أَبي سُهَيْلٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ طَلْحَةَ بن عُبَيْدِ الله: أَنَّ أَعْرَابيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ثَائِرَ الرَّأْسِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! أَخْبرْنِي مَاذَا فَرَضَ الله عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: "الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، إِلَّا أَنْ تَطوَّعَ شَيْئًا". فَقَالَ: أَخْبرْنِي مَا فَرَضَ الله عَلَيَّ مِنَ الصِّيَامِ؟ فَقَالَ: "شَهْرَ رَمَضَانَ، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ شَيْئًا". فَقَالَ: أَخْبرْنِي بِمَا فَرَضَ الله عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ؟ فَقَالَ: فَأَخبَرَهُ رَسُولُ الله ﷺ شَرَائِعَ الإسْلَامِ. قَالَ: وَالَّذِي أكْرَمَكَ لَا أتَطَوَّعُ شَيْئًا، وَلَا أنقُصُ مِمَّا فَرَضَ الله عَلَيَّ شَيْئًا. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ، أَوْ: دَخَلَ الْجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ".
١٨٩٢ - حدثنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ ناَفعٍ، عَن ابن عُمَرَ ﵄ قَالَ: صَامَ النَّبيُّ ﷺ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تُرِكَ. وَكَانَ عَبْدُ الله لَا يَصُومُهُ، إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ صَوْمَهُ.
الحديث الأول:
(أعرابيًّا) واحد الأَعراب، وهم سكَّان البادية.
(ثَائِر)؛ أي: منْتَفِشَ.
(تَطُّوع) بشدة الطاء وخفَّتها، واختُلف في الاستِثناء، هل هو منقطعٌ أو متصلٌ؟.
(شرائع الإسلام)؛ أي: كالحجِّ إنْ قُلنا: كان فُرض مُطلقًا، أو
стр. 2907
قلنا: فُرض على غير السائل، ونُصُب الزكاة، ومقاديرها، وغير ذلك، وبهذا يزول الإشكال عن الإخبار بِفَلاحِهِ مع أنَّ للإسلام فرائض غير المَذكورة في الحديث.
وقيل: دلَّ على أن الفَرائض تُوجِبُ الجنَّةَ، والسُّنَن تُوجب الزِّيادة فيها.
وسبَق الحديث في (الإيمان)، وأنَّ هذا الأَعْرابي هل هو ضمَامُ ابن ثَعْلبَة، أو غيره.
(عاشوراء) ممدودٌ ومقصورٌ، وهو عاشِر المُحرَّم، وقيل: تاسِعُه، مِن أسماء الإبل، فإنهم يُسمُّون خامس أولاد الإبل ربْعًا، وهكذا، فيكون التَّاسِع عاشُورًا، وسبَق ردُّه.
ثم الاتفاق على أنَّ صومَهُ سُنَّةٌ في زماننا، وأما في زمانه فاختُلف فيه، كان واجبًا أم لا؟، وعلى الأول فهل نُسِخَ برمَضان، فيكون ببدَلٍ أثقَل، أو نُسِخَ لا ببدَلٍ، وسبَق بيان ذلك.
* * *
١٨٩٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبةُ بن سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بن أَبي حَبيبٍ: أَنَّ عِرَاكَ بن مَالِكٍ، حَدَّثَهُ: أَنَّ عُرْوَةَ أَخْبَرَهُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ الله ﷺ بِصِيَامِهِ حَتَّى فُرِضَ رَمَضَانُ، وَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ".
стр. 2908
الحديث الثاني:
بمعنى ما قبله.
* * *
٢ - بابُ فَضْلِ الصَّوْمِ
(باب فَضْل الصَّوم)
١٨٩٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبي الزِّناَدِ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ؛ مَرَّتَيْنِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ الله تَعَالَى مِنْ رِيح الْمِسْكِ، يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي، الصِّيَامُ لِي، وَأَناَ أَجْزِي بِهِ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا".
(جُنة) بضمِّ الجيم، أي: التُّرس، أي: فيكون مانِعًا من النَّار، أو من المَعاصي؛ لأنه يَكسِر الشَّهوة، ويُضعف القوَّة.
(يَرْفُث) بضم الفاء، وكسرها، على أنَّ ماضيه (رَفَثَ) بالفتْح، فأما على أنَّه بالكسر، فالمضارع: يَرفُث بالفتح رفْثًا بالسكون في المصدر، والفتْح في الاسم، أي: يُفْحِش في الكلام.
стр. 2909
(يجهل)؛ أي: يَفعل فِعْل الجُهَّال كالصِّياح والسُّخرية، أو يَسفَه.
(فليقل) أي: بقلبه، ولسانه: الأوَّل لكَفِّ نفْسه عن مُقاتلة خصمه، والثاني لكَفِّ خصمه عن الزِّيادة، وهو من أسرار الشريعة، فهو مِن حمل اللَّفظ على حقيقتيه، أو حقيقته ومَجازِه، وذلك واجبٌ عند الشَّافعي، وهذا وإنْ لم يختصَّ بالصَّائم إلا أنَّه في الصِّيام أَوْكَد.
وقال الأَوزاعي: يُفطِر بالسَّبِّ والغِيْبة، فقيل: معناه: يصير كالمُفطِر في سُقوط الأجْر لا أنه يُفطِر حقيقةً.
(لَخُلُوف) بضمِّ الخاء على الصَّحيح المشهور، وهو تغيُّر رائحة الفَمِ.
(عند الله) قال (ط): أي: في الآخِرة كما في: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الحج: ٤٧]، أي: مِن أيام الآخرة.
قال المَازَرِي: هذا استعارةٌ؛ لأنَّ استِطابةَ بعض الرَّوائح من صفات الحيَوان الذي له طبيعةٌ تميل إلى الشَّيء، وتَستطيبه وتنفِر عنه، فتَستقْذره، والله مُقدَّسٌ عن ذلك، لكنْ جرَتْ عادتُنا بتقريب الرَّوائح الطَّيِّبة، فاستُعير ذلك في تَقْريب الصَّوم.
وقيل: المعنى: لَجزاء خُلُوفه أطيَبُ منه، أي: فيُجازيه في الآخرة بكون نكْهته أطيَب من المِسْك، وقيل: المراد: عند ملائكة الله، فهو على حَذْف مضافٍ، وقيل: أكثَر له قَبولًا من قَبول رِيْح المِسْك عندكم؛ لأنَّ الطِّيب مُستلزِمٌ للقَبول عادةً، أو على وجْه
стр. 2910
الفَرْض، أي: لو تُصوِّر الطِّيْب عند الله لكان الخُلُوف أَطيب، أو المقصود من التركيب زُبْدتُه، وهو الثَّناء على الصائم، والرِّضَا بفِعْله؛ لئلا يمنعَه الخُلُوف المتغيِّر من مُواظبة الصَّوم.
وقال (ن): الأصحُّ أن الخُلُوف أكثَر ثَوابًا من المِسْك حيث نُدب إليه في الجُمَع والأعياد.
وقال البَيْضاوي: هو تفضيلٌ لمَا يُستكرهُ من الصَّائم على أطْيَب ما يُستلَذُّ من جنْسه، وهو المِسْك؛ ليُقاس عليه ما فَوقه من آثار الصَّوم (١).
(من أجلي) هذا يحتاج لتقديرٍ، حتى لا يتَّحِدَ المتكلِّم في: (والذي نفْسي) مع: (لأَجْلي)، أي: قال الله، وقَول الله في مثل ذلك، وهو المسمَّى بالقُدسي، والإلهي، والربَّاني، يُفارِق لفْظ القُرآن أنَّ ذلك معجزةٌ بقصده مُتعبَّدٌ بتلاوته.
وعبارة (ك) في نفي الإعجاز فيه بالكُلِّية، وأنَّه لم يأْتِ به جبريل ليس بجيِّدٍ فيها، نعَمْ، الفَرْق بينه وبين الأحاديث النَّبويَّة -مع أنَّه ما ينطِقُ عن الهَوَى، وكلُّها وَحْيٌ- أنَّ هذا أيضًا يُضاف (٢) إلى الله تعالى
стр. 2911
بخلاف لفظ الأحاديث.
قال: ويُفرَّق بأن القُدسيَّ ما يتعلَّق بتنزيه ذات الله تعالى، وبصفاته الجَلاليَّة والجَمالية، منسوبٌ إلى الحَضْرة المقدَّسة.
قلتُ: إنْ أراد: غيرُهما لا يتعلَّق بتنزيه الله تعالى وصفاته؛ فليس بصحيحٍ، بل الأحاديث النبويَّة تتعلَّق بذلك، وإنْ أراد أنها لا تُضاف لله تعالى؛ فهو عين الفَرْق الأول.
ونُقل عن الطِّيْبي: أنَّ القُدسيَّ خاصٌّ بالمَنام، أو بالإلهام، والقُرآن نزَلَ به جِبْريل، [و] فيه نظَرٌ؛ فإنَّ الأحاديث القُدسية قد نَزل بها جِبْريل، لكنْ إنما يَفترقان في قَصْد الإعجاز، والتعبُّد بتلاوته.
(الصوم لي) بمعنى: لم يُتعبَّد به أحدٌ غيري، وإنْ كانت العبادات كلُّها لله تعالى، وإنْ كان الكفار يُعظِّمون آلهتهم بسجودٍ، وصدقةٍ، ونحو ذلك، أما بالصِّيام فلا، أو أنَّ الصَّائم ليس له فيه حظٌّ؛ إذ لا يطَّلِع عليه أحدٌ.
وفيه كَسْر النَّفْس، وتعرُّض البدَن للنَّقص، والصَّبر على حُرقة العطَش، ومضَضِ الجُوع.
وقيل: هو إضافة تشريفٍ كـ: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ [الشمس: ١٣].
وقال (خ): الصَّوم عبادةٌ خالصةٌ لا يَستولي عليها الرِّياء والسُّمعة؛ لأنه عمَلُ سِرٍّ لا يطَّلِعُ عليه إلا الله، كما رُوي: "نيَّةُ المؤمِنِ خيرٌ مِن عمَلِه"؛ فإنَّ مَحلَّها القَلْب، أي: النيَّة منفردةً خيرٌ من عمَلٍ خالٍ عن النيَّة كما في: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣]، أي:
стр. 2912
ألفٍ ليس فيها ليلةُ القَدْر.
قلتُ: وسبق أوَّلَ الكتاب تَقرير أنَّ لذلك لطيفةً.
قال: وقيل: إنَّ معناه الاستغناء عن الطَّعام مِن صفات الله تعالى، فإنه يُطْعِم ولا يُطْعَم، فكأنه يقول: الصَّائم يتقرَّب لي بأمرٍ هو متعلِّقٌ بصفةٍ من صفاتي، وإنْ كانت صفات الله تعالى لا يُشبهُها شيءٌ.
(وأنا أجزي به) معناه: مضاعَفة الجزاء من غير عدَدٍ ولا حِسابٍ، وإنما عقَّبه بقوله: (والحسنة بعشر أمثالها) إعلامًا بأن الصَّوم يُستثنى من هذا الحُكم كأنَّه قال: وسائر الأَعمال الحسنَة بعشر أمثالها بخلاف الصَّوم، فإنه كثيرُ الثَّواب جِدًّا؛ لأنَّ الكَريم إذا أخبَر بأنه يتولَّى بنفسه الجزاء اقتضَى عظمتَه وسعتَه، والتَّقديم في و (أناَ) يحتمل التَّخصيص، أي: بخلاف سائِر الأعمال، فإنَّ جزاءَها قد يُفوَّض للملائكة، وأما حذْفُ التاء من عشرٍ مع أن المِثْل مذكَّرٌ؛ فإنَّه بمنزلة حسَنةٍ، وهي مؤنَّثة كأنه قيل: بعَشْر حسَناتٍ، والمراد: أن هذا أقلُّ التَّضعيف، وقيل: يكون بسَبعْ مئةٍ، والله يُضاعِف لمن يشَاءُ.
* * *
٣ - بابٌ الصَّوْمُ كَفَّارَةٌ
(باب: الصَّوم كفَّارةٌ)
١٨٩٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن عَبْدِ الله، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا جَامِعٌ،
بذلك عنه لاستِلزامه، ثم ليس ذلك قاصِرًا على صائمِ رمضان، وكذا في الزكاة، والصلاة المَفروضة، بل مُلازَمة النَّوافِل وكثرتها من ذلك.
* * *
١٨٩٦ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بن مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بن بِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ: الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ، فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ".
الحديث الأول:
(غلق) مخفَّفًا ومُشدَّدًا، وأغلَق من الإغْلاق.
(فلم يدخل) إنما أتَى بـ (لم) وكان القِياس (فلا)؛ لأنَّه لمَّا عُطف على الجَزاء كان في حُكم المُستقبَل.
* * *
١٨٩٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بن الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبيلِ الله نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ: يَا عَبْدَ الله! هَذَا خَيْرٌ. فَمَنْ كَانَ
стр. 2915
مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: بِأَبي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ الله! مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ كُلِّهَا؟ قَالَ: "نعمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ".
الحديث الثاني:
(زوجين) دِرْهَمَين، أو دِيْنارَين، فالمراد اثنَين من أيِّ شيءٍ كانَ، صِنْفَين، أو مُتشابهَين، وقد جاءَ تفسيره مرفوعًا: "بَعيرَين، شاتَين، حِمَارَين، درهمين"، قيل: ويحتمِل تكرارَ الإنفاق مرَّةً بعد أُخرى، أي: يصير عادةً، كما في: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤].
(سبيل الله) قيل: عامٌّ في أنواع الخَير، وقيل: المراد الجِهاد.
(خيرٌ)؛ أي: من الخَيرات، والتَّنوين فيه للتَّعظيم، وليس المراد به اسم التَّفْضيل.
(من أهل الصلاة)؛ أي: الذي الغالِب عليه ذلك، وإلا فكُلُّ المؤمنين أهلٌ للكُلِّ.
(ومن كان من أهل الصدقة) ليس تَكرارًا لمَا في صَدْر الحديث؛ لأن ذاك في أنَّ الإنفاق ولو بالقَليل خيرٌ من الخيرات العَظيمة، وذاك حاصِلٌ من كلِّ أبواب الجَنَّة، وهنا استدعاءُ الدُّخول من بابٍ خاصٍّ.
стр. 2916
ففيه فَضْل الإنْفاق حيث افتَتَح به وختَم.
(بأبي)؛ أي: مُفَدًّى.
(ما عَلَى)؛ أي: مَن لم يكن إلا مِن أهل خَصْلةٍ واحدةٍ، ودُعِيَ من بابها لا ضرَر عليه؛ لأن القصد دُخول الجنة.
(من ضرورة)؛ أي: ضرَرٍ وخَسارة، أي: قدْ سَعِدَ من دُعِيَ من أبوابها جميعًا.
قال (ط): هذا التَّقسيم فيمَن أنفَق زوجَين أَدخل فيه الصَّوم والصَّلاة باعتبار أنه أفنى فيهما نفسه ومالَه، وهما المراد بزَوجين، فالعرَب تقول: أنفَقْتُ في ذلك عُمُري، فجعَل إتْعاب الجسم في الصلاة والصوم إنْفاقًا، وبانضمام ما يُنفقه في قُوَّته وستْر عَورته يصير مُنْفقًا لزَوجَين نفسَه ومالَه، وقد يكون الإنْفاق في الصَّلاة ببناء المسَاجِد، وفي الصَّوم بتفْطير الصُّوَّام عنده.
(نعم)؛ أي: يُدعَى مِن كلِّها إكرامًا بتخييره في الدُّخول مِن أيِّها شاءَ؛ لاستحالة الدُّخول من الكُلِّ معًا.
قال (ك): ويحتمل أن الجنَّةَ كقَلْعةٍ لها أسوارٌ يُحيط بعضها ببعضٍ، وعلى كل سُورٍ بابٌ، فمنْهم من يُدعَى من الباب الأوَّل فقط، ومنهم مَن يَتجاوَزُ عنه إلى الباب الدَّاخلانيِّ، وهَلُمَّ جَرًّا.
* * *
стр. 2917
٥ - بابٌ هَلْ يُقَالُ: رَمَضَانُ، أَوْ شَهْرُ رَمَضَانَ، وَمَنْ رَأَى كُلَّهُ وَاسِعًا، وَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ" وَقَالَ: "لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ "
(باب: هل يَقول: رمَضان؟)
يُريد بذلك أنه لا يُكره أن يقول: رمضان، بدُون لفْظ: شَهْر، سواءٌ كان بقرينةِ إرادة الشَّهر كـ: صُمْتُ رمَضانَ، أو بدونها نحو: أُحِبُّ رمَضانَ، ومنَع المالكيَّةُ أن يُقال إلا شَهْر رمَضان؛ لأن رمضان اسمٌ من أسمائه تعالى، وقال أكثَر الشافعية: إنْ لم تكُن قَرينةٌ كُرِهَ، أو كانتْ قرينةٌ فلا.
وأما تسميته بذلك، فقيل: لأنه تُرْمَض فيه الذُّنوب، أي: تُحْرَق؛ لأن الرَّمْضَاء شِدَّة الحَرِّ، وقيل: وافَق ابتداءُ الصَّوم فيه زَمانًا حارًّا.
(وقال النبي ﷺ ) وصلَه البخاري في الباب الذي بعد هذا.
(وقال: لا تقدموا) رواه مسلم، وأصْل تُقَدِّموا: تتَقَدَّموا، فحُذفت إحدى التاءين.
قلت: وهو في البخاري أيضًا بعد أبواب بلفظ: (لا يتقدَّمنَّ أحدُكم رمَضَان بصومِ يَومٍ، أو يومين)، والمعنى: لا تَتقدَّموا الشَّهر بصوم يومٍ تُقَدِّمونه منه، ويُروى: (لا تُقَدِّموا) بضمِّ أوله، وكسر
стр. 2918
الدَّال، أي: لا تُقدِّموا صومًا قبلَه ليَكون منه تَجعلونَه احتياطًا.
* * *
١٨٩٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بن جَعْفَرٍ، عَنْ أَبي سُهَيْلٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَن رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ".
الحديث الأول:
(فُتِحَت) بتخفيف التاء وتَشديدها، والأظهر أنَّ المراد: فُتِحَ بالخفيفة لمَنْ مات فيه، أو عَمِل عملًا لا يُفسد عليه، وقيل: مجازٌ، أي: العمَل فيه يُؤدِّي إلى ذلك، أو كثرة الرحمة والمغفرة؛ بدليل رواية مسلم: "فُتِحَتْ أبوابُ الرَّحمَةِ" إلا أن يُقال: الرحمة من أسماء الجنَّة.
واعلم أن التِّرمذي رَوى هذا الحديثَ بترْك: شَهْر، وزيادةُ الثِّقَة مقبولةٌ، فتكون رواية البخاري مختصرةً منه، فلا يبقَى له حُجَّةٌ فيه على إطلاقه بدون: شَهْر.
* * *
١٨٩٩ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بن بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابن أَبي أَنسٍ مَوْلَى التَّيْمِيينَ: أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ: أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا
стр. 2919
دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ، فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءَ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ".
الثاني:
(أبواب السماء) قال (ط): أي: الجنَّة بقَرينة ذكْر جهنَّم في مُقابلَته، وقال التُّوْرِبِشْتي: كنايةٌ عن تَنْزيل الرَّحمة، وإزالة الغَلْق عن مَصاعِد أعمال العِباد تارةً ببذْل التَوفيق، وأُخرى بحُسْن القَبول، وقال في: (وغلقت أبواب جهنم) إنه كنايةٌ عن تنزُّه أنفُس الصُّوَّام عن رِجْس الفَواحش، والتخلُّص من البَواعث على المعاصي بقَمْع الشَّهوات، وكذا قال (ع): إنَّ التَّغليق والتَّصفيد مجازٌ عما ينكَفُّون عنه.
وقال الطِّيْبي: فائدة الفتْح توفيق الملائكة على استِحْماد فِعْل الصَّائمين، وإنْ كان من الله بمنزلةٍ عظيمةٍ، وأنَّ المكلَّف إذا عَلِمَ ذلك بإخبار الصَّادق زادَ نشاطُه، ويتلقَّاه بأَربحيَّته.
(وسلسلت الشياطين) قال (ع): يحتَمِلُ أيضًا الحقيقة ليمتَنِعوا من إيذاء المؤمنين، والمجازَ إشارةً إلى أنهم تَقِلُّ أعوانُهم، فيَصيروا كالمسَلسَلِيْن.
* * *
١٩٠٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بن بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ: أَنَّ ابن عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ
стр. 2920
رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ". وَقَالَ غَيْرُهُ، عَنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، وَيُونُسُ: لِهِلَالِ رَمَضَانَ.
الحديث الثالث:
(رأيتموه)؛ أي: الهلال، وإنْ لم يَسبق له ذكْرٌ؛ لدلالة السِّياق عليه، وليس المراد رُؤيةَ جميع المُسلمين بل رجُلان، وكذا واحدٌ؛ لحديث ابن عُمر: تَراءَى النَّاسُ الهلالَ، فأخْبرتُه ﷺ بأَنِّي رأيتُه، فصامَ، وأمَر بصِيَامه.
قال (خ): أوجَب على كلِّ قومٍ أن يَعتبروه بوقْت الرُّؤية في بلادهم دُون بلادِ غيرهم؛ فإنَّ البلادَ تختلِفُ أقاليمُها بالارتفاع والانخفاض.
(غُمَّ) بضمِّ الغَين، وتشديد الميم، مبنيٌّ للمفعول، وفيه ضميرٌ للهِلال، أي: سُتِرَ، مِن غَمَمْتُ الشَّيءَ: سَتَرتهُ، وليس من الغَيْم، ويُقال فيه: غَمِيَ وغُمِّي، مخفَّفًا ومشدَّدًا، رباعيًّا وثلاثيًّا.
(فاقدُروا) بهمزة وصلٍ، وضمِّ الدال وكسرها، أي: حقِّقوا مقاديرَ أيام شَعْبان، حتى تُكمِلُوه ثلاثين يومًا، كما فُسِّرَ في الرواية الأُخرى، ولذا أخَّره البخاريُّ كمالكٍ في "الموطَّأ"؛ لأنه مُفَسِّرٌ له.
وقيل المعنى: قَدِّروا له مَنَازِل القمَر وَمَسِيْره؛ فإنَّ ذلك يدلُّ على أنَّ الشَّهر تسْعٌ وعشرون، أو ثلاثون، فهو خِطَابٌ لمن يَعرِفُ هذا العِلْمَ.
стр. 2921
والوجْهُ وقَولُ الجُمهور هو الأوَّل.
(وقال غيره) أي: عن يحيى، وقد وصَلَ ذلك الإِسْماعِيْليُّ من حديث كاتِب اللَّيث عنه، والذُّهْلي في "الزُّهْريات" عن أبي صالح، عن اللَّيث.
* * *
٦ - بابُ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَنِيَّةً
وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂، عَنِ النَّبيِّ ﷺ : "يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ".
(باب مَنْ صام رمضان إيمانًا واحتسابًا)
في نصبهما وجهان:
أحدهما: مصادر وقعت أحوالًا، كقوله تعالى: ﴿يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ [البقرة: ٢٦٠]، أي: ساعياتٍ.
ثانيهما: مفعولٌ لأجله، ومعنى (إيمانًا): تصديقًا بوُجوبه، و (احتِسابًا): من الحِسْبة، قال الجَوْهَري: هي بالكسر: الأَجْر، واحتَسبْتُ بكذا، أي: أجْرًا عند الله، وقال البَغَوي: طلَبًا للأجر في الآخِرة، وقال (خ): أي: عَزيمةً، أي: يصُومه على معنى الرَّغْبة في ثَوابه طيِّبةً نفْسه بذلك غير مُستثقلةٍ لصيامه، ولا مستطيلةً لأيامه.
стр. 2922
(وقالت عائشة) هو طرَفٌ من حديثٍ ذكَره البخاري في (البُيوع).
(يبعثون)؛ أي: يوم القِيامة على حسَب نيَّاتهم إنْ كانوا مخلِصين يُثابون، وإلا فلا، قالوا: فالكافِر يخلُد فى النَّار؛ لأنه على نيَّةِ لَو عاشَ مخلَّدًا كان كافرًا.
* * *
١٩٠١ - حَدُّثَنَا مُسْلِمُ بن إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ أَبي سَلَمَةَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبهِ، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبهِ".
(من قام) سبق الحديث بشرحه في (الإيمان).
* * *
٧ - بابٌ أَجْوَدُ مَا كَانَ النَّبيُّ ﷺ يَكُونُ فِي رَمَضَانَ
١٩٠٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثنَا إِبْرَاهِيمُ بن سَعْدٍ، أَخْبَرَناَ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله بن عَبْدِ الله بن عُتْبَةَ: أَنَّ ابن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبيُّ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ ﵇ يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ
стр. 2923
فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبيُّ ﷺ الْقُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ ﵇ كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ.
(باب أجْوَدُ ما كان النبيُّ ﷺ يكُون في رمَضان)
(ما) مصدرَّيةٌ، أي: أجودُ أكوانه يكون في رمضان، والأَجْود الأَسْخَى، ومرَّ الحديث بشرحه في (كتاب الوحي).
* * *
٨ - بابُ مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فِي الصَّوْمِ
١٩٠٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ بن أَبي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا ابن أَبي ذِئْبٍ، حَدَّثنا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ".
(باب مَنْ لَم يدَعْ قَول الزُّور والعمَلَ به في الصَّوم)
أي: لم يترُك، والزُّور: الكذب، والمَيْل عن الحقِّ، والعمَل به، أي: بمُقتضاه مما نهى الله عنه.
قال البَيْضاوي: ليس المراد من شَرعيَّة الصوم نفس الجُوع والعطَش، بل ما يتبَعُه من كسْر الشَّهوات، وتطْويع النَّفْس الأمَّارة للنَّفْس المطمَئنَّة، فإذا لم يحصُل له ذلك لا ينظر الله إليه نظَر القَبول،
стр. 2924
فلذلك قال النبي ﷺ : (فليس لله حاجة) إلى آخره، فهو مجازٌ عن عدَم الالتفات والقَبول، فنفى السَّببَ، وأراد نفْيَ المسبَّب، وقال (ط): وضَع الحاجة موضع الإرادة؛ إذ الله تعالى لا يحتاجُ إلى شيءٍ.
* * *
٩ - بابٌ هَلْ يَقُولُ: إِنِّي صَائِمٌ إِذا شُتِمَ
(باب: هل يقُول: إنِّي صائمٌ إذا شُتِم؟)
١٩٠٤ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بن مُوسَى، أَخْبَرَناَ هِشَامُ بن يُوسُفَ، عَنِ ابن جُرَيْج، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنْ أَبي صَالِحٍ الزَّيَّاتِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "قَالَ الله: كُلُّ عَمَلِ ابن آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإنَّهُ لِي، وَأَناَ أَجْزِي بِهِ. وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ، فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ، أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِم أَطْيَبُ عِنْدَ الله مِنْ رِيح الْمِسْكِ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا؛ إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ".
(كُلُّ عمل ابن آدم) قال (خ): أي: كلُّ عمَله له فيه حَظٌّ ومَدخَلٌ لاطلاع الناس عليه، فهو يتعجَّل به ثَوابًا من الناس، ويحوز به حظًّا من الدُّنيا جاهًا وتعظيمًا ونحوه بخلاف الصَّوم، فإنَّه خالصٌ
стр. 2925
لي لا يطَّلِع عليه أحدٌ.
(له) فالسَّيِّئات وإنْ كانتْ عليه لا له، لكن المُراد أنَّ أعمالَه مختصَّةٌ به، أو المراد هنا بعمَله الصَّالح.
(يَصْخب) بالصاد، والسين المهملتين، والخاء المعجَمة: الصِّيَاحُ والخُصُومة، وتقدَّم قريبًا، وعند الطَّبَري: لا يَسْخَر، أي: بالنَّاس، ولكن المعروفُ الأوَّل.
(يفرحهما) فيه تَوسُّعٌ بحذف الجارِّ، والأصل: يفْرحُ بهما، كما في قوله تعالى: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، أي: فيه، أو هو مفعولٌ مطلَقٌ، أي: يَفرَح الفَرحتين، فجَعَل الضَّمير بدلَه، نحو: عبد الله أظنُّه منطلِقٌ.
(إذا أفطر فرح)؛ أي: لإتمامه الصَّوم وخُلوِّه عن المُفسِد، أو لتَناوله الطَّعامَ.
(وإذا لقي ربه فرح)؛ أي: بلقاء ربه، أو برؤية ثَوابه على الاحتمالَين، فهو مسرورٌ بقَبُوله.
* * *
١٠ - بابُ الصَّوْمِ لِمَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْعُزُوبَةَ
(باب الصَّوم لمَن خافَ على نفْسه العُزوبَةَ)
قال الجَوْهَري: العَزَب: الذي لا أهلَ له، والعَزَبة: التي لا زَوْجَ
стр. 2926
لها، والاسم العُزْبة، والعُزوبة.
* * *
١٩٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: بَيْنَا أَناَ أَمْشِي مَعَ عَبْدِ الله ﵁، فَقَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبيِّ ﷺ فَقَالَ: "مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْج، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ".
(فقال) جواب (بَيْنَ)، وإنْ كان أصله إمَّا بـ (إذا)، أو بالفِعْل المجرَّد، لكنْ أُقيمتْ الفاء هنا مقام إذا، أو أنَّ لفظ: (قال) مقدَّرةٌ، والمذكور تفسيرٌ له.
(الباءة) سُمي النِّكاح باءَةً؛ لأنَّ الرجل يتبَوَّأُ من أهله، أي: يستَمكِنُ كما يَتبوَّأ مِن دَارِه.
قال التَّيْمِي: هو ممدودٌ، والمحدِّثون يقولونَه بالقَصْر والهاء.
قال (ن): فيه أربع لُغاتٍ: المشهورة، وهي بالمدِّ والهاء، وبلا مدٍّ، وبالمدِّ بلا هاءٍ، وباهَه بهائين بلا مَدٍّ، أصلها في اللُّغة: الجِمَاع، مشتقَّةٌ من المَباءَة وهي المنْزِل، ومَباءَة الإبل مَعاطِنُها، ثم قيل: المُراد بقُدْرة الباءَة: قُدرة مُؤَن النكاح، وعجزها: العجز عنها.
(فعليه بالصوم) قيل: مِن إغْراء الغائِب، وسَهَّلَه تقدُّم المُغْرى به
стр. 2927
في: (مَن استطاع منكم)، فكان كإغراء الحاضر، وقال ابن عُصْفُور: الباء زائدةٌ في المبتدأ، ومعناه الخبر لا الأَمر، أي: فعليه الصَّومُ، وقيل: من إغراء المخاطَب على معنى: دُلُّوه على الصَّوم، أي: أَشيروا عليه به.
(أغض)؛ أي: أَدْعَى إلى غَضِّ البصَر.
(وأحصن)؛ أي: أَدْعَى إلى إحصان الفَرْج.
(وِجاء) بكسر الواو، والمدِّ: رَضُّ الخِصْيتين، وقيل: رَضُّ العُروق والخِصيتان بحالها، والمراد: أن الصَّوم يقطَع الشَّهوة كما يقطَعه الوِجَاء.
قال (ك): وقد يستدلُّ به على جواز العِلاج بقطْع الشَّهوة بكافورٍ ونحوه.
قلت: لكنْ فيه نظَرٌ؛ فلا قياسَ على ما لا ضرَرَ فيه.
* * *
١١ - بابُ قَوْلِ النَّبيِّ ﷺ : "إِذا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ فَصُومُوا، وَإِذا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا "
وَقَالَ صِلَةُ، عَنْ عَمَّارٍ: مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ .
стр. 2928
(باب قَول النبيِّ ﷺ : إِذا رأَيْتُمُ الهِلالَ)
كذا عبر عن الحديث في الترجمة، وهي رواية مسلم، وذكره البخاري كما سبق بلفظ: "إذا رأَيتُموهُ".
(وقال صِلَة) بكسر المهملَة، وفتح اللام الخَفيفة، غير منصرفٍ، وصلَه ابن خُزَيمة، وابن حِبَّان، والأربعة، وأحمد، والحاكم.
(يوم الشك) هو اليوم الذي يَشهَد فيه مَن لا يُقبَل بالرُّؤية، أو يجري على ألْسِنَة الناس أنه رُئي الهلال.
(أبا القاسم) ذكر الكُنية إشارةً إلى أنه الذي يَقْسِم أحكامَ الله بين عباده زمانًا ومكانًا وغيرهما.
* * *
١٩٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ذَكَرَ رَمَضَانَ فَقَالَ: "لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ، فَاقْدُرُوا لَهُ".
الحديث الأول:
سبق شرحه.
* * *
١٩٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الله بن دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "الشَّهْرُ تِسْعٌ
(باب: شَهْرا عيْدٍ لا يَنقُصان)
أي: لو كان أحدهما تامًّا لكان الآخَر ناقصًا، فلا ينقُصان معًا في سنةٍ واحدةٍ غالبًا، وصحَّحه (ن)، وقيل: المعنى: لا ينقُص ثَواب ذي الحِجَّة عن ثَواب رمضان؛ لأنَّ فيه المَناسِك، وقيل: كامِلان في الأَجْر والثَّواب، أي: فإنَّهما وإنْ نقَص عدَدُهما في الحِسَاب، فحكمُهما على الكمال في العبادة، وذلك لئلا يقَع في صُدورهم إذا صاموا تسعةً وعشرين، أو إنْ وقَع الخطأ في عرَفة، ولم يكُنْ في حَجْمهم نقَص، نعَمْ، هذا في ذي الحِجَّة إنما هو في العَشْر الأوَّل، ولا عُلْقة له بمجيء الشَّهر ثلاثين، أو تسع وعشرين إلا بأنْ يُؤوَّل بأنَّ الزِّيادة أو النَّقْص إذا وقَعتْ في ذي القَعدة يلزَم منها نقص عشر ذي الحِجَّة الأوَّل أو زيادته، فيقِفُون الثَّامِنَ، أو العاشِر، فلا ينقُص أجرُ وُقوفهم عما لا غلَطَ فيه.
قلت: كذا قال (ك)، ولكن وقُوف الثامن غلَطٌ لا يُعتبر على الأصَحِّ.
* * *
١٣ - بابُ قَوْلِ النَّبي ﷺ : "لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ "
(باب قَول النبيِّ ﷺ : لا نَكتُب)
١٩١٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بن قَيْسٍ،
стр. 2933
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بن عَمْرٍو: أَنَّهُ سَمِعَ ابن عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ قَالَ: "إِنَّا أُمَّة أُمِّيَّةٌ، لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا"؛ يَعْنِي: مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ، وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ.
(أُمة)؛ أي: باقُون على الحالة التي ولَدتْنا عليها الأُمهات من عدَم الكتابة والقِراءة، وهو نِسْبةٌ إلى الأُمِّ، وصفتِها؛ لأن هذه صفة النِّساء غالبًا، وقيل: النِّسبة إلى أُمة العرَب؛ لأنهم ليسُوا أهلَ كتابةٍ.
(لا نكتب)؛ أي: باعتبار الغالِب في العرَب، والكاتب فيهم نادرٌ.
(ولا نحسب)؛ أي: لا نعرف الحِسَاب، أي: حِسَاب النُّجوم، وقال (ط): لا يحسُبون بالقَوانين الغائبة عنَّا، ولكن يحسُبون بالموجودات عِيَانًا.
* * *
١٤ - بابٌ لَا يَتَقَدَّمَنَّ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ
(باب: لا يتقدَّمُ رمضانَ بصَومِ يومٍ أو يومَين)
١٩١٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بن إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بن أَبي كَثِيرٍ، عَنْ أَبي سَلَمَةَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ
стр. 2934
كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ، فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ".
(صومه)؛ أي: المعتَاد من نَذْرٍ، أو قضاءٍ، أو وِرْدٍ، أو كفَّارةٍ، أي: لا تستقبلُوه بنيَّة رمضان.
فيُكره صوم يومٍ أو يومين لغير ذلك من آخِر شعبان؛ ليَدخُل في صوم رمضان بنشاطٍ وقوَّةٍ، فلا يثقُل عليه، وقيل: لئلَّا يختلِطَ صَوم النَّفْل بالفرْض؛ فإنَّه قد يُورِث الشَّكَّ بين الناس، وقيل: إنه ﷺ لمَّا قيَّد الصَّوم بالرُّؤية كان كالعِلَّة للحُكم، فمن تقدَّم فقد حاولَ الظَّنَّ في العِلَّة، إما لقضاءٍ، أو نذْرٍ فضرورةٌ، أو لوِرْدٍ بعد إِلْفٍ، فحاصلُه أن ذلك ليس بتقدُّم رمضان بصومٍ.
* * *
١٥ - بابُ قَوْل الله جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾
(باب قَول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧])
١٩١٥ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بن مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا، فَحَضَرَ الإفْطَارُ، فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ، لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلَا يَوْمَهُ،
стр. 2935
حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنَّ قَيْسَ بن صِرْمَةَ الأَنْصَارِيَّ كَانَ صَائِمًا، فَلَمَّا حَضَرَ الإفْطَارُ أتى امْرَأتهُ، فَقَالَ لَهَا: أَعِنْدَكِ طَعَامٌ؟ قَالَتْ: لَا، وَلَكِنْ أَنْطَلِقُ، فَأَطْلُبُ لَكَ. وَكَانَ يَوْمَهُ يَعْمَلُ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، فَجَاءَتْهُ امْرَأتُهُ، فَلَمَّا رَأتْهُ قَالَتْ: خَيْبَةً لَكَ. فَلَمَّا انتصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبيِّ ﷺ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾، فَفَرِحُوا بِهَا فَرَحًا شَدِيدًا، وَنزَلَتْ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾.
(قيس بن صِرْمة) بكسر الصاد المهملة.
قال الدَّاوُدي، وابن التِّيْن: يحتمل أنَّ هذا غير محفوظٍ، وإنما هو صِرْمَة، أي: كما هو في "الصحابة" لأبي نُعَيم: صِرْمة بن أبي أنس، وقيل: ابن قَيْس الخَطَمي.
(فغلبته عيناه)؛ أي: فنامَ، وفي بعضها: (عينُهُ) بالإفْراد.
(خيبة)؛ أي: حِرْمان، وخابَ: إذا لم ينَلْ ما طلَبَ، وهو مفعولٌ مطلَقٌ حُذِف عاملُه وجوبًا.
قال بعض النُّحاة: إذا كان بدُون لامٍ وجَب نصْبه، أو معها جازَ النَّصب.
(فنزلت) ووجْهُ المُناسبة في نُزولها مع حكاية قَيْس أنه إذا جاز الرَّفَثُ كان الأكل والشُّرب حلالًا بالأَولى، ثم نزل بعده: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾، ليُعلم ذلك بالمنطوق تصريحًا بتَسْهيل الأمر عليهم، ورفْعًا
стр. 2936
لجِنْس الضَّرر الذي وقَع لصِرْمة، أو أنَّ المراد نُزول الآية بتَمامها، والغرَض: نزلَتْ ثانيًا لفظ: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾.
* * *
١٦ - بابُ قَوْل الله تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾
فِيهِ الْبَرَاءُ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ .
(باب قَول الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾)
(فيه البراء) لكنْ لمَّا لم يكُن حديثه في الباب على شرْطه لم يذكُره، كذا قال (ك)، وهو عجيبٌ؛ فإن البخاري قد أخرجه في الباب الذي قبلَه، وفي غيره.
* * *
١٩١٦ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بن مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنِي حُصَيْنُ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الشَّعْبيِّ، عَنْ عَدِيِّ بن حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا نزَلَتْ: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ عَمَدْتُ إِلَى عِقَالٍ أَسْوَدَ وَإِلَى عِقَالٍ أَبْيَضَ، فَجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِي، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ فِي اللَّيْلِ، فَلَا يَسْتَبينُ لِي، فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ ، فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: "إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ".
стр. 2937
١٩١٧ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بن أَبي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا ابن أَبي حَازِمٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ سَهْلِ بن سَعْدٍ (ح) حَدَّثَنِي سَعِيدُ بن أَبي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بن مُطَرِّفٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بن سَعْدٍ قَالَ: أُنْزِلَتْ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾، وَلَمْ يَنْزِلْ (مِنَ الْفَجْرِ)، فَكَانَ رِجَالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلِهِ الْخَيْطَ الأَبْيَضَ وَالْخَيْطَ الأَسْوَدَ، وَلَمْ يَزَلْ يأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُمَا، فَأَنْزَلَ الله بَعْدُ: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فَعَلِمُوا أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي اللَّيْلَ النَّهَارَ.
الحديث الأول، والثاني: بمعنى متقاربٍ.
(علموا)؛ أي: بعد نُزول: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، وليس في هذا تأخير البَيان عن وقْت الحاجة؛ لأن استِعمال الخَيْطَين، أي: الأبيض الذي أوَّل ما يمتدُّ من الفجْر المعترِض في الأفُق شبيهًا بالخَيْط، والأسود الذي يمتدُّ معه من غَلَسِ اللَّيل شبيهًا بالخَيْط أيضًا = كان شائعًا لا يحتاج لبَيانٍ، فاشتَبَه على بعضهم، فحملَه على العِقَالَيْن.
قال (ن): فعل ذلك مَن لم يكن مُخالِطًا لرسول الله ﷺ ، بل هو من الأعراب، ومَن لا فِقْهَ عنده، أو لم يكن مِن لُغته استِعمالهما في اللَّيل والنهار، انتهى.
وبالجُملة فاستعمال الخَيْطَين في الليل والنهار على ما قرَّرناه كان استعمالُه قبل نُزول قوله تعالى: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، وبعدها صار من
стр. 2938
التَّشبيه؛ لأن الطَّرَفين مذكوران، والاستِعارة وإنْ كانت أبلَغَ من التَّشبيه، لكن الكامِل من التَّشبيه أبلَغ من الاستعارة الناقِصة، وهي ناقصةٌ لفَوات شَرْطِ جِنْسِها، وهو كَوْن المُستَعار والمُستَعار له جَليًّا بنفسه معروفًا بين سائر الأَقْوام، وهذا كان مشتَبهًا على بعضهم، وإنما كان: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ بيانًا لهما مع أنه متعلِّقٌ بالخَيْط الأبيض؛ لأنَّ بيان أحدهما مُشعِرٌ ببيان الآخر.
قال (ش): حديث عَدِيٍّ يقتضي نُزول: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ متصِلًا، وحديث سَهْل يقتضي نُزولها منفصلةً، فإنْ كان حَمْلًا على واقعتَين في وقتَين فلا إشْكالَ، وإلا فيحتمل أن حديث عَدِيٍّ متأخِّرٌ عن حديث سَهْل، وأن عَدِيًّا لم يسمَع ما جَرى من حديث سَهْل، وإنما سمع الآيةَ مجرَّدةً، ففهمها على ما وصَل إليه ذهنُه حتى تبيَّن له الصَّواب، وعلى هذا فيكون: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ متعلِّقًا بـ ﴿يَتَبَيَّنَ﴾، وعلى حديث سَهْل يكون في موضع الحال متعلِّقًا بمحذوفٍ، قاله في "المُفْهِم".
(رِءيتهمَا) بكسر الراء، وهمزةٍ ساكنةٍ، ومثناةٍ تحت مرفوعةٍ: بمعنى النَّظَر كقوله تعالى: ﴿أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ [مريم: ٧٤]، قال (ع) وغيره: هذا صوابُ ضبْطه، ولبعضهم: بفتح الرَّاء، وكسر الهمزة، ولا وجْهَ له هنا؛ لأنه التَّابع من الجِنِّ، وحكى (ن) ثالثةً، وهي: راءٌ مكسورةٌ، وياءٌ مشدَّدةٌ بلا همزٍ، ومعناه: لَونهما.
* * *
стр. 2939
١٧ - بابُ قَوْلِ النَّبيِّ ﷺ : "لَا يَمْنَعَنَّكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالِ "
(باب قول النبي ﷺ : لا يَمنَعنَّكُم مِنْ سَحُوركُم أَذانُ بِلالٍ)
السَّحور بفتح السين: ما يُؤكَل في السَّحَر، وبالضمِّ المصْدر.
قال (ش): قال (ط): لم يصحَّ عند البخاري لفظ الترجمة، فاستَخرج معناه من حديث عائشة، ولفظُها قد رواه الترمذيُّ، وقال: حسَنٌ.
١٩١٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بن إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ الله، عَنْ ناَفِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ.
١٩١٩ - وَالْقَاسِمِ بن مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابن أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ". قَالَ الْقَاسمُ: وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ أَذَانِهِمَا إِلَّا أَنْ يَرْقَى ذَا ويَنْزِلَ ذَا.
(ابن أم مَكْتوم) هو عَمْرو بن قَيْس.
(ولم يكن) إلى آخره، هو مُشكِلٌ مع سياق الحديث؛ فإنَّه يقتضي أنَّ بين وقت أذان بلال والفَجْر زمنٌ طويلٌ، وتأْويل: بين
стр. 2940
أذانهما أنَّ المراد بينهما كما في حديث ابن عُمر: لم يكُن بين نُزول بلالٍ وبين صُعود ابن أُمِّ مَكْتومٍ زمنٌ طويلٌ، بل بنفْس ما يَنزِلُ أحدُهما يصعَدُ الآخر.
(يَرْقَى) بفتح القاف، أي: يصعَد.
* * *
١٨ - بابُ تَأخِيرِ السَّحُورِ
(باب تَعجيل السَّحُورِ) (١)
قال (ط): أي: تَعجيل الأكل، ولو تَرجَم بتأْخير السُّحور لكان حسَنًا، أي: لأنه المَسنُون، فالمعنى: تَعجيل الأكْل إذا خافَ أن يَدهمه الفَجْر، فعلى هذا يُقرأ بضم السِّين، وهذا الحديث، وحديث الباب الذي قبلَه تقدَّما في (باب: وقْت الفَجْر).
(باب إدْراك السُّجود)
أي: الصلاة.
١٩٢٠ - حدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن عُبَيْدِ الله، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بن أبيِ
стр. 2941
حازِمٍ، عَنْ أَبي حَاِزمٍ، عنْ سَهْلِ بن سَعْدٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ أتسَحَّرُ فِي أَهْلِي، ثُمَّ تَكُونُ سُرْعَتِي أَنْ أُدْرِكَ السُّجُودَ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ .
(ثم تكون سُرْعَة بي)؛ أي: غاية ما يُفيد إسراعي إدراك الصَّلاة، أي: بقُرب سُجوده من الفجْر بقَدْر ما يصِل من مَنْزله للمَسجد، وأَورد (ع): (أنْ أُدرِكَ الصَّلاةَ)، وفي بعض النُّسخ: (السُّحور)، وهو قَريبٌ من المعنى المقصود.
* * *
١٩ - بابُ قَدْرِ كَمْ بَيْنَ السَّحُورِ وَصَلَاةِ الْفَجْرِ
(باب: قَدْرُ كَمْ؟)
١٩٢١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بن إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قتادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ زيدِ بن ثَابتٍ ﵁ قَالَ: تَسَحَّرْناَ مَعَ النَّبيِّ ﷺ ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ. قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَ الأَذَانِ وَالسَّحُورِ؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً.
(قَدْرَ) بالنَّصب خبر كانَ مقدَّرةٍ في كلام زيد، وبالرفع خبر مبتدأ.
* * *
стр. 2942
٢٠ - بابُ بَرَكَةِ السَّحُورِ مِنْ غَيْرِ إِيجَاب؛ لأَنَّ النَّبيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ وَاصَلُوا، وَلَمْ يُذْكَرِ السَّحُورُ
(باب بَرَكة السُّحور)
(واصَلوا)؛ أي: بين الصَّومَين من غير إفطارِ باللَّيل.
(ولم يذكر) بالبناء للمفعول، أو: (يَذكُروا) بالبناء للفاعِل مِن ضمير الجمع.
قال (ط): نَفْي البخاريِّ أنَّه لم يذكُر غَفلةً منه؛ لأن حديث أبي سعيد الآتي في (باب: الوِصَال إلى السَّحَر) فيه: (فأَيُّكم أَرادَ أنْ يُواصِلَ فليُواصِلْ حتى السَّحَر)، فهو تفسيرٌ لهذا المُجْمَل الذي لم يُذكر فيه السُّحور.
١٩٢٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُويرِيَةُ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنْ عَبْدِ الله ﵁: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ وَاصَلَ، فَوَاصَلَ النَّاسُ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَنَهَاهُمْ. قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ! قَالَ: "لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي أَظَلُّ أُطْعَمُ وَأُسْقَى".
الحديث الأول:
(كهيئتكم)؛ أي: ليست حالي كحالِكُم، أو لفظ الهيئة زائدٌ، والمراد: لَستُ كأحَدِكم.
стр. 2943
وسبَب النَّهي عنه ما فيه من حُصول الضَّعْف، والعَجْزِ عن مُواظَبة كثيرٍ من الطَّاعات، والقيام بحقوقها.
والأصحُّ أنَّ النَّهي فيه للتحريم، والفَرْق بين النبيِّ ﷺ وبينَهم: أنَّ الله تعالى يُفيض عليه ما يسُدُّ مَسَدَّ طَعامه وشَرابه، فلا يحسُّ بجوعٍ ولا عطَشٍ، ويُقوِّيه على الطَّاعة، ويحرُسُه من ضعف القُوى، وكَلالِ الحَواسِّ، أو أنه يُطعمه ويَسقيه حقيقةً من الجَنَّة.
قال (ن): الصَّحيح الأول؛ إذ لو أكَل حقيقةً لم يكُن مُواصِلًا، ويوضحه أنه قال: (أظل أُطْعَم وأُسْقَى) وأظَلُّ إنما يكون لمَا في النَّهار، ولا يجوز الأكل الحقيقيُّ في النَّهار.
قال (ك): ظَلَّ تأْتي بمعنى: صارَ كما في: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ [النحل: ٥٨]، وقد يكُون بمعنى الوقْت المُطلَق لا المُقيَّد بالنَّهار، وأيضًا ففي الرِّواية الأُخرى: (أَبيْتُ)، والجمْع بين الرِّوايتين أَولى.
* * *
١٩٢٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ بن أَبي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ ابن صُهَيْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنس بن مَالِكٍ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "تَسَحَّرُوا؛ فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً".
الحديث الثاني:
(السحور) ينبغي أنْ يكون بالضَّم مصدرًا بمعنى التَّسحُّر،
стр. 2944
ولا يمتَنِعُ الفتح، بل منهم من يقول: إنَّ الفِعْل فيه الوَجْهان.
(بركة)؛ أي: أجرٌ وثَوابٌ، وقيل: لأنَّه يُقوِّي على الصَّوم، ويُخفِّف المشقَّة، ويُنشِّط، وقيل: لمَا يتضمَّنه من الاستيقاظ والذِّكْر والدُّعاء في ذلك الوقْت الشَّريف وقْتَ نُزول الرَّحمة، وقد أثْنى الله تعالى على المُستغفِرين بالأَسْحار.
قال (ط): خُصَّت الأُمة بالسُّحور ليَكون لهم قُوَّةً على صيامهم، فهو مُستحبٌّ لا إثمَ في تَرْكِه.
واعلم أن هذا الحديث يدلُّ على صَدْر التَّرجمة، والحديث الأول يدلُّ على آخِر الترجمة من حيثُ إنه لو كان السُّحور واجِبًا لَمَا واصل ﷺ .
قال (ك): والأَولى أن يُقال: الأَصْل عدَم إيجاب السُّحور، وأما كَونه واصَلَ؛ فلأَنَّ إباحة الوِصَال من خَصائصه، فلا يدلُّ على عدَم الوُجوب مطلقًا، بل إذا حُمل الإطعام والسَّقْي (١) على الحقيقة لا يبقَى في ذلك دلالةٌ بالكليَّة، فإنْ قيل: لفْظ: نهاهم دليلٌ لإيجاب التَّسحُّر؛ لأن النَّهي أمرٌ بالضدِّ، وضدُّ الوِصَال الأَكْل؟، قيل: الأَكْل يَصْدُق على ما ليسَ بتَسحُّرٍ كالأَكَل أوَّلَ اللَّيل.
* * *
стр. 2945
٢١ - بابٌ إِذَا نَوَى بِالنَّهَارِ صَوْمًا
وَقَالَتْ أُمُّ الدَّرْدَاءَ: كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءَ يَقُولُ: عِنْدَكُمْ طَعَامٌ؟ فَإِنْ قُلْنَا: لَا، قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ يَوْمِي هَذَا. وَفَعَلَهُ أَبُو طَلْحَةَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَابن عَبَّاسٍ، وَحُذَيْفَةُ ﵃.
(باب: إذا نَوى بالنَّهار)
اسمُ (أم الدَرْدَاء) خَيْرة، بسُكون الياء.
(وأبي الدَرْداء) عُوَيْمِر.
* * *
١٩٢٤ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ يَزِيدَ بن أَبي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ ابن الأَكوَعِ ﵁: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا يُنَادِي فِي النَّاسِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ: "أَنْ مَنْ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ أَوْ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ لَمْ يَأْكُلْ فَلَا يَأْكُلْ".
(رجلًا) قال ابن بَشْكُوال: هو هنْدُ بن أَسْمَاء السُّلَمي، وفي "مسند أحمد": أنه أَسْماء بن جَارِيَة.
(فليتمَّ) بكسر اللام وسُكونها، وهو بلفْظ الأَمْر للغائِب، وبفتْح الميم تَخفيفًا، أي: ليُمْسِك بقيَّة يَومه حُرْمةً للوقْت كما يُمسِك لو أصبَح يوم الشَّكِّ مُفطِرًا، ثم ثبَت أنَّه من رمضان، وكفاقِد الطَّهورَين يُصلِّي احترامًا للوقت.