمكَّنوا في هذه الأَشهر؛ لأنَّ العرَب لا تُقاتل فيها.
(الحي) أصله: مَنْزِل القوم، سُموا به توسُّعًا، لأنَّ بعضهم يَحيَى ببعضٍ.
(مضر) بفتح الميم، وفتح المعجمة، غير منصرفٍ، هو: ابن نزار بن مَعدِّ بن عدنان، ويُقال له مُضَر الحَمْراء، ولأخيه رَبيعة الفَرَس، لأنَّهما لما اقتسَما مِيراثًا أُعطي مُضَر الذَّهب، وربيعة الخَيْل، وكُفَّار مُضَر كانوا في رَبيعة والمَدينة، ولا يُمكنُهم الوصول إلى المدينة إلا عليهم.
(بأمر فصل) بلفْظ الصِّفة لا بالإضافة، والأمر يحتمِل أنَّه واحدُ الأوامر ضِدِّ النَّواهي، وواحدُ الأُمور، وهو الشَّأْن، ومعنى الفَصل: الفاصِل، كعدل بمعنى: عادِل، أي: يَفصِل بين الحقِّ والباطِل، وإما بمعنى: المفصَّل، أي: واضحٌ يتضح به المُراد.
(من وراءنا)؛ أي: من البِلاد البَعيدة، أو من الأَزمنة المستقبَلة،
стр. 355
أي: أولادنا وأَخلافنا لكنَّ الظاهر أنَّه أَراد قَومَهم، ويُروى بكسر ميم مِنْ جارَّةً لـ (وراءنا).
(وندخل) كذا الرِّواية، ويُروى أيضًا بحذف الواو، وقال القُرطُبي: قيَّدنا على من يُوثَق به برفْع (يدخُل) و (نُخبِرُ) على أنَّهما صفةٌ لأمرٍ، وبالجزم فيهما على جواب الأمر.
(أمرهم بالإيمان) إنما ذكَره بعد أَمرهم بأربع؛ لاشتمال الإيمان على الأربعة الأركان الآتية.
(شهادة) إما بدلٌ فتُجرُّ، أو خبر مبتدأ، أي: هو كذا، فيُرفع، وهو دليلٌ على أن الإسلام والإيمان بمعنًى واحدٍ؛ لأنَّه فسَّر الإسلام فيما مضى بما فسَّر به الإيمان ها هنا، ولم يَذكُر الحج؛ لأنَّه لم يُفرض إلا في سنة تسعٍ، ووِفادتهم في سنة ثمانٍ، أي: على أحد الأَقْوال في وقْت فَرضه، ولكنَّ الأرجح سنة خمسٍ على اضطِرابِ في التَّرجيح لأصحابنا مبيَّنٍ في الفقه، أو لأنَّه ﷺ عَلِم أنَّهم لا يستطيعون الحجَّ إما بسبب كُفَّار مُضَر، أو لغيره.
(وأن تؤدوا) إنما أتى بالمَصدر مُؤوَّلًا لا صَريحًا؛ للإشعار بالتجدُّد بخلاف بقيَّة الأركان، فإنَّها كانت ثابتةً.
(من المغنم)؛ أي: من الغَنيمة؛ لأنَّ خمُسها يُخمَّس، وأربعة أخماسها للغانمين.
قال (ن): استُشكل عدُّ أربعةٍ مع ذِكْر خمسة، والأصحُّ في الجواب كما أجابَ به (ط): أنَّه عدَّ الأربع التي وعدَهم بها، ثم زادَهم
следующие страницы →