(باب ما يتنزَّهُ من الشُّبُهات)
(مسقوطة) بمعنى: ساقِطةٌ، فقد يجيء مَفْعولٌ بمعنى: فاعِل، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم: ٦١]، قاله (خ)، ويُروى: (مُسقَطة).
قال (ك): القِياس وإنْ كان ساقِطة، ولكنْ قد يُجعل اللازِمُ كالمتعدِّي بتأويل قراءة: ﴿عَمُوا وَصَمُّوا﴾ [المائدة: ٧١] بالبناء للمفعول.
قال التَّيْمِي: ويجوز أنْ يكون مِن مجيء (سَقَطَ) متعدِّيًا نحو: ﴿ولَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٤٩].
وفيه أنَّ التمرة وما نحوها مما يُلقَط ليس فيه تعريفٌ حَوْلًا، بل يجوز لواجِدها أنْ يأكُلها، وأنه لا يجب على واجِدِها أن يتصدَّق بها؛ إذ لو كان كذلك لمَا قال: (لأكَلتُها).
(وقال همام) وصلَه البخاري في (اللُّقَطة).
(أجد) ذكَره بلفظ المضارع استِحضارًا للصُّورة الماضية.
ووجه تعلُّق هذا الحديث بالباب: أنه ﷺ لمَّا ارتابَ في التَّمْرة أن تكون من الصَّدَقة التي تحرُم عليه، أو مِن مالِهِ = ترَكَ أكلَها تنزُّهًا عن الشُّبهة.
стр. 3082
٥ - بابُ مَنْ لَم يَرَ الْوَسَاوِسَ وَنَحوَها مِنَ المُشَبَّهاتِ
٢٠٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نعيمٍ، حَدَّثَنَا ابن عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبَّادِ بن تَمِيم، عَنْ عَمِّهِ قَالَ: شُكِيَ إِلَى النَّبيِّ ﷺ الرَّجُلُ يَجدُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا، أَيَقْطَعُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: "لَا، حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجدَ رِيحًا".
وَقَالَ ابن أَبي حَفْصَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: لَا وُضُوءَ إِلَّا فِيمَا وَجَدتَ الرِّيحَ، أَوْ سَمِعْتَ الصَّوْتَ.
(باب مَنْ لَم يَرَ الوَساوِسَ ونحوَها مِن الشُّبُهات)
الحديث الأول:
(شيئًا)؛ أي: وَسْوسةً في بُطلان الوضوء، ففيه أنَّ اليقين لا يَزول بالشَّكِّ.
(وقال ابن أبي حَفْصة)؛ أي: محمَّد بن أبي حَفْصة، لا أخو سالم وعُمارة ابنا أبي حَفْصة، ووصلَ حديثَه السَّرَّاج في "مسنده".
* * *
٢٠٥٧ - حَدَّثَنِي أحمَدُ بن الْمِقْدَامِ الْعِجْلِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطُّفَاوِيُّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بن عُرْوَةَ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ
стр. 3083
رَضيَ الله عَنْها: أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: يَا رَسُولَ الله! إِنَّ قَوْمًا يَأتُوننا بِاللَّحْم لَا نَدرِي: أَذَكَرُوا اسْمَ الله عَلَيْهِ أم لا؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "سَمُّوا الله عَلَيْهِ وَكُلُوه".
الثاني:
(سموا)؛ أي: اذكُروا الله عليه.
فيه أنَّ التسمية عند الذَّبْح لا تجب، أو هذه التَّسمية هي المأمور بها عند الأكل والشرب.
* * *
٦ - بابُ قَوْلِ الله تعالى: ﴿وإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾
٢٠٥٨ - حَدَّثَنَا طَلْقُ بن غَنَّامٍ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ سَالِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَابرٌ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا نَحنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبي ﷺ إِذْ أَقْبَلَتْ مِنَ الشَّأمِ عِيرٌ، تَحْمِلُ طَعَامًا، فَالْتَفتوا إِلَيْها، حَتَّى مَا بقِيَ مَعَ النَّبيِّ ﷺ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فَنَزَلَتْ: ﴿وإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾.
(باب قَول الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً﴾ [الجمعة: ١١])
стр. 3084
(يصلي)؛ أي: صلاةَ الجمُعة، نعَم، المُفارَقة كانت في الخُطبة لكن المُنتظِر للصلاة كالمُصلِّي.
(عِير) بكسر العين: هي الإبل التي تحمل المِيْرة.
(إلا اثني عشرَ) في بعضها: (اثنا عشَر) على أنَّ الاستثناء من ضمير نفْيِ عائدٌ إلى المصلِّي المُستَفاد مِن: (يُصلِّي)، أي: ما بقِيَ يُصلِّي إلا اثنا عشَر، فإنه يجوز حينئذٍ الرفْع والنَّصب، أو المُستثنى محذوفٌ، أي: ما بقِيَ أحدٌ إلا طائفة، أعني: اثنا عشَرًا، وأعطَى اثنا عشَرًا لبقيَّة إخوانه من التركيب، ولهذا أطلَق في "المفصَّل" العدَد المُنيف على العشَرة أنَّ الأصْل فيه أن يُعطَف عليه، لكنْ مزج الاسمان، ولم يَستثْن منه اثني عشَر، وقد سبق في (باب: إذا نفَر الناس) في (كتاب الجمُعة).
(انفضوا)؛ أي: تفرَّقوا.
قال الزَّمَخْشَري: رُوي أنَّ أهل المدينة أصابهم جُوعٌ وغلاءٌ شديدٌ، فقَدِمَ دِحْيَة بن خَليفة بتجارةٍ من زيت الشَّام، والنبيُّ ﷺ يخطُب يوم الجمعة، فقاموا إليه خشْيةَ أن يُسْبَقُوا إليه، فما بقِيَ معه إلا يَسيرٌ، ثم أجاب عن قوله: إليها، ولم يقل: إليهما، بأنَّه حذَف من أحدهما: انفضُّوا إليه؛ لدلالة المذكور عليه.
ابن دِينَارٍ، عَنْ أَبي الْمِنهالِ قَالَ: كُنْتُ أتَّجِرُ فِي الصَّرْفِ، فَسَأَلْتُ زيدَ ابن أَرْقَمَ ﵁، فَقَالَ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ .
٢٠٦١ - وَحَدَّثَنِي الْفَضْلُ بن يَعقُوبَ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بن مُحَمَّدٍ، قَالَ ابن جُرَيْجٍ: أَخْبَرَني عَمرُو بن دِينَارٍ، وَعَامِرُ بن مُصْعَب: أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا الْمِنْهالِ يَقُولُ: سَاَلْتُ الْبَرَاءَ بن عَازِب وَزَيْدَ بن أَرْقَمَ عَنِ الصَّرْفِ، فَقَالَا: كُنَّا تَاجِرَيْنِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَسَألْنَا رَسُولَ الله ﷺ عَنِ الصَّرْفِ، فَقَالَ: "إِنْ كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَلَا بَأس، وَإِنْ كَانَ نَسَاءً فَلا يَصلُحُ".
(باب التِّجارة في البَزِّ (١) وغيرِه)
هو بفتح الموحَّدة، وتشديد الزاي، أي: أمتعَة البزاز، وعند بعضهم: (البر) بالراء، وهو تصحيفٌ، قال (ك): في بعضها: (في البَرِّ) بفتح الباء، وبالراء، وهو المناسب لمَا يأْتي بعده: (باب: التِّجارة في البحر)، قال: وفي بعضها بعده: (وغيره)؛ أي: غير البَرِّ، وهو البحر.
(نابهم)؛ أي: عرَضَ لهم.
(ولا بيع) عطفه على (تجارة) مع كونها أَعمَّ؛ لأنَّ البَيع كما أشار
стр. 3087
إليه في "الكشاف" في الإلْهاءِ أَدخَل؛ لأنَّ التاجِر إذا اتجهت له بيعةٌ رابحةٌ، فهي طِلْبتُهُ بخِلاف الشَّراء، فإنَّه يتوقَّع فيه ربح في المُستقبل، فهذا مظنونٌ، وذاك يقينٌ، ويحتمل أن المُراد بالتجارة الشِّراء من إطلاق اسم الجنس على النَّوع، وقيل: التِّجارة لأهْل الجَلَبِ.
(يدًا بيد)؛ أي: متقابضَين في المَجلِس.
* * *
٩ - بابُ الْخُرُوجِ فِي التِّجَارَةِ
وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾.
٢٠٦٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن سَلَامٍ، أَخْبَرَناَ مَخْلَدُ بن يَزِيدَ، أَخْبَرَناَ ابن جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرني عَطَاءٌ، عَنْ عُبَيْدِ الله بن عُمَيْرٍ: أَنَّ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِيَّ اسْتَأذَنَ عَلَى عُمَرَ بن الْخَطَّابِ ﵁، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَكَأنَّهُ كَانَ مَشْغُولًا، فَرَجَعَ أبو مُوسَى، فَفَرَغَ عُمَرُ، فَقَالَ: ألم أَسْمَع صَوْتَ عَبْدِ الله ابن قَيْسٍ؟ ائْذَنُوا لَهُ. قِيلَ: قَدْ رَجَعَ. فَدَعَاهُ، فَقَالَ: كنَّا نُؤْمَرُ بِذَلِكَ. فَقَالَ: تأتيني علي عَلَى ذَلِكَ بِالْبيِّنَةِ. فَانْطَلَقَ إِلَى مَجْلِسِ الأَنْصَارِ، فَسَألهُمْ. فَقَالُوا: لَا يَشْهدُ لَكَ عَلَى هذَا إِلَّا أَصغَرُناَ أبُو سَعِيدٍ الْخُدرِيُّ. فَذَهبَ بِأبي سَعِيدٍ الْخُدرِيِّ. فَقَالَ عُمَرُ: أَخَفِي عَلَيَّ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ الله ﷺ ؟! ألهانِي الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ. يَعنِي: الْخُرُوجَ إِلَى تِجَارَةٍ.
стр. 3088
(باب الخُروج في التِّجارة)
(صوت عبد الله) هو اسم أبي مُوسَى الأَشْعري.
(بذلك)؛ أي: بالرُّجوع حيث لم يُؤذَن للمُستأذِن.
(على ذلك)؛ أي: على ما قُلتَ من الأمر بالرُّجوع.
وليس في قَول عمر ذلك أن خبَر الواحِد لا يُقبل، بل فيه دليلٌ أنه حُجَّةٌ؛ لأن انضمام خبر أبي سَعيد إليه لم يُخرجه عن الآحاد إلى التَّواتُر.
(إلا أصغرنا)؛ أي: أن هذا أمرٌ مشهورٌ، حتى إنَّ أصغَرنا يحفظُه عن النبيّ ﷺ .
قال (ن): وليس فيه رَدٌّ لخبَر الواحد، بل خَشِيَ عُمر مُسارعةَ الناس إلى القَول عن النبي ﷺ ، وأنَّ كلَّ مَن وقَعت له قصَّةٌ وضَع فيها، فأراد سَدَّ الباب خَوفًا من غير أبي مُوسَى لا شكًّا في روايته، وإنْ كان ما رواه لأمرٍ يتعلَّق به، فهو عند عُمر أجلُّ من أن يُتَّهم، ولكنْ مَن دُونَ أبي موسى إذا بلغَتْه القَضيَّة يَخاف، فيتحرَّزُ في روايته.
(ألهاني)؛ أي: شغَلَني.
стр. 3089
١٠ - بابُ التِّجَارة فِي الْبَحْرِ
وَقَالَ مَطَرٌ: لَا بَأسَ بِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ الله فِي الْقرْآنِ إلَّا بِحَقٍّ، ثُمَّ تَلَا: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾.
وَالْفُلْكُ: السُّفُنُ، الْوَاحِدُ وَالْجَمعُ سَوَاءٌ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: تَمْخَرُ السُّفُنُ الرِّيحَ، وَلَا تَمخَرُ الرِّيحَ مِنَ السُّفُنِ إِلَّا الْفُلْكُ الْعِظَامُ.
٢٠٦٣ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بن رَبيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابن هُرْمُزَ، عَنْ أَبي هُريرة ﵁، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ : أنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بني إِسْرائِيلَ، خَرَجَ فِي الْبَحرِ، فَقَضَى حَاجَتَهُ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ.
(باب التِّجارة في البَحر)
(مطر) الظَّاهر أنه ابن أبي الفَضْل المَروَزِي شيخ البخاري.
(به)؛ أي: بالبحر لأجْل التجارة.
(إلا بحق)؛ أي: وهو ابتغاءُ الفَضْل الشامل للتجارة وغيرها، ومقصودُه: أنَّ الرُّكوب في البَحر لم يُذكَر في القرآن مَذْمومًا.
﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر: ١٢] هذه آيةُ سورة فاطِر، أما آية النَّحل ففيها تأخير (فيه) عن (مواخِر)، وزيادة الواو في: ﴿وَلِتَبْتَغُوا﴾ [النحل: ١٤].
стр. 3090
(الواحد والجمع سواء) يحتمل أنَّ الفُلْك يكون جمْعًا كأُسْد، ومُفرَد كقُفْل، وأن الفُلْك يُطلَق على الواحد وأكثَر، وهو في الآية جمعٌ على كلِّ حالٍ بدليل: (مَواخِر)، بالجمع.
(مخر) قال الجَوْهرِي: مَخَرَتِ السَفينةُ: إذا جرَتْ مع صوتٍ، ومنه الآية، وقال الزمَخْشَري: مَواخِر، أي: شَوَاقَّ للماءِ بجَريها.
(الريح) قال (ع): كذا لهم بالنَّصب، وضم الرِّيح على أنه الفاعل، وصوَّبَه بعضهم، لكنْ عند الأَصِيْلِي بالعكس، وهو الصَّواب، دليله قوله تعالى: ﴿مَوَاخِر﴾ فجعَل التصرُّف لها.
قال الخَلِيْل: مَخَرَت السَّفينة الرِّيح: استقْبلَتْه، وقال أبو عُبَيْد وغيره: أي: يشُقُّها الماء، ولهذا قال: (ولا يمخر من السفن)؛ أي: شيءٌ من السُّفُن، فالجارُّ والمجرور صفةٌ، (إلا الفلك العظام) بالرفع بدلًا من المُستثنى منه؛ لأنه منْفيٌّ، ويجوز فيه النَّصب، أي: لمُقاومتها الرِّيح، أو لأن مخرها الماء أعظَم، وإلا فكلُّ سفينةٍ تشُقُّ الماء.
قال (ك): ولبعضهم: (تمخُر السُّفُن من الرِّيح)، فهو نحو: قد كان من مطرٍ، أو مِن: للتبعيض.
(وقال الليث) وصلَه البخاري هنا على رواية المُستَملِي حيث قال: (حدثني عبد الله بن صالح حدثني الليث بهذا)؛ أي: بحديث أبي هريرة، ووصلَه أيضًا الإِسْماعِيْلي.
قلتُ: في بعض النُّسَخ تقديم ذلك على: (وقال اللَيْث)، ويُعزَى
стр. 3091
ذلك لرِواية الحَمُّوِي، ولكن الصَّواب أن تكون مؤخَّرةً عنه، حتى [يكون] وصلًا لمَا ذكَره شاهدًا، فإنَّ البخاري لم يخرج عن عبد الله بن صالح كاتِبِ اللَّيث في "الجامع" مُسنَدًا ولا حرفًا واحدًا، بل ولا مُسلِمٌ، إلا أنَّ البخاري استَشهد به في موضعٍ، وهذا معنى قول أبي ذَرٍّ: إنَّ كلَّ ما قالهُ البخاري: عن اللَّيث، فإنما سمعه من عبد الله بن صالح كاتِب اللَّيث، أي: في الاستشهاد، نعَمْ، سيأتي حديث اللَّيث بطُوله في (باب الكَفالة).
١١ - بابٌ ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾، وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ .
وَقَالَ قتادَةُ: كَانَ الْقَوْمُ يَتَّجِرُونَ، وَلَكِنَّهم كَانُوا إِذَا ناَبَهُم حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الله لَم تُلْهِهم تِجَارةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ الله، حَتَّى يُؤَدُّوهُ إِلَى الله.
٢٠٦٤ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بن فُضَيْلٍ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ سَالِم بن أَبي الْجَعْدِ، عَنْ جَابرٍ ﵁ قَالَ: أَقْبَلَتْ عِيرٌ، وَنحنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبي ﷺ الْجُمُعَةَ، فَانْفَضَّ النَّاسُ إِلَّا اثْنَي عَشَرَ رَجُلًا، فَنَزَلَتْ هذهِ الآيَةُ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾.
стр. 3092
(باب: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا﴾ [الجمعة: ١١])
قد سبقت هذه الترجمة بعينها قبْلُ بأبوابٍ إلا أنَّ البخاري زاد هنا: (وقوله : ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ﴾ [النور: ٣٧]) إلى آخره، وسبَق في (باب: التِّجارة في البَزِّ) بيانُ عطْف: (ولا بَيْع) على: (تِجارة)، وذكَر البخاري هنا الحديثَ، لكن مع تخالف لبعض السَّنَد والمتن.
стр. 3093
اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح
تأليف
الإمام شمس الدين البرماوي أبي عبد الله محمد بن موسى النعيمي العسقلاني المصري الشافعي
(المولود في مصر سنة ٧٦٣ هـ والمتوفى في القدس سنة ٨٣٧ هـ) رحمه الله تعالى
تحقيق ودراسة
لجنة مختصة من المحققين
بإشراف
نور الدين طالب
[المجلد السابع]
(كان) رُوي: (وكان)، فتكون الواو زائدةً.
(شيئًا) منصوبٌ بفعلٍ مقدَّرٍ، أي: من غير أن ينقص الزوج من أجر المرأة، والخازِن شيئًا، ورواية مسلم: (مِنْ غَير أَنْ يَنقُصَ مِن أُجُورِهم شَيئًا)، أي: بأنْ يُنفق في وجهٍ لا يَحِلُّ، والمراد الطَّعام للزَّوج، وكانتْ عادتهم يأْمرون أزواجَهم بالإنفاق من طعام البَيت، وإلا فلو كان طَعامَها لم يكُن للزَّوج دخْلٌ فيه.
* * *
٢٠٦٦ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بن جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، قَالَ: سَمِعتُ أَبَا هُرَيْرَة ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَنْفَقَتِ الْمرْأة مِنْ كسْبِ زَوْجِها عَنْ غَيْرِ أَمرِهِ، فَلَهُ نِصفُ أَجْرِهِ".
الثاني:
(من غير أمره) قد يُستَشكَل أنْ يكُون لها أجْرٌ، وهو بغير أَمْره، بل تكُون مأزورةً لا مأجورةً، فيُجاب: بأنه قد يكُون بإذنه لا بأمره.
(نصف أجره)؛ أي: جُزْء لا حقيقة النِّصف؛ إذ المُراد المُشاركة وإنْ كان أحدُهما أكثَر، وقيل: بل النِّصف حقيقةً، وذلك فضل الله يُؤتيه من يَشاء، وقيل: إنما هذا كنايةٌ عن بَقاء ذِكْره الطَّيِّب، وثَنائه الجَميل، وقد سبَق أنه لا يَنقُص بعضهم أجرَ بعضٍ، فطريق الجمع أنَّ ذاك فيما كان بأمره، وأجرها هو نصف الأجْر، ولا ينقص عما هو
стр. 3099
أجره الذي هو النِّصف.
* * *
١٣ - بابُ مَنْ أَحَبَّ الْبَسْطَ فِي الرَزْقِ
٢٠٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن أَبي يَعْقُوبَ الْكِرْمَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ، حَدَّثَنَا يُونس، حَدَّثَنَا مُحَمَّد، عَنْ أَنس بن مَالِكٍ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ رِزْقُهُ، أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ".
(باب مَن أَحبَّ البَسْطَ في الرِّزْق)
(الكرماني) قال (ن): بفتح الكاف، قال (ك): نحن أعلَمُ ببلَدنا، وأهلُها متفقون على الكسر.
قال (ش) عن السَّمْعاني: إنه بكسر الكاف، وقيل بفتحها.
(ينسأ) من الإنساء وهو التأْخير، ومنه النَّسيء.
(في أثَره) بفتح الهمزة، والثاء، أي: باقي عمُره.
(فليصل)؛ أي: يُحسِن بالمال، والخِدمة، والزِّيارة، ونحو ذلك.
(رحمه) قيل: ذي رَحِمٍ مَحْرَم، وقيل: وارِث، وقيل: القَريب مُطلقًا.
* * *
стр. 3100
١٤ - بابُ شِراءِ النَّبيِّ ﷺ بِالنَّسِيئَةِ
٢٠٦٨ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بن أسَدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنا الأعمَشُ، قال: ذَكَرناَ عِنْدَ إبْراهِيمَ الرَّهْنَ في السَّلَمَ، فَقَالَ: حَدَّثَني الأَسْوَدُ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أنَّ النَّبيَّ ﷺ اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ، وَرَهنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ.
(باب شِراء النبيِّ ﷺ بالنَّسيئَة)
الحديث الأول:
(من يهودي) هو أبو الشَّحْم، وهو من بني ظفر، رواه البَيْهقي.
(طعامًا) سيأْتي في روايةٍ للبخاري أنَّه ثَلاثُون صاعًا، وفي رواية: (عِشْرون)، وكأنه بينهما، فأُلقي زائد العِشْرين تارةً، وجُبر إلى الثَّلاثين تارةً.
قال (ك): وهذا عكْس السَّلَم؛ لأنه عَقْدٌ على موصوفٍ في الذِّمَّة، وهنا الثَّمَن في الذِّمَّة، ثم قال: السَّلَم: السَّلَف، وهو أعمُّ من ذلك.
* * *
٢٠٦٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قتادَةُ، عَنْ أَنسٍ (ح) حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بن عَبْدِ الله بن حَوْشَب، حَدَّثَنَا أَسْبَاط أبو الْيَسَعِ الْبَصْرِيُّ، حَدَّثنا هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيّ، عَنْ قتادةٌ، عَنْ أنس ﵁: أنَّهُ مَشَى إِلَى النَّبي ﷺ -
стр. 3101
بِخُبْزِ شَعِيرٍ، وإهالَةٍ سَنِخَةٍ، وَلَقَدْ رَهنَ النَّبيُّ ﷺ دِرْعًا لَهُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ يَهُودِي، وَأَخَذَ مِنْهُ شَعِيرًا لأَهْلِهِ، وَلَقَد سَمِعتُهُ يَقُولُ: "مَا أَمسَى عِنْدَ آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ صَاعُ بُرٍّ، وَلَا صَاعُ حبٍّ"، وإنَّ عِنْدَهُ لَتِسْعَ نِسْوَةٍ.
الحديث الثاني:
(إهالة) بكسر الهمزة: ما يُؤْتَدَمُ به من الأَدْهان؛ قاله أبو زيد، وقال الخَلِيل: الأليَة تُقطع ثم تُذاب.
(السَّنِخة) بفتح المهملَة، وكسر النُّون، وبالمعجَمة: المتغيِّرة الرَّائحة من طُول الزَّمان.
وفيه جواز الرَّهن في الحضَر وإنْ كان في التَّنزيل مقيَّدًا بالسفَر، ومعاملة مَن يُظَنُّ أن أكثر ماله حرامٌ ما لم يُتيقَّن أن المَأْخوذ بعَيْنه حرامٌ، وبَيان ما كان عليه ﷺ من التقلُّل من الدُّنيا، ورَهْنُ آلة الحَزب عند الذِّمِّي ومعاملتُه، فبيَّن بفِعْله أنَّ ذلك جائزٌ، أو لأنه لم يكُن عند غيره طعامٌ فاضلٌ عن حاجته، أو لأَنَّ الصَّحابة لا يأْخُذون رهنَه ولا ثمنَه، فلم يُرِد التَّضييقَ عليهم، أو لغير ذلك.
(ولقد سمعته) هو من كلام قَتادة، وفاعل يقول: أنَس.
(آل محمد) لفْظ (آل) مُقحَمةٌ.
(حب) ذكْر عامٍّ بعد خاصٍّ، وأما ما رُوي أنه كان يَدَّخِر لنفَقات أزْواجه كفايةَ سنةٍ، فالمراد به من غير الحَبِّ.
* * *
стр. 3102
١٥ - بابُ كَسْبِ الرَّجُلِ وَعَمَلِهِ بِيَدِهِ
٢٠٧٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بن عَبْدِ الله، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابن شِهابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بن الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا اسْتُخْلِفَ أبو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، قَالَ: لَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أَنَّ حرفَتي لَم تَكُنْ تَعْجِزُ عَنْ مَؤُنَةِ أَهْلِي، وَشُغِلْتُ بِأمرِ الْمُسْلِمِينَ، فَسَيأَكلُ آلُ أَبي بَكْرٍ مِنْ هذَا الْمَالِ، وَيَحْتَرِفُ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ.
(باب كسْب الرَّجُل وعمَله بيَده)
الحديث الأول:
(حرفتي)؛ أي: الاحتراف، وهو الكسب، وقيل: التصرُّف في المَعاش والمتجر.
(وشغلت) بضمِّ الشين.
قال (ح): فيه أنَّ للعامل أن يأْخُذ من المال الذي يعمَل فيه قدر عَمالته إذا لم يكن فوقه إمام عَمالته يقطع له أجرةً معلومةً منه.
(ويحترف للمسلمين)؛ أي: يَكسَب لهم ما ينفعُهم حتى يَعود عليهم من رِبْحه بقَدر ما أخَذ، وبهذا تطوُّع منه، فإنَّه لا يجب على الإمام الاتّجار في مال المُسلمين بقَدْر مُرتَّبه؛ لأنها فرْضٌ في بيت
стр. 3103
المال، أو يكون المعنى: يُجازيهم، يقال: احترف الرَّجل: إذا جازَى على خَيْرٍ أو شَرٍّ.
* * *
٢٠٧١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّد، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يَزِيدَ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبو الأَسْوَدِ، عَنْ عُروَةَ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كَانَ أَصحَابُ رَسُولِ الله ﷺ عُمَّالَ أَنْفُسِهم، وَكَانَ يَكُونُ لَهُم أروَاحٌ، فَقِيلَ لَهم: لَوِ اغْتَسَلْتُم. رَوَاهُ همَّامٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ.
الثاني:
(محمد) قال الغَسَّاني: لعلَّه ابن يَحيَى الذُّهْلي.
(فكان يكون) في (كان) ضمير الشَّأن، وأتى بعده بالمُضارع استِحضارًا للماضي، أو إرادةً للاستِمرار.
(الأرواح) جمع: رِيْح، وأراح اللَّحمُ، أي: أنتُنَ، وهو أكثر من أرياح خِلاف ما يقتَضيه كلامُ الجَوْهري.
(لو اغتسلتم) جوابه محذوفٌ، أو هو للتَّمنِّي.
(رواه همام) أخرجه أبو نُعَيْم في "المُستَخرَج".
стр. 3104
٢٠٧٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بن مُوسَى، أَخْبَرَناَ عِيسَى، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ خَالِدِ بن مَعدَانَ، عَنِ الْمِقْدَامِ ﵁، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: "مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأكلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نبَيَّ الله داوُدَ ﵇ كَانَ يَأكلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ".
٢٠٧٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بن مُوسَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ، أَخْبَرَناَ مَعْمَرٌ، عَنْ همَّامِ بن مُنَبهِ، حَدَّثَنَا أبُو هُرَيرَةَ، عنْ رَسُولِ الله ﷺ : "أَنَّ داوُدَ ﵇ كَانَ لَا يَأكلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يده".
الثالث:
(خيرًا)؛ أي: لمَا فيه من إيصال النَّفْع إلى الكاسب وإلى غيره، وللسَّلامة عن البَطالة المؤدِّية إلى الفُضول، ولكسر النَّفْس به، وللتعفّف عن ذُلّ السّؤال.
(من عمل يده)؛ أي: كان يعمَل السَّرد، ويَبيعه لقُوته.
* * *
٢٠٧٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بن بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابن شِهاب، عَنْ أَبي عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ: أَنَّهُ سَمعَ أَبَا هُرَيرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدكم حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا، فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمنَعَهُ".
стр. 3105
الرابع:
(حزمة) بضم المهملَة، وسكون الزَّاي، وحَزمتُ الشَّيء، أي: شددته.
(خير) لمَا في ذلك السُّؤال من الذِّلَّة، وإنْ مُنع فمعَ ذلك ألَم الحِزمان.
* * *
٢٠٧٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بن مُوسَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بن عُروَةَ، عَنْ أَبيهِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بن الْعَوَّامِ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "لأَنْ يَأخُذَ أَحَدكم أَحْبُلَهُ".
الخامس:
(أحْبُلَهُ) جمع: حَبْل، كفَلْسٍ وأفْلُس، أي: أخْذُ الحَبْل للاحتطاب خيرٌ من السُّؤال، وتمام الحديث: (خيرٌ مِنْ أَنْ يَسأَلَ النَّاسَ)، كما سبَق في (كتاب الزكاة).
* * *
١٦ - بابُ السُّهُولَةِ وَالسَّمَاحَةِ فِي الشِّرَاء وَالْبيع، وَمَنْ طَلَبَ حَقًّا فَلْيَطْلُبْهُ فِي عَفَافٍ
(باب السُّهولة والسَّماحَة)
(في عفاف) هو الكَفُّ عمَّا لا يَحِلُّ.
стр. 3106
٢٠٧٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا أبو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بن مُطَرِّفٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بن الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابرِ بن عَبْدِ الله ﵄: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "رَحِمَ الله رَجُلًا سَمْحًا إِذَا باعَ، وإذا اشْتَرَى، وإذا اقْتَضَى".
(رحم الله) ظاهره أنَّه إخبارٌ عن حال رجلٍ كان سَمحًا، لكن قَرينة الاستقبال المستفادة من (إذا) تجعلُه دُعاءً، وتقديره: رجلًا يكون سمحًا، وقد يُستفاد العُموم من تقْييده بالشَّرط.
(سمحًا) بسكون الميم، أي: جَوادًا مُسَاهِلًا مُوافِقًا على ما يُطلَب منه.
(اقتضى)؛ أي: طلَب قَضاءَ حقِّه.
* * *
١٧ - بابُ مَنْ أَنْظَرَ مُوسِرًا
(باب مَنْ أَنظَرَ مُوسِرًا)
٢٠٧٧ - حَدَّثَنَا أَحمَدُ بن يُونس، حَدَّثَنَا زُهيْرٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ: أَنَّ رِبْعِيَّ بن حِرَاشٍ حَدَّثَهُ: أَنَّ حُذَيْفَةَ ﵁ حَدَّثَهُ قَالَ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "تَلَقَّتِ الْمَلَائِكَةُ رُوحَ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُم، قَالُوا: أَعَمِلْتَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا؟ قَالَ: كُنْتُ آمُرُ فِتْيَانِي أَنْ يُنْظِرُوا وَيتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُوسِرِ؟ " قَالَ:
стр. 3107
"قَالَ: فتجَاوَزُوا عَنْه".
وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ: "كُنْتُ أُيَسِّرُ عَلَى الْمُوسِرِ وَأُنْظِرُ الْمُعسِرَ".
وَتَابَعَهُ شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ رِبْعيٍّ.
وَقَالَ أَبُو عَوَانةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ رِبْعيٍّ: "أُنْظِرُ الْمُوسِرَ، وَأتجَاوَزُ عَنِ الْمُعْسِر".
وَقَالَ نُعَيْمُ بن أَبي هِنْدٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ: "فَأَقْبَلُ مِنَ الْمُوسِرِ، وَأتجَاوَزُ عَنِ الْمُعسِرِ".
(تلقت)؛ أي: استَقبلَتْ.
(أعملت) في بعضها بلا همزٍ، فتكون مقدَّرةً.
(فتياني)؛ أي: غِلْماني الذين يقُومون بأمري.
(أن ينظروا)؛ أي: يُمهِلوا المُعسِر.
(ويتجاوزوا)؛ أي: تتسامَحوا في الاستيفاء.
(عن الموسر) متعلِّقٌ بـ (يتجَاوَزوا)، لكنْ هذا يُخالف الترجمة بمن أنظَر مُوسِرًا، فيقتضي أنَّ (عن الموسِر) يتعلَّق بـ (يُنظِروا) أيضًا، ولا يخفى ما فيه.
(فتجاوزا) بلفظ الأمر، وهو مِن قول الله تعالى.
(وقال أبو مالك) رواه ابن أبي عُمر في "مسنده".
стр. 3108
(وتابعه شعبة) وصلَه البخاري في (الاستِقراض).
(وقال أبو عوانة) وصلَه في (ذكْر بني إسرائيل).
(وقال نعيم) وصلَه مسلم.
* * *
١٨ - بابُ مَنْ أَنظَرَ مُعْسِرًا
(باب مَن أنظَر مُعسِرًا)
٢٠٧٨ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بن عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحيَى بن حَمزَةَ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبيدِ الله بن عَبْدِ الله: أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَة ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "كاَنَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا رَأَى مُعسِرًا قالَ لِفِتْيَانِهِ: تَجَاوَزُوا عَنْهُ، لَعَلَّ الله أَنْ يتجَاوَزَ عَنَّا، فتجَاوَزَ الله عَنْهُ".
سبق شرحه في الباب قبلَه.
واعلم أنَّ اليسار أمرٌ اعتباريٌّ يختلف باختلاف الأَحوال، وقيل: مالكُ نصاب الزكاة، وقيل: مَن لا تحلُّ له الزكاة، وقيل: مَن يجد فاضلًا عن ثَوبه، ومَسْكنه، وخادِمه، ودينه، وقُوت من (١) يَمُونه، والعُسر مقابلُه في الكُلِّ، وقيل المراد: العُرف.
стр. 3109
قلتُ: هو قَريبٌ من القَول الأول.
* * *
١٩ - بابٌ إِذا بَيَّنَ الْبَيِّعَانِ، وَلَم يكتُمَا، وَنَصَحَا
وَيُذْكَرُ عَنِ الْعَدَّاءَ بن خَالِدٍ، قَالَ: كتَبَ لِيَ النَّبيُّ ﷺ : "هذَا مَا اشْتَرَى مُحَمَّد رَسُولُ الله ﷺ مِنَ الْعَدَّاءَ بن خَالِدٍ، بَيْعَ الْمُسْلِم الْمُسْلِمَ، لَا داءَ، وَلَا خِبْثَةَ، وَلَا عائِلَةَ". وَقَالَ قتادةُ: الْغَائِلَةُ الزِّناَ وَالسَّرِقَةُ وَالإبَاقُ. وَقِيلَ لإبْراهِيمَ: إِنَّ بَعضَ النَّخَّاسِينَ يُسَمِّي آرِيَّ خُرَاسَانَ وَسِجسْتَانَ، فَيقُولُ: جَاءَ أَمسِ مِنْ خُرَاسَانَ، جَاءَ الْيَوْمَ مِنْ سِجسْتَانَ. فَكَرِههُ كَرَاهِيةً شَدِيدَةً. وَقَالَ عُقْبة بن عَامِرٍ: لَا يَحِلُّ لاِمرِئٍ يَبيعُ سلْعَةً، يَعْلَمُ أَنَّ بِها داءً، إِلَّا أَخْبَرَهُ.
٢٠٧٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بن حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعبةُ، عَنْ قتادَةَ، عَنْ صَالح أَبي الْخَلِيلِ، عَنْ عَبْدِ الله بن الْحَارِثِ، رَفَعَهُ إِلَى حَكِيم بن حِزَامٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الْبيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَم يتفَرَّقَا -أَوْ قَالَ: حَتَّى يتَفَرَّقَا- فإنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا".
(باب: إذا بيَّن البَيِّعان)
أي: أظْهر ما في المَبيع من العَيْب، و (البَيِّعان) بتشديد الياء،
стр. 3110
وأطلق على المشتري تَغليبًا، أو هو مِن إطلاق المُشترك وإرادةِ معنيَيه؛ لأن البيع جاءَ بالمعنيين.
(ويُذكر عن العَدَّاء) سيأْتي بيانُ وصله، وهو بفتح العين المهملَة، العامِري، أسلَم بعد الفتح، وكان يسكُن البادية، وقال (ك): من بني رَبيعة من أَعراب البَصْرة.
قال المُطَرِّزي: فرَس عَدَّاء، بوَزْن فَعَّال، وبه سُمي العَدَّاء الذي كتَب له رسول الله ﷺ الكتابَ المَشهور.
قال: وهو المشتري، والنبي ﷺ هو البائِع، كذا في "الفائِق"، و"مُشكِل الآثار"، و"معجَم الطَّبَراني"، و"الصَّحابة" لابن مَنْدَه والدغولي، و"الفِردوس" بطُرُقٍ كثيرةٍ.
قال (ش): وكذا التِّرمذي، وقال: حسَنٌ.
قلتُ: وكذا النَّسائي، وابن ماجه، وكذا قال (ع): أنَّ ما في البخاري مَقلُوبٌ، وصوابه: هذا ما اشترى العَدَّاءُ من محمَّد ﷺ ، قال: ولا يَبعُد أن يكون ما في البخاري أيضًا صوابٌ، ولا يُنافي ما في باقي الرِّوايات؛ لأن (اشتَرى) يكون بمعنى (باعَ).
(بيع المسلم المسلم) نُصب الثاني بالمَصْدر، وهو بيع، وليس المراد به أنَّه إذا بايَعَ ذِمِّيًّا يغشُّه، بل هذا مبايعة المُسلمين مُطلقًا لا يغشُّ مُسلِمًا ولا غيره.
قال التَّيْمي: و (بيع) نصبٌ على المصدر، لكن بغير فِعْله؛ لأنَّ البَيع والشِّراء مُتقارِبان، ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوفٍ.
стр. 3111
(لا داء) قال المُطرِّزي: هي كلُّ عيْبٍ باطنٍ ظهر منه شيء، أو لا كوَجَع الكَبد والسُّعال.
(ولا خِبْثة) بكسر المعجَمة، وإسكان الموحَّدة، ثم مثلَّثة، قال (ك): بوزْن النَّوع من المصدر.
قال (ش): فسَّره المُطَرِّزي بأن يكون مَسْبيًّا من قومٍ لهم عَهْدٌ، وفسَّرها غيره بالحرام، كما عبَّر عن الحَلال بالطَّيِّب، وقيل: الأخلاق الخَبيثة كالإِبَاق، وقال صاحب "العَين": هي الرِّيْبة.
(ولا غائلة) هو الإباق، والفُجور، وأصله من الغَول، أي: الهلاك.
قال (ك): فإنْ قلتَ: العادة أن البائع يكتُب مثل هذه الحُجَّة.
قلتُ: قد يكتب المُشتري أيضًا، وكلاهما عادةٌ، وأما إذا كان الثَّمَن في الذِّمَّة فالبائع هو الكاتِب ألبتَّة، فجَرى على ظاهر رواية البخاري، وإنْ وردَتْ رواية: (هذا ما اشتَرى العَدَّاء) لكن رواية البخاري هي المشهورة.
(النَخَّاسِين) جمع: نَخَّاس، بفتح النون، وشدَّة المعجَمة، وكسر المهملَة، أي: الدَّلَّالين.
(يُسمي أرى خُرَاسَان) (قال (ك): أُرَى بضمِّ الهمزة، أي: أَظُنُّ، وخُراسان الإقليم المعروف، موطِن الكثير من علماء المسلمين.
(وسِجسْتَان) بكسر المهملة الأُولى، والجيم، وسُكون الثَّانية،
стр. 3112
وبالفوقانية: اسمٌ للدِّيار التي قصَدها زَرَنْج، بفتح الزاي، والراء، وإسكان النُّون، وبالجيم، وهذه المَملكة خَلْف كِرْمان بمسيرة مائة فَرسخ، وهي إلى ناحية الهند، ويُقال لها: سِجْز بكسر المُهملة، وسُكون الجيم، وبالزاي.
قال: وفي بعض النُّسخ: (آري) بوزن: فاعُول، فقُلبت الواو ياءً، وأُدغم، وهو مَحبَس الدَّابَّة، وقد يُسمى الحبل الذي تُشدُّ به الدابة في مَحبَسها.
وقال التَّيمي: الآري: المَعلَف، وأصله: من قولهم: تأَرَّيتُ في المكان: إذا احتَبستُ. قال: وهذه الكراهة من باب كراهية تزيين السِّلْعة.
قال (ش): إنَّ آري بالمدِّ، وكسر الراء، وتشديد الياء، هو الصّواب كما قاله (ع) وغيره.
ووقع عند المَرْوَزي: بفتْح الهمزة، والراء، مثل: دعا، وليس بشيءٍ، وهو مَربط الدابَّة، وقال الخَليل: مَعلفها، وقال الأصمعي: حَبْلٌ يُدفَن في الأرض، ويُبرز طرَفه تُشَدُّ به الدابَّة، أصله من الحَبْس والإقامة، من قولهم: تَمَارَى الرَّجل بالمكان إذا أقامَ به.
وبالجملة فالمعنى: أن النخَّاسين كانوا يُسمُّون مَرابط دوابهم بهذه الأسماء تدليسًا على المشتري أنه جاء الآن من خُرَاسَان، وسِجِسْتَان، يَعنُون مَربطها، فيحرص عليها المُشتري، ويظنُّها طريَّة الجَلَب.
стр. 3113
قال (ع): وأرى أنه نقَصَ من الأصل بعد آري: دوابهم.
قال (ش): وقد رواه ابن أبي شَيبة في "مصنفه": حدَّثنا هشام، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال: قيل له: إنَّ ناسًا من النَّخَّاسين وأصحاب الدَّواب يُسمِّي أحدُهم إسْطَبْلَ دوابه خُراسان وسِجِسْتان، ثم يأْتي بدابَّته إلى السُّوق، فيقول: جاءتْ من خُراسان وسِجِسْتان، قال: إنِّي أَكرة هذا.
(بالخيار)؛ أي: خيار المَجلِس.
(ينصرفا)؛ أي: عن المَجلِس.
(صدَقَا)؛ أي: في بيان العَيْب.
(بورك)؛ أي: يَكثُر لهما نفع كل من العِوَضَين، فأُطلق على كلٍّ منهما بيع بمعنى: مَبيع.
* * *
٢٠ - بابُ بَيع الْخِلْطِ مِنَ التَّمرِ
٢٠٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نعيْم، حَذَثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبي سَلَمَةَ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُرْزَقُ تمرَ الْجَمعِ، وَهْوَ الْخِلْطُ مِنَ التَّمرِ، وَكُنَّا نبَيعُ صَاعَينِ بِصَاعٍ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "لَا صَاعَيْنِ بِصَاعٍ، وَلَا درهمَيْنِ بِدرْهَمٍ".
стр. 3114
(باب بَيع الخِلْط)
بكسر المعجمة، هو الدَّقَل من التَّمر، كأنه خُلِطَ من أنواع متفرِّقةٍ، وإنما خُلِطَ لرَداءته، وهو معنى: الجَمع بفتح الجيم، وقيل: كلُّ لَون من النخيل لا يُعرف اسمه فهو جَمْعٌ.
* * *
٢١ - بابٌ مَا قِيلَ فِي اللَّحَّامِ وَالْجَزَّارِ
(باب ما قِيْل في اللَّحَّام)
أي: بَيَّاع اللَّحم.
(والجَزَّار) أي: الذي يَجزر، أي: يَنحَر الإبل.
٢٢ - بابُ ما يمحقُ الْكَذِبُ وَالكِتمَانُ فِي الْبيع
٢٠٨٢ - حَدَّثَنَا بَدَلُ بن الْمُحَبَّرِ، حَدَّثَنَا شُعبةُ، عَنْ قتادَةَ، قَالَ: سَمِعتُ أَبَا الْخَلِيلِ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الله بن الْحَارِثِ، عَنْ حَكِيم بن حِزَامٍ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "الْبيَّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَم يتفَرَّقَا -أَوْ قَالَ: حَتَّى يتفَرَّقَا- فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وإنْ كتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا".
فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾.
٢٠٨٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن بَشَارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: لَمَّا نزَلَتْ آخِرُ الْبقَرَةِ قَرأهُن النَّبيّ ﷺ عَلَيْهِم فِي الْمَسْجدِ، ثُمَّ حَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الْخَمرِ.
٢٠٨٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بن حَازِمٍ، حَدَّثَنَا أبو رَجَاءٍ، عَنْ سَمُرَةَ بن جُنْدُبٍ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبي ﷺ : "رَأَيتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أتيَانِي، فَأَخْرَجَانِي إِلَى أَرْضٍ مُقَدَّسَةٍ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أتيْنَا عَلَى نهرٍ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ، وَعَلَى وَسَطِ النَّهْرِ رَجُل بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارةٌ، فَأقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهرِ، فَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَخْرُجَ، رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ، فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ، رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ، فَيَرجِعُ كَمَا كَانَ، فَقُلْتُ: مَا هذَا؟ فَقَالَ: الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهرِ آكِلُ الرِّبَا".
(باب آكِل الرِّبا وكاتِبه وشاهِده)
الحديث الأول:
ليس فيهما ولا فيما بعدهما ذكْر كاتبٍ ولا شاهدٍ، بل في آكل الربا فقط، إلا أنهما لمَّا كانا مُعَاوِنان لآكله نُزِّلا منزلةَ الآكل، فترجَم البخاري بالثلاثة، أو أنهما رضِيا به، والرِّضا بالشيء كفاعله، أو أنهما بفِعلهما كأنهما قائلان: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وهو العلَّة في قيامهم
стр. 3117
مُتخبطين، أو عقَد الترجمة لهما ولكنْ لم يجِد فيهما حديثًا على شرطه. (مقدسة) يحتمل الإطلاق، ويحتمل إرادة المسجد، ولكنه نُكِّر للتعظيم، كما قاله الزَّمَخْشَري في تنكير: ﴿كتابٍ مُّبِينٍ﴾ [النمل: ٧٥] في النَّمل.
(على وسط) متعلِّقٌ بقوله: (قائم)، وفي بعضها: (وعلى) بالواو، أي: وهو على وسط، فحذف المبتدأ، والجملة حاليةٌ، ولا يجوز أن يكون خبَرًا مقدَّمًا على المبتدأ بعدَه، وهو رجلٌ؛ لمخالفة سائر الرِّوايات: أنَّ الرجل الذي بين يدَيه الحِجَارة على شَطِّ النَّهر، كما سبَق في آخر (كتاب الجنائز)، لا في وسطه، وفي بعضها: (ورجلٌ)، ولا يُفصل بين المبتدأ والخبر، فإنْ قيل: فما ربْطُ (رجل) بما قبلَه؛ قيل: هو مبتدأ، والخبر محذوفٌ، أي: هناك على الشَّطِّ، أو نحو ذلك، والجملة حاليةٌ، سواءٌ كانت بالواو أو بدونها.
(رمى)؛ أي: الرجلُ الذي في شَطِّ النَّهر في فَمِ الذي في وسط النَّهر بحَجَرٍ من الحِجارة التي بين يدَيه، فردَّه إلى حيث كان، ولا يُخَلِّيه حتى يخرُج منه.
* * *
٢٥ - بابُ مُوكِلِ الرِّبَا
لِقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ
стр. 3118
كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.
قَالَ ابن عَبَّاسٍ: هذه آخِرُ آيَةٍ نزَلَتْ عَلَى النَّبيِّ ﷺ .
(باب مُوْكِل الرِّبا)
(قال ابن عباس) وصلَه البخاري في (التفسير).
٢٠٨٦ - حَدَّثَنَا أبو الْوَليدِ، حَدَّثَنَا شُعبةُ، عَنْ عَوْنِ بن أَبي جُحَيْفَةَ، قَالَ: رَأَيْتُ أَبي اشْتَرى عَبْدًا حَجَّامًا، فَسَألتُهُ، فَقَالَ: نهى النَّبيُّ ﷺ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَثَمَنِ الدَّمِ، وَنهى عَنِ الْوَاشمَةِ وَالْمَوْشُومَةِ، وَآكلِ الرِّبَا، وَمُوكلِهِ، وَلَعَنَ الْمُصَوِّرَ.
(ثمن الدم)؛ أي: أُجْرة الحَجَّام، فسمَّاه ثمَنًا مجازًا، وعلى هذا فإنما اشترى الحَجَّام؛ ليمنَعه من الحِجَامة، وفي بعضها: (فأمَرَ بمَحاجِمهِ فكُسِرَتْ).
(فسألته)؛ أي: عن الكَسْر.
(الواشمة) من الوَشْم، وهو أن يَغرِز بإبْرةٍ، ثم يذرُّ عليه النيلج،
стр. 3119
وهو دُخان الشَّحم يُعالج به الوَشْم حتى يخضَرَّ، فإذا بَرِيء بقِيَ الأثَر.
(الآكل)؛ أي: فاعلُه، فهو على حذف مضافٍ؛ لأن النَّهي لا يكون عن ذات الآكِل والمُوكِل.
(والموكل)؛ أي: المُطعِم، أي: يُعطيه لمن يأْكلُه.
وخَصَّ الأكل من بين سائر الانتِفاعات؛ لأنه أَعظَم المقاصِد، وقال (خ): نهيُه عن ثمَن الكلْب يُوجِب فَساد البَيع؛ لأنَّ أحَد طرَفيه الثَّمَن، والآخَر المثمَّن، وإذا بطَل أحدُهما بطَلَ الآخَر، والنَّهي للفَساد ما لم يقُم دليلٌ على خِلافه، وأما ثَمَن الدَّم، أي: أُجرة الحَجَّام؛ فللتَّنزيه، وإلا فهو ﷺ أعطَى الحَجَّام أجْرَه.
وأما الوَشْم فتغيير الخِلْقة.
وأما الرِّبا فقد أغلَظَ الله الوَعيدَ فيه، وشرَّك فيه الآكِل والمُوكِل؛ لاشتراكهما في التَّعاون.
وأما لَعْن المُصوِّر، أي: تَصوير الحيَوان لا الشَّجَر، فإنَّ الفِتْنة فيه أعظم، قال (ك): أو لأنَّ الأصنامَ التي عُبدت كانت على صُوَر الحيوانات.
وجوَّز أبو حنيفة بيع الكِلاب، وأكْل ثمنها، وأنها تُضمَن بالقِيْمة عند الإتلاف، وعن مالك رواياتٌ.
* * *
стр. 3120
٢٦ - بابٌ ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾
(باب: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٦])
٢٠٨٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بن بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابن شِهابٍ، قَالَ ابن الْمُسَيَّبِ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: سَمعتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "الْحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مُمحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ".
(منفقة للسعلة)؛ أي: المَتاع.
(ممحقة) من المَحق، وهو الإذهاب، وكلاهما بلفظ المكان، ونفَق البَيع، أي: راجَ، ومُحِق، أي: مُحِيَ، وفي بعضها بلفظ اسم الفاعل فيهما، أي: بضمِّ الميم، وفتح ما بعدها، وكسر الثالث، والمراد هنا اليَمين الفاجِرة كما صرح به في رواية أحمد: "اليَمين الكاذِبة"، ودلَّ عليه السِّياق أيضًا.
ووجه مُطابقته للتَّرجمة: أنَّ طلَب المال بالمعصية مُذهِبٌ للبركة مالًا، وإنْ كان محصِّلًا له حالًا، أو قصَد بيانَ أنَّ المراد من مَحق الرَّبا محق البركة، أو أنَّ هذا كالتَّفسير للآية؛ إذ يُقال: كيف يجتَمع المُحاق والزيادة، فبيَّن بالحديث أنَّ اليمينَ تَزيد في الثَّمَن وتَمحق البركة منه، والبركة زائدةٌ على العدد.
* * *