باءُ المُصاحَبة، أي: بيومٍ، وإلا فلا يصحُّ أن يكون استثناءً من يوم الجمُعة، ولا ظرفًا لـ (يَصوم) المَذكورة.
* * *
١٩٨٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شعْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمدٌ، حَدَّثَنَا غُنْدرٌ، حَدَّثَنَا شعبةُ، عَنْ قتادَةَ، عَنْ أَبي أيُّوبَ، عَنْ جُويرِيَةَ بنتِ الْحَارِثِ ﵂: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْها يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهْيَ صائِمَةٌ، فَقَالَ: "أَصُمتِ أَمسِ؟ " قَالَتْ: لَا. قَالَ: "تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِينَ غَدًا؟ " قَالَتْ: لَا. قَالَ: "فَأَفْطِرِي".
١٩٨٦ / -م - وَقَالَ حَمَّادُ بن الْجَعْدِ: سَمِعَ قتادَةَ، حَدَّثَنِي أَبُو أيُّوبَ: أَنَّ جُويرِيَةَ حَدَّثتهُ، فَأَمَرَها فَأفْطَرَتْ.
الثالث:
(جُويرية) كان اسمها: بَرَّة، فسمَّاها النبيُّ ﷺ : جُوَيْرية، تزوَّجها ﷺ ، وهي من سَبايا بني المُصْطَلِق، فأرسَل كلُّ الصحابة ما في أيديهم من سَبْي المُصْطَلقِيين، فلا امرأة أعظَمُ بركةً على قومها منها، ماتت سنة ستٍّ وخمسين.
(وقال حماد) رواه البَغَوي من حديث هُدبة بن خالِد.
وفي الحديث أنَّه لا يجب إِتْمام صَوم التطوُّع، ولا قَضاؤُه خلافًا لأبي حنيفة فيهما، وقال مالك: إنْ أفطَر بلا عُذْرٍ لَزِمَه القَضاء، وإلا
стр. 3012
فلا، وقال أيضًا: لم أسمع أحدًا يَنهى عن صَوم الجمُعة، وصيامُه حسَنٌ.
قال الدَّاوُدي المالكي: لم يبلُغْ مالكًا هذا الحديثُ، ولَو بلَغه لم يُخالفْه.
قال العلماء: حِكْمة النَّهي عن صومه أنَّه يوم دُعاءٍ وذِكْرٍ وعبادةٍ، من غُسْلٍ، وتبكيرٍ، واستِماع خُطبةٍ، وأمثالها، فالإفْطار أعوَن له على ذلك، والنَّشاطِ فيه، وعدَمِ السَّآمة، ولا يقْدَح في ذلك إلا مَن يصوم يومًا قبْلَه أو يوما بعدَه؛ لأن ذلك يَجبُر ما قد يحصُل من فُتورٍ في وظائف يوم الجمُعة بسبب صَومه، أو خَوف المُبالَغة في تعظيمه من أن يُفتَتن به كما افتُتِنَ أهل السَّبْت.
قال (ن): وهذا ضعيفٌ مُنتقِضٌ بصلاة الجمُعة.
* * *
٦٤ - بابٌ هلْ يَخُصُّ شَيْئًا مِنَ الأيَّام
(باب: هلْ يخُصُّ شيئًا من الأيَّام)
١٩٨٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحيَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂: هلْ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَخْتَصُّ مِنَ الأيامِ شَيْئًا؟ قَالَتْ: لَا، كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً، وَأيُّكُمْ يُطِيقُ مَا كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُطِيقُ؟!
стр. 3013
(دِيمة) بكسر الدَّال، أي: دائمًا لا ينقَطِع، كما يُسمَّى المطَر الذي يَدومُ دِيْمَةً، وأصله بواوٍ، ولكنْ قُلبت بعد الكسرة ياءً.
* * *
٦٥ - بابُ صوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ
(باب صَوم عرَفة)
١٩٨٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يحْيَى، عَنْ مَالِكٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَيْرٌ مَوْلَى أُمِّ الْفَضْلِ: أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ حَدَّثتهُ (خ) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالكٌ، عَنْ أَبي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ ابن عُبَيْدِ الله، عَنْ عُمَيرٍ مَوْلَى عَبْدِ الله بن الْعَبَّاسِ، عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بنتِ الْحَارِثِ: أَنَّ نَاسًا تَمَارَوْا عِنْدَها يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صَوْمِ النَّبيِّ ﷺ ؛ فَقَالَ بَعضُهُم: هُو صائِمٌ، وَقَالَ بَعضُهُمْ: لَيْسَ بِصَائِمٍ. فَأرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِقَدَح لَبن وَهْوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ، فَشَرِبَهُ.
الحديث الأول:
(مولى أم الفضل) سبَق الجمع بين هذا وبين نسبته تارةً لابن عبَّاسٍ في (باب: التيمُّم في الحضَر).
(تماروا)؛ أي: تجادَلُوا وشَكُّوا.
(فأرسلت) بلفظ المتكلِّم والغَيبة.
стр. 3014
وفيه استحباب فِطْر يوم عرَفة للحاجِّ، والوُقوفُ راكبًا، والشُّرْبُ قائِمًا، وإباحةُ الهديَّة له ﷺ ، وقبولُها، وهديَّة الزَّوجة الموثوق بدِيْنها، وتصرُّف المرأة في مالها من البَيْت؛ لأنه ﷺ لم يسأَلْ، هل هو من مالها، أو مِنْ مال زَوجها؟، وغير ذلك.
* * *
١٩٨٩ - حَدَّثَنَا يَحيَى بن سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا ابن وَهْبٍ -أَوْ قُرِئَ عَلَيْهِ- قَالَ: أَخْبَرَني عَمرٌو، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنْ مَيْمُونةَ ﵂: أَنَّ النَّاسَ شَكُّوا فِي صِيَامِ النَّبيِّ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَأرْسَلَتْ إلَيْهِ بِحِلَابٍ وَهْوَ وَاقِفٌ فِي الْمَوْقِفِ، فَشَرِبَ مِنْهُ، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ.
الحديث الثاني:
(أو قرئ عليه) الشَّكُّ من يحيى.
(بِحِلاب) بكسر الحاء المهملَة، وخِفَّة اللام: الإناَء الذي يُحلَب فيه اللَّبن، أي: يملؤُه قَدْرَ حَلْبة ناقةٍ، ويحتمل أن يكون بمعنى: المَحْلوب، أي: اللبن نفْسه، والسِّرُّ في فِطْر عرَفة أنه أرفَقُ بالحاجِّ في آداب الوقوف ومُهِمَّات المَناسِك، وهو مخصَّصٌ بحديث: في صَوْمُ عرَفَةَ يُكَفِّرُ سنَتين".
* * *
стр. 3015
٦٦ - بابُ صَوْمِ يَوْمِ الْفِطْرِ
(باب صَومِ يَومِ الفِطْر)
١٩٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالكٌ، عَنِ ابن شِهاب، عَنْ أَبي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابن أَزْهرَ قَالَ: شَهدتُ الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ ابن الْخَطَّابِ ﵁، فَقَالَ: هذَانِ يَوْمَانِ نهى رَسُولُ الله ﷺ عَنْ صيَامِهِمَا؛ يَوْمُ فِطْرِكُم مِنْ صيَامِكُم، وَالْيَوْمُ الآخَرُ تأكلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُم.
الحديث الأول:
(يوم) بالرفع خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: أوَّلهما، أو آخرهما، وحُذِف لدلالة الآخَر عليه؛ لأنَّ الآخِر لا يُستعمل إلا بعد أوَّل.
(نُسُكِكُم) بضمِّ السِّين وسُكونها، أي: أضحيتِكم.
(قال ابن عُيَيْنة)؛ أي: نسبتُه إلى أنَّه مَولى كل منهما صحيحةٌ، أي: لأنَّ عبد الرَّحمن بن الأَزهر بن عَوْف هو ابن عَمِّ عبد الرَّحمن بن عَوف بن عبْد عَوفٍ.
* * *
١٩٩١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهيْبٌ، حَدَّثَنَا عَمرُو بن يَحيَى، عَنْ أَبيهِ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: نهى النَّبيُّ ﷺ -
стр. 3016
عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ، وَعَنِ الصَّمَّاءِ، وَأَنْ يَحْتَبي الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ.
١٩٩٢ - وَعَنْ صَلَاةٍ بَعدَ الصُّبْح وَالْعَصْرِ.
الحديث الثاني، والثالث:
سبق في (باب: ما يستر من العَورة)، وغيره يُفسِّر ما فيها من اشتِمال الصَّمَّاء، والاحتِباء، والمُلامَسَة، والمُنابَذة.
* * *
٦٧ - بابُ الصَّوْمِ يَوْمَ النَّحْرِ
١٩٩٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بن مُوسَى، أَخْبَرَناَ هِشَامٌ، عَنِ ابن جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَني عَمرُو بن دِينَارٍ، عَنْ عَطَاء بن مِينَا، قَالَ: سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ أَبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: يُنْهى عَنْ صِيَامَيْنِ وَبَيْعَتَيْنِ؛ الْفِطْرِ وَالنَّحرِ، وَالْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ.
١٩٩٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، أَخْبَرَناَ ابن عَوْنٍ، عَنْ زِيَادِ بن جُبَيْرٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابن عُمَرَ ﵁، فَقَالَ: رَجُلٌ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْمًا، قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ: الإثْنَيْنِ، فَوَافَقَ يَوْمَ عِيدٍ. فَقَالَ ابن عُمَرَ: أَمَرَ الله بِوَفَاءِ النَّذْرِ، وَنهى النَّبيُّ ﷺ عَنْ صَوْمِ هذَا الْيَوْمِ.
стр. 3017
١٩٩٥ - حدَّثَنَا حَجَّاجُ بن مِنهالِ، حَدَّثنا شُعبةُ، حَدَّثَنا عَبْدُ المَلِكِ بن عُمَيْرٍ، قال: سَمعتُ قَزَعَةَ، قال: سَمِعْتُ أبا سَعِيدٍ الْخُدرِيَّ ﵁ -وَكَانَ غَزَا مَعَ النَّبيِّ ﷺ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ غَزْوَةً- قَالَ: سَمِعْتُ أَرْبَعًا مَنَ النَّبي ﷺ فَأَعْجَبننِي، قَالَ: "لَا تُسَافِرِ الْمَرْأةُ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ إِلَّا وَمَعَها زَوْجُها أَوْ ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا صَوْمَ فِي يَوْمَيْنِ؛ الْفِطْرِ وَالأَضْحَى، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْح حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمسُ، وَلَا بَعدَ الْعَصرِ حَتَّى تَغْرُبَ، وَلَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجدِ الأَقْصَى، وَمَسْجدِي هذَا".
(باب صَوم يوم النَّحر)
فيه أحاديث سبَق ما فيها مما ذُكر فيما قبلَه.
(فقال)؛ أي: للرَّجل الجَائِي.
(وأمر الله)؛ أي: حيثُ قال: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] ونحوه، وحاصله: أن ابن عُمر توقَّفَ عن الجَزْم بجوابه لتعارُض الأدلَّة عنده، ويحتمل أنه عرَض للسَّائل بأنَّ الاحتِياط لك القَضاء، فيَجمَع بين أمرِ الله، وأمرِ رسول الله ﷺ ، وقال (ح): تورَّعَ عن القَطْع بالفُتْيا فيه.
واختَلف أهل الأمصار فيه على قَولين: فإذا نذَرَ أنْ يصوم اليَومَ الذي يَقدم فيه فُلانٌ فقَدِمَ يوم العِيْد، فلا صَومَ ولا قَضاءَ، وقيل: يَقضي، وقيل: إذا التقَى الأمْرُ والنَّهْي في محلٍّ قُدِّم النَّهي، وقد سبَق
стр. 3018
شرح الحديث الأخير في (باب: فضل الصَّلاة في مَسجِد مكَّة).
* * *
٦٨ - بابُ صِيَامِ أَيَّامِ التَّشْريق
(باب صِيَام أيَّام التَّشْريق)؛ أي: الحادي عشَر، والثَّاني عشَر، والثَّالث عشَر مِن ذي الحِجَّة؛ لتشْريق اللَّحْم فيها، ونشره في الشَّمس، أو لأنها مُشْرِقات، وهي أيَّام مِنَى.
١٩٩٦ - وَقَالَ لِي مُحَمَّدُ بن الْمُثَنَّى: حَدَّثَنَا يَحيَى، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَني أَبي: كَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ تَصُومُ أيَّامَ منًى، وَكَانَ أَبُوها يَصُومها.
الحديث الأول:
(أبوه) أي: عُروة بن الزُّبَير.
* * *
١٩٩٧ - و ١٩٩٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ عَبْدَ الله بن عِيسَى، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، وعنْ سالِمٍ، عنِ ابن عُمَرَ ﵃ قالا: لَم يُرَخَّصْ في أيَّامِ التَّشْرِيقِ أنْ يُصَمنَ إلَّا لَمِنْ لَم يَجدِ الهديَ.
стр. 3019
١٩٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهابٍ، عَنْ سَالِم بن عَبْدِ الله بن عُمَرَ، عَنِ ابن عُمَرَ ﵄ قَالَ: الصِّيَامُ لِمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، إِلَى يَوْمِ عَرَفَةَ، فَإِنْ لَم يَجن هديًا وَلم يَصُف صَامَ أيَّامَ مِنًى.
وَعَنِ ابن شِهابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ.
تَابَعَهُ إِبْرَاهِيمُ بن سَعْدٍ، عَنِ ابن شِهابٍ.
الثاني:
(أن يصمن)؛ أي: أن يُصامَ فيهنَّ.
(وتابعه إبراهيم بن سعد) رواه الشَّافعي في "المُسنَد".
* * *
٦٩ - بابُ صيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاء
(باب صِيَام يوم عاشُوراء)، هو بالمَدِّ: عاشِرُ المُحرَّم، وقيل: التاسِع.
٢٠٠٠ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عُمَرَ بن مُحَمَّدٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبيهِ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبي ﷺ يَوْمَ عَاشُورَاءَ: "إِنْ شَاءَ صَامَ".
٢٠٠١ - حَدَّثَنَا أَبو الْيَمَانِ، أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،
стр. 3020
قَالَ: أَخْبَرني عُرْوَةُ بن الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ أَمَرَ بِصِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ مَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ.
٢٠٠٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بن عُرْوَةَ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَصُومُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ صَامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تَرَكَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاء تَرَكَهُ.
سبق أوَّل الصِّيام الحديثُ الأوَّل، والثَّاني، والثَّالث.
(من شاء صام)؛ أي: نسَخَه رمَضان، وهو نسْخٌ بالأَثْقَل.
قال (ك): وفيه إذا نسُخَ الوُجوبُ يَبقَى النَّدب.
قلت: قد سبق مرات أن المرجَّح: أنه لم يكن واجبًا ولا نسخ برمضان.
* * *
٢٠٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابن شِهابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بن أَبي سُفْيَانَ ﵄ يَوْمَ عَاشُورَاءَ عَامَ حَجَّ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَة! أَيْنَ عُلَمَاؤُكُم؟! سَمِعتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "هذَا يَومُ عَاشُورَاءَ، وَلَم يُكْتَبْ عَلَيْكُم
стр. 3021
صِيَامُهُ، وَأَناَ صَائِمٌ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطر".
الحديث الرابع:
(أين علماؤكم) قال (ن): الظَّاهر أنَّ مُعاوية قالَه لمَّا سَمعَ من يُوجبُه، أو يُحرِّمه، أو يكرهه، فأرادَ إعلامَهم بنفي الثلاثة.
(يقول) كلُّ ما بعدَه مِن كلام النبيِّ ﷺ كما جاءَ مبيَّنًا في "النَّسائي"، قاله (ك).
* * *
٢٠٠٤ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أيُّوبُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: قَدِمَ النَّبيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: "مَا هذَا؟ "، قَالُوا: هذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هذَا يَوْمٌ نَجَّى الله بني إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهم، فَصَامَهُ مُوسَى. قَالَ: "فَأَناَ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُم". فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ.
الخامس:
(من عدوهم)؛ أي: فِرعَون حيثُ غَرِقَ في اليَمِّ.
(أحق)؛ أي: لاشتراكهما في الرِّسالة والأُخُوَّة في الدِّين، وللقَرابة الظَّاهرة دونهم، ولأنه أطْوَع وأتْبَعُ للحق منهم.
(فصامه) يُشعِر بأنَّ هذا ابتداءُ صيامه، لكنْ سبَق أنه كان يصومُه
стр. 3022
قبْلَ قُدومهم المدينة، فليُحمل قوله: (فصامَه) على المُداوَمة لا الابتِداء، قيل: أو كانَ تَركَه، ثم لمَّا عَلِمَ ما عند أهل الكتاب فيه عادَ وصامَه، أو لعلَّ ابن عباس ما كان يَعلَم أنه كان يَصومُه قبل القُدوم.
واعلَم أنَّه ﷺ لم يَعتمِد على قَول اليهود في ذلك؛ لجَواز أنَّ الوحي نزَلَ على وَفْقه، أو صامَه باجتهادٍ، أو أخبره مَنْ أسلَم منْهم كابن سَلَامٍ، أو كان المُخبرون منهم عدَد التَّواتُر؛ إذْ ليس من شَرْط التَّواتر الإسلام.
(أمر بصيامه) دليلُ مَن قال: كان قَبْل النَّسْخ واجبًا، كما أنَّ: (ولم يُكتَب عليكُم) حُجَّةُ مَن قال بعَدَم الوُجوب.
* * *
٢٠٠٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن عَبْدِ الله، حَدَّثنا أبو أُسَامَةَ، عَنْ أَبي عُمَيْسٍ، عَنْ قَيْسِ بن مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بن شِهابٍ، عَنْ أَبي مُوسَى ﵁ قَالَ: كَانَ يَوْمُ عَاشُوراءَ تَعُدُّهُ الْيَهُودُ عِيدًا، قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "فَصُومُوهُ أنتمْ".
السادس:
(عيدًا)، قد سبَق أن اليَهود تصومه، والعِيْد لا يُصام، وأيضًا: فصُومُوا أنْتُم، يُشعِر بأنَّ الصَّوم لمُخالفتهم، وسبق أنه كان لمُوافقتهم، فيُجمَع بأنه لا يَلزم من عَدِّهم إياه عِيْدًا أن يكون عيدًا حقيقةً، وأيضًا فيحتمل أن العيْد لا يمتَنِعُ صومُه؛ إذ هؤلاء اليهود غير يَهود المدينة،
стр. 3023
فوافَق المدنيين حيث عرَف أنه الحقُّ بوحيٍ، وخالفَ غيرَهم بخلافه.
* * *
٢٠٠٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بن مُوسَى، عَنِ ابن عُيَيْنَةَ، عَنْ عُبَيْدِ الله ابن أَبي يَزِيدَ، عَنِ ابن عَباسٍ ﵁ قَالَ: مَا رَأَيْتُ النَّبيَّ ﷺ -يتحَرَّى صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غيْرِهِ، إِلَّا هذَا الْيَوْمَ؛ يَوْمَ عَاشورَاءَ، وَهذَا الشَّهْرَ. يعنِي: شَهْرَ رَمَضَانَ.
السابع:
(وهذا الشهر) عطفٌ على هذا اليوم، وهو وإنْ لم يَدخُل في لفْظ المُستثنى؛ لكنْ بتقدير: وصِيَام شهْر فضله على غيره، وهو من اللَّفِّ والنَّشْر التَّقديري، أو يُعتبر في الشَّهر أيامه يومًا فيومًا موصوفًا بهذا الوصْف.
قالوا: وسبَبُ تخصيصهما: أنَّ رمضان فَريضةٌ وعاشُوراء كان فَريضةً، نعَمْ، ورَدَ: (أنَّ أفْضَل الأيام يوم عرَفة)، وهذا: (أنَّ أفْضلَها عاشوراء)، فيُجاب: بأنَّ عاشوراء أفْضل من حيث العُموم، وعرفة أفضل من جهةٍ أُخرى، أو لذاته من حيثُ هو، ولو أُعيد الضَّمير في فضْله إلى الصِّيام لكان سُقوط السُّؤال ظاهرًا.
* * *
٢٠٠٧ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بن إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، عَنْ سَلَمَةَ بن
стр. 3024
الأكوَعِ ﵁ قَالَ: أَمَرَ النَّبيُّ ﷺ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ أَنْ أذِّنْ فِي النَّاسِ: أَنَّ مَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيَصُم بقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لَم يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصم، فَإِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ.
الثامن:
وهو من ثُلاثيَّات البخاري.
(من أسلم) قَبيلةٌ من العرب.
(فليصم)؛ أي: فليُمسك؛ إذ الصَّوم الحقيقيُّ هو الإمساك من أوَّل النَّهار إلى آخره، وسبق مباحث الحديث أوَّل (كتاب الصوم).
стр. 3025
٣١ - كتاب صلاة التَّراويح
стр. 3026
٣١ - كتاب صلاة التراويح
١ - بابُ فَضْل مَنْ قَامَ رَمَضَانَ
(باب فَضْل مَن قامَ رمضانَ)، قيامُه: صلاةُ التراويح باتفاقٍ.
٢٠٠٨ - حَدَّثنا يَحْيَى بن بُكَيْرٍ، حَدَّثنا اللَّيْثُ، عنِ عُقَيْلٍ، عنِ ابن شِهابٍ، قال: أَخْبَرَني أبُو سَلَمَةَ: أنَّ أبا هُرَيْرَة ﵁ قالَ: سَمِعتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ لِرَمَضَانَ: "مَنْ قَامَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبهِ".
الحديث الأول:
(لرمضان)؛ أي: لفضْله، أو لأجْله.
قلت: أو اللام بمعنى: عن، نحو: ﴿للَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا﴾ الآية [الأحقاف: ١١].
стр. 3027
(إيمانًا)؛ أي: تصديقًا بأنه حقٌّ، واعتقاد الفَضيلة.
(واحتسابًا)؛ أي: طالبًا للأجر، وقال (خ): نيَّةً وعزيمةً، وقال (ن): إخلاصًا.
قالوا: واتفَقوا على استِحباب التَّراويح، واختلفوا هل الأفضَل صلاتُها منفرِدًا أو جماعةً؟
(غفر)؛ أي: الصَّغائر على المعروف.
* * *
٢٠٠٩ - حَدَّثنا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرنَا مالِكٌ، عن ابن شِهابِ، عنْ حُمَيْدِ بن عَبْدِ الرَّحْمنِ، عنْ أبي هُرَيْرَة ﵁: أنَّ رسُولَ الله ﷺ قَالَ: "مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبهِ". قَالَ ابن شِهابٍ: فتوُفيَ رَسُولُ الله ﷺ وَالأَمرُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ كَانَ الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ أَبي بَكْر وَصدرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَر ﵄.
٢٠١٠ - وَعَنِ ابن شِهابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بن الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحمَنِ بن عَبْدٍ الْقَارِيِّ: أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بن الْخَطَّابِ ﵁ لَيْلَةً فِي رَمَضَانَ إِلَى الْمَسْجدِ، فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، وَيُصَلِّي الرَّجُلُ، فَيُصَلِّي بِصَلَاتِهِ الرَّهْطُ، فَقَالَ عُمَرُ:
стр. 3028
إِنِّي أَرَى لَوْ جَمَعْتُ هؤُلَاءَ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمثَلَ. ثُمَّ عَزَمَ، فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بن كعْبٍ، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ قَارئهمْ، قَالَ عُمَرُ: نِعمَ الْبدْعَةُ هذِهِ، وَالَّتِي يَنَامُونَ عَنْها أَفْضَلُ مِنَ الَّتِي يَقُومُونَ. يُرِيدُ: آخِرَ اللَّيْلِ، وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ.
الثاني:
(أوزاع) بالزاي، والمهملة، أي: جماعاتٌ متفرِّقةٌ، لا واحدَ له من لفظه.
(الرهط)، قال (خ): ما بين الثلاثة إلى العشَرة من الرِّجال، ورَهْط الرَّجلِ: قَومُهُ.
(أمثل)؛ أي: أفْضل.
(البدعة): ما لم يَسبق له مثالٌ، وسبق أنها خمسةٌ: واجبةٌ، ومندوبةٌ، ومحرَّمةٌ، ومكروهةٌ، ومباحةٌ، وحديثُ: "كلُّ بِدْعةٍ ضَلالةٌ" من العامِّ المَخصُوص، وسمَّاها بدعةً؛ لأنه ﷺ لم يسُنَّها لهم، ولا كانتْ في زمن أبي بكرٍ على هذا الوجه، ولا أوَّلَ اللَّيل، ولا كلَّ ليلةٍ، ولا هذا العدَد، ورغَّب فيها بقوله: (نِعمَ)؛ ليَدُلَّ على فَضْلها، ولئلا يمنَع هذا اللَّقَب من فِعْلها، فإنَّ: (نِعمَ) كلمةٌ تَجمع المَحاسِن، و (بئْسَ) تجمَع المَساوي.
فقِيام رمَضان ليس ببدعةٍ؛ لأنه ﷺ قال: "اقتَدُوا باللَّذَينِ مِنْ
стр. 3029
بَعْدِي: أبي بكْرٍ، وعُمَر".
قلتُ: إذا أجمَع الصَّحابة معه عليه زالَ عنه اسم البدْعة.
(ينامون)؛ أي: فارغِين عنها، فالصَّلاة أوَّلَ اللَّيل أفْضل من آخره، وقيل: بالعَكْس، وقيل: يُفصَّل بين مَن يَثِقُ بانتباهه، وبين مَن لا يَثِقُ.
* * *
٢٠١١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالكٌ، عَنِ ابن شِهابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بن الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْج النَّبيِّ ﷺ : أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ صَلَّى، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ.
٢٠١٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بن بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابن شِهابٍ، أَخْبَرَني عُرْوَةُ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَخْبَرتْهُ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ خَرَجَ لَيْلَةً مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فَصَلَّى في المَسْجدِ، وصَلَّى رِجَالٌ بِصَلاتِهِ، فأصْبَحَ النَّاسُ فتحَدَّثُوا، فاجْتَمَعَ أكثَرُ مِنْهُم، فَصَلَّوْا مَعَهُ، فأصْبَحَ النَّاسُ فتحَدَّثُوا، فَكَثُرَ أَهْلُ الْمَسْجدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، فَخَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ فَصَلَّى، فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابعَةُ عَجَزَ الْمَسْجدُ عَنْ أَهْلِهِ، حَتَّى خَرَجَ لِصَلَاةِ الصُّبْح، فَلَمَّا قَضَى الْفَجْرَ، أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فتشَهَّدَ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ لَم يَخْفَ عَلَيَّ مَكَانُكُمْ، وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْتَرَضَ عَلَيْكُمْ، فتعْجزُوا عَنْها". فَتُوُفي رَسُولُ الله ﷺ وَالأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ.
السادس:
(غيره)؛ أي: غير رمضان، وفي بعضها: (غيرها)، أي: غير لَياليه.
والتَّراويح عِشْرون ركعةً، وقال مالك: ستةٌ وثلاثون، وكأنَّ ذلك بالوِتْر، وهذا الزَّائد هو الذي ورَد عليه السُّؤال والجَواب في هذا الحديث، أو يُقال: إنَّ هذا معارَضٌ بما رُوي أنَّه ﷺ قامَ بالنَّاس عشْرين ركعةً ليلتَين، فلمَّا كان في الثَّالثة قالَ ما قالَ، والمُثبتُ مُقدَّمٌ على النَّافي، وسبَقت مباحث الحديث في (كتاب التَّهجُّد)، في (باب: قيام النبي ﷺ باللَّيل).
стр. 3032
٣٢ - أبواب فضل ليلة القدر
стр. 3033
٣٢ - أبواب فضل ليلة القدر
١ - باب فَضْلِ لَيْلَةِ الْقَدرِ
وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾.
قَالَ ابن عُيَيْنَةَ: مَا كَانَ فِي الْقرْآنِ ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ فَقَد أعْلَمَهُ، وَمَا قَالَ: ﴿وَمَا يُدرِيك﴾، فَإِنَّه لَم يُعْلِمْهُ.
(باب فَضْل ليلةِ القدْر)
سبق بيانُ تَسميتها بذلك، وغيرُ ذلك من المباحث في (باب: قيام ليلة القَدْر).
(فقد أعلمه)؛ أي: أعلَمَ الله رسولَه ﷺ ، بخلاف ما كان بلفْظ المُضارع نحو: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧]، والمَقصود أنَّه ﷺ كان يَعرفُ ليلةَ القَدْر.
* * *
стр. 3034
٢٥١٤ - حَدَّثنا عليٌّ بن عَبْدِ الله، حَدَّثَنا سُفْيانُ قالَ: حَفِظْناهُ، وإنَّمَا حَفِظَ مِنَ الزُّهْرِيِّ، عنْ أبيِ سَلَمَةَ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبهِ".
تَابَعَهُ سُلَيْمَانُ بن كَثِيرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.
(وأيما حفظ) برفْعِ (أيٌّ)، وإضافته إلى (حِفْظ)، و (ما) زائدةٌ، وهو مبتدأٌ، وخبرُه: (حَفِظْناهُ) مقدَّرًا بعدَه، و (من الزُّهْرِي) متعلِّقٌ بـ (حَفِظْناه) المذكور قبلَه، وفي بعضها بالنصب، وهو مفعولٌ مطلَقٌ لـ (حَفِظْناه) المقدَّر.
(تابعه سليمان) وصلَه في "الزُّهْريات".
* * *
٢ - بابُ الْتِمَاسِ لَيْلَةِ الْقَدرِ فِي السبعِ الأَوَاخِرِ
(باب التِمَاس لَيلَةِ القَدْر)
٢٠١٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالكٌ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنِ ابن عُمَر ﵄: أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبيِّ ﷺ أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدرِ فِي الْمَنَامِ فِي السَّبع الأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَرَى رُؤْيَاكم قَد تَوَاطَأَتْ فِي السَّبع الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَها فَلْيتَحَرَّها فِي السَّبع الأَوَاخِرِ".
стр. 3035
الحديث الأول:
(أُرُوا) بالبناء للمفعول.
(في السبع) ليس ظَرْفًا لـ (أُرُوا)، أي: بل لحالٍ محذوفٍ، أي: كائنةً، أو موجودةً.
(رؤياكم) قال (ع): كذا جاءَ بالإفْراد للجِنس، والمراد الجمع؛ إذ لم تكُن رؤيا واحدةً.
قال السَّفَاقُسِيُّ: كذا يَرويه المحدِّثون بالتَّوحُّد؛ لأنه مصدرٌ، وقيل: إنما هو رُؤاكم، جمع: رُؤْيا، فيكون جمعًا في مقابَلة جمعٍ أصحَّ.
(تواطت)؛ أي: توافَقتْ، وأصلُه تَواطأَتْ، فحَذَف الهمزة.
(متحريها) من التَّحرِّي، وهو القَصْد، والاجتهاد في الطَّلَب.
* * *
٢٠١٦ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بن فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يحيَى، عَنْ أَبي سَلَمَةَ، قَالَ: سَألتُ أَبَا سَعِيدٍ وَكَانَ لِي صَدِيقًا، فَقَالَ: اعْتكَفْنَا مَعَ النَّبيِّ ﷺ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ، فَخَرَجَ صَبيحَةَ عِشْرِينَ، فَخَطَبنا وَقَالَ: "إِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدرِ، ثُمَّ أُنْسِيتها، أَوْ نُسِّيتُها، فَالْتَمِسُوها فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي الْوتْرِ، وإنِّي رَأَيْتُ أنِّي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ، فَمَنْ كَانَ اعتكَفَ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ، فَلْيَرجِع". فَرَجَعْنَا وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً، فَجَاءَتْ سَحَابَةٌ، فَمَطَرَتْ حَتَّى سَالَ سَقْفُ الْمَسْجدِ، وَكَانَ مِنْ
стр. 3036
جَرِيدِ النَّخْلِ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَرأيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَسْجُدُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ، حَتَّى رَأَيْتُ أثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهتِهِ.
الحديث الثاني:
(الأوسط) تذكيره باعتبار الوقت ونحوه، أو باعتبار تَذْكير لفظ العَشْر، وإلا فالمشهور والقياس في العَشْر: التَّأنيث، فيُقال: الوُسْطَى، ولهذا في الرِّواية الأُخرى: (العَشْر الأَواخِر)، وروي: (الوُسُط) -بضمَّتين- جمع: واسِط، كنازِلٍ ونُزُلٍ، وبضمِّ الواو، وفتح السِّين، جمع وُسْطَى ككُبَر وكُبْرى.
(أو نُسِّيتُها) بضمِّ النُّون، وتشديد السين، وفي بعضها: (نُسِّيْتُها) مِن النِّسيان، والمراد في الكلِّ نِسْيان تعيينها، وهذا إنما هو فيما لم يجبْ عليه تبليغُه؛ فإنَّ ما وجَبَ عليه تبليغُه لا يُنَسَّى فيه، ولو نُسِّيَ فلا بُدَّ أنْ يذكِّرَه الله تعالى.
(في الوتر)؛ أي: أَوْتار اللَّيالي، كالحادية والعِشرين، والثَّالثة والعِشرين.
(فليرجع)؛ أي: إلى مُعتكَفَه في العَشْر الأوسَط؛ لأنهم كانوا مُعتكِفين في العشر المتقدِّم على العشر الآخِر.
(قَزَعَة) بمفتوحاتٍ: قِطْعةٌ رَقيقةٌ مِن سَحابٍ.
(جريد)؛ أي: سَعَفٍ جُرِّدَ عنه خُوْصُه.
* * *
الثالث، والرابع، والخامس:
(العشر الأواخر) وصفَه وهو مُفردٌ بلفْظ الجمع؛ لإرادة الجنس، كالدِّرْهم البيْض، أو المراد أيام العَشْر الأواخر، فجُمعَ باعتبار الأيام.
وهذا الحديث وإنْ لم يكن فيه لفْظ الوِتْر المترجَم به؛ لكنَّه محمولٌ على الحديث المذكور فيه ذلك حملًا للمُطلَق على المقيَّد، أو المقصود دلالتُه على جُزءِ التَّرجمة، والجُزْء الآخَر دلَّ عليه الحديث الآخَر.
(التمسوها)؛ أي: ليلةَ القَدْر المذكور بعده، نحو: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩]، وليس ضميرَ الشَّأن؛ لأنَّ ذلك إنما يُفسَّر بجملةٍ.
(في تاسعه) بدَلٌ من قوله: (في العَشْر).
(تبقى) صفةٌ لـ (تاسِعهِ)، وكذا الباقي، الأولى ليلة إحدى وعشرين، والثانية ليلة ثلاثٍ، والثالثة ليلة خمسٍ، كذا قالَه مالك، وقال بعضهم: إنما يكون كذلك إذا كان الشَّهر ناقِصًا، فيكون في هذه الأَوتار، أما إذا كان ثَلاثينَ، فالتي تبقَى بعدها ثمانٍ، وتكون هي تاسعتَهنَّ هي ليلةُ اثنين وعشرين، والخامسة بعد أربع ليالٍ هي ليلة ستةٍ وعشرين، والسابعة بعدَها ستٌّ هي ليلة أربعةٍ وعشرين على ما ذكَره البخاري بعدُ عن ابن عبَّاس، وهذا على طريقة العرَب في التَّاريخ إذا جاوَزُوا نصْفَ الشَّهر، فإنما يُؤرِّخون بالباقي منه لا بالماضي.
стр. 3041
قال (ك): ما معناه: إنه محمولٌ على النُّقصان؛ لأنه المُحقَّق المَقطُوع بوجوده بعد العِشْرين من رمضان، وليُوافقَ الأحاديث الدالَّة على أنها في الأوتار.
(في سبع يمضين)؛ أي: ليلة السابع والعشرين، وفي بعضها: (في تسعٍ)، أي: ليلة التاسع والعشرين، أو هي مع سائر اللَّيالي التي بعدها إلى آخر الشَّهر كلهن، أي: فلا يكون فيها تعيينٌ.
(تابعه عبد الوهاب) وصلَه أحمد، وابن أبي عُمر في "مسنديهما".
فإنْ قيل: الترجمة بالأوتار، وهذا شفْعٌ؛ قيل: القَصْد: التَمِسُوها في تمام أربعةٍ وعشرين، وهي ليلة الخامسة والعِشْرين، على أنَّ البخاري كثيراَ ما يعقِدُ ترجمةَ ويذكُر فيها ما بينه وبين الترجمة أَدنى مُلابَسةٍ لغرَضٍ كالإشعار بأنَّ خِلافَه قد ثبت أيضًا.
فإنْ قيل: ما وجه الجمع بين رواية: التَمِسُوها في السَّبع الأواخر، وفي العشْر الأواخر، وفي تاسعةٍ تبقَى، والخمس الأُوَل من العَشْر، والسَّبع الأُوَل، وفي الرابع والعشرين؟.
قيل: إنَّ مَفهومَ العدَد لا اعتِبارَ له، فلا مُنافاةَ.
قال الشافعي: والذي عندي أنه ﷺ يُجيب على نحو ما يُسأل عنه، فيُقال له: أنلتمِسُها في ليلةِ كذا؟ فيقول: التَمِسُوها في ليلةِ كذا.
وقال بعضهم: إنَّه ﷺ لم يحدِّث (١) بميقاتها جَزْمًا، وذهب كلٌّ
стр. 3042
من الصحابة بما سمعه، والذَّاهب إلى سبْعٍ وعشرين هم الأكثَرون.
* * *
٤ - باب رفع معرفة ليلة القدر لتلاحي الناس
(باب: رفْعِ مَعرفَة لَيلة القَدْر لتَلاحي النَّاسِ)
أي: تخاصُمِهم.
(ملاحاة)؛ أي: مُخاصَمةً.
٢٠٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا خَالِدُ بن الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنْ عُبَادَةَ بن الصَّامِتِ قَالَ: خَرَجَ النَّبيُّ ﷺ لِيُخْبرَناَ بِلَيلَةِ الْقَدرِ، فتلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: "خَرَجْتُ لأُخبرَكُم بِلَيْلَةِ الْقَدرِ، فتلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَرُفعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، فَالْتَمِسُوها فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابعَةِ وَالْخَامِسَةِ".
(رجلان) هما عبد الله بن أبي حدرَد، وكَعْب بن مالِك.
(رفعت)؛ أي: معرفتُها.
قال الطِّيْبي: ولعلَّ مَن قدَّر هذا المُضافَ رأَى أنَّ رفعها يقتضي وُقوعَها، وإذا وقَعتْ فلا معنى لرفعها، ويُمكن أن يُقال: المراد برفعها أنها شَرَعَتْ أنْ تقَع، فلمَّا تلاحيَا ارتفعتْ، فنُزِّل الشُّروع منزلة الوُقوع.
* * *
стр. 3043
٥ - بابُ الْعَمَل فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ
(باب العمَلِ في العَشْر الأواخِر)
٢٠٢٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن عَبْدِ الله، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبي يَعْفُورٍ، عَنْ أَبي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ.
(مئزره)؛ أي: إزاره كمِلْحَف ولِحَاف، وهو كنايةٌ عن تَرْك الجِمَاع، أو عن الاستعداد للعبادة والاجتهاد لها زائدًا على ما هو عادتُه، وإما عنهما معًا، ولا يُنافي شَدَّ المِئْزَر حقيقةً.
(وأحيا)؛ أي: تَرَكَ النَّوم الذي هو أخو الموت، وأحيا نفْسَه بقِيام اللَّيل، أو أنَّه لمَّا قامَ ليلَهُ جعلَه حَيًّا بالطَّاعة، نحو: ﴿يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الحديد: ١٧].
стр. 3044
٣٣ - أبواب الاعتكاف
стр. 3045
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٣٣ - أبواب الاعتكاف
وهو لغةً: الإقَامَةُ، وحبْسُ النَّفْس على الشَّيء، واصطلاحًا: لُبْث مُسلمٍ عاقلٍ في مَسجِدِ بنيَّةٍ، ويُقال له: مُجاوَرة، والإجماع على استِحبابه، وأقلُّه مُكْث يزيد على طُمَأنينة الركوع أدنىَ زِيادةٍ، ولا حَدَّ لأكثَره.
١ - بابُ الاِعتِكَاف في الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَالاعتكَاف فِي الْمَسَاجِدِ كلها
لِقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.
(باب الاعتِكاف في العَشْر الأواخِر)
٢٠٢٥ - حَدَّثَنا إِسْمَاعِيلُ بن عَبْدِ الله، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن وَهْبٍ، عَنْ يُونس: أَنَّ ناَفِعًا أَخْبَرَهُ عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ
стр. 3046
رَسُولُ الله ﷺ يَعْتكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ.
٢٠٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْل، عَنِ ابن شِهابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بن الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبيِّ ﷺ : أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ يَعْتكِف الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ الله، ثُمَّ اعتكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ.
٢٠٢٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالكٌ، عَنْ يَزِيدَ بن عَبْدِ الله بن الْهادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بن إِبْراهِيمَ بن الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبي سَلَمَةَ بن عَبْدِ الرَّحمَنِ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدرِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَعتكِفُ فِي الْعَشْرِ الأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ، فَاعْتكَفَ عَامًا حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتي يَخْرُجُ مِنْ صَبيحَتها مِنِ اعْتِكَافِهِ، قَالَ: "مَنْ كَانَ اعْتكَفَ مَعِي فَلْيَعْتكِفِ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ، وَقَدْ أُرِيتُ هذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ أُنْسِيتُها، وَقَد رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاء وَطِينٍ مِنْ صَبيحَتها، فَالْتَمِسُوها فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَالْتَمِسُوها فِي كُلِّ وِتْرٍ". فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَكَانَ الْمَسْجدُ عَلَى عَرِيشٍ، فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ، فَبَصُرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ الله ﷺ عَلَى جَبْهتِهِ أثَرُ الْمَاء وَالطِّينِ مِنْ صبْح إِحْدَى وَعِشْرِينَ.
الحديث الأول، والثاني، والثالث:
(ليلة إحدى وعشرين ...) إلى آخره.
стр. 3047
قلت: استُشكل ذلك بأنَّ المُعتكِفَ العشْر الأَوسَط إنما يخرُج قبْلَ دُخول ليلة الحادي والعشرين؛ فإنَّها من العشر الأخير، وأُجيْب وقال (ك): هذا يُفهم منه أن صُدور قوله: (مَنْ كانَ اعتكَفَ مَعِي) كانَ قبل الحادي والعشرين، وسبق في (باب: تحرِّي ليلةِ القَدْر) أنَّ صُدوره كان بعدَه، حيث قال: جاوَزتُه اللَّيلةَ التي كانَ يَرجِعُ فيها، فيُجاب: بأنَّ معنى جاوَرَ: أرادَ المُجاوَرةَ.
(هذه الليلة) مفعولٌ به لا ظَرْفٌ.
(عريش) وهو ما يُستَظَلُّ به لا مِنْ سقفٍ أو خشَبٍ.
وسبق الحديث قريبًا.
* * *
٢ - بابُ الْحَائِضِ تُرَجِّلُ الْمُعتكفَ
(باب الحائِضِ تُرجِّلُ المُعتكِفَ)؛ أي: تمشِّط شعرَه وتُسَرِّحه.
٢٠٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَني أَبي، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبيُّ ﷺ يُصْغِي إِلَيَّ رَأْسَهُ وَهْوَ مُجَاوِرٌ فِي الْمَسْجدِ، فَأُرَجِّلُهُ وَأَناَ حَائِضٌ.
(يُصغي)؛ أي: يُدني ويُميل.
ففيه أن بدَن الحائض طاهرٌ إلا موضعَ الدَّم، وأن يَدَ المرأة ليستْ
стр. 3048
بعورةٍ؛ لأنَّ المَسجِد لا يخلو عن بعض الصَّحابة، فإذا غسَلتْ رأْسَه شاهدُوا يدَها، وأنَّ الاعتكاف لا يَصحُّ في غير المسجد، وألا يخرُجَ منه لترجيل الشَّعْر، وأنَّ إخراج البعض ليس كالكُلِّ، فمَن حلَفَ: لا يدخُل بيتًا، فأدخَل رأْسَه لا يحنَث.
* * *
٣ - بابٌ لَا يَدخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجةٍ
(بابٌ: لا يَدخُل البَيتَ إلا لحاجةٍ)؛ أي: البول والغائط كما فسَّره الزُّهْري راوي الحديث.
٢٠٢٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابن شِهابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، وَعَمرَةَ بنتِ عَبْدِ الرَّحمَنِ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبيِّ ﷺ قَالَتْ: وَإِنْ كانَ رَسُولُ الله ﷺ لَيُدخِلُ عَلَيَّ رَأْسَهُ وَهْوَ فِي الْمَسْجدِ، فَأُرَجِّلُهُ، وَكانَ لَا يَدخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةٍ، إِذَا كانَ مُعتكِفًا.
(وإن كان) هي الخفيفة من الثَّقيلة، واسمها ضميرُ الشَّأْن.
* * *
стр. 3049
٤ - بابُ غَسْلِ الْمُعْتَكفِ
(باب غُسْل المُعتكِف) بفتح الغين لا بضمِّها.
٢٠٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبيُّ ﷺ يُبَاشِرُني وَأَنَا حَائِضٌ.
٢٠٣١ - وَكَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ مِنَ الْمَسْجدِ وَهْوَ مُعْتكِفٌ، فَأَغْسِلُهُ وَأَناَ حَائِضٌ.
(فيباشرني)؛ أي: يمسُّ بشَرتي، أي: من غير جِمَاعٍ، فإنَّ تلْك تُفسِد الاعتكافَ، وبلا شَهوةٍ بأنْ يُقبل زوجتَه إكرامًا لها لا أثَرَ لها في الاعتكاف، وبشَهوةٍ بأنْ يلمَسها بشَهوةٍ، الصَّحيح أنه لا يُفسِد الاعتكافَ.
* * *
٥ - بابُ الاِعْتِكاف لَيْلًا
(باب الاعتِكافِ ليلًا)
٢٠٣٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بن سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله، أَخْبَرْنِي ناَفِعٌ، عَنِ ابن عُمَرَ ﵁: أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: كنْتُ
стр. 3050
نَذَرْتُ فِي الْجَاهِليةِ أَنْ أَعْتكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجدِ الْحَرَامِ؟ قَالَ: "فَأَوْفِ بنذْرِكَ".
(في الجاهلية) ظاهره: أنَّه الوقْت الذي كان هو فيه على الجاهليَّة.
ففيه أنَّ نذْر الجاهلية إذا كان على وَفْق الإسلام يُعمَل به، كذا قال (ك)، وهو عجيبٌ؛ فالصَّحيح فَساد نَذْر الكافر.
قال: وفيه أنَّ مَن حلَف في كُفْره، ثم أسلَم فحنِثَ: أنَّ الكفَّارة تجب عليه.
قلتُ: واضحٌ، وقيل: قَوله: (في الجاهلية)، أي: نذَرَ بعد إسلامه في جاهليَّةِ أهل مكَّة الذين منَعُوهم من دُخول مكة، ومن الوُصول للحرَم، قيل: وهو بعيدٌ.
قلتُ: بل قَريبٌ؛ لأنهم حينئذٍ لا يتمكَّنون من دُخول المسجد، فيُوفي نذْرَه، وأما قبْل الهجرة فكانوا ممنوعين من المسجد، فكان يُمكنه أن يُوفيَ نذْرَه لا سيَّما قبْل أن يُسلِم.
وفيه أنه لا يُشترط لصِحَّة الاعتكاف صيامٌ.
* * *
٦ - بابُ اعتكاف النِّسَاءِ
(باب اعتِكافِ النِّساءِ)
٢٠٣٣ - حَدَّثَنَا أبو النُّعمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بن زَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى،