رَسُولُ الله ﷺ يَعْتكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ.
٢٠٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْل، عَنِ ابن شِهابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بن الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبيِّ ﷺ : أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ يَعْتكِف الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ الله، ثُمَّ اعتكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ.
٢٠٢٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالكٌ، عَنْ يَزِيدَ بن عَبْدِ الله بن الْهادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بن إِبْراهِيمَ بن الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبي سَلَمَةَ بن عَبْدِ الرَّحمَنِ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدرِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَعتكِفُ فِي الْعَشْرِ الأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ، فَاعْتكَفَ عَامًا حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتي يَخْرُجُ مِنْ صَبيحَتها مِنِ اعْتِكَافِهِ، قَالَ: "مَنْ كَانَ اعْتكَفَ مَعِي فَلْيَعْتكِفِ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ، وَقَدْ أُرِيتُ هذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ أُنْسِيتُها، وَقَد رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاء وَطِينٍ مِنْ صَبيحَتها، فَالْتَمِسُوها فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَالْتَمِسُوها فِي كُلِّ وِتْرٍ". فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَكَانَ الْمَسْجدُ عَلَى عَرِيشٍ، فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ، فَبَصُرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ الله ﷺ عَلَى جَبْهتِهِ أثَرُ الْمَاء وَالطِّينِ مِنْ صبْح إِحْدَى وَعِشْرِينَ.
الحديث الأول، والثاني، والثالث:
(ليلة إحدى وعشرين ...) إلى آخره.
стр. 3047
قلت: استُشكل ذلك بأنَّ المُعتكِفَ العشْر الأَوسَط إنما يخرُج قبْلَ دُخول ليلة الحادي والعشرين؛ فإنَّها من العشر الأخير، وأُجيْب وقال (ك): هذا يُفهم منه أن صُدور قوله: (مَنْ كانَ اعتكَفَ مَعِي) كانَ قبل الحادي والعشرين، وسبق في (باب: تحرِّي ليلةِ القَدْر) أنَّ صُدوره كان بعدَه، حيث قال: جاوَزتُه اللَّيلةَ التي كانَ يَرجِعُ فيها، فيُجاب: بأنَّ معنى جاوَرَ: أرادَ المُجاوَرةَ.
(هذه الليلة) مفعولٌ به لا ظَرْفٌ.
(عريش) وهو ما يُستَظَلُّ به لا مِنْ سقفٍ أو خشَبٍ.
وسبق الحديث قريبًا.
* * *
٢ - بابُ الْحَائِضِ تُرَجِّلُ الْمُعتكفَ
(باب الحائِضِ تُرجِّلُ المُعتكِفَ)؛ أي: تمشِّط شعرَه وتُسَرِّحه.
٢٠٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَني أَبي، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبيُّ ﷺ يُصْغِي إِلَيَّ رَأْسَهُ وَهْوَ مُجَاوِرٌ فِي الْمَسْجدِ، فَأُرَجِّلُهُ وَأَناَ حَائِضٌ.
(يُصغي)؛ أي: يُدني ويُميل.
ففيه أن بدَن الحائض طاهرٌ إلا موضعَ الدَّم، وأن يَدَ المرأة ليستْ
стр. 3048
بعورةٍ؛ لأنَّ المَسجِد لا يخلو عن بعض الصَّحابة، فإذا غسَلتْ رأْسَه شاهدُوا يدَها، وأنَّ الاعتكاف لا يَصحُّ في غير المسجد، وألا يخرُجَ منه لترجيل الشَّعْر، وأنَّ إخراج البعض ليس كالكُلِّ، فمَن حلَفَ: لا يدخُل بيتًا، فأدخَل رأْسَه لا يحنَث.
* * *
٣ - بابٌ لَا يَدخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجةٍ
(بابٌ: لا يَدخُل البَيتَ إلا لحاجةٍ)؛ أي: البول والغائط كما فسَّره الزُّهْري راوي الحديث.
٢٠٢٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابن شِهابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، وَعَمرَةَ بنتِ عَبْدِ الرَّحمَنِ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبيِّ ﷺ قَالَتْ: وَإِنْ كانَ رَسُولُ الله ﷺ لَيُدخِلُ عَلَيَّ رَأْسَهُ وَهْوَ فِي الْمَسْجدِ، فَأُرَجِّلُهُ، وَكانَ لَا يَدخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةٍ، إِذَا كانَ مُعتكِفًا.
(وإن كان) هي الخفيفة من الثَّقيلة، واسمها ضميرُ الشَّأْن.
* * *
стр. 3049
٤ - بابُ غَسْلِ الْمُعْتَكفِ
(باب غُسْل المُعتكِف) بفتح الغين لا بضمِّها.
٢٠٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبيُّ ﷺ يُبَاشِرُني وَأَنَا حَائِضٌ.
٢٠٣١ - وَكَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ مِنَ الْمَسْجدِ وَهْوَ مُعْتكِفٌ، فَأَغْسِلُهُ وَأَناَ حَائِضٌ.
(فيباشرني)؛ أي: يمسُّ بشَرتي، أي: من غير جِمَاعٍ، فإنَّ تلْك تُفسِد الاعتكافَ، وبلا شَهوةٍ بأنْ يُقبل زوجتَه إكرامًا لها لا أثَرَ لها في الاعتكاف، وبشَهوةٍ بأنْ يلمَسها بشَهوةٍ، الصَّحيح أنه لا يُفسِد الاعتكافَ.
* * *
٥ - بابُ الاِعْتِكاف لَيْلًا
(باب الاعتِكافِ ليلًا)
٢٠٣٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بن سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله، أَخْبَرْنِي ناَفِعٌ، عَنِ ابن عُمَرَ ﵁: أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: كنْتُ
стр. 3050
نَذَرْتُ فِي الْجَاهِليةِ أَنْ أَعْتكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجدِ الْحَرَامِ؟ قَالَ: "فَأَوْفِ بنذْرِكَ".
(في الجاهلية) ظاهره: أنَّه الوقْت الذي كان هو فيه على الجاهليَّة.
ففيه أنَّ نذْر الجاهلية إذا كان على وَفْق الإسلام يُعمَل به، كذا قال (ك)، وهو عجيبٌ؛ فالصَّحيح فَساد نَذْر الكافر.
قال: وفيه أنَّ مَن حلَف في كُفْره، ثم أسلَم فحنِثَ: أنَّ الكفَّارة تجب عليه.
قلتُ: واضحٌ، وقيل: قَوله: (في الجاهلية)، أي: نذَرَ بعد إسلامه في جاهليَّةِ أهل مكَّة الذين منَعُوهم من دُخول مكة، ومن الوُصول للحرَم، قيل: وهو بعيدٌ.
قلتُ: بل قَريبٌ؛ لأنهم حينئذٍ لا يتمكَّنون من دُخول المسجد، فيُوفي نذْرَه، وأما قبْل الهجرة فكانوا ممنوعين من المسجد، فكان يُمكنه أن يُوفيَ نذْرَه لا سيَّما قبْل أن يُسلِم.
وفيه أنه لا يُشترط لصِحَّة الاعتكاف صيامٌ.
* * *
٦ - بابُ اعتكاف النِّسَاءِ
(باب اعتِكافِ النِّساءِ)
٢٠٣٣ - حَدَّثَنَا أبو النُّعمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بن زَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى،
стр. 3051
عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبيُّ ﷺ يَعْتكِفُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَكُنْتُ أَضْرِبُ لَهُ خِبَاءً، فَيُصَلِّي الصُّبْحَ، ثُمَّ يَدخُلُهُ، فَاسْتَأذَنَتْ حَفْصَةُ عَائِشَةَ أَنْ تَضْرِبَ خِبَاءً، فَأَذِنَتْ لَها، فَضَرَبَتْ خِبَاءً، فَلَمَّا رَأتْهُ زينَبُ ابنةُ جَحْشٍ ضَرَبَتْ خِبَاءً آخَرَ، فَلَمَّا أَصبَحَ النَّبيُّ ﷺ رَأَى الأَخْبيةَ فَقَالَ: "مَا هذَا؟ "، فَأُخْبرَ، فَقَالَ النَّبيّ ﷺ : "آلْبرُّ تُرَوْنَ بِهِنَّ؟! "، فتَرَكَ الاِعْتِكَافَ ذَلِكَ الشَّهْرَ، ثُمَّ اعْتكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ.
(خِباء) بكسر المعجَمة، والمدِّ: أي: خَيْمة مِن وَبَرٍ، أو صُوفٍ، لا مِن شَعْرٍ، وهو على عَمُودين أو ثلاثةٍ، ويُجمَع على أخْبيَةٍ، كخِمَارٍ وأخْمِرةٍ.
(آلبرَّ) بهمزة استفهامٍ، ومعناه: الطَّاعة، وهو مفعولٌ مقدَّمٌ لقوله: (يرون) وهو مبنيٌّ للفاعل من الرَّأْي، أو للمَفعول بمعنى الظَّنِّ، ويجوزُ الرفع، وإلغاءُ الفاعِل؛ لتوسُّطه بين المفعولَين، ويُروى: (يُرِدْنَ) من الإرادة.
وفيه: أن للرجُل منْعَ زوجته من الاعتكاف، وجوازُ اتخاذِ المُعتكِف لنفْسه مَوضعًا في المسجد يَنفردُ به مدَّةَ اعتكافه ما لم يُضيِّقْ على النَّاس، وأنَّ ما ليس بخالصٍ لله لا قَدرَ له عند الله تعالى.
قال (ع): أنكَرَ عليهنَّ؛ لخَوف أن يكُنَّ غيرَ مُخلِصاتٍ في الاعتكاف، وهنَّ مُحتاجاتٌ للدُّخول والخروج فيتبذلْنَ بذلك، ولأنَّه ﷺ -
стр. 3052
رآهُنَّ عنده في المسجد فصارَ كأنَّه في مَنْزله حاضرًا مع أزواجه، والاعتِكافُ إنما هو للتَّخلِّي عن الأزْواج، ومتعلَّقات الدُّنيا، أو لأنهنَّ ضيَّقْنَ المسجدَ بأخْبيتهنَّ.
* * *
٧ - بابُ الأَخْبيَةِ فِي الْمَسْجِدِ
(باب الأَخْبيَةِ في المَسجد)، جمع: خباءٍ.
٢٠٣٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بن سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بنتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ أَرَادَ أَنْ يَعْتكِفَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَعْتكِفَ إِذَا أَخْبيةٌ؛ خِبَاءُ عَائِشَةَ، وَخِبَاءُ حَفْصَةَ، وَخِبَاءُ زَيْنَبَ، فَقَالَ: "آلْبرَّ تَقُولُونَ بِهِنَّ؟ " ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَم يَعتكِفْ، حَتَّى اعتكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّال.
(عَمرة بنت عبد الرحمن) هي تابعيَّةٌ لا صحابيةٌ، فروايتها مُرسَلةٌ، نعَمْ، في بعضها: (عن عَمرةَ، عن عائشَةَ).
(إذا أخبية) خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، أي: حاضرةٌ، أو مُفاجِئةٌ، أو مضروبةٌ.
ومعنى البيع اصطلاحًا: قال الرَّافِعي: مُقابَلَة مالٍ بمالٍ، وزاد بعضُهم: على وجه التَّمليك الأَبَديِّ، ومنهم من تعقَّب هذا، وضبْطُ ذلك في الفِقْه.
* * *
٢٠٤٧ - حَدَّثَنَا أبو الْيَمَانِ، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَني سَعِيدُ بن الْمُسَيَّبِ، وَأبُو سَلَمَةَ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أبا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: إِنَّكم تَقُولُونَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ . وَتَقُولُونَ: مَا بَالُ الْمُهاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ لَا يُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبي هُرَيْرَةَ؟! وَإِنَّ إِخْوَتي مِنَ الْمُهاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُم صَفْق بِالأَسْوَاقِ، وَكنْتُ ألزمُ رَسُولَ الله ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، فَأَشْهدُ إِذَا غَابُوا، وَأَحْفَظُ إِذَا نسُوا، وَكَانَ يَشْغَلُ إِخْوتي مِنَ الأَنْصَارِ عَمَلُ أَموَالِهِم، وكُنْتُ امرَأً مِسْكِينًا مِنْ مَسَاكِينِ الصُّفَّةِ، أَعِي حِينَ يَنْسَوْنَ، وَقَد قَالَ رَسُولُ الله ﷺ فِي حَدِيثٍ يُحَدِّثُهُ: "إِنَّهُ لَنْ يبسُطَ أَحدٌ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضيَ مَقَالَتي هذِهِ، ثُمَّ يَجْمَعَ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ إِلَّا وَعَى مَا أَقُولُ"، فَبَسَطْتُ نَمِرَةً عَلَيَّ، حَتَّى إِذَا قَضَى رَسُولُ الله ﷺ مَقَالتهُ، جَمَعْتُها إِلَى صَدرِي، فَمَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَةِ رَسُولِ الله ﷺ تِلْكَ مِنْ شَيْءٍ.
الحديث الأول:
(ما بال)؛ أي: ما حالُ؟
стр. 3068
(إخوتي)؛ أي: في الدِّين.
(يشغلهم) بفتْح أوَّله: مِن شغَلَه الشَّيءُ، وأما أَشْغَل فلُغةٌ رديئةٌ.
(سفق) يُقال بالسِّين، قال (ح): قال الخَلِيْل: كلُّ سينٍ أو صادٍ قبْل القاف فيها اللُّغتان، ولو فُصِلتْ ولكن اجتمعتَا في كلمةٍ، لكنَّ الصَّاد في بعضها أحسَنُ، وفي بعضٍ السِّين أحسَن.
قال: وكانُوا إذا تَبايعوا تَصَافَقوا بالأكُفِّ أمارةً على انتقال كلٍّ من يدِه إلى يدِ الآخَر؛ لأنَّ القَبْض ونحوه بالأَيدي، وكان المُهاجِرون تُجَّارًا، والأنصار أصحابَ زَرْعٍ، فيَغيبُون بسبَبها عن حضْرة النبيِّ ﷺ في أكثَر أحواله، فلا يُحدِّثون إلا بما كان في وقْت حُضورهم، وأبو هُريرة حاضرٌ دَهْرَه لا يَفوتُه شيءٌ منها إلا ما شاءَ الله، ثم لا يَستَولي عليه النِّسْيان لصِدْق عِنَايته بضَبْطه، وقِلَّةِ اشتِغاله بغيره، وقد لحقَتْه دَعوةُ رسول الله ﷺ ، فقَامَتِ الحُجَّة على مَن أنكَر أمرَه واستَغْربَ شأْنَه.
(عمل أموالهم)؛ أي: الزِّراعة.
(الصُّفَّة)؛ أي: مَأوَى فُقَراء المُهاجِرين، ومَنْ لا سكَنَ له، وهو موضعٌ مُظَلَّلٌ في المسجد.
(أعي)؛ أي: أضْبط، وهو استئنافٌ، أو حالٌ من الضَّمير في (كنْتُ) وإنْ كان مضارعًا وكان ماضيًا؛ لأنه لحكاية الحالِ الماضية.
(حين ينسون) ولم يذكُر في حقِّهم ما قال في المُهاجِرين: (أشْهدُ
стр. 3069
إذا غابُوا)، إما لأنَّ المدينة بلَدُهم ووقْت الزِّراعة معلومٌ، وإما أن يُجعل: أَعِي ما يَنسَونَ، عائدًا للطَّائفتين، كما في: أشْهدُ إذا غابُوا، وأحفَظُ إذا نسُوا، بأن يُقَدَّرا في قصَّة الأنصار أيضًا بقَرينة السِّياق وسائرِ الروايات المعجمة (١) كما سبق في (باب: حِفْظ العِلْم).
(نمرة)؛ أي: كِسَاءَ ملوَّنًا كأنَّه من النَّمِر؛ لمَا فيه من سوادٍ وبياضٍ.
وفيه فَضْل أبي هريرة، وكان حافِظَ الأمَّة، لكنْ لا يَلزم من كَونه أكثَر أخْذًا للعِلْم وأزهدَ أفضليَّته على غيره مُطلَقًا؛ لأنَّ جِهات الأفضليَّة لا تَنحصِر في ذلك، فلغَيره الذي هو أفْضَلُ منه أمورٌ أُخرى غير ذلك.
* * *
٢٠٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بن عَبْدِ الله، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بن سَعْدٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ ﵁ لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ: آخَى رَسُولُ الله ﷺ بَيْني وَبَيْنَ سَعدِ بن الرَّبيعِ، فَقَالَ سعدُ بن الرَّبيعِ: إِنِّي أكثَرُ الأَنْصَارِ مَالًا، فَأقْسِمُ لَكَ نِصْفَ مَالِي، وَانْظُرْ أَيَّ زَوْجَتَيَّ هوِيتَ نزَلْتُ لَكَ عَنْها، فَإِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَها. قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لَا حَاجَةَ لِي فِي ذَلِكَ، هلْ مِنْ سُوقٍ فِيهِ تِجَارَةٌ؟ قَالَ: سُوقُ قَيْنُقَاعَ. قَالَ: فَغَدَا إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَأتَى بِأَقِطٍ وَسَمْنٍ، قَالَ: ثُمَّ
стр. 3070
تَابَعَ الْغُدُوَّ، فَمَا لَبثَ أَنْ جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَيْهِ أثَرُ صُفْرَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "تَزَوَّجْتَ؟ "، قَالَ: نعم. قَالَ: "وَمَنْ؟ " قَالَ: امرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ. قَالَ: "كَم سُقْتَ؟ " قَالَ: زِنة نواةٍ مِنْ ذهبٍ، أَوْ نواةً مِنْ ذَهبٍ. فَقَالَ لَهُ النَّبيُّ ﷺ : "أَولم وَلَوْ بِشَاةٍ".
الحديث الثاني:
(آخى)؛ أي: جعلَنا أخَوَين من أَخَوْتُ الرَّجُلَ إخاوةً: صِرْتُ له أخًا، وقد استُشهد سَعْد بن الرَّبيعْ هذا في أُحدٍ.
(أيُّ امرأتيَّ) بالتثنية، و (أيُّ) إذا أُضيفتْ إلى المؤنَّث تُذكَّر وتُؤنَّث، فيُقال: أيُّ امرأة، وأيَّةُ امرأة.
(هويت)؛ أي: أردتَ نكاحَها.
(نزلت)؛ أي: طلَّقْتُ.
(حلت)؛ أي: انقَضَتْ عِدَّتها.
(قَيْنُقِاع) بفتح القاف الأُولى، وسُكون الياء، وضمّ النُّون، أو فتحها، أو كسرها، وبالقاف، والمهملة، يَنصرف ولا يَنصرف، على إرادةِ الحيِّ، أو القَبيلة، وهم شَعْث من يَهود المدينة أُضيفَتْ إليهم السُّوق.
(تابع العدو)؛ أي: الذهاب، فهو مصدرٌ، أي: في اليوم الثاني وهكذا، وفي بعضها: (الغَد) ضدُّ الأَمْس.
(صُفْرة)؛ أي: من الطِّيْب الذي استعملَه عند الزَّفاف.
стр. 3071
(ومن)؛ أي: من التي تَزوَّجتَها.
(امرأة) هي بنت أبي الحسَن بن أبي رافِع، ولم تُسمَّ هي.
(سقت)؛ أي: أعطَيتَ.
(نواة) اسمٌ لخمسةِ دراهم، كما أنَّ النَّشَّ اسمُ لعِشْرين درهما، والأُقِيَّة لأربعين درهمًا، أي: أصدقها وزْنَ خمسة دراهم من الذَّهب، أي: ثلاث مَثاقيل ونصْف، وقيل المراد: وَزْن نوَاةِ التَّمْر من ذهبٍ، وقال أحمد: النَّواة ثلاثُ دراهم وثلُث، وقال بعض المالكية: ربُعُ دينارٍ.
(أولم)؛ أي: اتخذ وليمةً، وهي طعامٌ في العُرس، والأمر فيه للنَّدب، وقيل: للوجوب.
(بشاة) هذا مع القُدرة، وإلا فقد أَوْلَمَ ﷺ في بعض نِسائه بسَويقٍ وتمرٍ.
* * *
٢٠٤٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بن يُونس، حَدَّثَنَا زُهيْرٌ، حَدَّثَنَا حُمَيدٌ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ الْمَدِينَةَ، فآخَى النَّبيُّ ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعدِ بن الرَّبيعِ الأَنْصَارِيِّ، وَكَانَ سَعدٌ ذَا غنًى، فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: أُقَاسِمُكَ مَالِي نِصفَيْنِ، وَأُزَوِّجُكَ. قَالَ: بَارَكَ الله لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ. فَمَا رَجَعَ حَتَّى اسْتَفْضَلَ أَقِطًا وَسَمنًا، فَأَتَى بِهِ أَهْلَ مَنْزِلِهِ، فَمَكَثْنَا يَسِيرًا، أَوْ: مَا شَاءَ الله، فَجَاءَ
стр. 3072
وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبي ﷺ : "مَهْيَم؟ " قَالَ: يَا رَسُولَ الله! تَزَوَّجْتُ امرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ. قَالَ: "مَا سُقْتَ إِلَيها؟ " قَالَ: نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهبٍ. قَالَ: "أَوْلم وَلَوْ بِشَاةٍ".
الحديث الثالث:
(استفضل)؛ أي: رَبحَ.
(وَضَر) بفتح الواو، والمعجَمة، ثم راء: لَطْخٌ من خَلُوقٍ، أو طِيْبٌ له لونٌ، وقال (ش): هو أثَرٌ من غير الطِّيْب.
(مَهْيَم) بفتح الميم والياء، وبينهما هاءٌ ساكنة: كلمةٌ يُستَفهم بها، أي: ما شَأنُك؟، وقيل: إنها يمانِيَةٌ، وهي مبنية على السُّكون.
(نواة) وفي بعضها: (وَزْنَ نَواةٍ) والأحسَن نصبه؛ لأنَّ السُّؤال جملةٌ فعليةٌ، فيكون الجواب كذلك للتَّشاكُل، ويجوز الرفْع لتُشاكِل (ما)؛ فإنها مبتدأٌ.
* * *
٢٠٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمرٍو، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كانَتْ عُكَاظٌ وَمَجَنَّةُ وَذُو الْمَجَازِ أَسْوَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا كَانَ الإسْلَامُ، فَكَأنَّهمْ تأثَّمُوا فِيهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فِي مَوَاسِم الْحَجِّ، قَرَأهَا ابن عَبَّاسٍ.
стр. 3073
الرابع:
(عُكَاظ) بضمِّ المهمَلة، وخِفَّة الكاف، وبمعجمةٍ.
(ومَجَنَّة) بفتح الميم، والجيم، وتشديد النُّون، قال (ش): وتكسر الميم أيضًا: هو سُوقُ هجَر.
قال البَكْرِيُّ: على أميالٍ يسيرةٍ من مكَّة بناحية مَرِّ الظَّهْران، وكان سُوقه عشرةَ أيامٍ آخِرَ ذي القَعدة، والعِشرون منه قبْلَها سُوق عُكَاظٍ.
(وذو المجاز) سوقٌ يقُوم بعدَه هلالُ ذي الحِجَّة.
(كان الإسلام)؛ (كان) تامةٌ.
(تأثموا)؛ أي: اجتَنبُوا.
(مواسم) جمْع مَوْسِم؛ لأنَّه مَعلَمٌ يجتمع الناس إليه، وزيادة (هذه) قراءةٌ شاذَّةٌ لابن عبَّاس.
* * *
٢ - بابٌ الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وبَيْنَهُمَا مُشَبَّهاتٌ
٢٠٥١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بن الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابن أَبي عَدِيٍّ، عَنِ ابن عَوْنٍ، عَنِ الشَّعْبيِّ، سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بن بَشِيرٍ ﵁، سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ .
стр. 3074
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن عَبْدِ الله، حَدَّثَنَا ابن عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبي فَرْوَةَ، عَنِ الشَّعْبيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعمَانَ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ .
حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابن عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبي فَرْوَةَ، سَمِعْتُ الشَّعبي، سَمِعتُ النُّعمَانَ بن بَشِيرٍ ﵄، عَنِ النَّبيِّ ﷺ .
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن كَثِيرٍ، أَخْبَرَناَ سُفْيَانُ، عَنْ أَبي فَرْوَةَ، عن الشَّعبيِّ، عنِ النُّعمانِ بن بَشِيرٍ ﵁، قال: قال النبيُّ الله ﷺ : "الحَلالُ بيِّنٌ، والحَرَامُ بيِّنٌ، وَبَيْنَهُما أُمُورٌ مُشْتَبهةٌ، فَمَنْ تَرَكَ ما شُبهَ عَلَيْهِ مِنَ الإثْم، كَانَ لِمَا اسْتبَانَ أترَكَ، وَمَنِ اجْتَرَأَ عَلَى مَا يَشُكُّ فِيهِ مِنَ الإثْم، أَوْشَكَ أَنْ يُوَاقِعَ مَا اسْتبَانَ، وَالْمَعَاصِي حِمَى الله، مَنْ يَرْتَعْ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكْ أَنْ يُوَاقِعَهُ".
(بابٌ: الحَلالُ بيِّنٌ)
فائدةُ التَّحوُّلات في هذا الإسناد التَّقْويةُ والتأكيدُ، لا سيَّما مع لفْظ: (سمعتُ)؛ فإنَّ ابن مَعِيْن حكَى عن أهل المدينة أنَّ النُّعمان لم يَصِحَّ له سماعٌ من النبيِّ ﷺ .
قال القَابسِي: عدَّد الطُّرُقَ ردًّا على مَن زعَم ذلك.
(مشبهة)؛ أي: على بعض النَّاس لا أنَّها في نفْسها مشبَّهة؛ لأن الله تعالى بعَث رسولَه مُبيِّنًا للأُمة جميع ما يحتاجونه في دينهم.
فالأشياءُ ثلاثةٌ: حلالٌ واضحٌ كأكْل الخُبْز، وحرامٌ واضحٌ
стр. 3075
كالسَّرِقة، وما ليس بواضحٍ فيه أحدُهما، ولا يعرفُه إلا العُلماء، وسبق شرح الحديث في (الإيمان)، في (باب: مَن استَبْرأَ).
قال (خ): كلُّ شيءٍ يُشبه الحلال من وَجْهٍ والحرامَ من وجْهٍ، فهو شُبهة، فالحلال البيِّن ما عُلم ملكه يَقِيْنًا، والحَرام البيِّن ما عُلِم ملكه لغَيره، والشُّبهة ما لا يَدري أَهو له أو لغَيره؟، فالورَع اجتِنابه، وهذا الورَع واجبٌ، والورعَ المنْدوب اجتِناب مُعاملة مَنْ أكثَرُ ماله حرامٌ، والمكروه كترك رُخَصِ الله تعالى، والهدايا، وكخُراسانيٍّ دخَل بغداد فيَجتنبُ التَّزويج بها مع حاجةٍ؛ لأنَّ أباه كان بها، فرُبَّما وُلِدَ بها بنتٌ، فتكون أُخته.
(استبان)؛ أي: ظهر حُرمته.
(يشك)؛ أي: يُشتَبَهُ فيه.
(أوشك)؛ أي: قَرُبَ مِن كثرة تعاطي الشُّبُهات، يصادف الحرام، وإنْ لم يتعمَّده، أو يعتاد التَّساهُل، ويتمرَّن عليه، حتى يقَع في الحرام عمدًا.
(الحِمى) بكسر المُهمَلة، وخِفَّة الميم، مقصورٌ: موضعٌ للإمام يمنَع الغيرَ منه، فشَبَّه المعاصي بالحِمَى؛ لوُجوب الامتِناع منها.
وهذا الحديث أجمَعوا على عِظَم مَوقعهِ، وأنَّه مما يَدُور عليه الإسلامُ.
стр. 3076
٣ - بابُ تَفْسِير الْمُشَبهاتِ
وَقَالَ حَسَّانُ بن أَبي سِنَانٍ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَهْوَنَ مِنَ الْوَرعَ، دع مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ.
(باب تَفسير المُشبَّهات)
(دع ما يريبك) قال بعضهم: الورَعِ كلُّه في هذا، ويَرِيْبُ -بفتح أوَّله-: مِن الرَّيْب، وهو الشَّكُّ، وقد يُضمَّ، لكنَّ الفتح أفصح.
* * *
٢٠٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن كَثِيرٍ، أَخْبَرَناَ سُفْيَانُ، أَخْبَرَناَ عَبْدُ الله ابن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن أَبي حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن أَبي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبة بن الْحَارِثِ ﵁: أَنَّ امرَأَةً سَوْداءَ جَاءَتْ، فَزَعَمَتْ أنَّها أَرْضَعَتْهُمَا، فَذَكَرَ لِلنَّبيِّ ﷺ ، فَأعْرَضَ عَنْهُ، وَتَبَسَّمَ النَّبيُّ ﷺ ، قَالَ: "كيْفَ وَقد قِيلَ؟! " وَقَد كَانَتْ تَحتَهُ ابنةُ أَبي إِهابٍ التمِيمِيِّ.
الحديث الأول:
(أرضعتهما)؛ أي: عُقْبَة وامرأَته، وإنْ لم يَسبق لها ذكْرٌ، لكنْ يُفهم بالقَرينة، وقد فُسِّرت آخرَ الحديث بأنَّها بنت أَبي إهاب، بكسر الهمزة، واسمها: عُتْبة، واسم أَبي إِهاب: عَزِيْز، بفتح المهملة، وكسر الزاي الأُولى.
ووجه دلالته على التَّرجمة: أنَّ قوله: (كيف وقد قيل) يُشعِر
стр. 3077
بإشارته عليه بتركها تَورُّعًا، ولهذا فارقَها.
* * *
٢٠٥٣ - حَدَّثَنَا يَحيَى بن قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا مَالكٌ، عَنِ ابن شِهابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بن الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ عُتْبةُ بن أَبي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بن أَبي وَقَّاصٍ: أَنَّ ابن وَليدَةِ زَمْعَةَ مِنِّي، فَاقْبضْهُ. قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ عَامَ الْفَتْح أَخَذَهُ سَعْدُ بن أَبي وَقَّاصٍ، وَقَالَ: ابن أَخِي، قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ. فَقَامَ عَبْدُ بن زمعَةَ، فَقَالَ: أَخِي، وَابن وليدَةِ أَبي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ. فتسَاوَقَا إِلَى النَّبيِّ ﷺ . فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ الله! ابن أَخِي، كَانَ قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ. فَقَالَ عَبْدُ بن زَمْعَةَ: أَخِي، وَابن وَليدَةِ أَبي، وُلدَ عَلَى فِرَاشِهِ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بن زَمعَةَ". ثُمَّ قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَللْعَاهِرِ الْحَجَرُ". ثُمَّ قَالَ لِسَوْدَةَ بنتِ زَمْعَةَ زَوْجِ النَّبي ﷺ : "احتَجبي مِنْهُ"؛ لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبةَ، فَمَا رآها حَتَّى لَقِيَ الله.
الحديث الثاني:
(عتبة) هو الذي شَجَّ رسولَ الله ﷺ يومَ أُحُدٍ وكسَر رَباعيتَه، والجمهور [على] أنه مات كافِرًا.
(عَهِدَ)؛ أي: أَوْصَى.
(وليدة)؛ أي: جارية.
стр. 3078
(زَمَعَة) -بزايٍ، وميمٍ، ومهملةٍ، مفتوحاتٍ كما صوَّبه الوَقْشِي، وقيل: بسُكون الميم- ابن قَيْس العامِري.
(ابن أخي) بالرفع، أي: هو ابن أخي.
(فتساوقا)؛ أي: تتَابَعًا.
(هو لك)؛ أي: أَخوكَ.
(يا عبد بن زمعة) هو الصَّواب في الرِّواية، وفي "النَّسائي" بلا حرْفِ نداءٍ، وحرَّفَه بعضُهم فنَوَّن: (عبد)، إما على النِّداء، فـ (ابن) نصبٌ فقط، ويجوز فتح (عبد) وضمُّه، كما يجري ذلك في: يا زيد ابن عَمرو.
(للفراش)؛ أي: للزَّوج، أو للسَّيِّد، أو تَبَعٌ لفِراشها، وقيل: على حذف مضافٍ، أي: لصاحب الفِرَاش.
(وللعاهر)؛ أي: الزَّاني.
(الحَجَرُ) قيل: على ظاهره، أي: الرَّجْم بالحِجارة، وضُعِّف بأنه ليس كل زانٍ يُرجَم، بل المُحصَن، وأيضًا فلا يَلزم من رجمه نفي الولَد عنه، والحديث إنما هو في نفيه عنه، بل المراد كما قال أبو عُبَيد: أن له الخَيْبة، ولا حقَّ له في الولَد، فالعرَب تقول في حِرْمان الشَّخص: له الحَجَر، وله التُّراب.
(احتجبي منه)؛ أي: من ابن زَمعَة المُتَنازَع فيه، وهذا أمرٌ بالتورُّع والاحتياط، وإلا فهو في ظاهر الشَّرع أخوها.
стр. 3079
قال (ن): الزَّوجة فِراشٌ بمجرَّد العقْد، وشَرط لَحَاق الولَد فيه إمكانُ الوطء بعد ثُبوت الفِراش، والأَمة لا تفسير فراشًا إلا بالوطء، وحديث عبْد ثبَت فيه الفِراش، إما ببيِّنةٍ على إقراره في حياته، وإما بعِلْم النبيِّ ﷺ ذلك.
وفي الحديث جَواز استِلْحاق الوارِث نسَبًا للمُورِّث، وأنَّ الشَبَهَ وحُكم القَافَة إنما يُعتمَد إذا لم يكُن هناك أَقوى منه كالفِراش، فلذلك لم يُعتبر الشَّبَه الواضح.
قال (ع): كانت عادةُ الجاهلية إلحاقَ النَّسَب بالزِّنا، فتُستأْجَر الأَمة للزِّنا مع أنَّ السيِّد لا يجتنبُها، فمَن اعترفت الأُم بأن الولَد منه ألْحَقُوه به، فأبطَل الإسلام ذلك، فلمَّا قام سَعْدٌ بما كان في الجاهليَّة بعَهْد أخيه، ولم يَعلَم بُطلانَه في الإسلام، ولم يكُن حصل إلحاقُه في الجاهلية؛ لعدَم الدَّعوى، أو لعدَم اعتراف الأُمِّ، وأما عبْدٌ فاستَنَد للفِراش كما هو في الشَّرع = [فـ]ـحكَم له به النبيُّ ﷺ .
* * *
٢٠٥٤ - حَدَّثَنَا أبو الْوَليدِ، حَدَّثَنَا شُعبةُ، قَالَ: أَخْبَرَني عَبْدُ الله ابن أَبي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبيِّ، عَنْ عَدِيِّ بن حَاتِم ﵁، قَالَ: سَألْتُ النَّبيَّ ﷺ عَنِ الْمِعْرَاضِ فَقَالَ: "إِذَا أصابَ بِحَدِّهِ فَكُلْ، وَإِذَا أصابَ بِعَرْضهِ فَلَا تأكُلْ؛ فَإنَّهُ وِقيذٌ" قُلْتُ: يا رَسُولَ الله! أُرسِلُ كَلْبي وأُسَمِّي، فَأَجِدُ مَعَهُ عَلى الصَّيْدِ كلْبًا آخَرَ لَم أُسَمِّ عَلَيْهِ، ولا أدْرِي
стр. 3080
أيُّهُمَا أَخَذَ. قَالَ: "لَا تأكلْ، إِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبكَ، وَلم تُسَمِّ عَلَى الآخَرِ".
الحديث الثالث:
سبق في (باب: الماء الذي يُغسَل به) في (كتاب الوضوء).
(المِعرَاض) بكسر الميم، وسكون العين المهملَة، وإعجام الضَّاد: سَهْمٌ لا ريشَ عليه، وقيل: عَصًا رأْسُها مُحَدَّدٌ، وقيل: خشَبة ثَقيلةٌ، وقيل: عُودٌ دقيْقُ الطَّرَفَين، غَليظُ الوسَط إذا رُمي به ذهب مُستويا.
(وقيذ) بمعنى: مَوْقُوذ، وهو المقتُول بغير مُحدَّدٍ من عصًا أو حجَر أو غيرهما، وذالُه معجمةٌ.
* * *
٤ - بابُ مَا يُتَنَزَّهُ مِنَ الشُّبُهاتِ
٢٠٥٥ - حَدَّثَنَا قَبيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ: مرَّ النَّبي ﷺ بِتَمرَةٍ مَسْقُوطَةٍ فَقَالَ: "لَوْلَا أَنْ تَكُونَ صدَقَةً لأكَلْتُها".
وَقَالَ همَّامٌ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "أَجِدُ تَمرَةً سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي".
стр. 3081
(باب ما يتنزَّهُ من الشُّبُهات)
(مسقوطة) بمعنى: ساقِطةٌ، فقد يجيء مَفْعولٌ بمعنى: فاعِل، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم: ٦١]، قاله (خ)، ويُروى: (مُسقَطة).
قال (ك): القِياس وإنْ كان ساقِطة، ولكنْ قد يُجعل اللازِمُ كالمتعدِّي بتأويل قراءة: ﴿عَمُوا وَصَمُّوا﴾ [المائدة: ٧١] بالبناء للمفعول.
قال التَّيْمِي: ويجوز أنْ يكون مِن مجيء (سَقَطَ) متعدِّيًا نحو: ﴿ولَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٤٩].
وفيه أنَّ التمرة وما نحوها مما يُلقَط ليس فيه تعريفٌ حَوْلًا، بل يجوز لواجِدها أنْ يأكُلها، وأنه لا يجب على واجِدِها أن يتصدَّق بها؛ إذ لو كان كذلك لمَا قال: (لأكَلتُها).
(وقال همام) وصلَه البخاري في (اللُّقَطة).
(أجد) ذكَره بلفظ المضارع استِحضارًا للصُّورة الماضية.
ووجه تعلُّق هذا الحديث بالباب: أنه ﷺ لمَّا ارتابَ في التَّمْرة أن تكون من الصَّدَقة التي تحرُم عليه، أو مِن مالِهِ = ترَكَ أكلَها تنزُّهًا عن الشُّبهة.
стр. 3082
٥ - بابُ مَنْ لَم يَرَ الْوَسَاوِسَ وَنَحوَها مِنَ المُشَبَّهاتِ
٢٠٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نعيمٍ، حَدَّثَنَا ابن عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبَّادِ بن تَمِيم، عَنْ عَمِّهِ قَالَ: شُكِيَ إِلَى النَّبيِّ ﷺ الرَّجُلُ يَجدُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا، أَيَقْطَعُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: "لَا، حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجدَ رِيحًا".
وَقَالَ ابن أَبي حَفْصَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: لَا وُضُوءَ إِلَّا فِيمَا وَجَدتَ الرِّيحَ، أَوْ سَمِعْتَ الصَّوْتَ.
(باب مَنْ لَم يَرَ الوَساوِسَ ونحوَها مِن الشُّبُهات)
الحديث الأول:
(شيئًا)؛ أي: وَسْوسةً في بُطلان الوضوء، ففيه أنَّ اليقين لا يَزول بالشَّكِّ.
(وقال ابن أبي حَفْصة)؛ أي: محمَّد بن أبي حَفْصة، لا أخو سالم وعُمارة ابنا أبي حَفْصة، ووصلَ حديثَه السَّرَّاج في "مسنده".
* * *
٢٠٥٧ - حَدَّثَنِي أحمَدُ بن الْمِقْدَامِ الْعِجْلِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطُّفَاوِيُّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بن عُرْوَةَ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ
стр. 3083
رَضيَ الله عَنْها: أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: يَا رَسُولَ الله! إِنَّ قَوْمًا يَأتُوننا بِاللَّحْم لَا نَدرِي: أَذَكَرُوا اسْمَ الله عَلَيْهِ أم لا؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "سَمُّوا الله عَلَيْهِ وَكُلُوه".
الثاني:
(سموا)؛ أي: اذكُروا الله عليه.
فيه أنَّ التسمية عند الذَّبْح لا تجب، أو هذه التَّسمية هي المأمور بها عند الأكل والشرب.
* * *
٦ - بابُ قَوْلِ الله تعالى: ﴿وإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾
٢٠٥٨ - حَدَّثَنَا طَلْقُ بن غَنَّامٍ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ سَالِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَابرٌ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا نَحنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبي ﷺ إِذْ أَقْبَلَتْ مِنَ الشَّأمِ عِيرٌ، تَحْمِلُ طَعَامًا، فَالْتَفتوا إِلَيْها، حَتَّى مَا بقِيَ مَعَ النَّبيِّ ﷺ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فَنَزَلَتْ: ﴿وإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾.
(باب قَول الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً﴾ [الجمعة: ١١])
стр. 3084
(يصلي)؛ أي: صلاةَ الجمُعة، نعَم، المُفارَقة كانت في الخُطبة لكن المُنتظِر للصلاة كالمُصلِّي.
(عِير) بكسر العين: هي الإبل التي تحمل المِيْرة.
(إلا اثني عشرَ) في بعضها: (اثنا عشَر) على أنَّ الاستثناء من ضمير نفْيِ عائدٌ إلى المصلِّي المُستَفاد مِن: (يُصلِّي)، أي: ما بقِيَ يُصلِّي إلا اثنا عشَر، فإنه يجوز حينئذٍ الرفْع والنَّصب، أو المُستثنى محذوفٌ، أي: ما بقِيَ أحدٌ إلا طائفة، أعني: اثنا عشَرًا، وأعطَى اثنا عشَرًا لبقيَّة إخوانه من التركيب، ولهذا أطلَق في "المفصَّل" العدَد المُنيف على العشَرة أنَّ الأصْل فيه أن يُعطَف عليه، لكنْ مزج الاسمان، ولم يَستثْن منه اثني عشَر، وقد سبق في (باب: إذا نفَر الناس) في (كتاب الجمُعة).
(انفضوا)؛ أي: تفرَّقوا.
قال الزَّمَخْشَري: رُوي أنَّ أهل المدينة أصابهم جُوعٌ وغلاءٌ شديدٌ، فقَدِمَ دِحْيَة بن خَليفة بتجارةٍ من زيت الشَّام، والنبيُّ ﷺ يخطُب يوم الجمعة، فقاموا إليه خشْيةَ أن يُسْبَقُوا إليه، فما بقِيَ معه إلا يَسيرٌ، ثم أجاب عن قوله: إليها، ولم يقل: إليهما، بأنَّه حذَف من أحدهما: انفضُّوا إليه؛ لدلالة المذكور عليه.