"تفسيره"، وفيه المقصود.
الحديث الأول:
(ثنا أصحاب محمد ﷺ ) قد رأى ابن أبي لَيْلَى كثيرًا من الصَّحابة كعُمر، وعُثمان، وعلي، وغيرهم، فلا يضُرُّ جَهالة مَن روى عنهم؛ لأنهم كلُّهم عُدولٌ.
(فنسختها، ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ﴾ [البقرة: ١٨٤] وجْه النَّسْخ بذلك مع أن الخَيرية لا تقتضي الوجوب: أن الصَّوم كان خيرًا من التطوُّع بالفدية، ولا يكون شيٌ خيرًا من السُّنَّة إلا الواجِب.
* * *
١٩٤٩ - حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأعلَى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ ﵄: قَرَأَ: (فِديَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ). قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ.
الثاني:
هو بمعنى الأول.
* * *
٤٠ - بابٌ مَتى يُقْضَى قضَاءُ رَمَضَانَ ؟
وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يُفَرَّقَ؛ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿فَعِدَّةٌ
стр. 2978
مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، وَقَالَ سَعِيدُ بن الْمُسَيَّبِ فِي صَوْمِ الْعَشْرِ: لَا يَصُلحُ حَتَّى يَبْدَأَ بِرَمَضَانَ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِذَا فَرَّطَ حَتَّى جَاءَ رَمَضَانُ آخَرُ يَصُومُهُمَا، وَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ طَعَامًا. وَيُذْكَرُ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ مُرْسَلًا، وَابن عَبَّاسٍ: أنَّهُ يُطْعِمُ. وَلَم يَذْكُرِ الله الإطْعَامَ، إِنَّمَا قَالَ: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
(باب: متَى يقْضي قَضاءَ رمَضان)
(فعدة) أي: فعِدَّةٌ متفرِّقًا كان أو متتابعان.
(العشر) أي: الأول من ذي الحِجَّة، وهو المسمَّى بالمعلومات.
(برمضان) أي: بقَضاء صَومه.
(حتى جاء)، في بعضها: (جازَ) من الجَواز، وفي بعضها: (حانت) من الحين.
(وابن عباس) عطْفه على أبي هُريرة يقتضي أنه يكون أيضًا مُرسَلًا؛ لأن الأصحَّ اشتراط المَعطوف والمَعطوف عليه في قَيْده، وللأُصوليين خلافٌ في المُطلَق المَعطوف على مقيَّدٍ، هل يتقيَّد أو لا؟.
(ولم يذكر) هو من كلام البخاري، والمراد من الإطعام: الفِدْية؛ لتأخير القَضاء.
* * *
١٩٥٠ - حَدَّثَنَا أَحمَدُ بن يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهيْرٌ، حَدَّثَنَا يحْيَى،
стр. 2979
عَنْ أَبي سَلَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضيَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ. قَالَ يَحْيَى: الشُّغْلُ مِنَ النَّبيِّ أَوْ بِالنَّبيِّ ﷺ .
(كان يكون) المعنى في تكرير الكَون تحقيقُ القضيَّة وتعظيمُها، وتقديره: كان الشأن يكون كذا، وذكر الثَّاني بلفْظ المُستقبَل لإرادة الاستِمرار، وتكرُّرِ الفعل، وقيل: إنه زائدٌ كما في:
وجِيْرانٍ لَنا كانُوا كِرامٍ
(الشغل)؛ أي: تهيُّؤُها لرسول الله ﷺ مترصِّدةً لاستِمتاعه حيث أراد، وأما في شَعبان فهو صائمٌ، فتتفرَّغ حينئذٍ عائشةُ لقَضاء صومها، أو لأن الصَّوم يُضيَّق عليه فيه، والشُّغل مرفوعٌ فاعل فعلٍ محذوفٍ، أي: قالتْ يمنعُني الشُّغل، أو أوجب ذلك الشُّغل، أو أن يحيى قال: الشُّغل هو المانِع لها، فهو مبتدأٌ محذوف الخبَرِ.
(من النبي ﷺ )، (من) للتعليل، أي: من أَجْل، وهذا من البخاري بيانُ أن هذا ليس من قول عائشة بل مُدرَجٌ من قول غيرها.
واستُشكِل برواية مسلم: (فما تَقْدِرُ أن تَقضيه مع رسول الله ﷺ )؛ فإنه نصٌّ في كونه من قولها، وفيه نظَرٌ؛ لأنه ليس فيه تصريحٌ بأنه من قَولها، بل الاحتِمال باقٍ.
وقال (ك): إنْ قيل: (شغل) بمعنى: فرغ عنه، وهو عكس المقصود؛ إذ الغرَض أنَّ الاشتغال به هو المانِع لا الفَراغ؟ قيل: المراد
стр. 2980
بالشُّغل الحاصِل من جِهته.
قلتُ: كأنَّ عنده أن (مِن) لابتداء الغاية.
وفي الحديث: أن القَضاء موسَّعٌ ويتضيَّق في رمضان، وأنَّ حقَّ الزَّوج من العِشْرة والخِدمة يقدَّم على سائر الحقوق ما لم يكنْ فرضًا محصورًا في الوقت.
٤١ - بابُ الْحائِضِ تَتْرُكُ الصَّوْم وَالصَّلَاةَ
وَقَالَ أَبُو الزِّناَدِ: إِنَّ السُّنَنَ وَوُجُوهَ الْحَقِّ لتأْتِي كَثِيرًا عَلَى خِلَافِ الرَّأْيِ، فَمَا يَجدُ الْمُسْلِمُونَ بُدًّا مِنِ اتِّبَاعِها، مِنْ ذَلِكَ: أَنَّ الْحَائِضَ تَقْضي الصِّيَامَ وَلَا تَقْضي الصَّلَاةَ.
(باب الحائِض تترك الصَّوم)
(من ذلك)؛ أي: مِنْ جُملة ما هو خلف الرَّأْي، وأنَّ قضيَّته تساوي الصوم والصلاة في القَضاء؛ لأن كُلًّا تركٌ للعُذْر، لكن قال الفقهاء: الفرق أن الصوم لا يقَع في السنَة إلا مرةَ، فلا حرَج في قضائه بخلاف الصلاة، فإنها تكرَّر كلَّ يومٍ.
* * *
١٩٥١ - حَدَّثَنَا ابن أَبي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن جَعْفَرٍ، قَالَ:
стр. 2981
حَدَّثَنِي زيدٌ، عَنْ عِيَاضٍ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ ﷺ ، قَالَ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "أليْسَ إِذَا حَاضَتْ لَم تُصَلِّ، وَلَمْ تَصُم؟ فَذَلِكَ نُقْصَانُ دِينِهَا".
حديث أبي سَعيد سبق في شرح (الحَيْض).
* * *
٤٢ - بابُ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ
وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنْ صَامَ عَنْهُ ثَلَاثُونَ رَجُلًا يَوْمًا وَاحِدًا جَازَ.
(باب مَن ماتَ وعليه صَومٌ)
(يومًا)؛ أي: في يوم، أي: فيقع قضاء رمضان كلُّه في يومٍ واحدٍ.
١٩٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن خالدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن مُوسَى ابن أَعْيَنَ، حدَّثَنَا أبيِ، عَنْ عمرو بن الحَارِثِ، عَنْ عُبَيْدِ الله بن أبيِ جَعْفَرٍ: أَنَّ مُحَمَّدَ بن جَعْفَرٍ، حَدَّثَهُ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَليُّهُ".
تَابَعَهُ ابن وَهْبٍ، عَنْ عَمرٍو. رَوَاهُ يَحيَى بن أيُّوبَ، عَنِ ابن أَبي جَعْفَرٍ.
الحديث الأول:
سنده يَماني، وهو قليلٌ في البخاري.
стр. 2982
(لوليه) الصحيح أن المراد به القَريب عصبةً كان أو وارثًا أو غيرهما، وقيل الوارِث، وقيل: العصَبة.
وقد اختُلف في قَضاء صوم الفَرْض عن الميِّت، فأشهر قولي الشَّافعي: لا يُصام عنه، ولا يصحُّ، والثاني مُستحبٌّ، ولا يجب، وَيبْرأُ به الميِّتُ، ولا يحتاج للإطعام.
قلتُ: ورجَّح (ن) هذا، ونقلَه (خ) عن أحمد.
قال: وقال أكثرهم: لا يصومُ أحَدٌ عن أحدٍ كما لا يُصلِّي أحدٌ عن أحدٍ، فكلٌّ مِن عمَل البدَن، وأوَّلوا الحديثَ: بأنَّ المراد الإطعام، فيُقام ذلك مُقام الصِّيام عنه.
(تابعه ابن وهب) (١)؛ أي: تابَعَ مُوسَى، ووصلَ ذلك مسلم.
(ورواه يحيى) وصلَه ابن خُزيمة، وأبو عَوَانَة، والدَّارَقُطْني.
* * *
١٩٥٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن عَبْدِ الرَّحِيم، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بن عَمرٍو، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: جَاءَ رَجلٌ إِلَى النَّبيِّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ، وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أفأقْضيهِ عَنْها؟ قَالَ: "نعم"، قَالَ: "فَدَيْنُ الله أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى". قَالَ سُلَيْمَانُ: فَقَالَ الْحَكَمُ وَسَلَمَةُ،
стр. 2983
وَنحنُ جَمِيعًا جُلُوسٌ حِينَ حَدَّثَ مُسْلِمٌ بهذَا الْحَدِيثِ، قَالَا: سَمِعنَا مُجَاهِدًا يَذْكُرُ هذَا عَنِ ابن عَبَّاسٍ.
١٩٥٣ / -م - ويُذْكَرُ عَنْ أَبي خَالِدٍ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنِ الْحَكَم، وَمُسْلِمٍ الْبَطِينِ، وَسَلَمَةَ بن كُهيْلٍ، عَنْ سَعِيدِ بن جُبيرٍ، وَعَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ: قَالَتِ امرَأةٌ لِلنَّبيِّ ﷺ : إِنَّ أُخْتي مَاتَتْ.
وَقَالَ يَحيَى، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأعمَشُ، عَنْ مُسْلِم، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ: قَالَتِ امرَأةٌ لِلنَّبيِّ ﷺ : إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ.
وَقَالَ عُبَيْدُ الله، عَنْ زيدِ بن أَبي أُنيسَةَ، عَنِ الْحَكَم، عَنْ سَعِيدِ ابن جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ: قَالَتِ امرأة لِلنَّبيِّ ﷺ : إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ، وَعَلَيْها صَوْمُ نَذْرٍ.
وَقَالَ أَبو حَرِيزٍ: حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ: قَالَتِ امرَأةٌ لِلنَّبيِّ ﷺ : مَاتَتْ أُمِّي، وَعَلَيْها صَوْمُ خَمسَةَ عَشَرَ يَوْمًا.
الحديث الثاني:
(إن أُمي) ذكَر ابن طاهِر: أن الميِّتة عائشةُ، أو عائِنَة.
(أحق)؛ أي: مِن دُيون العباد وحقوقهم، يفسِّره رواية: أرأَيتِ لو كان عليها دَينٌ، أكُنتِ تَقضيهِ؟، قالت: نعم، قال: فدَين الله أَحَقُّ.
(عن الحكم) إلى آخره، ظاهرُه روايةُ الكُلِّ عن الكُلِّ لا بالتَّوزيع.
(قالت امرأة) فيه سماع كلام الأجنبية في استفتاءٍ ونحوه، وصحة
стр. 2984
القِياس، وتنبيهُ المُفتي المُستفتيَ على وجه الدَّليل، وقضاءُ الدَّين عن الميِّت.
واعلم أن الاختلاف الواقِع: أن السائل رجلٌ أو امرأةٌ، وأن أُمَّها ماتت أو أختُها، وأن الذي عليها صومُ شهر أو خمسَة عشَر يومًا محمولٌ على تعدُّد الوقائع.
(وقال عبيد الله)؛ أي: ابن عُمر وصلَه مسلم.
(وقال أبو جرير) بفتح المهملة، وكسر الراء، وصلَه البيهقي.
* * *
٤٣ - بابٌ مَتى يَحِلُّ فِطْرُ الصَّائِمِ ؟
وَأَفْطَرَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدرِيُّ حِينَ غَابَ قُرْصُ الشَّمْسِ.
(باب: متَى يَحِلُّ فِطْر الصَّائم؟)
١٩٥٤ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حدَّثَنَا هِشَامُ بن عُرْوَةَ، قَالَ: سَمعْتُ أَبي، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَاصِمَ بن عُمَرَ بن الْخَطَّابِ، عَنْ أَبيهِ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا أَقْبَلَ اللَّيلُ مِنْ هاهُنَا، وَأَدبَرَ النَّهارُ مِنْ هاهُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمسُ، فَقَد أَفْطَرَ الصَّائِمُ".
١٩٥٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ،
стр. 2985
عَنْ عَبْدِ الله بن أَبي أَوْفَى ﵁ قَالَ: كنَّا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فِي سَفَرٍ، وَهُوَ صَائِمٌ، فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمسُ قَالَ لِبَعْضِ الْقَوْمِ: "يَا فُلَانٌ! قُمْ، فَاجْدحْ لنا". فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! لَوْ أَمسَيْتَ. قَالَ: "انْزِلْ، فَاجْدَحْ لَنَا". قَالَ: يَا رَسُولَ الله! فَلَوْ أَمْسَيْتَ. قَالَ: "انْزِلْ، فَاجْدحْ لَنَا". قَالَ: إِنَّ عَلَيْكَ نهارًا. قَالَ: "انْزِلْ، فَاجْدَح لنا". فَنَزَلَ، فَجَدَحَ لَهُم، فَشَرِبَ النَّبيُّ ﷺ ، ثُمَّ قالَ: "إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ قَد أَقْبَلَ مِنْ هاهُنَا، فَقَد أَفْطَرَ الصَّائِمُ".
الحديث الأول:
(من هاهنا)؛ أي: من المَشرِق، وفي الثاني: أي: من المَغرِب، ومرَّ الحديث في (باب: الصَّوم في السَّفَر).
(فلو أمسيت) الجواب محذوفٌ، أي: لكنت مُتِمًّا، أو (لَو) للتمنِّي.
واعلم أن القائل في: (فقال: يا رسولَ الله)، إمَّا ابن أبي أَوْفَى، وعدَلَ عن حكاية نفسه من باب الالتِفات، وإما رجلٌ يدلُّ عليه السِّيَاق، وأما مُراجعَته فلظَنِّه أنه ﷺ لم ينظُر إلى ذلك الضَّوء نظَرًا تامًّا، فقصَد زيادة الإعلام ببقَاء ذلك الضَّوء.
(بأصبعه) فيه عشْرُ لُغاتٍ مشهورةٍ.
* * *
стр. 2986
٤٥ - بابُ تعْجِيلِ الإِفْطَارِ
١٩٥٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالكٌ، عَنْ أَبي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بن سَعْدٍ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ".
١٩٥٨ - حَدَّثَنَا أَحمَدُ بن يُونس، حَدَّثَنَا أبو بَكْرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابن أَبي أَوْفَى ﵁ قَالَ: كنْتُ مَعَ النَّبيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَصَامَ حَتَّى أمسَى، قَالَ لِرَجُلٍ: "انْزِلْ، فَاجْدَح لِي". قَالَ: لَوِ انتظَرْتَ حَتَّى تُمسِيَ. قَالَ: "انْزِلْ، فَاجْدَحْ لِي، إِذَا رَأَيْتَ اللَّيْلَ قَد أَقْبَلَ مِنْ هاهُنَا، فَقَد أَفْطَرَ الصَّائِمُ".
(باب تَعجيل الإفْطار)
فيه حديثان عُلم شرحهما مما سبق.
(ما عجلوا)؛ أي: ما داموا على إقامة السنَّة.
* * *
٤٦ - بابٌ إِذا أفْطَرَ فِي رَمَضَانَ، ثمَّ طَلَعَتِ الشَّمسُ
(باب: إذا أفطَر في رمضانَ ثم طلَعت الشَّمس)
١٩٥٩ - حَدَّثَنِي عَبْدُ الله بن أَبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبو أُسَامَةَ، عَنْ
١٩٦٦ - حَدَّثَنَا يحيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ، عَنْ مَعمَرٍ، عَنْ همَّامٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "إِيَّاكُم وَالْوِصالَ" مَرَّتَيْنِ، قِيلَ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ. قَالَ: "إِنِّي أَبيتُ يُطْعِمُنِي رَبي وَيَسْقِينِ، فَاكلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ".
فيه حديثان قريبان أيضًا مما سبق.
(حين أبوا) لم يُخالفوا نهيَه إلا ظنًّا أنه تَنزيهٌ لا تحريمٌ.
(لو تأخر)؛ أي: الهلال لزدْتُكم في الوِصَال إلى أن تَعجَزوا.
(كالتنكيل)؛ أي: لإرادة التَّعذيب، يُقال: نكَّلَ به تَنكيلًا، جعَلَه نكَالًا وعِبْرةً لغيره، وإنما جوز لهم ذلك لمصلحةِ زجْرهم، وبيانًا للمَفسَدة المترتِّبة على ذلك، وهي المَلَل من العِبادة والتعرُّض للتَّقصير في سائر الوظائِف.
(يحيى) إما ابن مُوسَى البَلْخِي، وإما ابن جَعفَر البخاري.
(اكْلَفُوا) بفتح اللام، أي: تكَلَّفُوا، ويُقال: كَلِفْتُ بهذا الأمر، أي: أُولِعْتُ به، فهمزتُه وصْلٌ، ولبعضهم قَطْعٌ، ولامٌ مكسورةٌ، ولا يصحُّ عند اللُّغويين؛ قاله (ع).
ومباحِث الإطْعام والسَّقْي، وكونهما حقيقةً أو مجازًا، وأحكام الوِصَال، تقدَّمتْ في (باب: لا يمنَعنَكم من سُحوركم).
* * *
стр. 2992
٥١ - بابُ مَنْ أَقْسَمَ عَلَى أَخِيهِ لِيُفْطِرَ فِيِ التَّطَوُّعِ، وَلَم يَرَ عَلَيْهِ قَضَاءً إِذَا كَانَ أوْفَقَ لَهُ
(باب مَن أَقْسَم على أَخيْه)
(أوْفق) في بعضها: (أَرْفَق) بالراء، والمعنى: يُفطِر إذا كان الإفطار أرفَق للمُقسِم الذي هو صاحِب الطَّعام، فـ (إذا) متعلِّقةٌ بما استَلزمه قَوله: (لم يَرَ عليه قَضاءً) مِن جَواز إفطاره.
قال أصحابنا: إنْ شَقَّ على الدَّاعي صومُه استُحِبَّ له الفِطْر في التطوُّع، وإلا فلا، أما الواجِب فيَحرم عليه الإفْطار.
١٩٦٨ - حَدَّثنا مُحَمَّدُ بن بَشَّارٍ، حَدَّثنا جَعْفَرُ بن عَوْنٍ، حَدَّثَنَا أَبو الْعُمَيْسِ، عَنْ عَوْنِ بن أَبي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبيهِ قَالَ: آخَى النَّبي ﷺ بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبي الدَّرْداءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْداءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْداءِ مُتبَذِّلَةً. فَقَالَ لَها: مَا شَأنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أبو الدَّرْداءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا. فَجَاءَ أبو الدَّرْداءِ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا. فَقَالَ: كُلْ. قَالَ: فَإِنِّي صائِمٌ. قَالَ: مَا أَناَ بآِكَلٍ حَتَّى تأكلَ. قَالَ: فأَكَلَ. فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذهبَ أبو الدَّرْداءِ يَقُومُ. قَالَ: نَم. فَنَامَ، ثُمَّ ذَهبَ يَقُومُ. فَقَالَ: نَم. فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ سَلْمَانُ: قُم الآنَ. فَصَلَّيَا، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. فأتَى النَّبيَّ ﷺ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "صَدَقَ سَلْمَانُ".
стр. 2993
(أم الدرداء) هي خَيْرَة الصَّحابية، أما أُمُّ الدَّرداء الصُّغرى فاسمها: هُجَيْمَة.
(مبتذلة)؛ أي: لابسَةً ثِياب البذْلة، بالمعجَمة، أي: المِهْنَة، ورُوي بتقديم المثنَّاة على الموحَّدة: تاركةً للزِّيْنة.
(فيأكل)؛ أي: أبو الدَّرداء، وفي بعضها: (فأكَلا).
(فصليا) فيه مَنْقَبةٌ عظيمةٌ لسَلْمان.
ووجهُ مطابقة التَّرجمة: أن السِّياق يقتضي تقدير قَسَمٍ في قوله: (ما أَنا بآكِلٍ).
* * *
٥٢ - بابُ صوْمِ شَعبَانَ
١٩٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ أَبي النَّضْرِ، عَنْ أَبي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ. فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ اسْتكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أكثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعبَانَ.
١٩٧٠ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بن فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحيَى، عَنْ
стр. 2994
أَبي سَلَمَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ حَدَّثتهُ قَالَتْ: لَم يَكُنِ النَّبيُّ ﷺ يَصُومُ شَهْرًا أكثَرَ مِنْ شَعبَانَ، فَإنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعبَانَ كلَّهُ، وَكَانَ يَقُولُ: "خُذُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ الله لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا"، وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى النَّبيِّ ﷺ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَلَّتْ، وَكَانَ إِذَا صَلَّى صَلَاةً داوَمَ عَلَيها.
(باب صَوْم شَعبان)
فيه حديثان، في أحدهما: لم يَستكمِل صيام شهْر إلا رمَضان، وفي الآخر: أنه صام شَعبان كلَّه، والجمع بينهما: أنَّ المُراد من الكُلِّ الأكثَر، وهو تخصيصٌ آخَر بعد التَّخصيص بالاستِثناء.
(أكثر صيامًا) ورُوي بالخفْض.
قال السُّهيْلي: وهو وَهمٌ، كأنه بناه على كتابتها بغير ألفٍ على لُغة مَن يقِفُ على المنصوب المنوَّن بلا ألفٍ، لا سيَّما وصيغة (أفْضَل) تُضاف كثيرًا، فتوهَّمَها مضافةً، ولكن الإضافة هنا ممتنِعةٌ قطْعًا.
(لا يمل) فيه مجازٌ، والمراد ترْك الجَزاء، وسبق في (الإيمان)، في (باب: أحَبُّ الدَين) فيه تقريراتٌ.
(دُووِمَ) مبنيٌّ للمفعول، مِن المُداوَمة.
* * *
стр. 2995
٥٣ - بابُ مَا يُذْكَرُ مِنْ صَوْم النَّبيِّ ﷺ وَإِفْطَارِهِ
(باب ما يُذكَر من صَوم النبيِّ ﷺ )
١٩٧١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانة، عَنْ أَبي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: مَا صَامَ النَّبيُّ ﷺ شَهْرًا كَامِلًا قَطُّ غيْرَ رَمَضَانَ، وَيَصُومُ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: لَا وَالله لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ: لَا وَالله لَا يَصُومُ.
الحديث الأول:
(غير رمضان) سبق في الباب قبلَه الجمع بينه وبين شعبان كلِّه أن المراد الأكثَرُ، ويحتمل هنا ما رأَى إلا رمَضان، وأخبر بذلك على حسَب اعتقاده.
* * *
١٩٧٢ - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بن عَبْدِ الله، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بن جَعفَرٍ، عَنْ حُمَيدٍ: أنَّهُ سَمعَ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ، وَيَصُومُ حَتَّى نَظُنَّ أَنْ لَا يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانَ لَا تَشَاءُ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلَّا رَأَيْتَهُ، وَلَا ناَئِمًا إِلَّا رَأَيْتَهُ.
وَقَالَ سُلَيْمَانُ، عَنْ حُمَيْدٍ: أنهُ سَأَلَ أَنَسًا فِي الصَّوْمِ.
стр. 2996
١٩٧٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّد، أَخْبَرَناَ أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، أَخْبَرَناَ حُمَيْدٌ، قَالَ: سَاَلْتُ أَنسًا ﵁ عَنْ صيَامِ النَّبي ﷺ ، فَقَالَ: مَا كنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَرَاهُ مِنَ الشَّهْرِ صَائِمًا إِلَّا رَأَيْتُهُ، وَلَا مُفْطِرًا إِلَّا رَأَيْتُهُ، وَلَا مِنَ اللَّيْلِ قَائِمًا إِلَّا رَأَيْتُهُ، وَلَا نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتُهُ، وَلَا مَسِسْتُ خَزَّةً وَلَا حَرِيرَةً أليَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ الله ﷺ ، وَلَا شَمِمتُ مِسْكَةً وَلَا عَبيرَةً أَطْيَبَ رَائِحَةً مِنْ رَائِحَةِ رَسُولِ الله ﷺ .
الثاني:
(أن لا يصوم) بالنَّصب والرَّفع، ومعنى أنَّه متى شاءَ يَراهُ مصلِّيًا، ومتى شاء يَراه نائِمًا: أنه يُكثِر من هذا فيكونُ أكثَرَ من الآخَر، ومرَّةً بالعكس.
(قال سليمان)؛ أي: أبو خالد الأَحْمر، قد وصلَه البخاري في الباب.
(مَسِسْتُ) بكسر السِّين على الفَصيحة، وحكَى أبو عُبَيدة فتْحها، وكذا (شَممْتُ) الفَصيح بالكسْر، وحكى أبو عُبَيدة الفتح.
* * *
٥٤ - بابُ حَقِّ الضَّيف فِي الصَّوم
(باب حَقِّ الضَّيْف في الصَّوم)
١٩٧٤ - حَدَّثَنَا إِسْحاقُ، أَخْبَرَناَ هارُونُ بن إسْماعِيلَ، حَدَّثنا
стр. 2997
عَلِيٌّ، حدثنا يَحيَى، قَالَ: حَدَّثَني أبو سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَني عَبْدُ الله بن عَمرِو بن الْعاصِ ﵄ قال: دَخَلَ عَلَيَّ رسُولُ الله ﷺ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ؛ يَعْنِي: "إِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا". فَقُلْتُ: وَمَا صَوْمُ داوُد؟ قَالَ: "نِصْف الدَّهْرِ".
(إسحاق) قال الغَسَّاني: لم يَنسِبْه أبو نَصْر ولا غيرُه من شيوخنا.
(الحديث)؛ أي: الآتي في الباب الذي هو عَقِبَ هذا.
(لزَوْرك) بفتح الزاي: مصدرٌ بمعنى زائِر، كركْبٍ وراكِب، والزَّائر هو الضَّيف، ففيه أنَّ ربَّ المنزِل إذا نزَل به ضَيْفٌ يُفطِر لأجله إيناسًا له وبَسْطًا.
* * *
٥٥ - بابُ حَقِّ الْجِسْمِ فِي الصوْم
(باب حَقِّ الجسْم في الصَّوم)
١٩٧٥ - حَدَّثَنَا ابن مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله، أَخْبَرَناَ الأَوْزَاعيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحيَى بن أَبي كثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بن عَبْدِ الرَّحمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الله بن عَمرِو بن الْعَاصِ ﵄: قَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ .: "يَا عَبْدَ الله! ألم أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟ " فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ الله! قَالَ: "فَلَا تَفْعَلْ، صُم وَأَفْطر،
(صوم داود) أفضَل، أي: لأنه لا يُضعِف البدَن بخلاف سَرْد الصَّوم.
(لاقَى)؛ أي: العدوَّ، أي: لا يهرُب من قتال الكفَّار.
(بهذه)؛ أي: خَصْلة داود، لا سيَّما عدَم الفِرار، أي: مَن يتكفَّل لي بذلك.
(لا صام)؛ أي: لأن منه العِيْد والتَّشريق، وهو حرامٌ.
قال (خ): هو بمعنى الدُّعاء عليه، أو أنَّ (لا) بمعنى: لم، نحو: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ [القيامة: ٣١]، وكقول أُميَّة:
إنْ تَغفِر اللهمَّ تَغْفر جَمَّا ... وأيُّ عبْدٍ لكَ لا ألَمَّا
أي: لم يُلِمَّ، فتكون بمعنى الجزاء.
وقيل: المعنى: لا يَجِدُ من المشقَّة ما يَجدُها غيره، انتهى.
وهذا الحديث في ابن ماجه بهذا اللَّفظ، وقد رواه البخاري، لكن بلفظ: "لا صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ".
* * *
٥٨ - بابُ صوْمِ يَومٍ وَإِفْطَارِ يَومٍ
(باب صوم يومٍ وإفطارِ يومٍ)
١٩٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعبةُ، عَنْ
стр. 3002
مُغِيرَةَ، قَالَ: سَمِعتُ مُجَاهِدًا، عَنْ عَبْدِ الله بن عَمرٍو ﵂، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "صُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ". قَالَ: أُطِيقُ أكثَرَ مِنْ ذَلِكَ. فَمَا زَالَ حَتَّى قَالَ: "صُم يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا"، فَقَالَ: "اقْرَإ الْقُرآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ". قَالَ: إِنِّي أُطِيقُ أكثَرَ. فَمَا زَالَ حَتَّى قَالَ: "فِي ثَلَاثٍ".
(اقْرَأ) فعل أمرٍ.
(في ثلاث)؛ أي: فيستحبُّ أن لا يَقرأ في أقلَّ من ثلاثة أيامٍ.
قال (ن): اختلفتْ عادة السَّلَف فيه، فكان بعضهم يختِم في كلِّ شهرٍ، وهو أقلُّه، وأكثَره ثمان ختَماتٍ في يومٍ وليلةٍ على ما بلَغنا، انتهى.
نعم في "مسلم": "اقْرأْهُ في سَبْعٍ ولا تَزِد"، ولذا منَع كثيرٌ من العلماء الزِّيادةَ على السَّبْع.
* * *
٥٩ - بابُ صَوْمِ دَاوُدَ ﵇
(باب صَوْمِ داود)
١٩٧٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعبةُ، حَدَّثَنَا حَبيبُ بن أَبي ثَابتٍ، قَالَ: سَمِعتُ أَبَا الْعَبَّاسِ الْمَكِّيَّ -وَكَانَ شَاعِرًا، وَكَانَ لَا يُتَّهَمُ فِي حَدِيثهِ- قَالَ: سَمِعتُ عَبْدَ الله بن عَمرِو بن الْعَاصِ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "إِنَّكَ لتصُومُ الدَّهْرَ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟ "، فَقُلْتُ: نعم. قَالَ:
стр. 3003
"إِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هجَمَتْ لَهُ الْعَيْنُ، وَنَفِهتْ لَهُ النَّفْسُ، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ، صَوْمُ ثَلَاثَةِ أيَّامٍ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ". قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أكثَرَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: "فَصُم صَوْمَ داوُدَ ﵇ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى".
الحديث الأول:
(لا يتهم)؛ أي: لكونه شاعِرًا، وقد قال تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤]، بل هو صادقٌ داخلٌ في المستثنى في قوله تعالى: ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [الشعراء: ٢٢٧]، فلا يُنافي صدقَه كونُه شاعرًا.
(هجمت)؛ أي: غارَتْ لأجله عينُك، وضعُف بصرُها.
(ونهكت)؛ أي: ذَبُلت وهزُلتْ، وفي بعضها: (نَفِهتْ) بفتح النُّون، وكسر الفاء، أي: كلَّتْ وأَعْيَتْ، وقال التَّيْمي: نَهثَت، بالنُّون، والمثلَّثة، ولا أعرف هذه الكلمة، وفي اللُّغة: نهثَ الرجل بمعنى: شُغِلَ، وهو بعيدٌ أيضًا.
قلت: يحتمل أنه بإبدال الفاء مثلَّثة؛ فإنه كثيرٌ في اللُّغة كثومٍ وفُوم.
قال (خ): التعبُّد لا يختصُّ بالصوم، فإذا استفَرغَ المكلَّف جُهده في الصوم فوَّت نحو الحجِّ والجهاد وغير ذلك من الطَّاعات، فأمرَه ﷺ بالاقتصاد في الصوم؛ ليَستبقيَ بعضَ القُوة لسائر الأعمال، ولهذا قال
стр. 3004
في داوُد: "لا يَفِرُّ إذا لاقَى"، أي: فصومه يَومًا وفِطْره يومًا أبقَى له قُوَّة للجهاد.
* * *
١٩٨٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبي قِلَابَةَ، قَالَ: أَخْبَرني أَبُو الْمَلِيح، قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبيكَ عَلَى عَبْدِ الله بن عَمرٍو، فَحَدَّثَنَا: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ ذُكِرَ لَهُ صَوْمِي، فَدَخَلَ عَلَيَّ، فَأَلْقَيْتُ لَهُ وِسَادَةً مِنْ أَدَمٍ، حَشْوُها لِيفٌ، فَجَلَسَ عَلَى الأَرْضِ، وَصَارَتِ الْوِسَادَةُ بَيْني وَبَيْنَهُ. فَقَالَ: "أَمَا يَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةُ أيَّام؟ "، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! قَالَ: "خَمسًا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! قَالَ: "سَبْعًا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! قَالَ: "تِسْعًا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! قَالَ: "إحدَى عَشْرَةَ". ثُمَّ قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "لَا صَوْمَ فَوْقَ صَوْمِ داوُدَ ﵇ شَطْرَ الدَّهْرِ، صُم يَوْمًا، وَأَفْطِرْ يَوْمًا".
الحديث الثاني:
(مع أبيك) الخطاب لأبي قِلابَة، وأبوه هو زَيد بن عَمرو الجَرْمِي.
(يا رسول الله) الجواب في ذلك مقدَّرٌ، أي: لا يا رسولَ الله.
وفي الحَديث إكرام الضَّيف، وبَيان ما كان عليه ﷺ من التَّواضُع، وتجنُّب الاستيثار على صاحبه.
* * *
стр. 3005
٦٠ - بابُ صِيَامِ أيَّامِ الْبيضٍ: ثلَاثَ عَشرة وَأَربَعَ عَشْرة وَخمسَ عَشْرَةَ
(باب صِيَام البيْض)
أي: الأيام الذي ليالِيْهنَّ مُقمِرةٌ، لا ظُلْمةَ فيها، أي: المذكورة، وهي: لَيلة البَدر، وما قبلَها، وما بعدَها، وفي "الترمذي": أنَّها الثَّاني عشَر، والثالث عشَر، والرَّابع عشَر.
١٩٨١ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أبو التَّيَّاحِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِثَلَاثٍ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أيامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَركعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوترَ قَبْلَ أَنْ أَناَمَ.
(خليلي)؛ أي: النبيُّ ﷺ ، وسبق الحديث في (باب: مَن لم يُصلِّ الضُّحى).
(ثلاثة) فقيل: البيْض كما قاله البخاريُّ، والجُمهور، وقيل: أوَّل الشَّهر، وقيل: آخره، وعن ابن عمر: أوَّل إثنَين من الشَّهر، وخَميسان بعدَه، وعن أُم سلَمة: أوَّل خميسٍ ويوما إثنَين بعدَه، وقيل: أوّله، وعاشرُه، والعِشْرون، وهو صَوم مالِك، وقال ابن شَعبان المالِكيُّ: أوَّل يوم، والحادي عشَر، والحادي والعِشْرون.
* * *
(خادمك) أشارت به إلى جِهة خُصوصيَّةٍ، أي: فادعُ له دعوةً خاصةً، فهذه مبتدأٌ، خبرُه: (أنس) بيانٌ، أو بدلٌ مِن (خادِمك)، والخبَر محذوفٌ، أي: خادمُك الذي هو ولَدي يَرجُو منك الدُّعاء له.
(خَيْرَ آخِرَةٍ) القَصْد بتنكير الآخِرة تَنكيرُ خير المُضاف إليها، أي: خيرًا مِن خُيور الآخرة، ولا خيرًا من خُيور الدُّنيا.
قال الزَّمَخْشَري في: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ [طه: ٦٩]، أنه نكَّر ساحِر مِن أجْل تنكير المُضاف، لا تَنكيرِه في نفْسه، قال: كقَول عُمر: لا في أمْر دنيا ولا في أَمْر آخرةٍ، فالمُراد كَيْدُ سحرٍ، أو دنيويٌّ وأُخرويٌّ، أي: لو عُرِّف لصار المُضاف معرفةً، والمراد التَّنكير، والمعنى: في أمرٍ ما.
(مالًا وولدًا)، هما من الدُّنيا، وأما الآخِرة فذكر في حديثٍ هذا المختصر منه، وهو: (اللهمَّ اغْفِرْ لهُ، وارحمهُ)، أو أنَّ لفْظ: (بارَكَ) إشارةٌ إلى خير الآخرة، أو المال والولَد الصالحان من جُملة خير الآخِرة؛ لأنهما يَستلزِمانها.
(أُمَيْنَة) بضمِّ الهمزة، وسُكون التَّحتانيَّة، وبالنون.
(حجاج)؛ أي: ابن يُوسُف الثَّقَفي.
(البصرة) نُصب بـ (مَقْدَم) بمعنى: قُدوم، ويُقدَّر قبلَه: زمان، أي: زمان قُدومه البَصرةَ؛ إذ لو جُعل (مَقْدَم) اسمَ زمانٍ لم يَنصب مفعولًا، والأَشْهر في باء البصرة الفتح، وتُضمُّ، وتُكسر.
стр. 3008
(بِضع) قال الجَوهري: بكسر الباء، وبعض العرَب تَفتحها: ما بين الثَّلاث إلى التِّسْع، تقول: بضْعة عشَر، وإذا جاوزْتَ لفظ العِشْرين ذهب البضْع، لا تقول: بضْعٌ وعِشْرون، وهو سَهْوٌ منه؛ لأن أنسًا من فُصحائهم، وقال ذلك.
قلتُ: وقال ذلك أفصَح الخَلْق ﷺ "الإِيْمانُ بِضْع وسَبْعون شُعبةً"، والقَصْد أن دُعاءه ﷺ اسْتُجيب في أنَس، فرُزِق في أولاده كثْرةً، ومالًا كثيرًا، قيل: وكان له بُسْتانٌ يحمل في السنَة مرَّتين.
(قال ابن أبي مريم) وقَع التَّحديث بها من رواية كَرِيْمَة عن الكُشْمِيهني.
* * *
٦٢ - بابُ الصَّوْم آخِرَ الشَّهْرِ
(باب الصَّوم من آخِر الشَّهر)
١٩٨٣ - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بن مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ، عَنْ غَيْلَانَ، وَحَدَّثَنَا أبو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ بن مَيْمُون، حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بن جَرِيرٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِمرَانَ بن حُصَين ﵄، عَنِ النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ سَألهُ -أَوْ سَأَلَ رَجُلًا وَعِمرَانُ يَسْمَعُ- فَقَالَ: "يَا أَبَا فُلَانٍ! أَمَا صمتَ سَرَرَ هذَا الشَّهْر؟ " قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ: يَعْنِي رَمَضَانَ. قَالَ الرَّجُلُ: لَا يَا رَسُولَ الله!
стр. 3009
قَالَ: "فَإذَا أَفْطَرْتَ فَصُم يَوْمَيْنِ". لَم يَقُلِ الصَّلْتُ: أَظُنُّهُ يَعنِي رَمَضَانَ.
قَالَ أبو عَبْدِ الله: وَقَالَ ثَابثٌ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِمرَانَ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ : "مِنْ سَرَرِ شَعبَانَ".
(سأله) السائِل هو النبيُّ ﷺ .
(سَرَرِ) قال (ن): ضبْطه بفتْح السِّين وكسرها، والاستِسْرار.
قال الجُمهور: هو آخِر ليلةِ في الشَّهر، لاستِسْرار القَمَر فيها، ولكنْ يُحمَل على أنه كان مُعتادًا بصيام آخر كلَّ شهرِ، فلذلك أمَره به، وإلا فقد نَهى عن تقدُّم رمضان بيومِ أو يومين.
وقيل: وسَطه، فالسَّرَر، والسُّرَّة بمعنى وسَط، وذلك أيام البيْض، وروى أبو داود عن الأَوْزَاعي: أن سَرَرَهُ أوَّلُه.
(أظنه) هو مَقُول أبي النُّعمان، ولم يَقُل أبو الصَّلْت ذلك.
(أصح)؛ أي: أثْبت إسنادًا، وقال (ح): إذ لا معنى لأمْره بصيام سَرَرِ رمَضان؛ إذْ كان ذلك مستحَقًّا عليه من جُملة الشَّهر.
(فإذا أفطرت فصم يومين) قال أبو عُبَيدة: الاستِسْرار قد يكون ليلةً، وقد يكون ليلتَين، فأمرَه ﷺ بالقَضاء يومين بعد العِيْد، أي: عِوَضًا من آخِر يومٍ من شَعبان.
(وقال ثابت) وصلَه مسلم.
* * *
стр. 3010
٦٣ - بابُ صوْمِ يَوْمِ الْجُمُعَة، فإِذَا أَصبَحَ صَائِمًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَعَليهِ أنْ يفْطِرَ
(باب صَوم يَوم الجمُعة)
١٩٨٤ - حدَّثنا أبُو عاصِمٍ، عنِ ابن جُرَيْحٍ، عنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بن جُبَيْرٍ، عنْ مُحَمَّدِ بن عَبَّادٍ، قال: سَألْتُ جابرًا ﵁: نهى النبيُّ ﷺ عنْ صَوْمِ يَوْمِ الجُمُعَةِ؟ قالَ: نعم.
زَادَ غَيْرُ أبي عاصمٍ: أنْ يَنْفَرِدَ بِصَوْمٍ.
الحديث الأول:
(زاد غيره)؛ أي: غيرُ أبي عاصِم من الشُّيوخ، أي: يَنفرِدُ بصومه، هو يحيى بن سَعيد القَطَّان، رواه النَّسائي، فقيل: الحِكْمة فيه أنَّه لا يتشبَّه باليهود في إفرادهم يوم الاجتِماع في مَعبَدهم.
* * *
١٩٨٥ - حَدَّثَنَا عُمرُ بن حَفْصِ بن غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبي، حَدَّثَنَا الأعمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو صالح، عَنْ أَبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَصُومَنَّ أَحدكم يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِلَّا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعدَه".
الثاني:
(إلا يومًا) هو ظَرفٌ لـ (يَصوم) مقدَّرًا، أو بنزع الخافِض، وهو
стр. 3011
باءُ المُصاحَبة، أي: بيومٍ، وإلا فلا يصحُّ أن يكون استثناءً من يوم الجمُعة، ولا ظرفًا لـ (يَصوم) المَذكورة.
* * *
١٩٨٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمدٌ، حَدَّثَنَا غُنْدرٌ، حَدَّثَنَا شعبةُ، عَنْ قتادَةَ، عَنْ أَبي أيُّوبَ، عَنْ جُويرِيَةَ بنتِ الْحَارِثِ ﵂: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْها يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهْيَ صائِمَةٌ، فَقَالَ: "أَصُمتِ أَمسِ؟ " قَالَتْ: لَا. قَالَ: "تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِينَ غَدًا؟ " قَالَتْ: لَا. قَالَ: "فَأَفْطِرِي".
١٩٨٦ / -م - وَقَالَ حَمَّادُ بن الْجَعْدِ: سَمِعَ قتادَةَ، حَدَّثَنِي أَبُو أيُّوبَ: أَنَّ جُويرِيَةَ حَدَّثتهُ، فَأَمَرَها فَأفْطَرَتْ.
الثالث:
(جُويرية) كان اسمها: بَرَّة، فسمَّاها النبيُّ ﷺ : جُوَيْرية، تزوَّجها ﷺ ، وهي من سَبايا بني المُصْطَلِق، فأرسَل كلُّ الصحابة ما في أيديهم من سَبْي المُصْطَلقِيين، فلا امرأة أعظَمُ بركةً على قومها منها، ماتت سنة ستٍّ وخمسين.
(وقال حماد) رواه البَغَوي من حديث هُدبة بن خالِد.
وفي الحديث أنَّه لا يجب إِتْمام صَوم التطوُّع، ولا قَضاؤُه خلافًا لأبي حنيفة فيهما، وقال مالك: إنْ أفطَر بلا عُذْرٍ لَزِمَه القَضاء، وإلا
стр. 3012
فلا، وقال أيضًا: لم أسمع أحدًا يَنهى عن صَوم الجمُعة، وصيامُه حسَنٌ.
قال الدَّاوُدي المالكي: لم يبلُغْ مالكًا هذا الحديثُ، ولَو بلَغه لم يُخالفْه.
قال العلماء: حِكْمة النَّهي عن صومه أنَّه يوم دُعاءٍ وذِكْرٍ وعبادةٍ، من غُسْلٍ، وتبكيرٍ، واستِماع خُطبةٍ، وأمثالها، فالإفْطار أعوَن له على ذلك، والنَّشاطِ فيه، وعدَمِ السَّآمة، ولا يقْدَح في ذلك إلا مَن يصوم يومًا قبْلَه أو يوما بعدَه؛ لأن ذلك يَجبُر ما قد يحصُل من فُتورٍ في وظائف يوم الجمُعة بسبب صَومه، أو خَوف المُبالَغة في تعظيمه من أن يُفتَتن به كما افتُتِنَ أهل السَّبْت.
قال (ن): وهذا ضعيفٌ مُنتقِضٌ بصلاة الجمُعة.
* * *
٦٤ - بابٌ هلْ يَخُصُّ شَيْئًا مِنَ الأيَّام
(باب: هلْ يخُصُّ شيئًا من الأيَّام)
١٩٨٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحيَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂: هلْ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَخْتَصُّ مِنَ الأيامِ شَيْئًا؟ قَالَتْ: لَا، كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً، وَأيُّكُمْ يُطِيقُ مَا كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُطِيقُ؟!
стр. 3013
(دِيمة) بكسر الدَّال، أي: دائمًا لا ينقَطِع، كما يُسمَّى المطَر الذي يَدومُ دِيْمَةً، وأصله بواوٍ، ولكنْ قُلبت بعد الكسرة ياءً.
* * *
٦٥ - بابُ صوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ
(باب صَوم عرَفة)
١٩٨٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَيْرٌ مَوْلَى أُمِّ الْفَضْلِ: أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ حَدَّثتهُ (خ) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالكٌ، عَنْ أَبي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ ابن عُبَيْدِ الله، عَنْ عُمَيرٍ مَوْلَى عَبْدِ الله بن الْعَبَّاسِ، عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بنتِ الْحَارِثِ: أَنَّ نَاسًا تَمَارَوْا عِنْدَها يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صَوْمِ النَّبيِّ ﷺ ؛ فَقَالَ بَعضُهُم: هُو صائِمٌ، وَقَالَ بَعضُهُمْ: لَيْسَ بِصَائِمٍ. فَأرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِقَدَح لَبن وَهْوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ، فَشَرِبَهُ.
الحديث الأول:
(مولى أم الفضل) سبَق الجمع بين هذا وبين نسبته تارةً لابن عبَّاسٍ في (باب: التيمُّم في الحضَر).
(تماروا)؛ أي: تجادَلُوا وشَكُّوا.
(فأرسلت) بلفظ المتكلِّم والغَيبة.
стр. 3014
وفيه استحباب فِطْر يوم عرَفة للحاجِّ، والوُقوفُ راكبًا، والشُّرْبُ قائِمًا، وإباحةُ الهديَّة له ﷺ ، وقبولُها، وهديَّة الزَّوجة الموثوق بدِيْنها، وتصرُّف المرأة في مالها من البَيْت؛ لأنه ﷺ لم يسأَلْ، هل هو من مالها، أو مِنْ مال زَوجها؟، وغير ذلك.
* * *
١٩٨٩ - حَدَّثَنَا يَحيَى بن سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا ابن وَهْبٍ -أَوْ قُرِئَ عَلَيْهِ- قَالَ: أَخْبَرَني عَمرٌو، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنْ مَيْمُونةَ ﵂: أَنَّ النَّاسَ شَكُّوا فِي صِيَامِ النَّبيِّ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَأرْسَلَتْ إلَيْهِ بِحِلَابٍ وَهْوَ وَاقِفٌ فِي الْمَوْقِفِ، فَشَرِبَ مِنْهُ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ.
الحديث الثاني:
(أو قرئ عليه) الشَّكُّ من يحيى.
(بِحِلاب) بكسر الحاء المهملَة، وخِفَّة اللام: الإناَء الذي يُحلَب فيه اللَّبن، أي: يملؤُه قَدْرَ حَلْبة ناقةٍ، ويحتمل أن يكون بمعنى: المَحْلوب، أي: اللبن نفْسه، والسِّرُّ في فِطْر عرَفة أنه أرفَقُ بالحاجِّ في آداب الوقوف ومُهِمَّات المَناسِك، وهو مخصَّصٌ بحديث: في صَوْمُ عرَفَةَ يُكَفِّرُ سنَتين".
* * *
стр. 3015
٦٦ - بابُ صَوْمِ يَوْمِ الْفِطْرِ
(باب صَومِ يَومِ الفِطْر)
١٩٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالكٌ، عَنِ ابن شِهاب، عَنْ أَبي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابن أَزْهرَ قَالَ: شَهدتُ الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ ابن الْخَطَّابِ ﵁، فَقَالَ: هذَانِ يَوْمَانِ نهى رَسُولُ الله ﷺ عَنْ صيَامِهِمَا؛ يَوْمُ فِطْرِكُم مِنْ صيَامِكُم، وَالْيَوْمُ الآخَرُ تأكلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُم.
الحديث الأول:
(يوم) بالرفع خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: أوَّلهما، أو آخرهما، وحُذِف لدلالة الآخَر عليه؛ لأنَّ الآخِر لا يُستعمل إلا بعد أوَّل.
(نُسُكِكُم) بضمِّ السِّين وسُكونها، أي: أضحيتِكم.
(قال ابن عُيَيْنة)؛ أي: نسبتُه إلى أنَّه مَولى كل منهما صحيحةٌ، أي: لأنَّ عبد الرَّحمن بن الأَزهر بن عَوْف هو ابن عَمِّ عبد الرَّحمن بن عَوف بن عبْد عَوفٍ.
* * *
١٩٩١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهيْبٌ، حَدَّثَنَا عَمرُو بن يَحيَى، عَنْ أَبيهِ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: نهى النَّبيُّ ﷺ -