← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18103

اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح

شمس الدين البرماوي

Полный текст (8 898 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

٥٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجعدِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ شُعبَةُ، عَنْ أَبِي جَمرَةَ قَالَ: كنْتُ أَقْعُدُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ، يُجْلِسُنِي عَلَى سَرِيرِهِ فَقَالَ: أَقِم عِنْدِي حَتَّى أَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالِي، فَأقمتُ مَعَهُ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أتوُا النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنِ القَوْمُ؟ أَوْ مَنِ الوَفْد؟ "، قَالُوا: رَبِيعَةُ، قَالَ: "مرحَبًا بِالقَوْمِ -أَوْ بِالوَفْدِ- غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى"، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأتِيكَ إلا فِي شَهْرِ الحَرَامِ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هذَا الحَيُّ مِنْ كفَّارِ مُضَرَ، فَمُرنَا بِأمر فَضل، نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَناَ، وَندخُلْ بِهِ الجَنَّةَ، وَسَألوهُ عَنِ الأَشرِبَةِ، فَأَمَرَهُم بِأربَعٍ، وَنهاهُم عَنْ أربَعٍ، أَمَرَهُم بِالإيمَانِ بِاللهِ وَحدَهُ، قَالَ: "أترُونَ مَا الإيمَانُ بِاللهِ وَحدَه؟ "، قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ، قَالَ: "شَهادَةُ أَنْ لَا إِلَه إلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تعطُوا مِنَ المَغْنَم الخُمُسَ"، وَنهاهُم عَنْ أَربَعٍ؛ عَنِ الحَنْتَمِ وَالدُّبَّاء وَالنَّقِيرِ وَالمُزَفَّتِ، وَرُبَّمَا قَالَ: المُقَيَّرِ، وَقَالَ: "احفَظُوهُنَّ وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءكم". (م ت د س). (عن أبي جمرة) بالجيم، وإنْ كان شُعبة يَروي عن سبعةٍ بالحاء المهملة عن ابن عبَّاس، ولكن لا يُطلق إلا هذا، والكلُّ مقيَّدون بما يدلُّ عليهم. (أقعد) أتى به مضارعًا؛ لحكاية الحال الماضية استحضارًا لتلك الصورة للحاضرين.

стр. 352

(فيجلسني)؛ أي: يَرفعني بعد أن أَقعُد، فلذلك عطفَه على (أَقعُد) بالفاء؛ لأن الجُلوس على السَّرير قد يكون بعد القُعود في غيره. (سريره) جمعه: أَسِرَّةٌ وسُرُرٌ -بضمتين-، وجاء فتح الراء، قيل: هو من السُّرور؛ لأنَّه مجلس السُّرور. وفي ذلك استحباب إكرام العالم ورفْعه. (أقم عندي)؛ أي: تَوطَّن لتُساعدني بالتَّرجمة عن الأَعجمي وله، أو لتبليغ مَن لم يسمع لزَحمةٍ أو نحوها، وقيل: قال له ذلك لرُؤيا تأْتي إنْ شاء الله تعالى في (باب التمتُّع). (سهمًا)؛ أي: نَصيبًا، وجمعه: سُهْمان -بالضم-. (فأقمت معه)؛ أي: عنده بمكة، عبَّر بالمعيَّة المشعِرة بالمصاحبة مبالغةً. (وفد)؛ أي: وَرَد، فهو وافدٌ، والجمع وَفْدٌ، وجمع الوَفْد: أَو فادٌ ووُفودٌ، والمراد جمعٌ يتقدَّمون للقاء العُظماء. قلتُ: كذا شَرح (ك)؛ لكن لفْظ الحديث: (أنَّ وَفْد عبْد القَيْس لمَّا أتوا). (عبد القيس) أبو قَبيلةٍ، وهو ابن أَفْصَى بفتح الهمزة، وسكون الفاء، وبصادٍ مهملةٍ، ابن دُعْمِي بضمِّ الدال، وسكون العين المهملتين، وياء النَّسَب، بن جَدِيْلَة بفتح الجيم، بن أسَد بن ربيعة بن نِزار، وكان

стр. 353

الوفْد أربعة عشَر رجلًا بالأَشجِّ كما سيأتي، ويُروى: أنَّهم كانوا أربعين، فإما أنْ تكون لهم وِفادتان، وإما أنَّ الأَشراف أربعةَ عشرَ، والباقي تبَعٌ، ومنهم مَن سَمَّى الأربعين. (أو من الوفد) شكٌّ من الرَّاوي، والظاهر أنَّه من ابن عبَّاس. (ربيعة)؛ أي: ابن نِزَار بن مَعَدِّ بن عدنان؛ لأن عبْد القَيس من ولده. (مرحبًا) نصبٌ على المصدر بعاملٍ محذوفٍ وجوبًا، أي: صادفتَ سَعَةً، فاستأْنِس ولا تَستوحش. (غيرَ) نصبٌ على الحال على المَعروف كما قال (ن)، ويُروى بالجرِّ صفةً للقوم، وإنْ كان بأل؛ لأن مثْله قريبٌ من النكرة. (خزايا) بفتح المعجمة، والزاي، جمع: خَزْيَان كسكران، وهو المُستَحِي، وقيل: الذَّليل، وقيل: المفتضح. (ندامى) جمع: نَدمان، أي: نادِم، وقيل: جمع: نادم وإنْ كان ندمان في الغالب من المنادَمة، وكان قياسه: نادِمين، ولكنه جُمع على نَدَاما؛ لمناسبةِ خَزايا تحسينًا، كما في: "لا دريتَ ولا تَليتَ"، والقياس: لا تلَوت، والغَدايا والعَشايا، والقياس: غُدوات. والمراد: أنَّه لم يقع منكم سوءٌ، ولا أصابكم قتالٌ ولا سبيٌ ونحو ذلك فتستحيوا منه وتَذلُّوا، ورواه مسلم: (ولا النَّدامى) باللام، ورُوي أيضًا: (الخَزايا والنَّدامى)، ولا يُشكل ذلك على النصب على

стр. 354

الحال؛ لأن (غير) إضافتُها غير محضةٍ إما لتوغُّلها في الإبهام، أو أن الشرط في تعريفها أن تقَع بين ضِدَّين، أو غير ذلك. (الشهر) سمي بذلك لشُهرته، أو المراد الجنس، فيشمل الأربعة الحرم. (الحرام) لحُرمة القتال فيه ونحوه، ويُروى: (شَهْرُ الحَرام)؛ أي: شهر الوقْت الحرام، كذا عند البصريين؛ لأنَّهم يمنعون إضافة الموصوف إلى صِفَته، وأما الكوفيُّون فيُجيزونه. وإنما تمكَّنوا في هذه الأَشهر؛ لأنَّ العرَب لا تُقاتل فيها. (الحي) أصله: مَنْزِل القوم، سُموا به توسُّعًا، لأنَّ بعضهم يَحيَى ببعضٍ. (مضر) بفتح الميم، وفتح المعجمة، غير منصرفٍ، هو: ابن نزار بن مَعدِّ بن عدنان، ويُقال له مُضَر الحَمْراء، ولأخيه رَبيعة الفَرَس، لأنَّهما لما اقتسَما مِيراثًا أُعطي مُضَر الذَّهب، وربيعة الخَيْل، وكُفَّار مُضَر كانوا في رَبيعة والمَدينة، ولا يُمكنُهم الوصول إلى المدينة إلا عليهم. (بأمر فصل) بلفْظ الصِّفة لا بالإضافة، والأمر يحتمِل أنَّه واحدُ الأوامر ضِدِّ النَّواهي، وواحدُ الأُمور، وهو الشَّأْن، ومعنى الفَصل: الفاصِل، كعدل بمعنى: عادِل، أي: يَفصِل بين الحقِّ والباطِل، وإما بمعنى: المفصَّل، أي: واضحٌ يتضح به المُراد. (من وراءنا)؛ أي: من البِلاد البَعيدة، أو من الأَزمنة المستقبَلة،

стр. 355

أي: أولادنا وأَخلافنا لكنَّ الظاهر أنَّه أَراد قَومَهم، ويُروى بكسر ميم مِنْ جارَّةً لـ (وراءنا). (وندخل) كذا الرِّواية، ويُروى أيضًا بحذف الواو، وقال القُرطُبي: قيَّدنا على من يُوثَق به برفْع (يدخُل) و (نُخبِرُ) على أنَّهما صفةٌ لأمرٍ، وبالجزم فيهما على جواب الأمر. (أمرهم بالإيمان) إنما ذكَره بعد أَمرهم بأربع؛ لاشتمال الإيمان على الأربعة الأركان الآتية. (شهادة) إما بدلٌ فتُجرُّ، أو خبر مبتدأ، أي: هو كذا، فيُرفع، وهو دليلٌ على أن الإسلام والإيمان بمعنًى واحدٍ؛ لأنَّه فسَّر الإسلام فيما مضى بما فسَّر به الإيمان ها هنا، ولم يَذكُر الحج؛ لأنَّه لم يُفرض إلا في سنة تسعٍ، ووِفادتهم في سنة ثمانٍ، أي: على أحد الأَقْوال في وقْت فَرضه، ولكنَّ الأرجح سنة خمسٍ على اضطِرابِ في التَّرجيح لأصحابنا مبيَّنٍ في الفقه، أو لأنَّه ﷺ عَلِم أنَّهم لا يستطيعون الحجَّ إما بسبب كُفَّار مُضَر، أو لغيره. (وأن تؤدوا) إنما أتى بالمَصدر مُؤوَّلًا لا صَريحًا؛ للإشعار بالتجدُّد بخلاف بقيَّة الأركان، فإنَّها كانت ثابتةً. (من المغنم)؛ أي: من الغَنيمة؛ لأنَّ خمُسها يُخمَّس، وأربعة أخماسها للغانمين. قال (ن): استُشكل عدُّ أربعةٍ مع ذِكْر خمسة، والأصحُّ في الجواب كما أجابَ به (ط): أنَّه عدَّ الأربع التي وعدَهم بها، ثم زادَهم

стр. 356

خامسةً، وهي أداء الخُمُس؛ لأنَّهم كانوا مُجاوِرين لكفَّار مُضَر، فهم أهل جهادٍ وغنائم. وقال ابن الصَّلاح: أنَّه عطْفٌ على أربع، أي: وبأَنْ تُؤدُّوا. قال (ك): ليس الصَّحيح ذلك هنا؛ لأنَّ البخاري عقد الباب على أَنَّ أَداء الخمُس من الإيمان، فلا بُدَّ أنْ يكون داخلًا تحت أَجْزاء الإيمان؛ لأنَّ أَحرف العطْف تقتضي ذلك، بل الصَّحيح ما قيل: إنَّه لم يجعل الشَّهادة بالتوحيد والرِّسالة من الأربع؛ لعِلْمهم بذلك، وإنما أَمرَهم بأربعٍ لم يكُن في عِلْمهم أنَّها دعائم الإيمان. ونحوه قَول الطِّيْبِي: مِن عادة البُلَغاء إذا أمضَت الكلام لغرَضٍ وُجِّه الكلام له دُون غيره، والشَّهادتان كانوا مُقرِّين بهما بدليلِ قوله: إنَّ الله ورسوله أَعلم، وكانوا يُظنُّون أنَّ الإيمان مقصورٌ عليهما كافيتان لهم، وكان الأَمر أوَّل الإسلام كذلك، ووجه إِعطاء الخمُس منها؛ لأنَّهم أصحاب غَزْو. وقال البَيْضاوي: الظَّاهر أنَّ الأُمور الخمسة تفسيرٌ للإيمان، وهو أحد الأُمور الأَربعة المأْمور بها، فالثلاثة إما حذَفها الرَّاوي نِسيانًا أو اختصارًا، أو يحتمِل أنَّ قوله: (أمرهم بالإيمان) ليس تفْسيرًا لقوله: (أمرهم بأربعٍ) بل مُستأنَفٌ، وتفصيله الأربعة بعد الشَّهادة، فإقامة خبر مبتدأ محذوفٍ، وفي الكلام تقديمٌ وتأْخير، أي: أمرَهم بالإيمان إلى آخره، ثم أمرَهم عقِبَه بأربعٍ، ونهاهم عن

стр. 357

أربعٍ، والمأْمور إنْ أقام ... إلى آخره، فهذه أجوبةٌ خمسةٌ. (عن أربع)؛ أي: عن ظُروف الأَشربة، أو عن الأَشربة التي في أَوانٍ مختلفةٍ، أو عن الانتباذ فيها بأنْ يُلقَى في الماء تمراتٌ. (الخمس) بضم الميم وسُكونها، وكذا في أَخواتها من الثَّلاث إلى العشْر. (الحنتم) بفتح المهملة، وسُكون النون، وفتح المُثنَّاة، وقال أبو هريرة: الجِرَار الخُضْر، وابن عُمر: الجِرَار كلُّها، وأنسَ: جِرارٌ يُؤتى بها من مِضر مُقيَّرات الأَجْواف، أي: مَطليةٌ بما يَسدٌّ مَسام الخزَف، ولها تأْثيرٌ في النَّبيذ، وعائشة: جِرارٌ حمراء عِنَاقها من جُنوبها يُجلَب فيها الخمْر من الطَّائف، وكان ناسٌ يَنتبذون فيها، وقال عَطاءٌ: جِرارٌ تُعمل من طِينٍ وأَدمٍ وشَعرٍ. (الدباء) بضم الدال، وتشديد المُوحَّدة، والمدِّ: القرْع، أي: وِعاء اليَقْطين اليابِس. (النقر) بفتح النون، وكسر القاف، فسَّره مسلم بأنَّه جِذْعٌ يَنقُرون وسطَه، ويَنبذون فيه. (المزفت) بتشديد الفاء، أي: المطليِّ بالزِّفْت، وربَّما قال ابن عبَّاس: (المُقيَّر) بدَل (المزفَّت)، والمراد بالكل الأَوعية، والنَّهي عما فيها، فهو من إطلاق المَحلِّ على الحالِّ. قال (ح) وغيرُه: والمعنى الانتِباذ فيها، فهو المنهيُّ عنه؛ لأنَّ

стр. 358

الشَّراب فيها يُسرع إليه التَّخمير، فيَصير مُسكِرًا وهو لا يَشعر. قال (ن): كان ذلك في أوَّل الأمر، ثم نسُخ بقوله ﷺ : "كُنْتُ نهيتُكُم عنِ الانتِباذِ إلا في الأَسقِيَة، فانتَبِذُوا في كلِّ وِعاءٍ، ولا تَشربُوا مُسكِرًا"، وقال مالك وأحمد: التحريم باقٍ. قال: وكأنَّ ابن عبَّاس لم يَبلغه هذا النَّهي حين استُفتي فيه، وإنما أُخرجت الأسقية لأنَّها إذا حصل التَّخمير فيها تشقَّقت، فيَعلم صاحبُها بذلك، فيَجتنبُه. (من ورائكم) بفتح ميمِ (مَنْ) في رواية البخاري، وبكسرها في رواية ابن أبي شَيبة. قال (ن): في الحديث أنواعٌ من العِلْم: وِفادةُ الرُّؤساء إلى الأئمة عند الأُمور المُهمة، واستِعانةُ العالم في تفهيم الحاضِرين، والفَهْم عنه، واستِحبابُ قول: مَرحبًا للزوَّار، وحثُّ الناس على تبليغ العِلْم، وأنَّ الترجمة في الفَتوى والخبَر يُكتفى فيها بواحدٍ، ووُجوب تخميس الغَنيمة. قال: وأما القِصَّة فسبَب وِفادتهم: أنَّ مُنْقِذ -بكسر القاف- بن حَيَّان -بفتح المُهملة، والمُوحَّدة- كان مَتْجَره إلى يثرب، فبينا هو قاعدٌ إذ مرَّ به النبيُّ ﷺ ، فنهض إليه، فقال له: كيف قَومُك؟، ثم سأله عن أشرافهم رجُلًا رجُلًا، فأَسلَم مُنْقِذ، وتعلَّم الفاتحة، و (اقرأ باسم ربِّك)، ثم رحَلَ إلى هجَر، فكتب معه النبيُّ ﷺ إلى جماعة عبْد القَيس كتابًا، فذهب، وكتمَه أيامًا، ثم اطَّلعتْ عليه امرأتُه، وهي بنت

стр. 359

المُنْذِر بن عائِذ -بالمعجمة-، وكان مُنْقِذ يُصلِّي ويَقرأُ، فأَنكرت امرأته ذلك، وذكرتْ لأبيها أنَّه قد جاء من يثْرب يَغْسل أطرافَه، ويَستقبل الكعبة، ويَحني ظَهْرَه مرَّةً، ويضَع جبْهتَه على الأرض أُخرى، فتلاقَيا، فوقَع الإسلامُ في قلْب المُنذِر، وذَهب بالكتاب إلى عُصُر -بضم المهملتين-، فقرأ عليهم، فوقَع الإسلامُ في قلْبهم، فأَجمعوا على السَّير إليه ﷺ ، فتوجَّه منهم أربعةَ عشَرَ راكبًا، ورئيسُهم المُنذِر العُصُري، فقال ﷺ : "أَتاكم وَفْدُ عبْد القَيْسِ مِن أَهلِ الشَّرقِ، وفيهم الأَشَجُّ)، وهو المنذر؛ لأنَّه كان في وجْهه، إلى آخر القِصَّة في الحديث. * * * ٤١ - بابُ مَا جَاء أَنَّ الأَعمَالَ بِالنِّيَّةِ وَالحِسْبَةِ، وَلِكُلِّ امرِئٍ مَا نَوَى فَدَخَلَ فِيهِ الإيمَانُ وَالوُضُوءُ وَالصَّلَاةُ وَالزَّكاةُ وَالحَجُّ وَالصَّوْمُ وَالأَحكَامُ، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قُل كُلٌّ يعَمَلُ عَلى شَاكِلَته﴾ [الإسراء: ٨٤]: عَلَى نيَّتِهِ، "نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ يَحتَسِبُها صَدَقَةٌ"، وَقَالَ: "وَلَكِنْ جِهادٌ وَنيَّة". (باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة)، بحاءٍ مكسورةٍ، أي: الاحتِساب والإخلاص. قال الجَوْهري: يُقال: احتسَب بكذا أَجرًا عند الله، والاسم

стр. 360

الحُسْبة، وهي الأَجْر. (فدخل) هو من كلام البخاري، ولهذا في بعض النُّسَخ: (قال أبو عبد الله). (من الأحكام)؛ أي: من المُعاملات، والمُناكَحات، والجِراحات؛ إذ يُشترط في كلِّها القَصد، فلو سبَق لسانُه إلى بِعْتُ أو وهبتُ أو نكحت أو طلَّقتُ لَغَا، وأما ترتُّب الضَّمان على العاقِد أو على الجاني آخرًا في الخطأ؛ فمِن قَبيل ربْط الحُكم بالسَّبب كما في ضَمان إِتْلاف الطفل في ماله، وكالدُّلوك (١)، ونحوه من الأَحكام الوضعيَّة. (وقال) الجُملة حاليةٌ على الظاهر لا معطوفةٌ على ما سبَق، أي: أنَّ هذه الآية أَيضًا تدلُّ على أنَّ جميع الأَعمال على حسَب النية، فهو تقويةٌ لمَا قال، فدَخَل فيه كذا وكذا. (على نيته) تفسيرٌ لقوله: على شَاكِلَته، وفي بعضٍ: (أَي: على شَاكِلَتِه) بذكْر حرف التَّفسير، وفي بعضها، وعليه شَرَح (ك): (ونفَقَة الرَّجُلِ على أَهلِه يحتَسِبُها صَدَقةً)، فـ (يَحتَسِبُها) حالٌ متوسِّطةٌ بين المبتدأ والخبر. (ولكن جهاد ونية) قالَه ﷺ يومَ فتْح مكَّة كما سيأْتي في محلِّه من البخاري. * * *

стр. 361

٥٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحيىَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْراهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ، عَنْ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "الأعمَالُ بِالنية، وَلكُلِّ امرِئِ مَا نوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُها، أَوِ امرَأَةٍ يتَزَوَّجُها، فَهِجْرتُهُ إِلَى مَا هاجَرَ إِلَيْهِ". الحديث الأول (ع): (الأعمال بالنية) سبَق شرحه، وبَيان الحَصْر من هذه الصِّيغة، وأنَّها كروايةِ (إِنَّما) في ذلك، ولا يَرِد على دَعوى الحصْر نحو: صامَ رمضان بنيَّة قضاءٍ أو نذْرٍ حيث لم يقَع له ما نَوى؛ لعدَم قابليَّة المَحلِّ، والصَّرورة في الحجِّ يَنويه للمُستأجِر، فلا يقَع إلا للنَّاوي؛ لأنَّ نفْس الحج وَقَع، ولو كان لغير المَنويِّ له، والفَرْق بينه وبين نيَّة القَضاء أو النَّذْر في رمضان حيث لا يصحُّ أصلًا؛ لأن التعيين ليس بشرط في الحجِّ، فيُحرِم مطلقا، ثم يَصرِفُه إلى ما يَشاء، وكذا لو أَحرم بنفْله وعليه فرضه انصرَف للفرض لشِدَّة التشبُّث واللُّزوم، فإذا لم يَقبل ما أَحرم به انصرَف إلى القابِل، نعَم، لو أَحرم بالحجِّ قبْل وقْته انعقَد عُمرةً على المرجَّح؛ لانصِرافه إلى ما يَقبل، وهذا خلافُ ما لو أَحرم بالصلاة قبْل وقْتها لا تَنعقد على الأَظهر لقُوَّة الإحرام، ولهذا يَنعقدُ مع المُفسِد كمَن أَحرَم مُجامِعًا. قلتُ: الأَرجح لا ينعقد أصلًا، وقيل: يَنعقد فاسدًا، وقيل: صَحيحًا.

стр. 362

قال (ك): ولأنَّه عبادةٌ فيها مشقَّةٌ عظيمةٌ، فأَرادوا حفْظه من طُرق سُرعة الإحباط فيه، وأما إِزالة النَّجاسة حيث لا تفتقر إلى نيَّةٍ، فلأنَّها من التُّروك، نعَمْ، تفتقر لحُصول الثَّواب كتارك الزِّنا إنما يُثاب بقصد أنَّه ترك امتثالًا للشَّرع، وقيل: لأنَّ النَّجاسة أَسهل، فيُعفى عن قَليلها، ويُقتصر على محلِّها بخلاف الحدَث، فلم يحتَج لنيَّةٍ، وأما سُقوط العِدَّة عن المرأة بمضيِّ زمانها بلا نية، فلأنَّه لا فعلَ منها بل مضيُّ مدَّة، وأما صِحَّة الوُقوف بعرَفة بعدَم القصد حتى في النائم والمُغمَى عليه لاستِصحاب نيّة الإحرام فيه، وبالجُملة فهذه الصُّور فيها اختلاف، فمن منع فواضحٌ، ومَن جوَّز فعنده أنَّها خُصَّت من العُموم بالدليل. (إلى دنيا) يُروى: (لدُنْيا)، وسبق أنَّ رواية البخاري هناك فيها خرمٌ، فإنْ كان من شيخه، فعلى حسَب ما رَوى، وإنْ كان منه، فلأنَّ القصد الاستدلال بما ذكَر دون المَحذوف. قال (ط): غرَض البخاري هنا الردُّ على مَن زعم من المُرجئة أنَّ الإيمان قولٌ باللِّسان دون عقد القَلْب، فبيَّن أنَّ الإيمان لا بُدَّ له من نيةٍ واعتقاد قلْبٍ. * * * ٥٥ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنهالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعبةُ، قَالَ: أَخْبَرَني عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أنفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهُا فَهُو لَهُ صَدَقَةٌ".

стр. 363

الحديث الثاني (م ت س): (أنفق) حُذف مفعوله ليعمَّ القليلَ والكثيرَ. (على أهله)؛ أي: زَوجته وولَده، أي: ونفقتُهما واجبةٌ، فهي هنا صدقةٌ من بابٍ أَولى. (يحتسبها) حالٌ من الفاعل، أو من المفعول المَحذوف. (فهو)؛ أي: الإنْفاق. (صدقة)؛ أي: كالصَّدقة في الثَّواب لا حقيقةً، وإلا لحرُمتْ على هاشميٍّ ومُطَّلبي، والصارف له عن الحقيقة الإجماع، ولا يضرُّ المشابهةَ كونُ هذا واجبًا والصدقة غالبًا تطوُّعٌ، وبه يجاب عن كون المشبَّه به دون المشبَّه، فكيفَ شبَّه الواجب بالتطوُّع؟ فيُقال: الشَّبه في أصل الثواب لا من كل وجهٍ على أنَّ كل شبَهٍ لا يُشترط فيه كون المشبَّه دون المشبَّه به كما قُرر في محلَّه من علم البَيان. قال (ن): في الحديث الحثُّ على الإخلاص وإحضار النيَّة في الأعمال، والردُّ على المُرجئة في قولهم: الإيمان إقرارٌ باللسان فقط، وفي قوله: (يحتسِبُها) دليلٌ على أنَّها لا تكون طاعةً إلا بذلك، أي: يَنوي بها وجْه الله تعالى. * * * ٥٦ - حَدَّثَنَا الحَكَمُ بْنُ نافعٍ، قَالَ: أَخْبَرَناَ شُعَيب، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَامِرُ بْنُ سَعدٍ، عَنْ سَعدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بها وَجْه اللهِ إِلَّا أُجِرْتَ

стр. 364

عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ". الحديث الثالث (ع): (لن) لتأْكيد النَّفي، فيه الأقوال المشهورة أنَّه حرفٌ برأْسه، أو أصله (لا)، فأُبدل من ألفه نونٌ، أو أصله (لا أَنْ) فخُفِّفت الهمزة، وسقَطت الألف لالتقاء الساكنين. (تنفق نفقة) عامٌّ في القليل والكثير؛ لأنَّه نكرةٌ في النَّفي، والخِطاب للعموم لا لسعدٍ فقط مثل: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ [السجدة: ١٢]، والصارِف قَرينهُ عدَم اختصاصه، ويحتمل أنَّه لسَعد والباقي بالقياس، أو أن العُموم من حديث: "حُكْمِي على الواحِدِ"، ونحوه. (تبتغي): تطلُب. (وجه)؛ أي: جِهةَ. والحديث من المُتشابه، ففيه مذهبا التأْويل والتَّفويض. (إلا أجرت) بضم الهمزة، وتقدير الاستِثناء هنا: لن تُنفق في حالٍ من الأحوال إلا وأنت في حالِ مأْجُوريتك عليها، أو تقديره: وإلا فقد أُجرتَ بها، فالمُستثنى اسمٌ لا فعلٌ، والاستثناء متصِلٌ. (عليها) في نُسخةٍ بدله: (فيها). (حتى) عاطفةٌ لا جارَّةٌ، وما بعدها منصوب المَحل. (ما) موصولٌ، والعائد محذوفٌ. (في في)، قال (ع): رُوي: (في فَمِ)، ولكنَّه لغةٌ قليلةٌ.

стр. 365

(امرأتك)؛ أي: فتُؤجر على ذلك؛ لأنَّ قيد المعطوف عليه قيدُ المعطوف، أو يجعل (حتى) ابتدائيةً، و (ما) مبتدأٌ، وخبره محذوفٌ، أي: فأنت مأْجورٌ، ويَخرج من مفهومه أنَّ المرائي بعمل الواجب لا يُؤجر وإنْ سقَط عقابه بفِعْله. قال (ن): فيه قاعدةٌ مهمةٌ، وهي أنَّ ما أُريد به وجْه الله يثبُت فيه الأَجر، وإنْ حصَل لفاعله في ضمنه حظُّ نفْسٍ من لذَّةٍ أو غيرها، كوضْع اللُّقمة في فمِ الزوجة، وهو غالبًا لحظِّ النفْس والشَّهوة، فإذا كان هذا فيه الأَجر، فالأَجر فيما يُراد به وجه الله فقط أَولى. ثم هذا في الزَّوجة غير المضطَرَّة للُقمةٍ، فكيف اللُّقمة لمحتاجٍ؟ والكسوة، أو الرغيف، أو كل فعلٍ مما في معنى ذلك ما مشقَّته فوق مشقَّة ثمن اللُّقمة التي في الحقارة بالمحل الأدنى. ٤٢ - بابُ قَوْلِ النَّبِي ﷺ : "الذين النَّصِيحَةُ، لِلهِ وَلِرَسولِهِ وَلأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِم" وَقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١] . (باب قول النبي ﷺ : (الدين النصيحة) علَّقه البخاري؛ لأنَّ رواته في أشهر الطُّرُق عن تميم الدَّاري:

стр. 366

سُهيل بن أبي صالح، وليس مِن شرطه، ورواه مسلم بزيادةِ: (ولكِتَابهِ)، وليس فيه: عن تميم غيرُه، ولا رَوى البخاري عن تميم شيئًا في "صحيحه". والحديث عظيم الشَّأْن، وعليه مَدار الإسلام. قال (ح): النَّصيحة كلمةٌ جامعةٌ معناها حيازة الحظِّ للمَنْصوح له، وهو من بَليغ الكلام، قيل: ليس في كلام العرَب مُفردٌ يُوفي معنى هذه الكلمة كالفَلاح، ولا أَجمع لخيري الدُّنيا والآخِرة منه، والنَّصيحة مِنْ نَصَحَ الرجل ثوبَه: إذا خاطَه؛ لأنَّ فيه عِلاجه وسدَّ خَلله، وقيل: من نَصحتُ العسَل: صفَّيته من الشَّمع، ووجهه تخليص قول الناصح من الغِشِّ، يُقال: نصحَه نُصحًا، ونَصاحه، ونصحتُ له، وهو أفْصح، والاسم النَّصيحة. قال الأصمعي: الناصح الخالِص مِن كلِّ شيءٍ، ونصحتُه صدَقتُه. ومعنى الحديث: قِوام الدِّين وتعظيمه النَّصيحة كـ: "الحجُّ عرَفة". (لله) بأنْ يُؤمن به، ويعتقد نفْي الشِّركِ عنه، والإلحادِ في صفاته، ويعتقد وُجوب الجلال والكمال، وتنزهه عن النقائص، ويقوم بطاعته، ويجتنب معاصيَه، ويوالي أولياءه، ويُعادي أعداءه، ويعترف بنعمه، ويشكره عليها، ويُخلص له، وحقيقةُ ذلك يرجع إلى نُصْح العبد بذلك نفْسَه؛ فإنَّ الله غنيٌّ عن نصحه، وعن العالمين.

стр. 367

وأما النَّصيحة لكتابه: فالإيمان بأنَّه كلامه ، لا يُشبه كلامَ الخلْق، ولا يقدر أحدٌ منهم عليه، وتعظيمُه، وتلاوته حقَّ تلاوته، والتصديق بما فيه، وبفهم علومه، والعمَل بما فيه، والبحث عن ناسخه ومَنْسوخه، وعامِّه وخاصِّه، وسائر وجوه علومه. قلتُ: قد صنَّف شيخنا (ش) كتابًا حافلًا في تفْصيل عُلوم القرآن سماه: "البُرهان". والنصح لكتابه والدُّعاء إلى كتاب الله ليَحكم بينهم. (ولرسوله) بتصديقه على رسالته، والإيمان بجميع ما جاء به، وطاعته في أوامره ونواهيه، ونُصرته حيًّا وميتًا، وإعظام حقِّه، وإحياء سنَّته، والتخلُّق بأخلاقه، والتأدُّب بآدابه، ومحبَّة أهل بيته وأصحابه. (ولأئمة المسلمين)؛ أي: بمعاونتهم على الحقِّ، وطاعتهم فيه، ويذكرهم برفقٍ، وترك الخُروج عليهم، والجهاد معهم، والصلاة خلفَهم، وأداء الصدقات إليهم، وهذا كلُّه على المشهور في تفسيرهم بالحُكَّام، فإنْ أُوِّل بعُلماء الدِّين؛ فبقَبول ما روَوه، وتقليدهم في الأحكام، وحُسن الظنّ بهم. (وعامتهم) إنما لم يُعد اللام فيهم؛ لأنَّهم كأَتْباع الأئمة لا مُستقلُّون، والنُّصح لهم إرشادُهم لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم، وكفُّ الأذى عنهم، وتعليمهم ما جهلوه، وإعانتهم على البرِّ والتقوى، وستر عوراتهم، والنَّفقة عليهم، وأنْ يُحبَّ لهم ما يحبُّ لنفْسه من الخير.

стр. 368

وعضَد البخاري الاستدلالَ بالحديث بآيةِ: ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١]. ٥٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: بَايعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءَ الزَّكاةِ، وَالنُّضح لِكُلِّ مُسْلِم. الحديث الأول (م س): من اللَّطيف في سنَده أنَّ فيه ثلاثةً بَجَليِّين كوفيِّين كُنية كلٍّ: أبو عبد الله؛ وهم إسماعيل، وقَيْس، وجَرير. (بايعت)، أي: عاقدتُ. (إقام) أصله: إقامة، فحُذفت التاء تعويضًا عنها بالمضاف إليه. وسبق بيان معنى الإقامه، واكتفَى هنا من الأركان بذِكْر الصلاة والزكاة؛ لأنَّ العباده بدَنيةٌ أو ماليةٌ. فإنْ قيل: الترجمه عامةٌ، والحديثُ بعضها؟. قيل: لاستلزام الكلِّ؛ لأنَّ النُّصح للمُسلم كوصف الإسلام، وهو فَرع الإيمان بالله وبرسوله وكتُبه. قال (خ): جعَل ﷺ نُصح المسلمين شرطًا في الدِّين حيث بايَع عليه، فنزَّله منزلتَه، فلذلك قرنها بذِكْر الصلاة والزكاة.

стр. 369

قال (ط): في الحديث تسمية النَّصيحة دِينًا وإسلامًا، فإنَّ الدِّين يقَع على العمل كما يقع على القَول، قال: وهي فرض كفايةٍ مَن قام به سقَط الفرض عن غيره، وهي لازمةٌ قدْر الطَّاقة إذا عَلم الناصح أنَّه يقبل نُصحه، ويُطاع أمرُه، وأَمِنَ على نفْسه، وإلا فهو في سَعةٍ، وقيل: لا يكون النُّصح لله ولرسوله حتى يَبدأَ الناصِح بنفْسه، ويجتهد في طلَب العِلْم ليَعرف ما يجبُ عليه. وسبَب تحديث جَريرٍ بذلك فيما روى الطَّبراني: أنَّ مولاه اشترى له فَرَسًا بثلاث مئةٍ، وجاء لصاحبها لينقدُه الثَّمن، فقال جَريرٌ للبائع: فَرسُك خيرٌ من ثلاث مئةٍ، أتبيعُه بأربع مئةٍ، ثم لم يَزَل يقول له: فَرسُك خيرٌ من كذا حتى بلغ ثمان مئةٍ، فاشتراه بها، فقيل له في ذلك، فقال: إني بايعتُ ... ، الحديثَ، وكان إذا قوَّم السِّلعة يُعرِّف المشتري عُيوبَها، ثم خيَّره، فقيل له: إذا فعلتَ ذلك لم ينعقد لك بيعٌ، فقال: إنا بايَعنا النبيَّ ﷺ على النُّصح لكلِّ مُسلمٍ. * * * ٥٨ - حَدَّثَنَا أبُو النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ يَوْمَ مَاتَ المُغِيرَهُ بْنُ شُعْبَةَ، قَامَ فَحَمِدَ الله وَأثنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: عَلَيْكُم بِاتِّقَاءَ اللهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالوَقَارِ وَالسَّكِينَةِ حَتَّى يَأتِيَكُم أَمِيرٌ، فَإِنَّمَا يَأْتِيكُمُ الآنَ، ثُمَّ قَالَ: اسْتَعْفُوا لأَمِيرِكُم، فَإِنَّهُ كَانَ يُحِبُّ العَفْوَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أتيْتُ

стр. 370

النَّبِيَّ ﷺ قُلْتُ: أُبَايِعُكَ عَلَى الإسْلَامِ، فَشَرَطَ عَلَيَّ: "وَالنُّضح لِكُلِّ مُسْلِم"، فَبَايَعتُهُ عَلَى هذَا، وَرَبِّ هذَا المَسْجدِ! إِنِّي لَنَاصِحٌ لَكُم، ثُمَّ استَغْفَرَ وَنزَلَ. الحديث الثاني (م س): (سمعت جريرًا)؛ أي: سمعتُ كلامه؛ لأنَّ الذات لا تُسمع. (قام) ليس في خبر (سَمِع)؛ إذ لا دخل له فيه، وإنما التقدير سمعتُ جَريرًا حمِدَ الله، فحُذف، ثم فسَّر ذلك بقوله: (قامَ ...) إلى آخره، ولا محلَّ لـ (قام)؛ لأنَّه استئنافٌ. قال الزَّمَخْشَري في: ﴿سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾ [آل عمران: ١٩٣]: تقُول: سمعتُ رجلًا يتكلَّم، فتُوقِع الفعل على الرجل، وتحذِف المَسموعَ؛ لأنَّك وصفته بما يسمع، أو جعلته حالًا عنه، فأَغناك عن ذِكْره، ولولا الوَصف أو الحال لم يكُن منه بُدٌّ من أنْ تقول: سمعتُ كلامَه. (فحمد الله وأثنى عليه) الأُولى بالجَميل، والثاني بالخَير، أو الأوَّل بإثْبات الكمال، والثاني بنفْي النَّقائص، فالأول إشارةٌ إلى الصِّفات الوُجوديَّة، والثاني إلى الصِّفات العدَميَّة، أي: التَّنْزيهات. (عليكم) اسم فعلٍ بمعنى: الزموا. (وحده) حالٌ بتأويله بنكرةٍ، أي: واحدًا، أو أنَّه مصدر وَحَد يَحِد كوَعَدَ يَعِدُ. (والوقار) بفتح الواو: الحِكْمة والرَّزانة.

стр. 371

(والسكينة) السُّكون والدَّعة، فأَشار بالوَقار إلى مَصالح الدِّين، وبالسَّكينة إلى مصالح الدُّنيا؛ لأن الاتقاء مِلاك الأمر، والسُّكون لازمٌ عن وِقاية الأمر المؤدِّي غالبًا إلى الفِتْنة والاضطِراب والهرْج والمَرْج. (حتى يأتيكم أمير)؛ أي: بدَلَ هذا الذي ماتَ، ولا يُؤخذ من مفهومِ (حتى) أنَّ بعد مجيء الأَمير لا يكون اتقاءً ووقارًا؛ لأنَّ (حتى) مخالفة ما بعدها لما قبلها، إما لمنع أنَّ ما بعدها مُخالفٌ لما قبلها، وإما أنَّه غايةُ الأمر بالاتقاء للأُمور الثلاثة، أو غاية الوَقار والسُّكون لا للاتقاء، وغاية الثلاث، ولكنْ بعد مجيء الأَمير يَلزم ذلك بالأَولى؛ لأنَّ في الأُصول: شرطُ مفهومِ المُخالفة فقْدُ الموافقة. (يأتيكم)؛ أي: الأَمير. (الآن) يحتمل حقيقةً، فيكون الأمير جَريرًا نفْسه؛ لما رُوي أنَّ المُغيرة استَخلف جَريرًا على الكُوفة عند مَوته، وقيل: ابنه عُروة بن المُغيرة، ويحتمل أنَّ المراد قُرب المُدَّة من الحال، فيكون الأمير زيادًا؛ إذ ولاه مُعاوية بعد وفاته الكوفة. (استغفروا)، في روايةٍ: (استَعْفُوا)، أي: اسأَلوا له العَفْوَ، فإنَّه كان يُحبُّ العفوَ عن ذُنوب الناس كما في المثَل السائر: كما تَدينُ تُدانُ. قال (ط): جعَل الوسيلةَ إلى عَفْو الله الدُّعاء بأَغلب خِلال الخير عليه، فلذلك يُجزى كلُّ أَحدٍ يومَ القيامة بأحسَن أَخلاقه وأَعماله.

стр. 372

(قلت: أُبايعك) تَركَ حرف العطْف؛ لأنَّه بدَلٌ من (أَتيتُ)، أو استئنافٌ. (فشرط علي) بتشديد الياء على أصحِّ الرِّوايات. (والنصح) بالخفْض عطْفٌ على الإسلام، ومثْله يُسمى العطْف التَّلْقيني، أي: لقِّنْه أن يعطف: والنُّصح، ومثله: ﴿قَالَ وَمِن ذُرِّيتيِ﴾ [البقرة: ١٢٤]، وفي روايةٍ: (والنُّصحَ) بالنصب عطْفًا على مقدَّرٍ، أي: شرَط الإسلامَ والنُّصحَ. وفي الحديث: استحبابُ البَيعة، وكمال شفَقة الرسول ﷺ على أُمته. (على هذا)؛ أي: على المَذكور من الإسلام والنُّصح. (المسجد)؛ أي: مَسجد الكُوفة، نبَّه به على شرَفه مكانُ القسَم، وموضع النَّصيحة ليَكون أقْربَ إلى القَبول. (إني لناصح) إشارةٌ لا إلى وفائه بما بايعَ به النبيَّ ﷺ ، وأنَّ كلامه صادقٌ خالصٌ من الأغراض الفاسدة. (ونزل)؛ أي: من المِنْبَر، أو معناه: قَعَد؛ لأنَّه مقابِلٌ لـ (قَامَ)، والله أعلم.

стр. 373

٣ - كتاب العلم

стр. 374

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٣ - كتاب العلم أخَّره عن الإيمان؛ لأنَّه أول واجبٍ، أو لأنَّه أفضَل على الإطلاق؛ لأنَّه مبدأُ الخير عِلْمًا وعمَلًا. وقدَّم العِلْم على كل ما يأْتي بعده؛ لأنَّ مَدارها عليه. ١ - بابُ فَضْلِ العِلْمِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ١١]، وَقولهِ : ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] . (باب فضل العلم) لم يَذكر في هذه الترجمة حديثًا لِما سبَق من أنَّه إما لكونه ذاكرًا لترجمةٍ، وكان يُلحق بها الأحاديثَ، ولم يتفِق له أنْ يُلحق ببعضها شيئًا، أو لأنَّه لم يثبُتْ عنده في تلك الترجمة شيءٌ، أو أنَّه قصَد ترك إيراد حديثٍ للتَّنبيه على أنَّه لم يَصحَّ في ذلك شيءٌ، أو نحو ذلك.

стр. 375

وسيأْتي ترجمةٌ نحوَ هذه فيها حديثٌ، وأنَّ جواب ذلك: أنَّ الفضل هناك بمعنى الفَضيلة لا من الفَضْل. ﴿دَرَجَاتٍ﴾ مفعولُ (يرفع)، والرفْع: كثْرة الثَّواب ونحوه. ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾؛ أي: فالذي يُطلب زيادتَه دليلٌ على فضله. * * * ٢ - بابُ مَنْ سُئِلَ عِلْمًا وَهُوَ مُشْتَغِلٌ فِي حَدِيثِهِ فَأَتَمَّ الحَدِيثَ ثم أَجَابَ السَّائِلَ (باب من سئل علمًا وهو مشتغل في حديثه) سُئل بضم السين، وجملة: (وهو مشتِغلٌ) حاليةٌ من نائب الفاعل. (فأتم) عطَفه بالفاء لأنَّه عَقِبه. (ثم أجاب): عطفَه بـ: (ثم)؛ لتراخيه. ٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيحٌ، ح وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاء بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ القَوْمَ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحَدِّثُ، فَقَالَ بعضُ القَوْمِ: سَمعَ

стр. 376

مَا قَالَ، فَكَرِه مَا قَالَ، وَقَالَ بَعْضُهُم: بَلْ لَم يَسْمَع، حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: "أَيْنَ -أُرَاهُ- السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ؟ "، قَالَ: ها أَناَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانة فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ"، قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُها؟ قَالَ: "إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ". (وحدثنا) وفي بعضها: (وحدَّثني)، وسبَق الفرقُ بينهما، وبالجملة فهو إسنادٌ آخَر، وربَّما يُكتب قبلَه صُورة (ح) للتَّحويل، وسبق بيانها. (بينما) أصله: (بين) زيدت عليها (ما)، وهو ظرف زمانٍ بمعنى المُفاجأة، والأفْصح أن يُجاب بـ (إذ) أو بـ (إذا)، وكان الأَصمعي لا يَستفصِح إلا تَركَهما، وقيل: يتضمن بمعنى الشرط، فلذلك اقتضى جوابًا، وعاملُه الجواب (إذا) كان مجرَدًا منهما، وإلا فمعنى المُفاجأَة، وقد سبق. (يحدث) خبر المبتدأ، ومفعولاه الأَخيران حُذفا. (القوم) الرجال، قال تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات: ١١]، الآيةَ، وقال الشاعر: أَقَومٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِساءُ وقد يدخُل النِّساء في قومٍ تبَعًا، فإنَّ قوم كلِّ نبيٍّ شاملٌ للرجال والنِّساء، وجمعه: أَقوامٌ، وجمع الجمع: أَقاوِم. (أعرابي) واحدُ الأعراب، وهم سُكان البَوادي لا واحدَ له،

стр. 377

وليس الأعراب جمع: العرَب، والنَّسب للعرَب عرَبيٌّ، ولم يُسمِّ هذا الأعرابي إلا أبو العالية، فإنَّه سماه: رفيعًا. (يحدث)؛ أي: يحدِّث القَوم، ورُوي (بحديثه) بحرف الجرِّ. (فقال بعض ...) إلى آخره، جملةٌ اعتراضيةٌ بين (فمضى)، وبين (حتى إذا قضى حديثه)، وعطْف: (بل لم يسمع) على ما قبْلَه لا يقدَح فيه تغايُر المتكلِّمين، فقد يكون الإضراب بين كلامَي متكلِّمَين، ولو سُلِّم منْعه؛ فلم لا يكون الكلُّ من كلام البعض الأوَّل على طريقة عطْف التَّلْقين، كأنَّه قال البعض الآخَر للبعض الأوَّل: بل لم يَسمَع، أو من كلام البعض الآخَر بأنْ تُقدِّر قبلَه: سَمعَ، أي: سمع بل لم يَسمع، كذا قال (ك)، وفيه نظَرٌ. (أين هذا السائل) وفي نُسخةٍ: (أَيْنَ أُراهُ السَّائِلُ؟)، وهو بضم الهمزة بمعنى: أَظنُّ؛ أي: قال الرَّاوي: أظُنُّ أنَّه قال: أَين السائلُ؟. (ها) حرف تنبيهٍ. (أنا): مبتدأٌ خبره محذوفٌ، أي: السائل. قال الجَوْهري: (ها) يكون جواب النِّداء تُمدُّ وتُقصر، وتكون مقصورةً للتَّقريب إذا قيل: أَين أنتَ؟، فتقول: ها ها أَنا ذا. واعلم أنَّ العطف قد ترك في: قال سُؤالًا وجوابًا؛ لأنَّ المُقاوَلة تقتضي سؤالَ سائلٍ عما قال كلٌّ، نعَمْ، في بعض النُّسَخ: (فقالَ: كَيْفَ إِضاعَتها؟)؛ ليُفرغه عمَّا قبْله، فعقب بالفاء. (وُسِّدَ) بالتشديد؛ أي: جعل له غيرُ أَهله وِسادةً، مِن وسَّدتُه

стр. 378

الشيءَ، فتوسَّدَه، أي: فُوِّض الأَمر، فـ (إلى)، بمعنى اللام، أو لتضمُّنه مع الإسناد، ورَواه القابِسي: (أُوْسِدَ) بهمزةٍ، ورواه البخاري في (باب رفْع الأَمانة): (أُسْنِدَ). (الأمر)؛ أي: جنْس الأُمور المُتعلِّقة بالدِّين؛ مِن خلافةٍ وقضاءٍ وإفتاءٍ ونحوه، بخلاف البَواقي، وإنما أخَّر النبيُّ ﷺ جوابَ السائل؛ لأنَّه سأَل عما لا يجبُ تعلُّمه، أو لأنَّ غيره أهمُّ منه، أو أَخَّره انتظارًا للوحي أو لِيُتِمَّ حديثه، حتى لا يختلط على السامعين، أو أراد التَّنبيه على فوائد: منها: تقديم القاضي، والمفتي، والمدرِّس الأسبَق، وأنَّ الأدب أنْ لا يُسأل مَن هو مُشتغلٌ بحديثٍ أو غيره، والرِّفْق بالمتعلِّم، وإنْ جَفا في سُؤاله أو جَهِل؛ إذ لم يُوبِّخه ﷺ ، ومُراجعة العالم فيما لم يُفهم كقوله: (كَيْفَ إِضاعتُها؟)، وإنما أجابَ بزوال الإضاعة، والسُّؤال عن الكيفيَّة؛ لتضمُّنه إياه؛ لأنَّ كيفيَّتها بالتوَسُّد المذكور. والظاهر أنَّ (إذا) هنا ليست شرطيةً. (فانتظر) للتفريع عما قبْله، أو جواب شرطٍ محذوفٍ. قال (ط): معنى الحديث أنَّ الأئمة ائتَمنهم الله على عباده، وفرَض عليهم النُّصح، فإذا قلَّدوا الأمر غير أهل الدِّين، فقد ضيَّعوا الأَمانة، وفي الحديث: "إِنَّ السَّاعةَ لا تَقُومُ حتَّى يُؤتَمنَ الخائِنُ"، وهذا إنما يكون إذا غلبت الجُهَّال، وضَعُف أهل الحقِّ عن القيام به ونُصرته. * * *

стр. 379

٣ - بابُ مَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالعِلْمِ ٦٠ - حَدَّثَنَا أبَو النُّعمَانِ عَارِمُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثنَا أبو عَوَانة، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهكَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمرٍو قَالَ: تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِيُّ ﷺ فِي سَفْرَةٍ سَافَرناَها، فَأَدركَنَا وَقَد أَرهقَتْنَا الصَّلَاةُ وَنَحْنُ نتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمسَحُ عَلَى أَرجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعلَى صَوْتهِ: "ويلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ"، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. (باب من رفع صوته بالعلم) (م د س ق). (في سفرة) في "مسلم": أنَّ ذلك مَقفَلهم من مكَّة إلى المدينة. (سافرناها) الضمير مفعولٌ مطلَقٌ نحو: ظننتُه زيدًا منطلِقًا؛ أي: ظننت الظنَّ. (فأدركنا)؛ أي: لحِقَ بنا. (أرهقتنا الصلاة) برفع (الصلاة) فاعل: أَرهقَ، أي: غشِيتْنا، أو حملتْنا على أدائها. قال أبو زيد: رهقَتْنا إذا حانَتْ. وقال ابن الأَعرابي: رَهِقَ، وأرهق بمعنى: دنا، وهي بكسر الهاء، أَرهق بالفتح، قال الله تعالى: ﴿ولَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٦].

стр. 380

وفي روايةٍ: (أرهقَنَا) من غير تاءٍ، ورفْع (الصلاة)؛ لأن تأنيثها غير حقيقيٍّ. وفي رواية: (أَرهقْنا) بسكون القاف، ونصب (الصلاة)، أي: أخَّرنا الصلاة حتى يدنُوَ وقْت الأُخرى. قال (ش): وهو الأظهر. قال صاحب "الأَفعال": أَرهقْتُ الصلاةَ أخَّرتها، وأَرهقتُه أدركتُه. وهذه الصلاة كانت العَصْر، كذا في "مسلم"، وفي رواية البخاري في (العلم)، وفي (الوُضوء). (فجعلنا) مِن أفعال المُقارَبة تُستعمل كـ (كادَ). (أرجلنا) جمع رِجْل لمُقابلة الجمْع، وإلا فليس لكل إلا رِجْلان، ولا يُقال: يلزم أنْ يكون لكلِّ واحدٍ رِجلٌ واحدةٌ، لأنَّا نقول المراد به جنْس الرِّجل سواءٌ كانت واحدة أو ثنتين. قال (ك): المَسْح على القدَم، فأُطلقت الرِّجل على بعضها، وهو عجيبٌ، فلا امتناعَ أنْ يكونوا مسحوا الرِّجل كلَّها، فأنكر عليهم عدَم الغَسل؛ إذ ليس المراد هنا مسْح الخُفِّ، فإنْ أراد أن الرِّجل تُطلق إلى الرُّكبة، فذاك فيه بحثٌ مذكورٌ في: (إلى) كما في (اليَد إِلى المرفَق). (للأعقاب) جمع: عَقِب بكسر القاف، وهو مُؤخَّر القدَم، وإنما

стр. 381

أتى باللام؛ للاختصاص نحو: ﴿وَإِن أَسَأتُم فلها﴾ [الإسراء: ٧]، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠]، وإنْ كانت على أكثر ما يُستعمل في النَّشر نحو: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] أي: ويلٌ لأَصحاب الأَعقاب المقصِّرين في غَسلها، نحو: ﴿وسئلِ القَريَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، وقيل: العقِب هي المخصوصة بالعُقوبة. وبالجُملة فهو دليلٌ لغَسل الرِّجلين، وهو الإِسباغ لا اللَّمس بالماء، وأما قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وإنْ كان ظاهرها عطفٌ على المَمسوح لكنَّ تأْويله: أنَّ الجرَّ على المُجاورة، أو نحوه؛ ليُوافق قراءة النَّصب أجود مِن تأويل النَّصب: بأنَّه عطفٌ على محلِّ الجارِّ والمَجرور؛ لما دلَّ عليه هذا الحديث ونحوِه من وُجوب الغَسل، وأيضًا فكلُّ مَن وصَف وضوء النبيِّ ﷺ رَوى غَسلَه إياهما. قلتُ: وأيضًا في حديث عَمرو بن عَبَسة في "صحيح ابن خُزَيمة": (ثُمَّ يَغسِلُ قدَمَيْهِ إلى الكَعْبَين كمَا أَمرَه اللهُ تعالى). (أو ثلاثًا) شكٌّ من ابن عُمر. وقال (ك): إنما تَركوا الصلاة في الوقْت الفاضِل طمَعًا في إِتْيان النبيِّ ﷺ ، فيُصلُّون معه، فلما ضاق الوقْت خشُوا فَوته، فتوضَّؤوا مُستعجِلين، ولم يُبالغوا، فأَدركهم النبيُّ ﷺ ، فزجَرهم، وأنكَر عليهم. واحتجَّ مَن اكتفى بالمَسح بأنَّ حُكم الوَجْه واليدَين في الوُضوء الغَسل، وفي التيمُّم المَسْح، والرأْس والرِّجلان ساقطان في التيمم،

стр. 382

فوجَب أنَّ واجبَهما المسح؛ لأنَّ الرِّجل بالرأْس أشبَه، ولا يخفى ضَعفه. وفي الحديث: التغليظ في الإنكار، والتكرار للمُبالغة، ورفع الصَّوت في المُناظرة بالعِلم. قال ابن أبي شَيبة: مرَرتُ بأبي حنيفة هو وأَصحابه وقد ارتفَعتْ أصواتُهم بالعِلْم. * * * ٤ - بابُ قَوْلِ المُحَدِّثِ: (حَدَّثَنَا) أوْ (أَخْبَرَنَا) و (أَنبأَنَا) وَقَالَ لَنَا الْحُمَيْدِيُّ: كَانَ عِنْدَ ابْنِ عُيَيْنَةَ: (حَدَّثَنَا) وَ (أَخْبَرَناَ) وَ (أَنْبَأَناَ) وَ (سَمِعتُ) وَاحِدًا. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ الصِّادِقُ المَصدُوقُ. وَقَالَ شَقِيقٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ كلِمَةً. وَقَالَ حُذَيْفَةُ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَروِي عَنْ رَبِّهِ. وَقَالَ أَنسٌ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يروِيه عَنْ رَبِّهِ .

стр. 383

وَقَالَ أبَو هُرَيرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّكُمْ . (باب قول المحدث: حدثنا وأخبرنا وأنبأنا) المراد بالمُحدِّث الرَّاوي لا الاصطِلاحي، وهو العالم بحديث النبيِّ ﷺ . (قال لنا)، وفي نسخةٍ: (قال الحُمَيْدي) من غير ذِكْر لفْظ (لنا)، وكلاهما يحتمل روايته عنه بواسطةٍ بخلاف (حدَّثنا)، ولو قال: قالَ لي كان أيضًا دون (حدَّثنا)؛ لاحتمال أنَّه سُئل على سَبيل المُذاكَرة. قال جَعفر بن حَمدان النَّيْسابُوري: كلُّ ما في البخاري: قالَ في فلانٌ، فهو عَرض ومُناوَلةٌ. (واحدًا)؛ أي: الثلاثة بمعنًى واحدٍ، وتقرير البخاري ذلك من غير حكايةِ ما يُخالفه دليل على اختياره. وقال مسلم: (حدَّثنا) لا يجوز إطلاقُه إلا على ما سمعه من الشيخ خاصةً، و (أخبرنا) لمَا قُرئ عليه، فالأول أَعلا، وهذا مذهب الشَّافعي، وجمهور أهل المشرق، قيل: وأكثر أصحاب الحديث الشَّائع الغالب عليهم، والقول الأوَّل نقلَه (ن) عن مالكٍ والبُخاري، ومُعظَم الحجازيين والكوفيين، ونُقل عن طائفةٍ أنَّهما لا يُطلَقان في القراءة على الشَّيخ، وهو قول أحمد، والمشهور عن النَّسائي، انتهى. أما (أنبأنا) فيكون في الإجازة، فهي أَدنى من (أخبرنا).

стр. 384

وأما (سمعت) فلِمَا سمعه من الشيخ، ولو كان مع غيره، فهو دُون: (حدَّثنا). وقال الخَطيب: الأرفَع: سمعت، ثم حدثني، ثم أخبرني، ثم أنبأني. ونقَل (ط) عن طائفةٍ: أنَّ (حدثنا) لا يكون إلا مُشافهةً، و (أخبرنا) يكون مُشافهةً وكتابًا وتبْليغًا، يقول: أخبَرنا اللهُ تعالى في كتابه، ورسولُه ﷺ بكذا. وقال الطَّحَاوي: لم نجن بين الحديث والخبر فَرْقًا في كتابٍ ولا سنةٍ، قال تعالى: ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤]، وقال النبيُّ ﷺ : "أخبرني تميمٌ الدَّارِيُّ". (قال ابن مسعود) وصلَه فى (بدء الخلق)، و (الغسل)، وغيرهما. (الصادق) في نفْس الأمر. (المصدوق)؛ أي: بالنِّسبة إلى الله تعالى، وإلى النَّاس، أو الذي يُخبره صادقٌ، وهو جبريل ﵇. (وقال سُفْيان) وصلَه في (الجنائز)، و (التوحيد) وغيرهما. (وقال حذيفة) وصلَه في (التوحيد)، وغيره، وقال (ك): في (كتاب الرقائق). (وقال أبو العالية) وصلَه في (التوحيد) أيضًا، وأوَّله: (لكُلّ عمَلٍ كفَّارةٌ). واعلم أنَّ من بعد قوله: (أنبأنا) ليس من الترجمة، نعَمْ، فيه ذكْر

стр. 385

ما لا تعلُّق له بالترجمة، كما أن في الترجمة ما لم يذكُره، وهو: (أنبأنا)، لكنْ لفْظ الرواية لمَّا كان شاملًا للجميع صار كأنَّ الترجمة للكلّ. * * * ٦١ - حَدَّثَنَا قتيْبةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَة لَا يَسْقُطُ وَرَقُها، وإنها مَثَلُ المُسْلم، فَحَدِّثُوني مَا هِي؟ "، فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوَادِي، قَالَ عَبْدُ اللهِ: وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنّها النَّخْلَةُ، فَاسْتَحيَيْتُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: "هِيَ النَّخْلَةُ". (م ت س). (الشجر)؛ أي: جنْسها، واحدُه: شجَرة كثَمَر وثَمَرة. (مَثَل) بفتح الميم، والمُثلَّثة في الرِّواية، ويُقال فيه بكسر الميم وسُكون ما بعدَها، كشَبَهٍ وشِبْهٍ لفْظًا ومعنى، والمَثَل بالتحريك: واحدُ الأمثال. ووجْه الشَّبَه بينها وبين المسلم: كثْرة خيرها، ودوام ظلِّها، وطيب ثمرتها، ووجوده على الدوام، فيُؤكل من حين يطلُع إلى ما بعد يُبسه، ويُستعمل خشَبها جِذْعًا، وحَطَبًا، وعِصيًّا، ومَخاصِر، وورقها حُصُرًا، وأواني، وحبالًا، وآخرها النَّوى يُعلف به الإبل، هذا مع جمال نبَاتها، وحُسن بيئة ثمرها، والمؤمن خيرٌ كلُّه من كثرة طاعته،

стр. 386

ومَكارم أخلاقه، ومُواظبة صلَواته، وصيامه، وقراءته، وذكره، والصدقة، والصلة، وسائر الطاعات، ودوام ذلك كدوام ورق النخلة. قال السُّهيْلي في "التعريف": زاد فيه الحارث بن أبي أُسامة في متْنه زيادةً تُساوي رِحلةً: عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "هيَ النَّخلة لا تَسقُط لها أَنْمُلةٌ، وكَذا المؤمِنُ لا يسقُطُ له دَعوةٌ)، انتهى. وقيل: في وجْه الشَّبَه أيضًا إذا قُطع رأْسها ماتتْ، وأنَّها لا تحمِل حتى تلقَّح، وتموت إذا غرقَتْ، أو يفسد ما هو كالقَلْب لها، وإنَّ لطَلْعها رائحة المَنيِّ، أو لأنَّها تعشق كالإنسان، لكن هذه الأُمور كلَّها لا تختصُّ بالمسلم، فلا وجْه لتفسير الشبَه ها هنا. (ما هي) مبتدأٌ وخبرٌ في موضع الثاني من مفعولي (حدَّث). (فوقع الناس)؛ أي: فسر كل واحدٍ بنوعٍ، وفي رواية: (البَوادِ) بحذف الياء، وهو لغةٌ. (فاستحيت)؛ أي: أنْ أتكلَّمَ وعنده ﷺ الكبار هيبةً منه، وتوقيرًا لهم. (حدِّثنا) طلَبٌ؛ إذْ لا عُلوَّ ولا استعلاءَ ولا تَساوي. ففي الحديث أن سماع الشيخ والسماع منه يُطلق فيهما التحديث لقوله ﷺ : (حدثوني)، وقولهم: (حدِّثْنا)، ولا يخفى ما فيه من نظَرٍ؛ فإنَّ قوله: (حدِّثُوني) مساوٍ لـ (حدِّثْنا)؛ لتنزيله إياهم منزلة الشيخ. وفيه: إلقاء العالم المسألةَ على أصحابه ليَختبر أفْهامَهم،

стр. 387

ويُرغَبهم في العِلْم كما سيترجِم له عَقِبَ ذلك. وفيه: ضرب الأمثال بالشجرة وغيره، وتوقير الكبار، وترك التكلم عندهم، وفضْل النخل؛ قيل فيها: إنَّها خُلقتْ من بَقيَّة طِينة آدم، وهي كالعمَّة للأَناسيِّ. * * * ٥ - بابُ طرح الإِمَامِ المَسْئَلَةَ عَلَى أصحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ (باب طرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر)؛ أي: ليمتَحِنَ. (من العلم)، (مِنْ) للبيان. ٦٢ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُها، وَإِنَّها مَثَلُ المُسلم، حَدِّثُوني مَا هِيَ؟ "، قَالَ: فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوَادِي، قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّها النَّخْلَةُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "هِيَ النَّخْلَةُ". (حدِّثوني) في الرواية السابقة: (فحدِّثُوني) على تأْويلٍ، كأنَّه قال: إنْ عرفتُموها فحدِّثُوني، فحُذف الشَّرط، فعدَمها هو الأصل؛ إذ لا جِهةَ جامعةً تقتضي العطْف، وإنما أَعاد البخاري الحديثَ- ولا تفاوُتَ

стр. 388

إلا بزيادةِ الفاء- لاستفادة الحُكم المترجَم عليه، ولاختِلاف السَّنَد، وفائدة ذلك التَّنبيه على أنَّ كلًّا من شيخَيه حدَّثنا في مَقام، فقُتيبة في مَقام التَّحديث، وخالد في مقام طَرح المسألة، هذا مع فائدة التأْكيد وغيره. ٦ - بابُ مَا جَاء فِي العِلْمِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ القِرَاءَةُ وَالعَرضُ عَلَى المُحَدِّثِ وَرَأَى الْحَسَنُ وَالثَّوْرِيُّ وَمَالكٌ القِراءَةَ جَائِزَةً، وَاحتَجَّ بَعضُهُم فِي القِرَاءَةِ عَلَى العَالِم بِحَدِيثِ ضِمَامِ بْنِ ثَعلَبَةَ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : آللهُ أَمَرَكَ أَنْ تُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ؟ قَالَ: "نعم"، قَالَ: فَهذِهِ قِرَاءَة عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَ ضِمَامٌ قَوْمَهُ بِذَلِكَ فَأَجَازُوهُ، وَاحتَجَّ مَالكٌ بِالصَّكِّ يُقْرَأُ عَلَى القَوْمِ فَيَقُولُونَ: أَشهدَناَ فُلَان، وَيُقْرَأُ ذَلِكَ قِراءَةً عَلَيْهِم، وَيُقْرَأُ عَلَى المُقْرِئ فَيَقُولُ القَارِئُ: أَقْرَأَنِي فُلَانٌ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لَا بَأْسَ بِالقِرَاءَةِ عَلَى العَالِم. وَأَخْبَرَناَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرَبْرِيُّ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: إِذَا قُرِئَ

стр. 389

عَلَى المُحَدِّثِ فَلَا بَأسَ أَنْ يَقُولَ حَدَّثَنِي، قَالَ: وَسَمِعتُ أَبَا عَاصمٍ يَقُولُ، عَنْ مَالِكٍ وَسُفْيَانَ: القِرَاءَةُ عَلَى العَالِم وَقِراءَتُهُ سَوَاء. (باب القراءة والعرض على المحدث) (على) مُتعلقةٌ بهما، وهو من التنازع، والمراد بالعرض هنا عرْض القراءة؛ بدليلِ ما ذكر في الباب لا عرْض المناولة، وهو أنْ يأتي إلى الشيخ يعرِض عليه أنَّه هل هو من روايته، فيتأمَّلُه الشيخ، ويقول: وقفْتُ على ما فيه، وهو حديثي، فأجزتُ لك أن تَرويه عني، وعلى الأوَّل فالعطْف للبَيان أنَّ له اسمين فهما وإن اتحدا ذاتًا لكنْ تغايَرا مفهومًا، ويُسمَّى مثْله العطف التَّفسيري. (ورأى ...) إلى آخره، هذه الأُمور خارجةٌ عن الترجمة مستأنفةٌ، ويحتمل أن تكون منها بتأْويلِ مصدرٍ؛ أي: وباب رأْي الحسَن ... إلى آخره، ثم ذكَر بعد ذلك سنَده إلى الحسَن، وإلى الثَّوري، ومالك، فيما قالُوه، ثم أسنَد حديث ضِمام الذي قال فيه: (احتجَّ بعضُهم)، وذلك البعض هو الحُمَيدي شيخ البخاري، لكن قوله: (أخبر ضِمام قومه) وصلَه أبو داود عن ابن عبَّاس بلفْظ: أنَّ ضِمامًا قال لقومه عندما رجَع إليهم: إنَّ الله قد بعثَه رسولًا، الحديثَ. وضِمام -بكسر المعجمة- بن ثَعلَبة -بمُثلَّثة مفتوحةٍ، ثم مُوحَّدة-: أخو بني سَعد بن بكْر السَّعدي، قَدِم على النبي ﷺ ، بعثَه إليه بنو سَعْد

стр. 390

يَسألُه عن الإسلام، رجَع إليهم، فأخبرهم بذلك، فأَسلَموا. قال ابن عبَّاس: ما سمعنا بوافدٍ قطُّ أفضَل من ضِمام. (آلله أمرك) الأول مرفوعٌ، والجملة خبرٌ، وفي الكلام استفهامٌ. (أن تصلي) وفي بعضها: (بأن)، وفي بعضها؛ (نُصَلِّي) بالنون، أي: بأنْ تأْمُرنا بالصلاة. (قال)؛ أي: البعض المُحتجُّ، وهو الحسَن، والثَّوريُّ، وغيرهما. (قرأه على النبي ﷺ ) وفي نسخةٍ: (قِراءَة النبيِّ)؛ أي: القِراءة عليه أو له. (فأجازه)؛ أي: النبيُّ ﷺ وأصحابه، أو أجازه قومُه؛ أي: بعد إسلامهم، أو كان فيهم يومئذٍ مُسلمون. وفائدة ذِكْره الإشعار بـ (قَرأَه) باعتبار القِراءة على المُحدّث، وجواز العمَل بذلك، ومجرَّد القراءة على الشيخ يدلُّ على هذا المقصود. (بالصكِّ) بتشديد الكاف: الكِتاب. قال الجَوْهري: فارسيٌّ معرَّبٌ، والجمع صِكَاك وصُكوك. (يقرأ) بالضم مبنيٌّ للمفعول. (فلان) منوَّنٌ منصرِفٌ، وفي بعضها بعد ذلك: (وإنما ذلك قِراءةٌ عليهم). قال (ط): هذه حُجةٌ قاطعةٌ؛ لأنَّ الإشهاد أَقوى حالًا من الإخبار.
следующие страницы →