(ثمود) قَبيلة من العرَب الأُوَل، وهم قوم صالحٍ، يُصرَف ولا يُصرف، وأرضُهم قَريبةٌ من تَبُوك.
ووجه مناسبة الحديث للتَّرجمة: أنَّ للمُتبايعَين التصرُّف على حسَب إرادتهما قبْل التَّفرُّق إجازةً وفسخًا.
* * *
٤٨ - بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الْخِدَاعِ في الْبَيع
(باب ما يُكرَهُ مِن الخِداع في البَيْع)
٢١١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الله بن دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ ﵁: أَنَّ رَجُلًا ذَكَرَ لِلنَّبيِّ ﷺ أنَّهُ يُخْدَعُ فِي البُيُوعِ، فَقَالَ: "إذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ".
(أن رجلًا) هو: حَبَّان، بمهملةٍ مفتوحةٍ، وتشديد الموحَّدة، ابن مُنْقِذٍ، بضمِّ الميم: من الإنْقاذ، صحابُّي ابن صحابيٍّ أنصاريٌّ مازنيٌّ، شَهِدَ أُحُدًا وما بعدَها، مات في زمَن عُثمان، قيل: بلَغ مئةً وثلاثين سنةً، وقد شُجَّ في بعض مَغازيه مع النبيِّ ﷺ ببعض الحُصون بحجَرٍ فأصابَه في رأْسه مَأْمُومةً فتغيَّر بها لِسانُه وعقْلُه، لكنْ لم يخرُج عن التَّمْييز.
(لا خِلابة)؛ أي: لا خِدَاعَ، وفي بعض الرِّوايات: (لا خِيَابَةَ)
стр. 3152
بالياء، وكأنها لُثْغةٌ من الرَّاوي أَبدلَ اللامَ ياءً، وفي بعضها: (خِيَانةَ) بالنون، وفي بعضها: (خِذَايَةَ) بإعْجام الذَّال، وكان الرجل ألثَغ يقُولها بهذه العِبَارة.
قال (خ): جعل ﷺ هذا القَول من حَبَّان بمنزلة شَرْط الخِيَار؛ ليكون له الرَّدُّ إذا تبيَّن أنه قد خُدِعَ، وقد قيل: إنَّه جاء فيه خاصَّةً، وقيل: عامٌّ في كُلِّ أحَدٍ، وحُكي عن أحمد: أنَّه إذا قال: لا خِلابَةَ، فله الرَّدُّ، وقال بعض الفُقهاء: إنما يكون هذا فيما يُتغابن به لكثرته، وأما اليَسير فلا يُرَدُّ منه.
* * *
٤٩ - بابُ مَا ذُكِرَ في الأَسْوَاقِ
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ: لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ قُلْتُ: هَلْ مِنْ سُوقٍ فِيهِ تِجَارَةٌ؟ قَالَ: سُوقُ قَيْنُقَاعَ. وَقَالَ أَنَسٌ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ. وَقَالَ عُمَرُ: أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ.
(باب ما ذُكِر في الأَسْواق)
(قَيْنُقَاع) بتثليث النُّون، سبَق.
٢١١٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بن زَكَرِيَّاءَ، عَنْ مُحَمَّدِ بن سُوقَةَ، عَنْ ناَفِعِ بن جُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي
стр. 3153
عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ، فَإِذَا كَانُوا ببَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ". قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ؟! قَالَ: "يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، ثمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ".
الحديث الأول:
(يغزو)؛ أي: يَقصِد تخريب الكَعْبة.
(ببيداء) هي المَفازَة التي لا شيءَ فيها، والمراد هنا: موضعٌ مخصوصٌ بين مكَّة والمدينة.
(أسواقهم)؛ أي: أهل أسواقهم، أو رَعاياهم، وربَّما تصحَّفت بـ (أشرافهم) بالمعجمة والفاء، وفَهِم البخاري منه أن أَسواق جمعُ: سُوق، ونبَّه به على أنه ليس مِن شرطه حديث: "أَبْغَضُ البلادِ إلى الله أَسْواقُها"، وقد رواه مسلم في (الصلاة).
ويحتمل أنَّ الأسواق هنا الرَّعايا، قال صاحب "النِّهاية": السُّوقَة من النَّاس: الرَّعيَّة ومَن دُون المَلِك، قال: وكثيرٌ من الناس يظنُّون أن السُّوقة أهل الأسواق، انتهى.
لكنْ هذا يتوقَّف على أنَّ سُوقة يُجمع على أسواق، وذكَر صاحب "الجامع": أنها تُجمَع على سُوَق كقُثَم.
(ومن ليس منهم)؛ أي: من ليس ممن يَقصِدُ التَّخريب، بل هم الضُّعفاء والأُسارى.
стр. 3154
(بأولهم وآخرهم) لم يَذكُر الوسَط؛ لأنه أمرٌ نِسْبيٌّ، فهو داخلٌ إما في الأوَّل، أو الآخِر، ويَشهَد لذلك العُرف.
(على نياتهم)؛ أي: يُخسَف بالكُلِّ لشُؤْم الأشرار، ثم إنَّه تعالى يُجازيهم في الآخِرة على حسَب قُصودهم من خيرٍ وشَرٍّ.
* * *
٢١١٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبي صَالِحٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "صَلَاةُ أَحَدِكُمْ في جَمَاعَةٍ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ في سُوقِهِ وَبَيْتِهِ بِضْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، وَذَلِكَ بِأَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ، لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ، لَا يَنْهَزُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رُفِعَ بِهَا دَرَجَةً، أَوْ حُطَّتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، وَالْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ في مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ؛ اللهمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللهمَّ ارْحَمْهُ، مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ، مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ". وَقَالَ: (أَحَدُكُمْ في صَلَاةٍ مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ تَحْبسُهُ".
الحديث الثاني:
(لا ينهزه) بالنُّون، والزَّاي: لا يُزعِجُه، ويُحرِّكه، وهذه الجُملة كالبيان للجُملة السابقة.
(اللهم صل عليه) هو بيانٌ لقَوله: (تُصلِّي)، وكذا: (اللهمَّ ارحَمْهُ).
الرابع:
بمعنى ما قبلَه.
(لم أَعْنِك)؛ أي: لم أقْصِدْك.
ووجه مُناسَبتها للتَّرجمة: أنه كان في البَقِيعْ حينئذٍ سوقٌ.
* * *
٢١٢٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن عَبْدِ الله، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ الله بن أَبي يَزِيدَ، عَنْ نافِعِ بن جُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ الدَّوْسِيِّ ﵁ قَالَ: خَرَجَ النَّبيُّ ﷺ في طَائِفَةِ النَّهَارِ، لَا يُكَلِّمُنِي وَلَا أُكَلِّمُهُ، حَتَّى أتى سُوقَ بني قَيْنُقَاعَ، فَجَلَسَ بِفِنَاءِ بَيْتِ فَاطِمَةَ فَقَالَ: "أثَمَّ لُكَعُ؟ أثَمَّ لُكَعُ؟ " فَحَبَسَتْهُ شَيْئًا، فَظَنَنْتُ أَنَّهَا تُلْبسُهُ سِخَابًا، أَوْ تُغَسِّلُهُ، فَجَاءَ يَشْتَدُّ حَتَّى عَانَقَهُ وَقَبَّلَهُ، وَقَالَ: "اللهمَّ أَحْببْهُ، وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ".
قَالَ: سُفْيَانُ قَالَ: عُبَيْدُ الله أَخْبَرَنِي: أَنَّهُ رَأَى ناَفِعَ بن جُبَيْرٍ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ.
الخامس:
(الدوسي) بفتح الدَّال، المراد نِسْبته لا التَّحرُّز عن آخَر.
(طائفة)؛ أي: قِطْعة، وفي بعضها: (طائفَة النَّهار)؛ أي: جُزْء النَّهار، يُقال: يَومٌ صائِفٌ، أي: حارٌّ.
стр. 3157
(أثَمَّ) بفتح المثلَّثة.
(لُكَع) بضمِّ اللَّام، وفتح الكاف، وبالمهملَة: الصَّغير بلُغة تميم، وإنْ كان قد يُطلَق بمعنى اللَّئيم، كما في حديث: "لا تَقُومُ السَّاعةُ حتَّى يكُونَ أسْعَدَ النَّاسِ بالدُّنْيا لُكَعُ بن لُكَع".
والمراد في حديث البخاري الاستِصغار على سَبيل التَّقليلِ، والمَرحَمة عليه، والمَقصود بذلك الحسَن بن عَليٍّ، وقيل: الحُسَين، أما عدَم التَّنوين في (لُكَع) فلتَشبيهه بالمَعدُول، أو أنه مُنادى مفردٌ معرفةٌ، وتقديره: أَثَمَّةَ أنتَ يا لُكَعُ.
(فحبسته)؛ أي: حبَسَتْ فاطمةُ ﵍ الصَّغيرَ شيئًا من الزَّمان.
(سِخَابًا) بكسر المُهملَة، وبالمعجَمة، والموحَّدة: قِلادةٌ تُتَّخَذُ من طِيْبٍ.
(يَشْتَدُّ)؛ أي: يَعْدُو.
(أحبَّه) هو فعلُ أمرٍ مِن أحَبَّ، ويُروى: (أحِبِبْهُ) بالفَكِّ.
(هو) بيانٌ، أو بدَلٌ؛ لقوله: (قال عُبَيد الله)، وفي بعضها: (أُخِّرت)، بالبناء للمفعول.
ووجه ذِكْر الوِتْر هنا: أنَّه لمَّا روى الحديث عن نافِع؛ انتهَزَ الفُرصة لبَيان ما ثبَتَ منه مما اختُلف في جَوازِه.
* * *
стр. 3158
٢١٢٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بن الْمُنْذِرِ، حَدَّثنا أَبُو ضَمْرَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى، عَنْ ناَفِعٍ، حَدَّثَنَا ابن عُمَرَ: أنَّهُمْ كَانُوا يَشْتَرُونَ الطَّعَامَ مِنَ الرُّكْبَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبيِّ ﷺ ، فَيَبْعَثُ عَلَيْهِمْ مَنْ يَمْنَعُهُمْ أَنْ يَبيعُوهُ حَيْثُ اشْتَرَوْهُ، حَتَّى يَنْقُلُوهُ حَيْثُ يُبَاعُ الطَّعَامُ.
٢١٢٤ - قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابن عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَهَى النَّبيُّ ﷺ أَنْ يُبَاعَ الطَّعَامُ إِذَا اشْتَرَاهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ.
الحديث السادس:
(الرُّكْبَان): أصحاب الإبل في السَّفَر.
(يستوفيه)؛ أي: يَقبضُه.
وفيه أنه لا يَجوزُ بيعُ المَبيع قبْل القَبْض.
* * *
٥٠ - بابُ كَرَاهِيَةِ السَّخَبِ في السُّوقِ
(باب كَراهة السَّخَب) بمهملةٍ، ثم معجمةٍ مفتوحتَين: الصِّيَاح.
٢١٢٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنَا هِلَالٌ، عَنْ عَطَاءِ بن يَسَارٍ، قَالَ: لَقِيتُ عَبْدَ الله بن عَمْرِو بن الْعَاصِ ﵁، قُلْتُ: أَخْبرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ الله ﷺ في التَّوْرَاةِ. قَالَ: أَجَلْ، وَالله إِنَّهُ
(الغلاف): الساتِر المُغطِّي.
(تابعه عبد العزيز) وصلَه البخاري في (سورة الفتح).
(وقال سعيد) وصلَه الدَّارمي في "مسنده".
* * *
٥١ - بابُ الْكَيْلِ عَلَى الْبَائِعِ وَالْمُعْطِي
لِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾؛ يَعْنِي: كَالُوا لَهُمْ وَوَزَنُوا لَهُمْ، كَقَوْلهِ: ﴿يَسْمَعُونَكُمْ﴾؛ يَسْمَعُونَ لَكُمْ. وَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "اكْتَالُوا حَتَّى تَسْتَوْفُوا". وَيُذْكَرُ عَنْ عُثْمَانَ ﵁: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: "إِذَا بِعْتَ فَكِلْ، وإِذَا ابْتَعْتَ فَاكْتَلْ".
(باب الكَيْل على البَائِع)
(يعني: كالوا هم)؛ أي: فحَذف الجارَّ، وأوصَل الفِعْل، ويجوز وجهٌ آخر، أي: مَكيلهم وموزُونهم، فحَذَف المُضاف.
(وقال النبي ﷺ ) هو طرَفٌ من حديث طارِق بن عبد الله المُحارِبي (١).
(ويذكر عن ابن شهاب) وصلَه أحمد، وغيره.
стр. 3161
(فَكِل) الفَرْق بين اكتالَ وكَالَ: أنَّ الاكتيال لنفسه، كما يُقال: يَكتسِبُ لنفْسه ولغَيره، واستَوى: اتخذ سَواءً لنفْسه، وسَوَّى أعمُّ، والغرَض أنَّه لا بُدَّ من الكَيل احتِرازًا عن المُجازَفة، نعَمْ، الأنْسَب في التَّرجمة الاكتِيال، يعني: المُطاوَعة، يعني: إذا بعْتَ فكُن كائِلًا، وإذا اشتريتَ فكُن مَكيلًا عليك، أي: الكَيْل على البائع لا المُشتري.
* * *
٢١٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبيعُهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ".
٢١٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَناَ جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبيِّ، عَنْ جَابرٍ ﵁ قَالَ: تُوُفِّيَ عَبْدُ الله بن عَمْرِو بن حَرَامٍ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَاسْتَعَنْتُ النَّبيَّ ﷺ عَلَى غُرَمَائِهِ أَنْ يَضَعُوا مِنْ دَيْنِهِ، فَطَلَبَ النَّبيُّ ﷺ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، فَقَالَ لِي النَّبيُّ ﷺ : "اذْهَبْ فَصَنِّفْ تَمْرَكَ أَصْنَافًا، الْعَجْوَةَ عَلَى حِدَةٍ، وَعَذْقَ زَيْدٍ عَلَى حِدَةٍ، ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَيَّ". فَفَعَلْتُ، ثُمَّ أَرْسَلْتُ إلَى النَّبيِّ ﷺ ، فَجَلَسَ عَلَى أَعْلَاهُ، أَوْ في وَسَطِهِ، ثُمَّ قَالَ: "كِلْ لِلْقَوْمِ". فَكِلْتُهُمْ حَتَّى أَوْفَيْتُهُمُ الَّذِي لَهُمْ، وَبقِيَ تَمْرِي، كَأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ.
стр. 3162
وَقَالَ فِرَاسٌ، عَنِ الشَّعْبيِّ، حَدَّثَنِي جَابرٌ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ : فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ حَتَّى أَدَّاهُ.
وَقَالَ هِشَامٌ، عَنْ وَهْبٍ، عَنْ جَابرٍ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "جُذَّ لَهُ فَأَوْفِ لَهُ".
الحديث الأول، والثاني:
(العَجْوة): ضَرْبٌ مِن أجوَد التَّمْر بالمَدينة.
(وَعَذَق) بفتح المهملة، والذَّال المعجمة: نُسِبَ إلى شخصٍ يُسمَّى زيدًا، وهو نوع من التَّمْر رَديءٌ، وقال الجَوْهَرِي: العَذْق بالفتح: النَّخلةُ، وبالكسر: الكبَّاسة.
(وقال فراس) وصلَه البخاري في (الوصايا).
(وقال هشام) وصلَه في (الصُّلح).
* * *
٥٢ - بابُ مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الْكَيْلِ
(باب ما يُستَحبُّ من الكَيْل)
٢١٢٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بن مُوسَى، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ خَالِدِ بن مَعْدَانَ، عَنِ الْمِقْدَامِ بن مَعْدِ يَكْرِبَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "كيلُوا طَعَامَكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ".
стр. 3163
(يبارك لكم فيه) محمولٌ على حالة البَيعِ، ويُحمَل حديث عائشة في (الرَّقائق)، وغيره عن عائشة: فكِلْتُه ففنِيَ؛ فإنَّه مُشعِر بأنَّ الكيل سبَبُ عدَم البَرَكة على أنَّ ذلك حالَة الإنفاق.
* * *
٥٣ - بابُ بَرَكَةِ صَاعِ النَّبيِّ ﷺ ، وَمُدِّهم
فِيهِ عَائِشَةُ ﵂، عَنِ النَّبيِّ ﷺ .
(باب بَركَةِ صاع النبيِّ ﷺ ، ومُدِّهم)؛ أي: مُدِّ أهْل المدينة، ويُروى: (ومُدَّه).
(فيه عائشة) وصلَه البخاري في (الحجِّ)، و (الهجرة)، و (الطِّبِّ).
* * *
٢١٢٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بن يَحْيَى، عَنْ عَبَّادِ بن تَمِيمٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَبْدِ الله بن زَيْدٍ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ : "أَنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَدَعَا لَهَا، وَحَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وَدَعَوْتُ لَهَا في مُدِّهَا وَصَاعِهَا، مِثْلَ مَا دَعَا إِبْرَاهِيمُ ﵇ لِمَكَّةَ".
٢١٣٠ - حَدَّثَنِي عَبْدُ الله بن مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بن عَبْدِ الله بن أَبي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بن مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ -
стр. 3164
قَالَ: "اللهمَّ بَارِكْ لَهُمْ في مِكْيَالِهِمْ، وَبَارِكْ لَهُمْ في صَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ"؛ يَعْنِي: أَهْلَ الْمَدِينَةِ.
الحديث الأول، والثاني:
(وحرمت المدينة)؛ أي: في أنْ يُصْطَاد منها، ويكفي ذلك في التَّشبيه.
(في صاعهم ومدهم)؛ أي: ما يُكال بالصَّاع والمدِّ، من باب تَسمية الحالِّ باسم المَحَلِّ.
* * *
٥٤ - بابُ مَا يُذْكَرُ فِي بَيْعِ الطَّعَامِ، وَالْحُكْرَةِ
(باب ما يُذكَر في بَيعْ الطَّعام والحُكْرَة) بضمِّ الحاء: الاحتِكار، أي: حبْسه يُتربَّص به الغَلاءَ، وله شُروطٌ في الفقه مستنبطةٌ.
(أن يبيعوه)؛ أي: كراهية أنْ يَبيعُوه، أو فيه: (إلا) مُقدَّرةٌ، كما في قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء:١٧٦].
٢١٣١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بن إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بن مُسْلِمٍ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبيهِ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ الطَّعَامَ مُجَازَفَةً يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ أَنْ يَبيعُوهُ حَتَّى يُؤْوُهُ إِلَى رِحَالِهِمْ.
стр. 3165
٢١٣٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنِ ابن طَاوُسٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى أَنْ يَبَيعَ الرَّجُلُ طَعَامًا حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ. قُلْتُ لاِبن عَبَّاسٍ: كَيْفَ ذَاكَ؟ قَالَ: ذَاكَ دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ، وَالطَّعَامُ مُرْجَأٌ.
الحديث الأول، والثاني:
(والطعام مُرْجَأٌ)؛ أي: مُؤخَّرٌ، ويجوز ترك الهمزة، قال صاحب "النِّهاية": قال (خ) على اختلافٍ في نُسَخ كتابه: (مُرجًّا) بالتشديد للمبالغة.
معنى الحديث: أنْ يَشتريَ من إنسانٍ طعامًا بدينارٍ إلى أجَلٍ، ثم يَبيعُه منه، أو من غيره قبْل أنْ يَقْبضَه بدينارَين مثلًا، فلا يجوز؛ لأنَّه في التَّقدير: بَيعُ ذهَبٍ بذَهبٍ، والطَّعام غائبٌ، كأنه باعَه الدِّينارَ الذي يشتري به الطَّعامَ بدينارَين، فهو رِبَا، ولأنه بيعُ غائبٍ بناجزٍ.
قال (ش): فيكون: (وهو مُرجأ) مبتدأٌ وخبرٌ في مَوضع نصبٍ على الحال، وفَسَّر غيرُ ابن عباس أن المُراد: أنْ لا يَبيع المَبيعَ قبْل القَبْض، أي: يَبيع الدِّرهم بالدِّرهم، والطَّعام لا دَخْلَ له محذوفٌ من البَين، وهو إشارةٌ إلى عِلَّة النَّهي، وفي بعض الرِّواية عن ابن عبَّاس قال: ألا تَراهم يَتبايعون بالذَّهب، والطَّعام مُرْجأ.
* * *
٢١٣٣ - حَدَّثَنِي أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن دِينَارٍ،
стр. 3166
قَالَ سَمِعْتُ ابن عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبيعْهُ حَتَّى يَقْبضَهُ".
الثالث:
عُلِمَ شرحه مما سبق.
* * *
٢١٣٤ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كَانَ عَمْرُو بن دِينَارٍ يُحَدِّثُهُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَالِكِ بن أَوْسٍ: أنَّهُ قَالَ: مَنْ عِنْدَهُ صَرْفٌ، فَقَالَ طَلْحَةُ: أَناَ حَتَّى يَجيءَ خَازِنُنَا مِنَ الْغَابَةِ. قَالَ سُفْيَانُ: هُوَ الَّذِي حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ لَيْسَ فِيهِ زِيَادَةٌ. فَقَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكُ بن أَوْسٍ، سَمِعَ عُمَرَ بن الْخَطَّابِ ﵁ يُخْبرُ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: "الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ".
الرابع:
(أوس) بفتح الهمزة، وسكون الواو.
(صرف)؛ أي: دراهم يُصرَف بها دنانير، وهو مأْخوذٌ من تَصويتها في المِيْزان، وقال الجَوْهَري: الصَّرِيْف: الفِضَّة.
الغابة): الأَجَمَة.
(قال سُفيان) إلى آخره، القَصْد منه مُوافقة عُمر.
стр. 3167
(هاءِ) بكسر الهمزة، أي: هاتِ، وبفتحها: بمعنى خُذْ، وكذلك: هَاءْ بالهمزة الساكنة، وإذا قيل لك: هَاءَ بالفتح؛ قلتَ: ما أَهاءُ، أي: ما آخَذُ، فيقول لك صاحبك: هاءَ مُتقابضان في المَجلِس.
وقال (ن): فيه القَصْر والمد، والهمزة مفتوحةٌ، ويُقال: بالكسر.
قال ابن مالك: حقُها أنْ لا تقَع بعدَ (إلا) كما لا يقَع بعدها خُذْ، فإذا وقَع يُقَدَّرُ قولٌ، أي: إلا مَقولًا عند المُتعاقدَين: هاء وهاء.
* * *
٥٥ - بابُ بَيْع الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ وَبَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ
(باب بَيْع الطَّعام قبْل أنْ يُقبَض)
٢١٣٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن عَبْدِ الله، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: الَّذِي حَفِظْنَاهُ مِنْ عَمْرِو بن دِينَارٍ، سَمِعَ طَاوُسًا يَقُولُ: سَمِعْتُ ابن عَبَّاسٍ ﵁ يَقُولُ: أَمَّا الَّذِي نهى عَنْهُ النَّبيُّ ﷺ فَهْوَ الطَّعَامُ أَنْ يُبَاعَ حَتَّى يُقْبَضَ. قَالَ ابن عَبَّاسٍ: وَلَا أَحْسِبُ كُلَّ شَيْء إِلَّا مِثْلَهُ.
٢١٣٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبيعُهُ حَتَّى يَسْتَوْفيَهُ".
стр. 3168
زَادَ إِسْمَاعِيلُ: "مَنِ ابتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبيعُهُ حَتَّى يَقْبضَهُ".
(الذي حفظناه) لمَّا كان سُفيان منسوبًا إلى التَّدليس أراد أنه صرَّح بالسَّماع والحِفْظ، وسيجيء شرح الحديث مستوفًى قريبًا.
(أن يُباع) محلُّه رفْعٌ بدلًا من الطَّعام، وإنما أُبدلت النكرة من المعرفة بلا نعتٍ؛ لأن المضارع مع (أنْ) متوغِّلٌ في التَّعريف.
(إما الرِّبا) قسيمه مقدَّرٌ، دلَّ عليه السِّياق، أي: وإما غير ما نهى عنه، فلا أظنُّه إلا مثله في أنه لا يُباع أيضًا قبل القبض، ووجه حُسْبان ابن عبَّاس ذكر أن العلَّة مشتركةٌ، وهو كونه بيع الدِّرهم بالدِّرهم، وإرجاء المبيع.
(زاد إسماعيل) أي: زاد روايةً أُخرى، وهو جَعْلُ: (يقبضَه) مكان: (يَستوفيَه)، وإلا فهو عين الحديث السابق؛ إذ معنى الاستيفاء القَبْض (١)، والرِّجال أربعةٌ، وبالجُملة فهذه الطَّريق وصلَها البَيْهَقي.
* * *
٥٦ - بابُ مَنْ رَأَى إِذَا اشْتَرَى طَعَامًا جِزَافًا أَنْ لَا يَبيعَهُ حَتَّى يُؤْوِيَهُ إِلَي رَحْلِهِ، وَالأَدَبِ في ذَلِكَ
٢١٣٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بن بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ
стр. 3169
ابن شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بن عَبْدِ الله: أَنَّ ابن عُمَرَ ﵁ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ النَّاسَ في عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ يَبْتَاعُونَ جِزَافًا -يَعْنِي: الطَّعَامَ- يُضْرَبُونَ أَنْ يَبيعُوهُ في مَكَانِهِمْ حَتَّى يُؤْوُهُ إِلَى رِحَالِهِمْ.
(باب من رأَى إذا اشتَرى طَعامًا)
(جُزافًا) هو فارسيٌّ معرَّبٌ، مثَّلث الجِيْم، وهو البَيع بلا كَيْلٍ ونحوه.
ففي الأحاديث في الباب، والذي قبلَه: النَّهيُ عن بيعِ المَبيع حتى يَقبضَه المشتري.
قال الشافعي: لا يصحُّ سواءٌ كان طعامًا، أو عقارًا، أو منقولًا، وأبو حنيفة: لا يصلُح إلا في العَقار، ومالك: لا يصحُّ في الطَّعام، وأحمد: لا يصحُّ في المَكيل، والمَوزون.
وفيه تَعزير الإِمام مَن يتعاطَى بيعًا فاسدًا، وتأْديبُه بالضَّرب ونحوه.
* * *
٥٧ - بابٌ إِذَا اشْتَرَى مَتَاعًا أوْ دَابَّةً، فَوَضَعَهُ عِندَ الْبَائِعِ، أَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ
وَقَالَ ابن عُمَرَ ﵄: مَا أَدْرَكَتِ الصَّفْقَةُ حَيًّا مَجْمُوعًا فَهُوَ مِنَ الْمُبْتَاعِ.
стр. 3170
(باب: إذا اشتَرى مَتاعًا) هو اسم مفعولٍ لا اسمُ فاعلٍ.
(ما أدركت الصفقة) الإسناد فيه مجازيٌّ، أي: ما كان عند العقد غير ميِّتٍ، وغير منفصلٍ عن المَبيع، فهو من جملة المَبيع.
* * *
٢١٣٨ - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بن أَبي الْمَغْرَاءَ، أَخْبَرَناَ عَلِيُّ بن مُسْهِرٍ، عَنْ هِشام، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَقَلَّ يَوْمٌ كَانَ يَأْتِي عَلَى النَّبيِّ ﷺ إِلَّا يَأْتِي فِيهِ بَيتَ أَبي بَكْرٍ أَحَدَ طَرَفَيِ النَّهَارِ، فَلَمَّا أُذِنَ لَهُ في الْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينَةِ لَمْ يَرُعْنَا إِلَّا وَقَدْ أتَانَا ظُهْرًا، فَخُبرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: مَا جَاءَناَ النَّبيُّ ﷺ في هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا لأَمْرٍ حَدَثَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لأَبي بَكْرٍ: "أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ". قَالَ: يَا رَسُولَ الله! إِنَّمَا هُمَا ابنتَايَ؛ يَعْنِي: عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ. قَالَ: "أَشَعَرْتَ أنَّهُ قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ". قَالَ: الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: "الصُّحْبَةَ". قَالَ: يَا رَسُولَ الله! إِنَّ عِنْدِي ناَقَتَيْنِ أَعْدَدْتُهُمَا لِلْخُرُوجِ، فَخُذْ إِحْدَاهُمَا. قَالَ: "قَدْ أَخَذْتُهَا بِالثَّمَنِ".
(لقلَّ) اللام جوابُ قسمٍ محذوفٍ، وقَلَّ: فعلٌ ماضٍ، وفيه معنى النَّفْي، أي: ما يأْتي يومٌ عليه إلا يأْتي فيه بيتَ أبي بكر ﵁.
(لم يَرُعْنا) من الرَّوْع وهو الفَزَع، أي: أتانا بَغْتةً وقْتَ الظُّهر.
(حدث)؛ أي: حادثةٍ حدثت له.
стр. 3171
(ما عندك) على لغة مَن يُعمِّم (ما) في العُقلاء وغيرهم، وفي بعضها: (مَن عندك).
(الصحبة) بالنَّصب، أي: أُريدُ، أو أَطلُبُ، وبالرفْع، أي: مُرادي، أو مَطْلوبي، وكذلك لفْظ: الصُّحبة ثانيًا يقدَّر في الأَمرَين ما يَليق.
(أعددتهما) يُروى: (عدَدْتُهما).
قال المُهلَّب: وجه استدلال البخاري: أنَّ قوله: (قد أخذتها) ليس أخْذَ اليَدِ، ولا بالحِيَازة، بل بالابْتياع بالثَّمن، وإخراجِها من مِلْك أبي بكر، فأخذتُها يُوجِب أخْذًا صحيحًا، وقبْضًا من الصِّدِّيق بالثَّمن الذي هو عِوَضٌ.
وقال (ك): وجه دلالته على التَّرجمة: أما على الجُزء الأول فظاهرٌ؛ لأنه لم يقبض النَّاقةَ بعد الأخْذ بالثَّمَن الذي هو كنايةٌ عن البَيع، وتَركَه عند البائع، وأما الجُزء الثاني فإما للإشعار بأنه لم يجد حديثًا بشَرْطه فيما يتعلَّق به، وإما للإعلام أنَّ حُكم الموت قبْل القَبْض حُكمُ الوضْع عنده قياسًا عليه.
* * *
٥٨ - بابٌ لَا يَبيعُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَسُومُ عَلَى سَوْمِ أخِيهِ، حَتَّى يَأْذَنَ لَهُ أَوْ يَتْرُكَ
(باب: لا يَبيعُ على بَيْع أَخيه، ولا يَسُومُ على سَوْمِ أخيه)
السَّوم على السَّوم: أن تَقول لمن اتفَق مع آخر في بيعٍ ولم يعقِداه:
стр. 3172
أنا أشتريه بأكثَر، أو أبيعُك خيرًا منه بأرخَص منه، وهذا حرامٌ بعد استِقرار الثَّمَن، بخلاف ما يُباع فيمَن يَزيدُ؛ فإنَّه قبْل الاستِقرار، ودلَّ على ذلك القِياسُ على الخِطْبة، وإنْ لم يُصرِّح به في الباب.
* * *
٢١٣٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لَا يَبيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ".
الحديث الأول:
(لا يبع) في بعضها: (لا يَبيعُ) خبَرٌ بمعنى النَّهي، وهو أنْ يقُول في زمَن الخِيار للمُشتري: افسَخْه، وأنا أبيعُك مثلَه بأقلَّ منه، وكذا يحرُم الشِّراء على شِراء أخيه، بأن يقول للبائع: افْسَخْ، وأنا أشتريه بأكثَر.
(أخيه)؛ أي: أُخوَّة الإِسلام، وهذا خرَج مَخرَج الغالِب، وإلا فالحُكم جارٍ في الذِّمِّي أيضًا.
* * *
٢١٤٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن عَبْدِ الله، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بن الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ أَنْ يَبيعَ حَاضرٌ لِبَادٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْع أَخِيهِ،
стр. 3173
وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، وَلَا تَسْاَلُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا؛ لِتكْفَأَ مَا في إِناَئِهَا.
الحديث الثاني:
(لبَادٍ)؛ أي: آتٍ من البادية بمتاعٍ ليَبيعَه بسعرِ يَومه، فيقول له بلَديٌّ: اتْركهُ عنْدي لأبيعَه لك على التَّدريج بأَغْلى، وهذا الفعل حرامٌ، ولكن يَصحُّ البيع؛ لرجوع النَّهي لأمرٍ خارجٍ، وقيل: لا يكون الحاضر سِمسَارًا للبدَويِّ، فهو أعمُّ من البيع والشِّراء.
(تناجشوا) من النَّجْش، بالنُّون، والجيم، والمعجَمة، وهو أنْ يَزيد في الثَّمَن لا لرغبةٍ في الشِّراء بل ليَخدَع غيرَه، فيَزيدُ، وأصلُه الإِثَارة كأنَّ الناجِش يُثير الرَّغْبة، والجُملة معمولٌ لـ (قالَ) مقدَّرةً، أي: وقال: (ولا تَناجَشوا).
(ولا يَخْطُبُ) من الخِطْبة بكسر الخاء، وهو حرامٌ إذا صُرِّح بالإجابة للخاطِب.
(ولا تسأل) بالرفع خبرٌ بمعنى النَّهي، وبالكسر على أنَّه نهيٌ حقيقيٌّ، أي: لا تَسأَلِ الزَّوجَ أن يُطلِّقَ امرأتَه ويتزوَّج بها، ويكونَ لها من النَّفَقة والمعاشرة ما كان لها، وهو معنى: (لتكفَأ ما في إنائها) بفتح الفاء، أي: تَقلِبَ، وقد سبق أنه يُقال: كفأْتُ الإناءَ: قلَبتُه، وأَكفأْتُه: أَمَلْتُه، قال التَّيْمِي: ويُروى: (لتَكتَفئ) تَفْتَعِل مِن كفَأْتُ.
* * *
стр. 3174
٥٩ - بابُ بَيْع الْمُزَايَدَةِ
وَقَالَ عَطَاءٌ: أَدْرَكْتُ النَّاسَ لَا يَرَوْنَ بَأْسًا ببَيْعِ الْمَغَانِمِ فِيمَنْ يَزِيدُ.
(باب بَيْع المُزايَدة)؛ أي: من الزِّيادة.
٢١٤١ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بن مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَناَ عَبْدُ الله، أَخْبَرَناَ الْحُسَيْنُ الْمُكْتِبُ، عَنْ عَطَاءِ بن أَبي رَبَاحٍ، عَنْ جَابرِ بن عَبْدِ الله ﵄: أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، فَاحْتَاجَ، فَأَخَذَهُ النَّبيُّ ﷺ فَقَالَ: "مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي"، فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بن عَبْدِ الله بِكَذَا وَكَذَا، فَدَفَعَهُ إلَيْهِ.
(رجلًا) هو أبو مَذْكُور.
(أعتق غلامًا) اسمه يَعْقُوب كما في "مسلم".
(فاشتراه)؛ أي: بثمانِ مائةِ درهمٍ كما في الرِّواية الأُخرى في "الصَّحيحين".
(نُعَيْم)؛ أي: النَحَّام بفتح النون، وشدَّة المهملة، العَدَويُّ القُرَشيُّ، ووُصِف بالنَّحَّام لقوله ﷺ : "دخَلْتُ الجَنَّةَ، فسَمِعتُ نَحمَةَ نُعَيْم"، أي: السَّعْلة، أسلَم قديمًا، وأقام بمكَّة إلى قبل الفتْح، وكان قومُه يمنعونَه من الهجرة لشرَفه فيهم؛ لأنه كان يُنفِق عليهم، فقالوا:
стр. 3175
أَقِمْ عندنا على أي دينٍ شِئْتَ، ولمَّا قَدِم المدينة اعتنقَه ﷺ وقبَّلَه، استُشهد يوم اليَرموك سنة خمسَ عشرةَ.
وفيه جَواز بيْع المدبَّر.
قال الإِسْماعِيْلي: ليس في الحديث المعنى المُترجَم له بأنَّ المُزايَدة أن يدفَع شيئًا، ويَدفع آخَر أزْيدَ منه.
* * *
٦٠ - بابُ النَّجْشِ، وَمَنْ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ الْبَيْعُ
وَقَالَ ابن أَبي أَوْفَى: النَّاجِشُ آكِلُ رِبًا خَائِنٌ، وَهْوَ خِدَاعٌ بَاطِلٌ، لَا يَحِلُّ. قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "الْخَدِيعَةُ فِي النَّارِ"، وَ "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُناَ فَهْوَ رَدٌّ".
(باب النَجْش) بنونٍ مفتوحةٍ، وجيمٍ ساكنةٍ، ثم معجمة: الزِّيادة في الثَّمَن خِداعًا، وقيَّده المُطرِّزي بتحريك الجيم، ثم قال: ورُوي بالسُّكون.
(آكل الرِّبا)؛ أي: كآكلِه.
(قال النبي ﷺ : الخديعة في النَّار) هو في "مُعجَم الطَّبَراني الصغير"؛ أي: صاحب الخَديعة، ويحتمل أنه فَعِيْلٌ بمعنى فاعِل، والتاء للمُبالغة كعَلَّامَة.
стр. 3176
(ومن عمل) وصلَه البخاري في (الصُّلح).
* * *
٦١ - بابُ بَيْعِ الْغَرَرِ وَحَبَلِ الْحَبَلَةِ
٢١٤٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ، وَكَانَ بَيْعًا يَتَبَايَعُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيِّةِ، كَانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الْجَزُورَ إِلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ، ثُمَّ تُنْتَجُ الَّتِي في بَطْنِهَا.
(باب بَيْع الغَرَر)
هو شاملٌ لما لا ينحصِر كبَيع الآبق، والمَعدوم، والمَجهول، وما لا يُقدَر على تسليمه، والمُبْهَم، فالكلُّ باطلٌ، نعَمْ، إذا دعَت إليه حاجةٌ جازَ؛ كأُسِّ الدَّارِ، وحَشْوِ الجُبَّة، ونحوها.
(وَحَبَلُ الحَبَلَة) عطفُ خاصٍّ لشُهرته في الجاهليَّة، أُفرد بالتَّنصيص عليه، وكذا يأتي في تراجمَ مما يَدخُل في الغَرَر أمورٌ؛ لهذا المعنى، كالمُلامَسة، والمُنابَذة ونحوهما.
وحَبَل: بالمهملة، وموحَّدةٍ مفتوحتَين، وكذا الحبَلَة، الأوَّل مصدرٌ، والثَّاني جمعُ حابل، كظَلَمةٍ جمعُ ظالم، وقيل: بل هو مصدرٌ أيضًا سُمي به المَحبُول كما سُمي المَحمُول بالحَمْل.
стр. 3177
قال (ن): وقال بعضهم: الهاء في الحَبَلة للمُبالغة، واتفقوا على أنَّ الحبَل مختصٌّ بالآدميات، ويقال في غيرهنَّ: حَمْلٌ، قال أبو عُبَيد: إلا ما في هذا الحديث.
واختُلف في المراد منه، فقال الشَّافعي: البَيع بثمَنٍ مؤجَّلٍ بأنْ تَلِدَ النَّاقةُ، ويلِدَ ولَدُها، وهو تفسير ابن عُمر، وقيل: بيع ولَدِ ولَدِ النَّاقة، وهذا أقْربُ لفْظًا، والأول أَقْوى؛ لأنَّه تفسير الرَّاوي، وليس مُخالِفًا للظَّاهر، فإنَّ ذلك هو الذي كان في الجاهليَّة، والنَّهي واردٌ عليه، وهو أَعْرفُ، واستُشكل بأنه إنما يُقدَّم إذا لم يُخالف الظَّاهر، والفَساد فيه على التَّفسيرَين ظاهرٌ؛ لأنه على الأوَّل بيعٌ إلى أجلٍ مجهولٍ، والأجَلُ يُقابلُه قِسْطٌ من الثَّمَن، وعلى الثاني بيعُ معدومٍ.
(وكان بيعًا) إلى آخره، هو ما أشَرْنا إليه من سبَب النَّهي.
(الجَزور) من الإبل، يقَع على الذَّكَر والأُنثى.
(تُنْتِج) مبنيٌّ للمَفعول، قال الجَوْهَري: نُتِجَت النَّاقةُ، على ما لم يُسمَّ فاعلُه.
* * *
٦٢ - بابُ بَيْعِ الْمُلَامَسَةِ
وَقَالَ أَنسٌ: نَهَى عَنْهُ النَّبيُّ ﷺ .
стр. 3178
٢١٤٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بن عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بن سَعْدٍ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ ﵁ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنِ الْمُنَابَذَةِ، وَهْيَ طَرْحُ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ بِالْبَيْعِ إِلَى الرَّجُلِ قَبْلَ أَنْ يُقَلِّبَهُ، أَوْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَنَهَى عَنِ الْمُلَامَسَةِ، وَالْمُلَامَسَةُ لَمْسُ الثَّوْبِ، لَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ.
٢١٤٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عن مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: نُهِيَ عَنْ لِبْسَتَيْنِ: أن يَحْتَبيَ الرَّجُلُ في الثَّوْبِ الوَاحِدِ، ثُمَّ يَرْفَعَهُ علَى مَنْكِبهِ، وعنْ بَيْعَتَيْنِ: اللِّمَاسِ وَالنِّبَاذِ.
(باب بيع المُلامَسَة)
سبق في أوائل (الصلاة)، في (باب: ما يُستَر من العَورة) تفسيرُه، وتفسير المُنابَذة المذكور هنا في الحديث الأوَّل، والاحتِبَاء، واشتِمال الصَّمَّاء المذكور في الحديث الثاني، نعَمْ، تفسيره هنا اللِّبْستَين بشيءٍ واحدٍ إنما هو تفسيرٌ لأحدهما، واختصَر تفسير الأُخرى، وهو اشتِمال الصَّمَّاء كأنَّه لشُهرته، ولأصحابنا في تَفسير المُلامَسة والمُنابَذة أوجُهٌ مشهورةٌ.
وسبق أن لِبْستين بكسر اللام: الهَيْئة، وكذا الوجه في بيعتَين أيضًا كسرُ الباء؛ لأن المراد الهيئة، واللِّمَاس والنِّبَاذ، بكسر أوَّلهما: مصدران.
* * *
стр. 3179
٦٤ - باب النَّهْيِ لِلْبَائِعِ أَنْ لَا يُحَفِّلَ الإِبلَ وَالْبَقَرَ وَالْغَنَمَ وَكُلَّ مُحَفَّلَةٍ
وَالْمُصَرَّاةُ: الَّتِي صُرِّيَ لَبنهَا، وَحُقِنَ فِيهِ، وَجُمِعَ فَلَمْ يُحْلَبْ أَيَّامًا. وَأَصْلُ التَّصْرِيَةِ: حَبْسُ الْمَاءِ، يُقَالُ مِنْهُ: صَرَّيْتُ الْمَاءَ.
(باب النَّهي للبائع أنْ لا يُحْفِّل)
بشدَّة الفاء، مبنيٌّ للمفعول من الحَفْل وهو الجَمْع، ومنه المَحْفَل لمَجْمَع الناس، ولا يحتمل أنها زائدةٌ، ويحتمل أن تكون تفسيريةً، فيكون: (لا يحفِّل) تفسيرٌ للنَّهي.
(وكل مُحفلة)؛ أي: مِن شأْنها أن تُحفَّل، وهو عطفٌ على الإبل وما بعده، فإنَّ النُّصوص وإن وردتْ في النَّعَم، لكن أُلحق بها غيرها قياسًا، نعَمْ، غيرُ المأْكول كالجَاريَة والأَتان وإنْ شاركَه في النَّهي، وثُبوت الخيار للتَّغْرير والإضْرار؛ لكنْ لا يُردُّ في اللَّبن صاعٌ من تمرٍ؛ لعَدَم ثُبوته، وتسمَّى المُحفَّلة مُصَرَّاةً أيضًا.
(التي صُرِّيَ) هو تفسير الشَّافعي خلافًا لأبي عُبَيدة.
(وَحُقِنَ) عُطِفَ على: (صُرِّيَ) وإنْ كان معناهما واحدًا للتَّفسير.
* * *
٢١٤٨ - حَدَّثَنَا ابن بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ جَعْفَرِ بن رَبيعَةَ،
стр. 3180
عَنِ الأَعْرَج، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ : "لَا تُصَرُّوا الإِبلَ وَالْغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بَعْدُ، فَإِنَّهُ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَيْنَ أَنْ يَحْتَلِبَهَا؛ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ، وإنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعَ تَمْرٍ".
وَيُذْكَرُ عَنْ أَبي صَالِحٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالْوَلِيدِ بن رَبَاحٍ، وَمُوسَى ابن يَسَارٍ، عَنْ أَبي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ : "صَاعَ تَمْرٍ". وَقالَ بَعْضُهُم عَنِ ابن سِيرِينَ: صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، وَهْوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَنِ ابن سِيرِينَ: صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ ثَلَاثًا. وَالتَّمْرُ أكْثَرُ.
الحديث الأول:
(لا تُصَرُّوا) بضم التاء، وفتح الصاد، على الرِّواية الصَّحيحة، بوَزْن: تُزَكُّوا، وأصله: تُصَرِّيُوا، فاستُثقلت الضَّمَّة على الياء فنُقلتْ إلى الراء، ثم حُذفت لالتِقاء السَّاكنين.
(الإبل) بالنَّصب، قال (ع): ورَويناه عن بعضهم بدُون الواو بعد الرَّاء، ورفْعِ الإبل من الصَّرِّ، وهو الرَّبْط.
قال أبو عُبَيد: لو كان من الصَّرِّ لكانت مَصْرُورةً، أو مُصَرَّرَةً، فأُجيب: بأنه يحتمل أنها مُصرَّرة فأُبدلت إحدى الرائين ألفًا، نحو: ﴿مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:١٠]، أصلُه: دسَّسَها، كَرِهوا اجتماعَ ثلاثة أحرُفٍ من جنْسٍ واحدٍ.
(بعد)؛ أي: بعد التَّصْرية، وقيل: بعد العِلْم بالنَّهي، وقال الدِّمْياطِي: بعد أنْ يَحلِبَها، كذا رواه ابن لَهِيعة عن جَعْفر بن رَبيْعة، عن
стр. 3181
الأعرج، وبه يصحُّ المعنى، انتهى.
لكنَّ هذا مصرَّحٌ به في البخاري آخر الباب من حديث أبي الزِّناَد، فلا حاجةَ لعَزْوه لرواية ابن لَهِيْعة، وهو ليس من شَرْط البخاري.
(وصاع تمر) إما أنَّ الواو بمعنى (مع)، أو لمُطلَق الجمْع، ولا يكون منصوبًا على المفعول معه؛ لأنَّ شَرْطَه أن يكُون فاعِلًا، نحو: جئْتُ أنا وزَيدًا.
(ويذكر عن أبي صالح) رواه مسلم.
(ومجاهد) في "الأوسط" للطَّبَراني.
(والوليد) في "مسند أحمد بن مَنِيْع".
(وموسى) رواه أحمد ومسلم.
(عن ابن سيرين) هو في "مسلم"، وذكر ثَلاثًا بناءً على الغالِب في إمكان (١) تبيُّن التَّصرية؛ لاحتمال أن النَّقْص من اختلاف العلَف، أو تبدُّل الأَيدي، أو غير ذلك.
قلتُ: على أنَّ الشَّيخ تَقِيَّ الدِّين السُّبْكيَّ وغيرَه من المُحقِّقين رجَّح القَول بأن الخِيَار فيها ثلاثٌ.
ورواية تعيينِ التَّمْر
(عن ابن سيرين) أيضًا في "مسند الشافعي"، وابن أبي عُمر، و"مسلم"، و"النَّسائي".
стр. 3182
(أكثر)؛ أي: من الطَّعام، وقيل: صاعٌ من قُوت البلَد، وأما التَّقدير بصاعٍ، فلتعذُّر التَّمييز فيما يختلِطُ من اللَّبن الحادِث، وقد لا يُوجَد من يَعرف القِيْمة هناك، وقد يَتلَف اللَّبن، فلا يُعرف مقداره، فضُبط لقَطْع النِّزاع بذلك، كالغُرَّة في الجَنين مع اختلاف الأجِنَّة ذكورةً وأنوثةً، وتمامًا ونقصًا، وحُسنًا وقُبْحًا، وكالجبران في الزكاة مع تَفاوُت أسنان الإبل.
* * *
٢١٤٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبي يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الله بن مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُحَفَّلَةً، فَرَدَّهَا، فَلْيَرُدَّ مَعَهَا صَاعًا، وَنَهَى النَّبيُّ ﷺ أَنْ تُلَقَّى الْبُيُوعُ.
الحديث الثاني:
(فليرد معها)؛ أي: حيث كانتْ من المأْكُولات كما سبَق، وإنْ كان (مُحفَّلةً) عامًا، لكن خُصَّ بدليلٍ.
(ونهى النبي ﷺ ) هو حديث النَّهي عن تلَقِّي الرُّكبان المذكُور بعدَه.
(تُلقى) على البناء للمَفعول، وأصلُه: تتلَقَّى، فحُذفت إحدى التاءَين، يعني: يَستقبل القادِمَ مَن يَشتري منه.
* * *
٢١٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ أَبي الزِّناَدِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لَا تَلَقَّوُا
стр. 3183
الرُّكْبَانَ، وَلَا يَبيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبيعُ حَاضرٌ لِبَادٍ، وَلَا تُصَرُّوا الْغَنَمَ، وَمَنِ ابْتَاعَهَا فَهْو بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أنْ يَحْتَلِبهَا؛ إنْ رَضيهَا أمْسَكَها، وإنْ سَخِطَها رَدَّها وصاعًا منْ تَمْرٍ".
الحديث الثالث:
(تلقوا)؛ أي: تَتلقَّوا، فحُذفت إحدى التاءين.
(وصاعًا) قال (ك): فإنْ قلتَ: الرَّدُّ بعد الأَخْذ، فما معنى الرَّدِّ في الصَّاع؟ قلت: مِنْ قَبيل:
عَلَفْتُها تِبنًا ومَاءً بَارِدًا
أي: وسقَيتُها، أو بتضمين علَف معنى: أنالَ، انتهى.
ولا أدري معنى السُّؤال ولا الجَواب.
قلتُ: لمَّا قرَّر (ك) أنَّ الرَّدَّ لا يكُون إلا بعد الأَخْذ؛ وجدناه ظاهِرًا في الشَّاة، وأما الصَّاع لمَّا لم يتقدَّم فيه أخْذ من البائِع، فكيف (خ) يقول فيه برده، فهو إذًا مشكل، فأجاب (ك) عنه: بأنه يخرج على قول الشاعر:
عَلَفْتُها تِبنًا ومَاءً بَارِدًا
أي: فيقدَّر فيه قبلَه ما يَنتظم به الكلام كهذا البَيت، وهذا ما ظهَر لي.
* * *
стр. 3184
٦٥ - بابٌ إِنْ شَاءَ رَدَّ الْمُصَرَّاةَ، وَفِي حَلْبَتِهَا صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ
(باب: إِنْ شاءَ رَدَّ المُصَرَّاةَ)
٢١٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن عَمْرٍو، حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ، أَخْبَرَناَ ابن جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي زِيَادٌ: أَنَّ ثَابتًا مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن زَيْدٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنِ اشْتَرى غَنَمًا مُصَرَّاةً فَاحْتَلَبَهَا؛ فَإِنْ رَضيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا فَفِي حَلْبَتِهَا صَاعٌ منْ تَمْرٍ".
(أن ثابتًا) هو ابن عِيَاض الأَحْنَف.
(مولى عبد الرحمن) في "جامع الأُصول"، والكَلابَاذِي: أنه مَولى عُمر بن عبد الرَّحمن.
(غَنَمًا) مؤنَّثٌ اسم جنْسٍ شاملٌ للذُّكور والإناث.
(حلبتها) بإسكان اللَّام: اسمٌ للفِعْل، أي: بسبَب حلْبَتها، ويجوز الفتح على إرادة المَحلُوب.
ففيه أنَّ القَليل والكَثير في ذلك سَواءٌ، وذلك في المَأْكول كما سبق، وقال الحنَفيَّة: لا خِيارَ للمُشتري في المُصَرَّاة، ولا ولاية رَدِّها، وقال (ن): في "شرح مسلم": قال أبو حنيفة: يَردُّها بدُون الصَّاع؛
стр. 3185
لأن الأَصْل أنه إذا أتلَف شيئًا لغَيره رَدَّ مثلَه إنْ كان مِثْليًّا، وإلا فقيمتَه، وأما جِنْسٌ آخَر فخلاف الأُصول، وأجاب الجمهور: بأن السنَّة إذا وردَتْ لا يُعتَرض عليها بالمَعقول.
* * *
٦٦ - بابُ بَيْعِ الْعَبْدِ الزَّانِي
وَقَالَ شُرَيْحٌ: إِنْ شَاءَ رَدَّ مِنَ الزِّناَ.
(باب بَيْع العَبْد الزَّاني)
أي: الرَّقيق؛ فإنَّ الذي في الحديث الأَمَة، ولا فَرْقَ، أو أنَّ العبد شامِلٌ للذَّكَر والأُنثى.
* * *
٢١٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "إِذَا زَنَتِ الأَمَةُ فَتَبيَّنَ زِناَهَا فَلْيَجْلِدْهَا، وَلَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا، وَلَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ فَلْيَبعْهَا، وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ".
الحديث الأول:
(فليجلدها) فيه أن السيِّد يُقيم الحَدَّ على رقيقه خلافًا لأبي حنيفة.
стр. 3186
(ولا يثرب) بمثلَّثةٍ، أي: يُوبخُ، ويُقَرِّع؛ لارتفاع اللَّوم بالحدِّ، أو التَّوبة، وقال (خ): معناه لا يكتَفي بالتَّثريب، بل يجلدُها.
* * *
٢١٥٣ - و ٢١٥٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله بن عَبْدِ الله، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بن خَالِدٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ سُئِلَ عَنِ الأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصِنْ، قَالَ: "إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَبيعُوهَا، وَلَوْ بِضَفِيرٍ".
قَالَ ابن شِهَابٍ: لَا أَدْرِي بَعْدَ الثَّالِثَةِ، أَوِ الرَّابعَةِ.
الثاني:
(ولم تُحصن) بفتح الصَّاد، المراد بالإحصان هنا العِفَّة كما في: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور:٤]، نعَمْ، نقَل البغَوي عن الأكثر تفسيرَ الإحصان في الآية بالإِسلام، وإلا فلا رَجْمَ في الرَّقيق أُحصِن أو لا؛ لقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ١٢٥]، والرَّجْم لا يُنَصَّف.
قال (خ): أو المُراد بالإحصان العِتْق، فإنَّ ذِكْره هنا غريبٌ مُشكلٌ جدًّا، فإنها لا تُرجم بالإجماع.
(ثم إن زنت)؛ أي: بعد أن جُلِدت، أما مَن زَنا مِرارًا ولم يُجلَد فلا يُجلَد إلا مرَّةً واحدةً.
стр. 3187
وفيه أنَّ الأمر بعدَم مُخالَطة الفاسق بل نُفارِقه.
وهذا البَيع مستحبٌّ لا واجبٌ خلافًا للظَّاهرية، وبَيْع الثَّمين بالثمَن اليَسير لا سيَّما لمصلحةٍ، وأما كونه يَكره شيئًا لنفْسه، ويَرضاه للمُشتري، فإنما هو لتوقُّع أن تَستعفِفَ عند المشتري بأن يُزوِّجَها، أو يُعفَّها بنفْسه، أو يَصونَها لهَيْبته، أو بالإحسان إليها.
(بضفير)؛ أي: منسوجٌ، مِن ضفَرت الشَّعر ونحوه، أي: فَتلْتُه، أو نسجته.
* * *
٦٧ - بابُ البَيْعِ والشِّراء مَعَ النِّسَاءِ
(باب الشِّراء والبَيْع مع النِّساء)
٢١٥٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ عُرْوَةُ بن الزُّبَيْرِ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ الله ﷺ فَذَكَرْتُ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "اشْتَرِي وَأَعْتِقِي، فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ". ثُمَّ قَامَ النَّبيُّ ﷺ مِنَ الْعَشِيِّ، فَأَثْنَى عَلَى الله بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: "مَا بَالُ أُناَسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَ في كِتَابِ الله؟ مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ في كِتَابِ الله فَهْوَ بَاطِلٌ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ، شَرْطُ الله أَحَقُّ وَأَوْثَقُ".
стр. 3188
الحديث الأول:
قد سبق شرح حديث بَرِيْرة في (باب: ذِكْر البَيع على المِنْبر في المَسجِد).
(فذكرت)؛ أي: قصَّة بَرِيْرة وشِرائها، وأنَّ أهلَها شَرطوا أن يكون الولاءُ لغير المعتِق، أي: للبائِع.
(في كتاب الله)؛ أي: في حُكم الله؛ لأنه مكتوبُ الله على العِباد سواءٌ في القُرآن أو السُّنَّة.
* * *
٢١٥٦ - حَدَّثَنَا حَسَّانُ بن أَبي عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: سَمِعْتُ ناَفِعًا، يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ ﵄: أنَّ عائِشَةَ ﵂ ساوَمَتْ بَرِيرَةَ، فَخَرَجَ إلى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا جاءَ قَالَتْ: إنَّهُمْ أَبَوْا أنْ يَبيعُوهَا إلَّا أنْ يَشْتَرِطُوا الوَلَاءَ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ". قُلْتُ لِنَافِعٍ: حُرًّا كَانَ زَوْجُهَا أَوْ عَبْدًا، فَقَالَ: مَا يُدْرِينِي.
الثاني:
(ما يدريني)، (ما) استفهاميةٌ، أي: لا أَعلَم ذلك، نعَمْ، ثبَتَ أنه كان عبْدًا كما في "مسلم" عن ابن عبَّاس، وعائشة.
* * *
стр. 3189
٦٨ - بابٌ هَلْ يَبيعُ حَاضرٌ لِبَادٍ بِغَيْرِ أَجْرٍ؟ وَهَلْ يُعِينُهُ أَوْ يَنْصَحُهُ ؟
وَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "إِذَا اسْتَنْصَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَنْصَحْ لَهُ". وَرَخَّصَ فِيهِ عَطَاءٌ.
(باب: هل يَبيعُ حَاضرٌ لبَادٍ؟)
قصد البخاري بهذا الباب والذي بعدَه جَواز بَيْع الحاضر للبادي بغير أُجرةٍ، وامتناعه بالأُجرة، يدلُّ عليه؛ سِمسارًا أو غير السِّمسار بقَصْد النُّصح، فاستنبطَه من ذلك، وإلا فالحديث لا تعرُّضَ له لا لأُجرةٍ ولا لغيرها.
(وقال النبي ﷺ ) رواه أحمد عن حَكِيْم بن يزيد، عن أبيه، والبَيْهَقي عن جابر.
(فلينصح) النُّصح الإخلاص عن شَوائب الفَساد، والمُراد حيازة الحظِّ للمَنْصوح له (١).
* * *
٢١٥٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن عَبْدِ الله، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، سَمِعْتُ جَرِيرًا ﵁: بَايَعْتُ رَسُولَ الله ﷺ عَلَى شَهَادَةِ أَنْ
стр. 3190
لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.
الحديث الأول:
(السمع والطاعة)؛ أي: لأحكام الله ورسوله، وسبق الحديث في آخر (كتاب الإيمان)، وفي سنده ثلاثةٌ كوفيُّون يُكنون كلٌّ أبو عبد الله.
* * *
٢١٥٨ - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بن مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ عَبْدِ الله بن طَاوُسٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ، وَلَا يَبيعُ حَاضرٌ لِبَادٍ". قَالَ: فَقُلْتُ لاِبن عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُهُ: لَا يَبيعُ حَاضرٌ لِبَادٍ؟ قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا.
الثاني:
(سمسارًا)؛ أي: دَلَّالًا، وهو يشمَل البائعَ والمُشتري، والمشهور أن يَقدم غَربٌ، فيقول له البلَديُّ: لا تَبعْ حتى أبيعَ لك على التَّدريج بأَعلى، والبَيْع صحيحٌ مع ارتكاب التحريم، وهذا وإنْ كان نُصْحًا للقادِم فقط، لكنْ ليس نُصحًا لعُموم البلَد؛ لعُموم الضَّرر، وقال أبو حنيفة: يجوز بَيع الحاضِر للبادي مُطلَقًا؛ لحديث: "الدِّيْنُ النَّصِيْحَةُ"، وحديث