(ولا يثرب) بمثلَّثةٍ، أي: يُوبخُ، ويُقَرِّع؛ لارتفاع اللَّوم بالحدِّ، أو التَّوبة، وقال (خ): معناه لا يكتَفي بالتَّثريب، بل يجلدُها.
* * *
٢١٥٣ - و ٢١٥٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله بن عَبْدِ الله، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بن خَالِدٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ سُئِلَ عَنِ الأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصِنْ، قَالَ: "إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَبيعُوهَا، وَلَوْ بِضَفِيرٍ".
قَالَ ابن شِهَابٍ: لَا أَدْرِي بَعْدَ الثَّالِثَةِ، أَوِ الرَّابعَةِ.
الثاني:
(ولم تُحصن) بفتح الصَّاد، المراد بالإحصان هنا العِفَّة كما في: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور:٤]، نعَمْ، نقَل البغَوي عن الأكثر تفسيرَ الإحصان في الآية بالإِسلام، وإلا فلا رَجْمَ في الرَّقيق أُحصِن أو لا؛ لقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ١٢٥]، والرَّجْم لا يُنَصَّف.
قال (خ): أو المُراد بالإحصان العِتْق، فإنَّ ذِكْره هنا غريبٌ مُشكلٌ جدًّا، فإنها لا تُرجم بالإجماع.
(ثم إن زنت)؛ أي: بعد أن جُلِدت، أما مَن زَنا مِرارًا ولم يُجلَد فلا يُجلَد إلا مرَّةً واحدةً.
стр. 3187
وفيه أنَّ الأمر بعدَم مُخالَطة الفاسق بل نُفارِقه.
وهذا البَيع مستحبٌّ لا واجبٌ خلافًا للظَّاهرية، وبَيْع الثَّمين بالثمَن اليَسير لا سيَّما لمصلحةٍ، وأما كونه يَكره شيئًا لنفْسه، ويَرضاه للمُشتري، فإنما هو لتوقُّع أن تَستعفِفَ عند المشتري بأن يُزوِّجَها، أو يُعفَّها بنفْسه، أو يَصونَها لهَيْبته، أو بالإحسان إليها.
(بضفير)؛ أي: منسوجٌ، مِن ضفَرت الشَّعر ونحوه، أي: فَتلْتُه، أو نسجته.
* * *
٦٧ - بابُ البَيْعِ والشِّراء مَعَ النِّسَاءِ
(باب الشِّراء والبَيْع مع النِّساء)
٢١٥٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ عُرْوَةُ بن الزُّبَيْرِ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ الله ﷺ فَذَكَرْتُ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "اشْتَرِي وَأَعْتِقِي، فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ". ثُمَّ قَامَ النَّبيُّ ﷺ مِنَ الْعَشِيِّ، فَأَثْنَى عَلَى الله بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: "مَا بَالُ أُناَسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَ في كِتَابِ الله؟ مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ في كِتَابِ الله فَهْوَ بَاطِلٌ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ، شَرْطُ الله أَحَقُّ وَأَوْثَقُ".
стр. 3188
الحديث الأول:
قد سبق شرح حديث بَرِيْرة في (باب: ذِكْر البَيع على المِنْبر في المَسجِد).
(فذكرت)؛ أي: قصَّة بَرِيْرة وشِرائها، وأنَّ أهلَها شَرطوا أن يكون الولاءُ لغير المعتِق، أي: للبائِع.
(في كتاب الله)؛ أي: في حُكم الله؛ لأنه مكتوبُ الله على العِباد سواءٌ في القُرآن أو السُّنَّة.
* * *
٢١٥٦ - حَدَّثَنَا حَسَّانُ بن أَبي عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: سَمِعْتُ ناَفِعًا، يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ ﵄: أنَّ عائِشَةَ ﵂ ساوَمَتْ بَرِيرَةَ، فَخَرَجَ إلى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا جاءَ قَالَتْ: إنَّهُمْ أَبَوْا أنْ يَبيعُوهَا إلَّا أنْ يَشْتَرِطُوا الوَلَاءَ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ". قُلْتُ لِنَافِعٍ: حُرًّا كَانَ زَوْجُهَا أَوْ عَبْدًا، فَقَالَ: مَا يُدْرِينِي.
الثاني:
(ما يدريني)، (ما) استفهاميةٌ، أي: لا أَعلَم ذلك، نعَمْ، ثبَتَ أنه كان عبْدًا كما في "مسلم" عن ابن عبَّاس، وعائشة.
* * *
стр. 3189
٦٨ - بابٌ هَلْ يَبيعُ حَاضرٌ لِبَادٍ بِغَيْرِ أَجْرٍ؟ وَهَلْ يُعِينُهُ أَوْ يَنْصَحُهُ ؟
وَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "إِذَا اسْتَنْصَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَنْصَحْ لَهُ". وَرَخَّصَ فِيهِ عَطَاءٌ.
(باب: هل يَبيعُ حَاضرٌ لبَادٍ؟)
قصد البخاري بهذا الباب والذي بعدَه جَواز بَيْع الحاضر للبادي بغير أُجرةٍ، وامتناعه بالأُجرة، يدلُّ عليه؛ سِمسارًا أو غير السِّمسار بقَصْد النُّصح، فاستنبطَه من ذلك، وإلا فالحديث لا تعرُّضَ له لا لأُجرةٍ ولا لغيرها.
(وقال النبي ﷺ ) رواه أحمد عن حَكِيْم بن يزيد، عن أبيه، والبَيْهَقي عن جابر.
(فلينصح) النُّصح الإخلاص عن شَوائب الفَساد، والمُراد حيازة الحظِّ للمَنْصوح له (١).
* * *
٢١٥٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن عَبْدِ الله، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، سَمِعْتُ جَرِيرًا ﵁: بَايَعْتُ رَسُولَ الله ﷺ عَلَى شَهَادَةِ أَنْ
стр. 3190
لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.
الحديث الأول:
(السمع والطاعة)؛ أي: لأحكام الله ورسوله، وسبق الحديث في آخر (كتاب الإيمان)، وفي سنده ثلاثةٌ كوفيُّون يُكنون كلٌّ أبو عبد الله.
* * *
٢١٥٨ - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بن مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ عَبْدِ الله بن طَاوُسٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ، وَلَا يَبيعُ حَاضرٌ لِبَادٍ". قَالَ: فَقُلْتُ لاِبن عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُهُ: لَا يَبيعُ حَاضرٌ لِبَادٍ؟ قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا.
الثاني:
(سمسارًا)؛ أي: دَلَّالًا، وهو يشمَل البائعَ والمُشتري، والمشهور أن يَقدم غَربٌ، فيقول له البلَديُّ: لا تَبعْ حتى أبيعَ لك على التَّدريج بأَعلى، والبَيْع صحيحٌ مع ارتكاب التحريم، وهذا وإنْ كان نُصْحًا للقادِم فقط، لكنْ ليس نُصحًا لعُموم البلَد؛ لعُموم الضَّرر، وقال أبو حنيفة: يجوز بَيع الحاضِر للبادي مُطلَقًا؛ لحديث: "الدِّيْنُ النَّصِيْحَةُ"، وحديث
стр. 3191
بيع الحاضر للبادي مَنْسوخٌ.
* * *
٦٩ - بابُ مَنْ كَرِهَ أَنْ يَبيعَ حَاضرٌ لِبَادٍ بِأَجْرٍ
٢١٥٩ - حَدَّثَنِي عَبْدُ الله بن صَبَّاحٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عَبْدِ الله بن دِينَارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبي، عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ ﵄، قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ أَنْ يَبيعَ حَاضرٌ لِبَادٍ.
وَبهِ قَالَ ابن عَبَّاسٍ.
(باب مَن كَرِه أن يَبيعَ حَاضرٌ لِبَادٍ)
سبق شرح الحديث فيه.
* * *
٧٠ - بابٌ لَا يَبيعُ حَاضرٌ لِبَادٍ بِالسَّمْسَرَةِ
وكَرِهَهُ ابن سِيرِينَ، وَإِبْرَاهِيمُ؛ لِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: بِعْ لِي ثَوْبًا، وَهْيَ تَعْنِي الشِّرَاءَ.
٢١٦٠ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بن إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابن جُرَيْجٍ، عَنِ
стр. 3192
ابن شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بن الْمُسَيَّبِ: أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا يَبْتَاعُ الْمَرْءُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبيعُ حَاضرٌ لِبَادٍ".
٢١٦١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذٌ، حَدَّثَنَا ابن عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ أَنَسُ بن مَالِكٍ ﵁: نُهِينَا أَنْ يَبيعَ حَاضرٌ لِبَادٍ.
(بابٌ: لا يَبيعُ حَاضرٌ لِبَادٍ بالسَّمْسَرة)، في بعضها: (لا يشتري).
(وإبراهيم)؛ أي: النَّخَعي.
(للبائع والمشتري)؛ أي: كَره ذلك للبائعِ والمُشتري.
(وهي تعني الشراء)؛ أي: فيَجوز على قَول مَن يَرى استِعمالَ المُشترك في معنَييه، قال (ك): إلا إنْ قيل: هما ضِدَّان، وطريقُه أن يُقال فيه بعُموم المَجاز.
قلتُ: لا تَضادَّ في استعمالهما كالقُرء للطُّهر والحَيْض، كما حرَّرنا ذلك في "شرح الألفيَّة".
ووجه استفادة السَّمْسَرة المبوَّب عليها من الحديث: أنه الغالب من البيع لغَيره، فالحاصل أنَّ الحديث واحدٌ ذكَره في الأبواب بطَريق التَّقْوية والتَّأْكيد، واستُدلَّ به للأجر، ولتقدُّم الأجر والسَّمْسَرة بالاستِنباط كما بينَّاه، فأشار باختلاف الطُّرُق مع اختلاف المُستنبَط إلى استِناد كلِّ حكمٍ إلى راويةٍ عنه.
* * *
стр. 3193
٧١ - بابُ النَّهْيِ عَنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ، وَأَنَّ بَيْعَهُ مَرْدُودٌ؛ لأَنَّ صَاحِبَهُ عَاصٍ آثِمٌ إِذَا كَانَ بِهِ عَالِمًا، وَهوَ خِدَاعٌ في الْبَيْعِ، وَالْخِدَاعُ لَا يَجُوز
(باب النهي عن تلَقِّي الرُّكْبَان)؛ أي: استقبالهم قبْل أن يقدموا الأسواقَ، وسبق بيانه.
(مردود) لعلَّ هذا مذهب البخاري أن النَّهي يَقتضي الفَسادَ مُطلقًا سواءٌ أكان لخارجٍ أو لا، كما قاله بعض الأصوليين، وإنْ كان الجمهور على أن الفَساد إذا كان النَّهيُ لعَيْنِ الشيء، أو لازِمِه، لا لخارجٍ عنه كهذا.
(إذا كان عالمًا) أي: بالنَّهي، فهو شرطٌ لكل منهيٍّ عنه.
٢١٦٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لَا يَبيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلَا تَلَقَّوُا السِّلَعَ حَتَّى يُهْبَطَ بِهَا إِلَى السُّوقِ".
(على بيع) عُدِّيَ بـ (على) تضمينًا له معنى الاستعلاء والغلَبة.
(السلع) جمع: سِلْعة، وهي المَتاع.
قال (خ): نُهي عن بيع الحاضر نهيَ كراهةٍ؛ فإنَّ فيه قطْعَ مَرافِق
стр. 3194
الناس، وأما التَّلَقِّي فالغِشُّ فيه غير مأْمونٍ، والغُبن غير مرفوعٍ.
* * *
٧٢ - بابُ مُنْتَهَى التَّلَقِّي
(باب مُنتَهى التلَقِّي)؛ أي: مُنتَهى جوازه، وهو إلى أعلى سُوق البلَد، أما التلقِّي المُحرَّم فما كان إلى خارج البلد.
٢١٦٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ الله، قَالَ: حَدَّثَنِي ناَفِعٌ، عَنْ عَبْدِ الله ﵁ قَالَ: كَانُوا يَبْتَاعُونَ الطَّعَامَ فِي أَعْلَى السُّوقِ، فَيَبيعُونَهُ فِي مَكَانِهِمْ، فَنَهَاهُمْ رَسُولُ الله ﷺ أَنْ يَبيعُوهُ في مَكَانِهِ حَتَّى يَنْقُلُوهُ.
ووجْه مطابقة الحديث للترجمة: أنه ليس فيه إلا المنع من بيعهم في مكانه، فعُلم أن مثْل هذا التلقِّي غير منهيٍّ، وهو معنى قول البخاري بعد ذلك: (هذا في أعلى السُّوق)، أي: فإنه يفهم أن المنهيَّ هو التلقِّي خارجَ البلَد.
(حتى ينقلوه) الغرَض: حتى يَقبضوه؛ لأنه العُرف في قَبْض المَنقول.
ففيه أن البيع قبْل القَبض غير صحيحٍ.
* * *
стр. 3195
٧٣ - بابٌ إِذَا اشْتَرَطَ شُرُوطًا في الْبَيْعِ لَا تَحِلُّ
(بابٌ: إذا اشتَرط في البَيع شُروطًا لا تَحِلُّ)
٢١٦٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بن عُرْوَةَ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ في كُلِّ عَامٍ وَقِيَّةٌ، فَأَعِينِينِي. فَقُلْتُ: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ، وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي، فَعَلْتُ. فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ، فَأَبَوْا عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ وَرَسُولُ الله ﷺ جَالِسٌ، فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ. فَسَمِعَ النَّبيُّ ﷺ ، فَأخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبيَّ ﷺ فَقَالَ: "خُذِيهَا، وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ". فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ الله ﷺ في النَّاسِ، فَحَمِدَ الله وَأثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ: مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ في كِتَابِ الله؟ مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ في كِتَابِ الله فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، قَضَاءُ الله أَحَقُّ، وَشَرْطُ الله أَوْثَقُ، وإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ".
الحديث الأول:
(كاتبت) ظاهره أن الكِتابة كانتْ وُجدت، فما وقَع من شِرَاءِ
стр. 3196
عائشة فسخٌ لها عند مَن يقول به.
قلت: هو وجْهٌ ضعيفٌ تفريعًا على القَول بجواز بَيع المكاتَب، والأصح تفريعًا على ذلك: أنه ينتقل للمُشتري مُكاتَبًا، فإذا أدَّى النُجوم له عتَق، وأما إذا قُلنا: لا يجوز بيع المُكاتَب، وهو قَول الشافعي الراجِح وغيره، فيُشكِل الحديث؛ فمنهم مَن قال: لم يكُن عقد الكِتابة وقَع، إنما راوضَهم عليها، ولكنه خِلاف ظاهر الأحاديث، بل صريحُ بعضها التي فيها: أنها أعطَتْ بعضَ النُّجوم دون الباقي، وقيل: بل لأنها عجَّزت نفسَها، فيفسخ السيِّد بذلك الكتابةَ، وهو المختار.
قلت: ويحتمل أن الكتابة كانت فاسدةً؛ لخلَلٍ في الصِّيغة، أو تعليقٍ بشرطٍ مُفسِدٍ، والممتنع بيعه إنما هو المكاتَب صحيحةً.
(أُواقي) بتخفيف الياء وتشديدها: جمع أُوْقِيَّة بضم الهمزة، وتشديد الياء، وهي على الأصح: أربعون درهمًا.
(في كل عام) دليلٌ على أن مال المُكاتَبة بنجومٍ متعدِّدةٍ.
(أعدها)؛ أي: أشتَريكِ، وأَزِنُ الأَواقي ثمنَك، وأُعتقُكِ، ويكون وَلاؤُك لي.
(من عندهم) في بعضها: (من عندها)؛ أي: من أهلها.
(فأخبرت) أخبرته عائشة مفصَّلًا، وإنْ كان النبي ﷺ سمع ذلك من بَريْرة مُجْمَلًا.
(واشترطي لهم الولاء) قد استُشكل بأن الشرط إذا كان فاسدًا؛ فكيف يأذَن فيه؟!
стр. 3197
قال (ن): هو مُشْكِلٌ من هذا، ومن حيث إنها تَخدع البائعَ، وشَرْط ما لا يصحُّ، حتى إن بعضَهم أنكر من الحديث هذه اللَّفظة بجُملته، وهو منقولٌ عن يحيى بن أَكْثَم -بفتح الهمزة، والمثلَّثة- قاضي بَغْداد.
قال: لأنها ساقطةٌ في كثيرٍ من الرِّوايات، فأوَّلَه العلماء بتأويلاتٍ، إما أنَّ (لهم) بمعنى: عليهم، نحو: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء:٧]، أو المراد: أظْهِري لهم حكم الوَلاء، أو التَّوبيخ لهم؛ لأنَّه قد بُيِّن لهم فَساد الشرط، ولَجُّوا في اشتراطه، أي: فلا تُبالي إن شرطتِه أو لا، ويكون ذلك من خصائص عائشة، وهي قصَّة عينٍ لا عُمومَ فيها، أو أنه أذِنَ في ذلك ثم أبطلَه؛ ليكون أبلَغ في زَجْرها عليه، كما أمرَهم بفَسْخ الحجِّ للعُمْرَة زجرًا عما كانوا يعتقِدونه من منعها في أشهر الحجِّ، وقد يحتمل المفسدة اليسيرة لتَحصيل مصلحةٍ عظيمةٍ.
قال (خ): أو أنه لمَّا كان الوَلاء لُحْمةً كلُحمة النَّسَب؛ فإذا أعتَق عبدًا ثبت له الولاء عليه كما إذا وُلد له ولد ثبَت نسبُه، فكما لا يَقدح في نسَبه من يَنقله لغير أبيه كذلك لا يَقدح في الولاء من يَنقله لغير المُعتِق، فشرْطه بمنزلة اللَّغْو في الكلام، وتكون الإشارة بردِّه وإبطاله قولًا يُخطب به على رؤُوس الأشهاد، فهو أبلغَ في النَّكير وأَوْكَد في التعيير، أو أن هذا الأمر للتهديد الذي باطنُه النَّهي نحو: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠].
(ما بال) سُقوط الفاء منه وهو جوابُ (أمَّا) مِن النُّدور، وإنْ كان
стр. 3198
جائزًا، كما سبق نحوه في (الحج)، في (باب: طواف القَارِن) في: (وأما الذين جمعوا بين الحجِّ والعُمْرَة طافُوا).
(في كتاب الله)؛ أي: مَكتُوبهِ ولو كان في السُّنَّة.
(مائة شرط)؛ أي: ولو ذكَر الشَّرط الفاسدَ مائةَ مرَّةٍ كما صرَّح به في الرِّواية الأُخرى، فيكون: (شَرْط) مصدرًا بمعنى: الاشتراط.
(إنما) للحصر، فلا يَثبُت الولاء للحَلِيْف ونحوه.
وفيه جواز السَّجْع إذا لم يتكلَّفْه، وإنما نُهي عن سَجْع الكُهَّان لمَّا فيه من التكلُّف، وفي الحديث مباحث كثيرةٌ سبق بعضها في (باب: ذكْر البَيع على المِنْبر) في (أبواب المساجد)، وصنَّف فيه ابن جَرِيْر مُجلَّدًا كبيرًا.
* * *
٢١٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ ﵄: أَنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً، فتعْتِقَهَا، فَقَالَ أَهْلُهَا: نبَيعُكِهَا عَلَى أَنَّ وَلَاءَهَا لَنَا. فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ: "لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ".
الحديث الثاني:
(فيعتقها) بالنصب عطفٌ على المنصوب.
* * *
стр. 3199
٧٤ - بابُ بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ
(باب بَيعِ التَّمْر بالتَّمْر) بالمثنَّاة، وسكون الميم فيهما.
* * *
٧٥ - بابُ بَيع الزَّبيبِ بِالزَّبيبِ، وَالطعَام بِالطَّعَامِ
(باب بيعِ الزَّبيب بالزَّبيب)
قال الإِسْماعِيْلي: ليس في الحديث من جِهَة النَّصِّ بيع الزَّبيب بالزَّبيب، ولا الطَّعام بالطَّعام إلا من جِهَة المعنى، قال (ك): هو مفهومٌ من نهي بيع الزَّبيب بالعِنَب، أي: فيجوز بيع الزَّبيب، ويُقاس بيع الطَّعام بالطَّعام عليه.
قلت: وله مفهومٌ آخر منهيٌّ، وهو الرُّطب بالرُّطب، فلا يتعيَّن الأول إلا أن يُقال: خرج ذلك بدليلٍ.
* * *
٢١٧١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنْ عَبْدِ الله ابن عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنِ الْمُزَابنةِ. وَالْمُزَابنةُ بَيعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كيْلًا، وَبَيْعُ الزَّبيبِ بِالْكَرْمِ كَيْلًا.
الحديث الأول:
(المزابنة) مِن الزَّبن، بالزاي والموحَّدة، وهو الدَّفْع؛ لأن كُلًّا
стр. 3200
يدفَع صاحبَه عن حقِّه، وذلك لأنَّ مَدارَه على الخَرْص الذي لا يُؤمَن فيه التَّفاوُت، فتقَع فيه المُخاصَمة أكثر من غيره.
(الثَمَر) بفتح المثلَّثة، والميم.
(بالتَّمْر) بالمثنَّاة فوق، وسُكون الميم، أي: بَيْع الرُّطب على رؤُوس النَّخل بالتَّمْر، وإلا فسائر الثِّمار يجوز بيعُها بالتَّمْر، وإنْ أُريد بالبيع الشِّراءُ جاز (١) أن يُقرأَ اللَّفظان بالعكس، كما سبق.
(كيلًا) جاز ذا على ما كان في عادتهم، وإلا فالمنع عامٌّ بكيلٍ أو غيره.
(بالكَرْم) بسكون الراء، أي: شجَر العِنَب.
* * *
٢١٧٢ - حَدثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بن زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ ﵄: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُزَابنةِ. قَالَ: وَالْمُزَابنةُ أَنْ يَبيعَ الثَّمَرَ بِكَيْلٍ؛ إِنْ زَادَ فَلِي، وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَيَّ.
٢١٧٣ - قَالَ: وَحَدَّثَنِي زيدُ بن ثَابتٍ: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا.
الحديث الثاني:
(بكيل)؛ أي: من الزَّبيب، أو التَّمْر معيَّن.
стр. 3201
(إن زاد فلي) في محل نصبٍ بالحال، أي: قائلًا: إِنْ زادَ التَّمْر المَخْروصُ على ما يُساوي.
(والعَرَايا) يأتي شرحه قريبًا.
(بخرصها) الباء للسَّببية، أي: بسبَب خَرْصها، وهو بفتح الخاء مصدرٌ، وبكسرها: المَخرُوص.
قال (ن): الفتح أشهَر، وقال القُرطبيُّ: الرِّواية بالكسر، يُقال: كم خَرْصُ أرضكَ؟، أو للإلصاق، أي: رخَّص متلبسًا به.
* * *
٧٦ - بابُ بَيْعِ الشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ
(باب بَيْع الشَّعير بالشَّعير)
٢١٧٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ مَالِكِ بن أَوْسٍ أَخْبَرَهُ: أنَّهُ الْتَمَسَ صَرْفًا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَدَعَانِي طَلْحَةُ ابن عُبَيْدِ الله، فترَاوَضْنَا، حَتَّى اصْطَرَفَ مِنِّي، فَأَخَذَ الذَّهَبَ يُقَلِّبُهَا فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: حَتَّى يَأْتِيَ خَازِنِي مِنَ الْغَابَةِ، وَعُمَرُ يَسْمَعُ ذَلِكَ، فَقَالَ: وَالله لَا تُفَارِقُهُ حَتَّى تَأْخُذ مِنْهُ، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ).
стр. 3202
(صرفًا) قال العلماء: هو بيع الذَّهب بالفِضَّة؛ لصرفه عن مُقتضى البيَاعات من التفرُّق قبل التَّقابض، وقيل: من صَريفِهما وهو تصويتهما في الميزان، أما بيع الذَّهب بالذَّهب، والفِضَّة بالفِضَّة؛ فيُسمَّى: مُراطَلةً.
(فتراوضنا) بإعجام الضاد، أي: تجاذَبنا في البيع والشراء، وهو ما يجري بين البائع والمشتري من الزِّيادة والنُّقصان، كأنَّ كلَّ واحدٍ يَرُوض صاحبَه على ما يُريد مِن رياضة الدابَّة، وقيل: هو المواصَفَة بالسلعة بأن يصِفَها ويمدحَها عنده.
(حتى يأتي)؛ أي: اصِبرْ حتى يَأْتي، وإنما قال ذلك ظنًّا أنه يجوز كسائر البُيوع، فلمَّا أبلغَه عُمر حُكم المسألةِ تَرَك المُصارَفة.
(من الغابة) بالموحَّدة.
* * *
٧٧ - بابُ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ
(باب بَيْع الذَّهب بالذَّهب كيف شِئْتُم)؛ أي: متساويًا، أو متفاوِتًا، لا في الحُلول والتَّقابُض في المَجلس؛ فإنهما واجبان.
* * *
стр. 3203
٧٨ - بابُ بَيْعِ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ
(باب بَيْع الفِضَّة بالفِضَّة)
٢١٧٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بن سَعْدٍ، حَدَّثَنَا عَمِّي، حَدَّثَنَا ابن أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بن عَبْدِ الله، عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ ﵄: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ حَدَّثَهُ مِثْلَ ذَلِكَ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ، فَلَقِيَهُ عَبْدُ الله بن عُمَرَ، فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ! مَا هَذَا الَّذِي تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ ؟ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ في الصَّرْفِ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ وَالْوَرِقُ بِالْوَرِقِ مِثْلًا بِمِثْل".
الحديث الأول:
(مثل ذلك)؛ أي: مثل حديث أبي بَكْرة في وُجوب المساواة.
(تلقيه)؛ أي: مرَّةً أُخرى، وإلا فقد عُلم لقيُّه إيَّاه من تحديثه له.
(ما هذا) إنما أَنكَر؛ لأنه كان يعتقِد قبل ذلك جَواز المُفاضَلة.
(في الصرف)؛ أي: في شأن الصَّرْف.
(الذهب) بالرفع، أي: بيع الذَّهب، فحذف المُضاف للعِلْم به، وبالنَّصب، أي: بِيعُوا الذَّهبَ.
(والوَرِق) الدراهم المَضْرُوبة، وقد تُسكَّن الراء، وقد تُكسر الواو مع إسكان الراء، فهي ثلاث لغاتٍ كما في نظائره.
стр. 3204
لكن كيف يكُون هذا صرفًا، والصَّرفُ إنما هو بيع الذَّهب بالفِضَّة؟ وجوابه: أن مفهومه الجواز في الذَّهب بالفِضَّة، وهو الصَّرف، مثل ذلك يَشهَد له السِّياق.
* * *
٢١٧٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لَا تَبيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بناجِزٍ".
الحديث الثاني:
(مثلًا) جوَّز أبو البَقاء في نصبه أن يكون مصدرًا حالًا، أي: مُمَاثِلًا، وأن يكون مصدرًا مؤكِّدًا، أي: يُماثِل مثلًا، وكذا في: (وَزْنًا بوَزْن)، إما بمعنى: مُوازِنًا، أو يُوزَن وزْنًا.
(ولا تُشِفُّوا) بضم التاء، وكسر الشين المعجَمة، وتشديد الفاء، أي: تُفضِّلوا، والشِّفُّ بالكسر: الزِّيادة، ويُطلَق على النَّقص، مِن الأضداد.
(بناجز)؛ أي: بحاضرٍ، من النَّجز بالنُّون، والجيم، والزاي، مُقابل الغَائِب، وهو المُؤخَّر، أي: لا تَبيعوا مُؤخَّرًا بحاضرٍ، بل لا بُدَّ من التَّقابُض في المَجلس.
* * *
стр. 3205
٧٩ - باب بَيْعِ الدِّينَارِ بِالدِّينَارِ نَسْأ
(باب بَيعْ الدِّينار بالدِّينار نَسَاء) بفتحتَين، ممدودةٌ، أي: مؤجَّلًا.
٢١٧٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن عَبْدِ الله، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بن مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا ابن جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بن دِينَارٍ: أَنَّ أَبَا صَالِحٍ الزَّيَّاتَ أَخْبَرَهُ: أنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ يَقُولُ: الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ.
٢١٧٩ - فَقُلْتُ لَهُ: فَإنَّ ابن عَبَّاسٍ لَا يَقُولُهُ. فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَأَلْتُهُ، فَقُلْتُ: سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبيِّ ﷺ ، أَوْ وَجَدْتَهُ فِي كِتَابِ الله؟ قَالَ: كُلُّ ذَلِكَ لَا أَقُولُ، وَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بِرَسُولِ الله ﷺ مِنِّي، وَلَكِنَّنِي أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "لَا رِبًا إِلَّا في النَّسِيئَةِ".
(لا يقوله)؛ أي: إنما كان يقول بأنَّ الرِّبا فيما إذا كان أحَد العِوَضَين نسيئةً، أما التَّفاضُل فلا رِبَا فيه عنده، فيَجوز بيع الدِّرْهم بدرهمَين، لكنَّه رجع عن ذلك حين بلغَه حديثُ أبي سعيد.
(كل ذلك) بالرفع، أي: لم يكُن لا السَّماع ولا الوِجْدان، فهو سلبٌ كليٌّ، بخلاف ما لو نُصِب، فإنه حينئذٍ لسَلْب الكُلِّ لا لعُموم السَّلْب.
стр. 3206
(أنتم أعلم)؛ أي: لأنكم كُنتُم بالِغِيْن كامِلِين عند مُلازَمة رسول الله ﷺ ، وأنا كنتُ صغيرًا.
واعلم أنَّ الجمع بين حديث أُسامة وحديث أبي سَعيد من وُجوهٍ:
أحدها: أن ذلك بحسَب اختلاف اعتِقاد السَّامع، فلعلَّه كان يعتقد الرِّبا في غير الجِنس حالًا، فقِيل ذلك ردًّا لاعتِقاده: لا رِبا إلا في النَّسيئة، أي: فيه مُطْلَقُه، أو أنه محمولٌ على غير الرِّبَويَّات كبَيع الدَّين بالدَّين مؤجَّلًا، بأنْ يَبيع ثَوبًا مَوصوفًا بعبدٍ موصوفٍ مؤجَّلًا، فإنْ باعَه به حالًا جاز، أو محمولٌ على الأجناس المختلفة، فإنَّ التفاضل فيها ليس فيه ربًا، ولكنه مجمَلٌ فبيَّنه حديث أبي سعيد، أو هو منسوخٌ فقد أجمَعوا على تَرْك العمَل بظاهره.
قال (خ): أو أنه سَمع كلمةً من آخِر الحديث، ولم يذكُر أوَّلَه، كأنْ سُئل عن التَّمْر بالشَّعير، أو الذَّهب بالفِضَّة مُتفاضلًا، فقال: إنما الرِّبا في النَّسيئة، وهو صحيحٌ؛ لاختلاف الجِنس.
* * *
٨١ - بابُ بَيْع الذَّهَبِ بِالْوَرِقِ يَدًا بِيَدٍ
(باب بَيْع الوَرِق بالذَّهب)
٢١٨٢ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بن مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بن الْعَوَّامِ، أَخْبَرَناَ
стр. 3207
يَحْيَى بن أَبي إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن أَبي بَكْرَةَ، عَنْ أَبيهِ ﵁، قَالَ: نَهَى النَّبيُّ ﷺ عَنِ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ وَالذَهَبِ، بِالذَّهَبِ، إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، وَأَمَرَناَ أَنْ نَبْتَاعَ الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْنَا، وَالْفِضَّةَ بِالذَّهَبِ كيْفَ شِئْنَا.
(نسيئة) بوَزْن: كَرِيْمَة، وبالإدغام نحو: بَرِيَّة، وبحذف الهمزة، وكسر النُّون نحو: جِلْسَة.
(الذهب بالوَرِق) هذا عكسُ التَّرجمة إلا أن يُقال: إذا كان العِوَضان نقدَين فلا يَفترق الحالُ بين دُخول الباء على أيِّهما كان.
قال أصحابنا: ويكون الثَّمَن حينئذٍ ما دخلَتْ عليه كما لو كانا عَرضَين.
(دينًا)؛ أي: غير حالٍّ حاضرٍ في المَجلِس.
(في الفضة كيف شئنا) في بعضها: (الفِضَّة)، ومعنى: كيف شِئْنا، أي: مُتفاضلًا أو مُتَساويًا، فلا يُنافي التَّرجمة بقوله: (يدًا بيَدٍ)؛ لأن هذا مختصَرٌ من حديث اعتِبار التَّقابُض فيما هو من جِنْسه وغير جِنسه إذا اشتَركا في عِلَّة الرِّبا، أو أنه لمَّا بيَّن الفَرْق بين البَيع بجنسه وبغير جِنسه في اشتراط المُساواة عُلِمَ أنَّ باقي الشُّروط على حَالِها.
* * *
стр. 3208
٨٢ - بابُ بَيْعِ الْمُزَابنةِ، وَهْيَ: بَيْعُ الثَّمَرِ بالتَّمْر، وَبَيْعُ الزَّبيبِ بِالْكَرْمِ، وَبَيْعُ العَرَايَا
قَالَ أَنَسٌ: نَهَى النَّبيُّ ﷺ عَنِ الْمُزَابنةِ وَالْمُحَاقَلَةِ.
(باب بَيْع المُزابنة)
سبق بَيانُه، وكذا بيان معنى الثمر بالتَّمْر.
(قال أنس) سبَق وصْلُ البخاري إيَّاه.
(والمحاقلة) بالمهملَة، والقاف، مِن الحَقْل وهو الزَّرع، ومَوضعُه، وهي بَيعْ الحِنْطة في سُنْبلها بحنطةٍ صافيةٍ، وقيل: بيع الزَّرع قبْل إدراكه.
وتحريم المُزابنة والمُحاقَلة؛ لأنَّ بَيع الجنس بجنسه يُشتَرط فيه المُماثَلة، وقال (خ): المُحاقَلة: بيع الزَّرع القائِم في الأَرْض بالحَبِّ اليابس، ومنع بَيْعِها؛ لأن معرفة التَّماثُل فيها متعذِّرةٌ.
* * *
٢١٨٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بن بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بن عَبْدِ الله، عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لَا تَبيعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَلَا تَبيعُوا الثَّمَرَ بِالتَّمْرِ".
٢١٨٤ - قَالَ سَالِمٌ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الله، عَنْ زيدِ بن ثَابتٍ: أَنَّ
стр. 3209
رَسُولَ الله ﷺ رَخَّصَ بَعْدَ ذَلِكَ في بَيْعِ الْعَرِيَّةِ بِالرُّطَبِ أَوْ بِالتَّمْرِ، وَلَمْ يُرَخِّصْ في غَيْرِهِ.
الحديث الأول:
(بالرُّطَبِ أو بالتَّمْرِ) قيل: الشَّكُّ من الزُّهْري.
قال (ن): فيه عُلْقةٌ لوجْهٍ عندنا: أنه يجوز بيع الرُّطَبِ على النَّخْل بالرُّطَبِ على الأرض، والأصحُّ عند الجُمهور بطلانه، ويقولون: (أو) في الحديث للشَّكِّ، أو للتَّخيير، أي: شكَّ الراوي هل قال: بالرُّطَبِ، أو بالتَّمْر، لكن أكثَر الرِّوايات: بالتَّمْر، فهو المَعمول به.
قال: والعَرَايا جمع: عَرِيَّة، مُشتقَّةٌ من العُري، وهو التجرُّد؛ لأنها عَرِيت من حُكم باقي البُستان.
قال الجمهور: هي فَعِيْلة بمعنى: فاعِلة، وقال الهَرَويُّ: بمعنى: مَفْعُولة، مِن عَراهُ يَعرُوه: إذا أتاه وتردَّد إليه؛ لأنَّ صاحبَها تردَّد إليها.
قال: وهي اصطلاحًا: أن يَخْرِصَ نخلاتٍ بأنَّ رُطَبَها إذا جفَّ يكون ثلاثةَ أُوسقٍ مثلًا، فيَبيعه بثلاثة أُوسُقٍ من التَّمر، وكذا في الكُرُوم.
٢١٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنِ الْمُزَابنةِ. وَالْمُزَابنةُ: اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا، وَبَيْعُ الْكَرْمِ بِالزَّبيبِ كَيْلًا.
٢١٨٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ دَاوُدَ بن
стр. 3210
الْحُصَيْنِ، عَنْ أَبي سُفْيَانَ مَوْلَى ابن أَبي أَحْمَدَ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنِ الْمُزَابنةِ وَالْمُحَاقَلَةِ. وَالْمُزَابنةُ: اشْتِرَاءُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ في رُؤُوسِ النَّخْلِ.
٢١٨٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: نَهَى النَّبيُّ ﷺ عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابنةِ.
٢١٨٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنْ زَيْدِ بن ثَابتٍ ﵃: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَرْخَصَ لِصَاحِبِ الْعَرِيَّةِ أَنْ يَبيعَهَا بِخَرْصِهَا.
الحديث الثاني:
عُرِفَ شرحه مما سبق، وكذا الثالث، والرابع.
(بخرصها) سبق أنه بفتح الخاء مصدرٌ، وبكسرها المَخرُوص.
* * *
٨٣ - بابُ بَيْعِ الثَّمَرِ عَلَى رُؤوسِ النَّخْلِ بِالذَّهَبِ والْفِضَّةِ
(باب بيْع التَّمْر على رُؤوسِ النَّخْل بالذَّهَب والفِضَّة)
٢١٨٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بن سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا ابن وَهْبٍ، أَخْبَرَناَ ابن
стр. 3211
جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، وَأَبي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابرٍ ﵁، قَالَ: نَهَى النَّبيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَطِيبَ، وَلَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْهُ إِلَّا بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ إِلَّا الْعَرَايَا.
الحديث الأول:
(يطيب)؛ أي: طَعْمُه، والمراد: حتى يَبدُوَ صَلاحُه.
(منه)؛ أي: من الذي يَطيْب.
* * *
٢١٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن عَبْدِ الْوَهَّابِ، قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا، وَسَأَلَهُ عُبَيْدُ الله بن الرَّبيعِ: أَحَدَّثَكَ دَاوُدُ، عَنْ أَبي سُفْيَانَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ رَخَّصَ في بَيع الْعَرَايَا في خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.
الثاني:
(أُوسق) جمع: وَسْقٍ، بفتح الواو وكسرها: سِتُّون صاعًا، والصاع: خمسة أرطالٍ وثلُث.
(أو دون) قال الشافعي: الأَصْل تَحريم المُزابنة، ورخَّص في العَرايا، والرَّاوي شكَّ في الخَمسة، فوجَبَ الأخْذُ باليقين، وطَرْح المَشكُوك، فبقيت الخمسة على التَّحريم الذي هو الأصل.
* * *
(قيل) القائل: عليُّ بن المَدِيْنِي.
(وليس فيه)؛ أي: في هذا الحديث.
* * *
٨٤ - بابُ تَفْسِيرِ العَرَايَا
وقال مَالِكٌ: العَرِيَّةُ أنْ يُعْرِيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ النَّخْلَة، ثُمَّ يَتأذَّى بِدُخُولِهِ عليهِ فَرُخِّصَ له أنْ يَشْتَريَها مِنْهُ بِتَمْرٍ. وقال ابن إدْرِيسَ: الْعَرِيَّةُ لَا تَكُونُ إِلَّا بِالْكَيْلِ مِنَ التَّمْرِ يَدًا بِيَدٍ، لَا يَكُونُ بِالْجزَافِ. وَمِمَّا يُقَوِّيهِ قَوْلُ سَهْلِ بن أَبي حَثْمَةَ بِالأَوْسُقِ الْمُوَسَّقَةِ. وَقَالَ ابن إِسْحَاقَ في حَدِيثهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ ﵄: كَانَتِ الْعَرَايَا أَنْ يُعْرِيَ الرَّجُلُ في مَالِهِ النَّخْلَةَ وَالنَّخْلَتَيْنِ. وَقَالَ يَزِيدُ، عَنْ سُفْيَانَ بن حُسَيْنٍ: الْعَرَايَا نَخْلٌ كَانَتْ تُوهَبُ لِلْمَسَاكِينِ، فَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَنْتَظِرُوا بِهَا، رُخِّصَ لَهُمْ أَنْ يَبيعُوهَا بِمَا شَاؤُوا مِنَ التَّمْرِ.
(باب تَفْسير العَرَايَا)
أي: التي رخَّص ﷺ فيها، واستَثناها من المُزابنة.
(أن يُعْرِيَ)؛ أي: يجرِّد الرجل للرجل نَخْلةً من نَخلات بُستانه، ويَهبَها له يتملَّكُها؛ لأن عند مالك أنَّ الهِبَة تَلزم بنفْس العقد، ثم يتأذَّى الواهِب بدُخوله البستان لأَخْذ الثَّمَرة الموهوبة والتقاطِها، فيشتريها منه
стр. 3214
بتَمْرٍ، ولا يجوز ذلك لغَيره، ومثْلُه قَول أبي حنيفة: إن العَرِيَّة أن يَهبَه نخلةً، ويشقَّ عليه تردُّد الموهوب له إلى بُستانه، ويَكره أن يَرجعَ في هِبَته، أي: بناءً على مَذْهبه في أنَّ الواهِب الأجنبيَّ يَرجع في هبته متى شاء، لكن يُكره، فيَدفع إليه بدلَها تمرًا، ويكون هذا في معنى البيع لا أنه بيعٌ حقيقةً.
وكِلا القَولين بعيدٌ عن ألفاظ الأحاديث؛ لأن لفظ إِرْخاص العَرِيَّة فيها عامٌّ، وهما يُقيِّدانها بصورةٍ، وأيضًا فقد صرَّح بلفْظ البَيع، فنفيُ كونه بيعًا مخالفٌ لظاهر اللَّفْظ.
(وقال ابن إدريس) هو الإِمام الشَّافعي محمَّد بن إدريس ﵁.
قال البَيْهَقي وغيره: إن مراد البخاري بذلك تفسيرها ببَيع الرُّطَب على رؤُوس النَّخْل بالتَّمْر على الأَرْض بالخَرْص، أي: بأن ذاك الرُّطب إذا جَفَّ يكون مقدَّرًا بالكيل مثل التَّمر الذي يُشترى به، وهو معنى قول البخاري.
(بالكيل من التَّمْر)؛ أي: لتُعلَم المُساواة.
(لا بالجُزَاف) لفَقْد العِلْم بالتَّساوي.
(يدًا بيد)؛ أي: مع التَّقابُض في المَجلس، لكن قبْض الرُّطَب على النَّخْل بالتَّخلية، وقبض التَّمْر بالنَّقل كغيره، وتفسير الشَّافعي هو المُوافِق لتفسير يحيى بن سعيد راوي الحديث، وقوَّى البخاري ذلك بقول سَهْلٍ: (بالأوسق الموسقة) وفائدةُ (المُوسَقة) التَّأْكيد، كما في:
стр. 3215
﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾ [آل عمران:١٤]، وقولهم: ألوفٌ مؤلَّفةٌ، أي: لأنه لو أُريد ما قالَه مالكٌ، وأبو حنيفة ما كان يعبر فيه دُون خمسة أوسُق؛ لوُجود العلَّة المذكررة في الأقلِّ من ذلك.
(أن ينتظروا)؛ أي: جُدادها، والجمهور على أنه بعكْس ذلك، وهو أن سبَب الرُّخصة أن المَساكين ليس لهم نَخْلٌ ولا نَقْدٌ يشترون به رُطَبًا، وفضَلَ عن قُوتهم تمرٌ، وهم وأهلُهم يشتَهون الرُّطَب، فرخَّص لهم شِراءَ الرُّطَب على رُؤوس النَّخْل بالتَّمْر ياْكُلونه أولًا فأولًا.
* * *
٢١٩٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَناَ عَبْدُ الله، أَخْبَرَناَ مُوسَى بن عُقْبَةَ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنْ زَيْدِ بن ثَابتٍ ﵃: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كيْلًا.
قَالَ مُوسَى بن عُقْبَةَ: وَالْعَرَايَا نَخَلَاتٌ مَعْلُومَاتٌ تأْتِيهَا فَتَشْتَرِيهَا.
(وقال موسى بن عقبة) ليس غرَضُه عُمومَ العَرايا لكلِّ مبتاعٍ من ثمرة النَّخْل بأيِّ عوضٍ كان، بل بيانَ أنَّها مشتقَّةٌ من عَرَوْتُ: إذا أتَيْتُ وتَردَّدت، لا من العُري بمعنى التَّجرُّد، وقد سبق بيان اشتقاقها، أو قَصْده اشتِراء الرُّطَب بالتَّمر بشُروطه التي قد عُرفت.
* * *
стр. 3216
٨٥ - بابُ بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا
(باب بَيعْ الثِّمار قَبْل أن يَبدُوَ صَلاحُها)؛ أي: يَظهَر بالصِّفة المَطلوبة من تلك الثَّمَرة بظُهور النُّضْج والحَلاوة، وبزَوال العُفونة والتَّمَوُّهِ واللِّين، وبطِيْب الأكل، ونحو ذلك في كلِّ شيءٍ بحسَبه، وعليه تَتنزَّل ألفاظُ الأحاديث.
٢١٩٣ - وَقَالَ اللَّيْثُ، عَنْ أَبي الزِّناَدِ: كَانَ عُرْوَةُ بن الزُّبَيْرِ يُحَدِّثُ عَنْ سَهْلِ بن أَبي حَثْمَةَ الأَنْصَارِيِّ مِنْ بني حَارِثَةَ: أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ زيدِ بن ثَابتٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّاسُ في عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ يَتَبَايَعُونَ الثِّمَارَ، فَإذَا جَدَّ النَّاسُ، وَحَضَرَ تَقَاضيهِمْ، قَالَ الْمُبْتَاعُ: إِنَّهُ أَصَابَ الثَّمَرَ الدُّمَانُ، أَصَابَهُ مرَاضٌ، أَصَابَهُ قُشَامٌ؛ عَاهَاتٌ يَحْتَجُّونَ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ لَمَّا كثُرَتْ عِنْدَهُ الْخُصُومَةُ في ذَلِكَ: "فَإِمَّا لَا فَلَا تَتَبَايَعُوا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُ الثَّمَرِ". كَالْمَشُورَةِ يُشِيرُ بِهَا؛ لِكثْرَةِ خُصُومَتِهِمْ.
وَأَخْبَرَني خَارِجَةُ بن زيدِ بن ثَابتٍ: أَنَّ زيدَ بن ثَابتٍ لَمْ يَكُنْ يَبيعُ ثِمَارَ أَرْضهِ حَتَّى تَطْلُعَ الثُّرَيَّا، فَيَتَبَيَّنَ الأَصْفَرُ مِنَ الأَحْمَرِ.
٢١٩٣ / -م - قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: رَوَاهُ عَلِيُّ بن بَحْرٍ، حَدَّثَنَا حَكَّامٌ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ أَبي الزِّناَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ سَهْلٍ، عَنْ زيدٍ.
стр. 3217
(وقال الليث) قال عصْرِيُّنا: لم أقِفْ له على إسنادٍ إليه، وأظنُّه في نُسْخة أبي صالح كاتِبه عنه، لكنْ رواه سَعيد بن مَنْصور عن عبد الرَّحمن بن أبي الزِّناَد، عن أبيه، عن خَارجة بن زيد، انتهى.
وقد أشار البخاري إلى وَصْل الحديث من غير طَريقه، فهو الحديث الأول من الباب.
(جَد الناس) بفتح الجيم، أي: قطَعوا ثِمارَهم، وهو الجُداد.
(الدُمَان) بضم الدال، وتخفيف الميم، وآخره نون: فَساد التَّمْر، وعَفَنُه قبْل إدراكه حتى يَسْوَدَّ، مأْخوذٌ من الدِّمْن، وهو السِّرْقِين، ويُقال: الدُّمال، باللام، وقيَّده الجَوْهَري، وصاحب "المُجمَل" بفتح الدال، لكنَّ الضم هو ما في "غَريب خ"، قال ابن الأَثِيْر: وكأنه أشْبَه، كما في غيره من الأَدْواء والعاهات كالسُّعال، والزُّكام.
قال (خ): ويُروى: (الدِّيان) بالياء، ولا معنى له.
(مُرَاض) بضم الميم، وتخفيف الراء، وضاد معجَمة: داءٌ يُصيب النَّخْل، وقيل: هو اسمٌ لكل مرَضٍ، وضمُّه كصُداعٍ، وسُعال، وزُكام، وكسَر بعضهم الميم مِن مِراض.
(قُشَام) بضم القاف، وخِفَّة المُعجَمة: أن تَنتفِض ثمرةُ النَّخْلة قبْل أن تَصير بَلَحًا، ويُقال: قُشَام المائدة لِمَا يُنفَض مما بقي فيها، ولا خيرَ فيه، وأما تَكرير: (أَصابَه) فكلٌّ بدَلٌ مما قبلَه.
(آفات)؛ أي: عاهاتٌ، وهو خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هذه الثلاث عاهاتٌ.
стр. 3218
(يحتجون) جمَع الضَّمير باعتبار جنس المُبتاع الذي هو مفسِّرهُ.
(فإما لا) بكسر الهمزة، أي: أن تَتركوا هذه المُبايَعة، فزِيدتْ (ما) توكيدًا، وأُدغمت النون في الميم، وحُذف الفعل.
قال سيْبَوَيْهِ في: إمَّا لا: كأنه يقول: افعَلْ هذا إنْ كنت لا تَفعل غيرَه، ولكنَّهم حذَفوا لكثرة استعمالهم إيَّاه وتصرُّفه حين استَغنَوا عنه بهذا، ويجوز إمالة (لا) لتضمُّنها الجُملة، وإلا فالقياس أن لا تُمال الحُروف، وقد تُكتب لا بلامٍ وياء لأجْل إمالتها، ومنهم مَن يكتُبها بالألف ويجعل عليها فتحةً محرَّفةً علامةً للإمالة.
وقال الجواليقي: العامة تَقول: إمَّا لَي، بفتْح الألف واللام، وتسكين الياء، وصوابه بكسر الهمزة، أي: ولا بالألف بلا إمالةٍ، أو بإمالةٍ.
(كالمشورة) بفتح الواو، ويُقال بضمِّ الشِّين، ذكَره الجَوْهَري.
(وأخبرني) قائل ذلك أبو الزِّناَد.
(علي بن بحر) هو شيخ البخاري.
(الثُريا) بضمِّ المثلَّثة: تصغير الثَّرْوى، صار علَمًا [للنجم] المخصوص، وهو زَمان بُدُوِّ الصَّلاح في الثِّمار.
* * *
٢١٩٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنْ
стр. 3219
عَبْدِ الله بن عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنْ بَيعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُبْتَاعَ.
الحديث الثاني:
(نهى)؛ أي: لأنه لا يُؤمَن أن يُصيبَها آفَةٌ فتَتلَف فيضيعَ مالُ صاحبه، بخلاف ما إذا بَدَا صلاحُها، فإنَّه يُؤمَن من التَّلَف، هذا إذا أُطلق البَيع، أو شُرط فيه التَّبقيَة، فإنْ شُرط القَطْع جاز إجماعًا.
(البائع والمبتاع) قيل: لأنَّ البائع يأْكل المالَ بالباطِل، والمُبتاع يُوافقه على أكله حَرامًا، وأيضًا فبصدد أن يُضيِّع مالَه.
* * *
٢١٩٥ - حَدَّثَنَا ابن مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَناَ عَبْدُ الله، أَخْبَرَناَ حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى أَنْ تُبَاعَ ثَمَرَةُ النَّخْلِ حَتَّى تَزْهُوَ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: يَعْنِي حَتَّى تَحْمَرَّ.
الثالث:
(تزهو) رُوي: (تُزْهي)، وصوَّبها (خ).
قال ابن الأثير: منهم من أنكَر: (تُزهِي)، كما أن منهم من أَنكَر: (تَزهُو)، والصَّواب الرِّوايتان على اللُّغتين: زَهَتْ تَزْهُو، وأَزهَتْ تُزهي.
стр. 3220
٢١٩٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بن سَعِيدٍ، عَنْ سَلِيمِ بن حَيَّانَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بن مِينَا، قَالَ: سَمِعْتُ جَابرَ بن عَبْدِ الله ﵄ قَالَ: نَهَى النَّبيُّ ﷺ أَنْ تُبَاعَ الثَّمَرَةُ حَتَّى تُشَقِّحَ. فَقِيلَ: مَا تُشَقِّحُ؟ قَالَ: تَحْمَارُّ، وَتَصْفَارّ، ويُؤْكَلُ مِنْهَا.
الرابع:
(تُشْقِح) بضم أوله، وسُكون المعجَمة، وكسر القاف، مِن أشْقَحَت البُسْرة، أي: تغيَّرت إلى الحُمرة أو الصُّفرة، وفي "المُجمَل": تَشْقيح النخل: زُهوُّه، وضبَطه أبو ذَرٍّ بفتح القاف، قال (ع): فإنْ كان هذا فيَجب أن تكون مشدَّدةً، والتاء مفتوحةً، تفعُّلٌ منه.
قال (ك): والشُّقْحة لونٌ غير خالصٍ في الحُمْرة والصُّفْرة.
* * *
٨٦ - بابُ بَيْعِ النَّخْلِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا
(باب بَيعْ النَّخْل قبْل أن يَبدُوَ صلاحُها)
٢١٩٧ - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بن الْهَيْثَمِ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَناَ حُمَيْدٌ، حَدَّثَنَا أَنسُ بن مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ : أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، وَعَنِ النَّخْلِ حَتَّى يَزْهُوَ. قِيلَ: وَمَا يَزْهُو؟ قَالَ: يَحْمَارُّ أَوْ يَصْفَارُّ.
стр. 3221
(معلى): قال (ك): قال البخاري: إنما كتَبتُ عنه هذا الحديث لمَّا كتبت عنه (١)، قالوا: لم يحدِّثْ عنه في "الجامع" بشيءٍ، وإنما حدَّثَ بواسطةِ رجلٍ عنه.
(وعن النخل)؛ أي: وعن بَيعْ ثمر النَّخل، وليس تَكرارًا مع ما قبلَه؛ لأن المراد بالأول غير ثمَر النَّخل بقَرينة عطفه عليه، ولأن الزُّهوَّ مخصوصٌ بالرُّطَب.
(وما تَزهي) يُقرأ بفتح التاء على الحِكاية، ويحتمل أنْ يقال: وضَع الفِعل موضع المصدر، أي: ما الإزْهاءُ، كقوله:
قَالُوا مَا تَشَاءُ فقُلْتُ ألْهُو
* * *
٨٧ - بابٌ إِذا بَاعَ الثِّمَارَ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، ثمَّ أَصَابَتهُ عَاهَةٌ فَهُوَ مِنَ الْبَائِعِ
(باب: إذا باعَ الثِّمارَ قبْل أنْ يَبدُوَ صَلاحُها)
٢١٩٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنسِ بن مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى
стр. 3222
تُزْهِيَ. فَقِيلَ لَهُ: وَمَا تُزْهِي؟ قَالَ: حَتَّى تَحْمَرَّ. فَقَالَ: "أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ الله الثَّمَرَةَ، بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟ ".
(أرأيت)؛ أي: أخبرْني، أو أَخبروني، وإنما ضمَّت العرب إلى التاءِ كافَ الخِطاب، قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٤٠]، ومن تَجَرُّده عنها قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: ٤٣].
واعلم أنَّ هذا مُدرَجٌ في الحديث من قَول أنَس، وقد بيَّنه البخاري بعدُ في الباب السادس، أُطلِق اللَّازم وأُريد المَلْزوم، فهو كِنايةٌ؛ إذ الإخبار مُستلزِمٌ للرُّؤية غالبًا، ومن إطلاق أحَد نَوعَي الطَّلَب على الآخَر حيث استَفْهمَ، وأراد الأمْرَ.
(بم يأخذ)؛ أي: لأنه إذا تلِفَت الثَّمرة لا يَبقَى للمُشتري في مُقابَلة ما دفَعه شيءٌ، فيكون البائع أخذَه بالباطل.
* * *
٢١٩٩ - قَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ ثَمَرًا قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، ثُمَّ أَصَابَتْهُ عَاهَةٌ، كَانَ مَا أَصَابَهُ عَلَى رَبهِ، أَخْبَرَنِي سَالِمُ بن عَبْدِ الله، عَنِ ابن عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لَا تتبايَعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، وَلَا تَبيعُوا الثَّمَرَ بِالتَّمْرِ".
(على ربه)؛ أي: واقعٌ على بائعه مَحسوبٌ عليه.
стр. 3223
(ولا تبيعوا) خُصَّ منه العَرايا، كما سبق.
* * *
٨٨ - بابُ شِرَاءِ الطَّعَامِ إِلىَ أَجَلٍ
(باب شِراء الطَّعامِ إلَى أجَلٍ)
٢٢٠٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بن حَفْصِ بن غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَالَ: ذَكَرْناَ عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ الرَّهْنَ في السَّلَفِ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ. ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ، فَرَهَنَهُ دِرْعَهُ.
(في السَّلَفِ) قال (ك): هو السَّلَمُ، وفيه نظَرٌ؛ فالمراد أعمُّ من ذلك بدليل الحديث، فإنَّه ليس سلَمًا، وسبق شرحه في (شِراء النبيِّ ﷺ ) أوائل (البُيوع)، وأنَّ اليهوديَّ يُسمَّى: أبا الشَّحْم.
* * *
٨٩ - بابٌ إِذَا أَرَادَ بَيْعَ تَمْرٍ بِتَمْرٍ خَيْرٍ مِنْهُ
(بابٌ: إذا أَراد بَيعْ تَمْرٍ بتَمْرٍ خَيْرٍ منه)
٢٢٠١ - و ٢٢٠٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بن سُهَيْلِ
стр. 3224
ابن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَعِيدِ بن الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ " قَالَ: لَا وَالله يَا رَسُولَ الله! إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا تَفْعَلْ، بعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا".
(رجلًا) هو سَواد بن غَزِيَّة، بفتح المعجمة، وكسر الزاي، وتشديد الياء، الأَنْصاري، وقيل: مالكُ بن صَعْصَعة، حكاه الخَطيب.
(جَنِيب) نوعٌ جيِّدٌ من التَّمر معروفٌ.
قال (خ): أجْوَد تُمورهم، سُمِّي جَنِيْبًا لغَرابته فيما يُعهد من الثِّمار، كما قالوا: الجَارُ الجُنُب، قاله التَّيْمي.
(والصاعين)؛ أي: غير الصَّاعَين اللذَين هما عِوَض الصَّاع الذي هو من الجَنِيْب، وإنما لم يجعل هو الأول مع أنَّ المَعرفة إذا أُعيدت معرفةً كانت عينَ الأول كما ذكره النُّحاة؛ لأن ذلك حيث لا قَرينةَ تقتضي المُغايَرة نحو: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ﴾ الآية [آل عمران: ٢٦].
(الجمع) نوعٌ رديءٌ من التمور، يُقال: هو أخْلاطٌ رديئةٌ، فسُمِّي جَمْعًا؛ لأنه من أنواعٍ متفرِّقةٍ، وإنما أمرَه ﷺ بذلك لأنه إذا كان صَفْقتَين فلا رِبا فيه بخِلاف الواحدة.
* * *
стр. 3225
٩٠ - بابُ مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبرَتْ، أَوْ أَرْضًا مَزْرُوعَةً، أَوْ بِإِجَارَةٍ
(باب مَن باعَ نخلًا قد أُبرَت)، بضم الهمزة، وكسر الموحدة (١) مخففةً ومشددةً.
والإِبَار، أو التَّأْبير: هو أن يُشَقَّ طَلْع الإناث ويُؤخَذ من طَلْع الفَحْل، ويُنزل بين ظَهرانيَه، فيكون ذلك صلاحًا بإذن الله تعالى.
(أو بإجارة)؛ أي: أو أخذ بإجارةٍ، ليكون ذلك عطْفًا على (باعَ).
٢٢٠٣ - قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: وَقَالَ لِي إِبْرَاهِيمُ: أَخْبَرَناَ هِشَامٌ، أَخْبَرَناَ ابن جُرَيْجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابن أَبي مُلَيْكَةَ يُخْبرُ عَنْ ناَفِعٍ مَوْلَى ابن عُمَرَ: أَنَّ أَيُّمَا نَخْلٍ بِيعَتْ قَدْ أُبرَتْ لَمْ يُذْكَرِ الثَّمَرُ، فَالثَّمَرُ لِلَّذِي أَبَّرَهَا، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ وَالْحَرْثُ. سَمَّى لَهُ ناَفِعٌ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَ.
الحديث الأول:
(وقال لي إبراهيم) كذا وقَع في طريق أبي ذَرٍّ، ولم يقُل: حدَّثني؛ لأنه ذكَره له على سَبيل المُحاوَرة، وهو إبراهيم بن مُوسَى الفَرَّاء.