← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18103

اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح

شمس الدين البرماوي

Полный текст (8 898 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

٢ - بابُ رَعْيِ الْغَنَمِ عَلَى قَرَارِيطَ (باب رَعْي الغَنَم على قَراريط) جمع: قِرَّاط بالتشديد، وقد يُبدل أحَد حَرْفي التَّضعيف ياءً، وهو نصف الدَّانِق، وقيل: نصف عُشْر الدِّينار، وقيل: جزءٌ من أربعةٍ وعشرين جُزءًا. ٢٢٦٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بن مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بن يَحْيَى، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "مَا بَعَثَ الله نَبيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ". فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: "نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ". (إلا رعى الغنم) حِكْمة ذلك أنهم إذا خالَطوا الغنَم زادتهم الحِلْم والشَّفَقة، وأنهم إذا صبَروا على مشقَّة الرَّعْي، وجمعها مع اختلاف طباعها، وتفرُّق مَرعاها، ومع ضَعْفها واحتياجها، وصبرهم على مَشاقِّ الأُمة مع الاختلافات التي في أصنافهم وطِباعهم، وعلى الاهتمام بشأْنهم، وحفظ أحوالهم كان أَولى أن لا تتضجَّر نفوسُهم من الأُمم؛ لأنهم قد تعوَّدوا بذلك. (كنت أرعاها) قالَه تواضُعًا، وتَعريضًا بمنَّته تعالى عليه حيث جعلَه بعد ذلك سيِّد الأكوان ﷺ . (على قراريط) قيل: الأجْر قَراريط، ولفظ رواية ابن ماجه

стр. 3292

بالقَراريط، ثم قال: قال سُوَيْد -يعني ابن سَعيد أحد رُواته-: يعني: كلُّ شاةٍ بقِيراط، وهذا ظاهر ترجمة البخاري، لكن قال إبراهيم الحَرْبي: قَراريط اسم موضعٍ، ولم يُرد بذلك القَراريط من الفِضَّة. قال ابن ناصر: هذا هو الصحيح، وأخطأَ سُوَيْد في تفسيره. قال (ش): ويدلُّ له رواية النَّسائي: (وأَناَ أَرْعَى غنَمًا لأَهلي بجِيَادٍ)، ذكره في تفسير (سورة طه). وقال صاحب "مِرآة الزَّمان": إنَّ أهل مكَّة يُنكرون أنَّ يكون بنواحي مكَّة موضعٌ يُقال له: قراريط، وإنما أراد قَراريط من فِضَّة، ثم ذكَر رواية: (لأَهْلهِ بجِيَادٍ)، وجِيَاد: اسم موضعٍ بظاهر مكة، ودلَّ هذا على أنه إنما كان رِعايتُها لأهله لا بقَراريط كما قالوه. قلت: لا يمتَنع أنَّه كان معه غنَمٌ لأهله، وغنَمٌ لغيرهم من أهل مكة يَرعى بقَراريط، أو باعتبار زمنَين، ولا يمتنع أن يكون بمكَّة موضعٌ يُسمَّى قَراريط، ثم نُسِيَ، أو صارَ يُعرف بغير هذا الاسم، فلا تَبايُن حينئذٍ بين الرِّوايات. * * * ٣ - بابُ اسْتِئْجَارِ الْمُشْرِكِينَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، أوْ إِذا لَمْ يُوجَدْ أَهْلُ الإِسْلَامِ وَعَامَلَ النَّبيُّ ﷺ يَهُودَ خَيْبَرَ.

стр. 3293

(باب استِئْجار المُشرِكين عنْد الضَّرورة) (وعامل النبي ﷺ ) موصولٌ في (المَغازي). * * * ٢٢٦٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بن مُوسَى، أَخْبَرَناَ هِشَامٌ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بن الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: وَاسْتَأْجَرَ النَّبيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بني الدِّيلِ ثُمَّ مِنْ بني عَبْدِ بن عَدِيٍّ هَادِيًا خِرِّيتًا -الْخِرِّيتُ: الْمَاهِرُ بِالْهِدَايَةِ- قَدْ غَمَسَ يَمِينَ حِلْفٍ فِي آلِ الْعَاصِ بن وَائِلٍ، وَهْوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَأَمِنَاهُ، فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، وَوَعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، فَأَتَاهُمَا بِرَاحِلَتَيْهِمَا صَبيحَةَ لَيَالٍ ثَلَاثٍ، فَارْتَحَلَا، وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بن فُهَيْرَةَ، وَالدَّلِيلُ الدِّيلِيُّ، فَأَخَذَ بِهِمْ، وَهْوَ طَرِيقُ السَّاحِلِ. (واستأجر) بالواو، دليلُ سبْقِ كلماتٍ غيره في أمر الهجْرة عَطَفَ هذا عليه، فكأنَّ البخاري اقتطَعَه من أمر الهجرة، وأتى بالواو تنبيهًا على ذلك، لكن رواية ابن السَّكَن بلا واوٍ، وهو أبْيَن. (من بني الدِّيل) بكسر الدال، وإسكان الياء، وبضمِّ الدال، وهمزةٍ مكسورةٍ: بطْنٌ من بني بكر، واسمه: عبد الله بن أُرَيْقِط، وقيل: سَهْم بن عَمْرو. (هَادِيًا خِرِّيتًا) بكسر الخاء المعجمة، وتشديد الراء. (الماهر) كذا لهم، وفيه وَهْمٌ، وصوابه: رواية ابن السَّكَن،

стр. 3294

والمُسْتَملي: (وهو الماهِر)، وهو تفسير الخِرِّيْت لا الهادي، وكذا هو للجميع في الرِّواية الآتية في الباب الذي بعدَه، وهو الذي يَهدي لأُخْرات المَفازة، وهي طرُقها الخفيَّة ومَضايقُها، وقيل: أراد أنه يهتدي لمثْلِ خُرْتِ الإبْرةِ من الطَّريق، وأُريْقِط: تصغير أَرْقَط، براءٍ، وقافٍ، ومهملةٍ. (وهو على دين) مُدرَجٌ، الظَّاهر أنه من قَول الزُّهْرِي. (غَمَسَ) بالغين المعجمة. (حلف) قيل: بفتح الحاء، وكسر اللام، والأَشْهر بكسر الحاء، وسكون اللام، أي: أخَذ بنصيبٍ من عَقْدهم وحِلْفهم يأْمن به، كان عادتهم أن يَغمِسُوا أيديَهم عند الحِلْف في جَفْنةٍ فيها طِيْبٌ أو دمٌ ليتِمَّ عَقْدهم عليه باشتراكهم في شيءٍ واحدٍ، وقيل: إنه أراد بالغَمْس الشِّدَّة. (العاصي) بالياء وبدونها. (وائل) بهمز بعد الألف. (فآمناه) هو ثلاثيٌّ مصدره: الأَمْن، قال التَّيْمي: بنو الدِّيْل: بطْنٌ من بني بكر. (ثور) بالمثلَّثة: هو غارٌ أَطْحَل استَتر به النبيُّ ﷺ ، وأبو بكر من المُشركين. (عامر بن فُهَيْرة) بضم الفاء، وفتح الهاء، وسكون الياء، وبالراء: الأَزْدي، كان أسود اللَّون مملُوكًا للطُّفَيل بن عبد الله، فاشتراه أبو بكر الصِّدِّيق منه فأعتقَه، وكان إسلامه قبْل دُخول النبي ﷺ دار الأَرْقم، وكان حسَن الإِسلام، وهاجَر معهما إلى المدينة، وكان

стр. 3295

ثالثهما، قتل يوم بئْر مَعُونَة -بفتح الميم، وبالنون-. (فأخذ بهِم)؛ أي: سلَكَ مُتلبسًا بهم طريقَ ساحل البحر، وفي بعضها: (فأخَذَهم)، وهو طريق السَّاحل، أي: أخَذ الدَّليلُ وعامرٌ بهم، وعلى هذا لا بُدَّ أن يُقال: أقلُّ الجَمْع اثنان؛ لأن الاثنين إذا أخَذَا بقِيَ المأْخوذ بهما النبي ﷺ ، وأبو بكر. * * * ٤ - بابٌ إِذا اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِيَعْمَلَ لَهُ بَعْدَ ثلَاثَةِ أَيَّامٍ -أَوْ بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ بَعْدَ سَنَةٍ- جَازَ وَهُمَا عَلَى شَرْطِهِمَا الَّذِي اشْتَرَطَاهُ إِذا جَاءَ الأَجَلُ (بابٌ: إذا استَأْجَر أجيرًا ليعمَل له بعد ثلاثة أيامٍ، أو بعد شَهْرٍ، أو بعد سنَةٍ) أَورد الحديث فيه، أي: ويكُون غيره قياسًا عليه. ٢٢٦٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بن بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ: قَالَ ابن شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بن الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبيِّ ﷺ قَالَتْ: وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ الله ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بني الدِّيلِ هَادِيًا خِرِّيتًا، وَهْوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ بِرَاحِلَتَيْهِمَا صُبْحَ ثَلَاثٍ.

стр. 3296

(صبح ثلاثًا) نُصب على الظَّرفية، والعامل فيه: واعَدَاهُ، وكذا العامل في: (غار ثور)، وقد نازَعَ الإِسْماعِيْليُّ البخاريَّ في التَّرجمة على ذلك بالاستِئجار عليه، وقال: مِن أين في الخبَر أنهما استأْجَراه على أنْ لا يعمَل إلا بعد ثَلاثٍ؟ بل الذي فيه أنَّهما استأْجراه، وابتدأَ في العمل من وقْته بتسليمهما إليه الرَّاحلتين يَرعاهما، ويحفظُهما عليهما، وكان خُروجه وخُروجهما بعد ثلاثٍ على الراحلتَين اللَّتين قامَ بأمرهما إلى ذلك الوقت. * * * ٥ - بابُ الأَجِيرِ في الْغَزْوِ (باب الأَجيْر في الغَزْو) ٢٢٦٥ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بن إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابن عُلَيَّةَ، أَخْبَرَناَ ابن جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنْ صَفْوَانَ بن يَعْلَى، عَنْ يَعْلَى بن أُمَيَّةَ ﵁، قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبيِّ ﷺ جَيْشَ الْعُسْرَةِ، فَكَانَ مِنْ أَوْثَقِ أَعْمَالِي في نَفْسِي، فَكَانَ لِي أَجِيرٌ، فَقَاتَلَ إِنْسَانًا، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا إِصْبَعَ صَاحِبهِ، فَانتُزَعَ إِصْبَعَهُ، فَأَنْدَرَ ثَنِيَّتَهُ، فَسَقَطَتْ، فَانْطَلَقَ إِلَى النَّبيِّ ﷺ ، فَأَهْدَرَ ثَنِيَّتَهُ، وَقَالَ: "أَفَيَدَعُ إصْبَعَهُ في فِيكَ تَقْضَمُها؟ " قالَ: أحْسبُهُ قالَ: "كمَا يَقْضَمُ الفَحْلُ".

стр. 3297

٢٢٦٦ - قَالَ ابن جُرَيْجٍ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الله بن أَبي مُلَيْكَةَ، عَنْ جَدِّهِ بِمِثْلِ هَذِهِ الصِّفَةِ: أَنَّ رَجُلًا عَضَّ يَدَ رَجُلٍ، فَأَنْدَرَ ثَنِيَّتَهُ، فَأَهْدَرَهَا أَبُو بَكْرٍ ﵁. (العُسْرَة) هي غزوة تَبُوك، سُمي بها؛ لأنه ندَب الناس إلى الغَزو في شدَّة القَيْظ، وكان وقت طِيْب الثَّمَر، فعسُر عليهم ذلك وشقَّ. (يَعْلى بن أُميَّة) بضم الهمزة، وتشديد الياء، ويُقال له أيضًا: ابن منية نسبة لأُمه. (أصبع) لغاته العَشْر مشهورٌ. (فأندر) بنونٍ، ومهملةٍ، أي: أَسقَط. (فأسقط)؛ أي: أَهدَر أسنانَ العاضِّ، فلم يُوجب له ديةً ولا ضمانًا. (يقضمها) بفتح المعجمة، والقَضْم: الأكْل بأطْراف الأسنان، يُقال: قضِمَت الدَّابَّةُ الشَّعيرَ -بالكسر-. (الفحل)؛ أي: الذَّكَر من الإبل ونحوه. (عبد الله بن أبي مُليكة) قال الدِّمْيَاطيُّ: هو عبد الله بن عبد الله بن أبي مُلَيْكة زُهير بن عبد الله بن جُدْعان، قاضي الطَّائف لابن الزُّبير، وقد خالَف البخاريَّ ابن مَنْده، وأبو نُعيم، وأبو عُمر فرَوَوه في كتُب "الصَّحابة" في ترجمة أبي مُلَيكة زُهير بن عبد الله من حديث ابن جُرَيْج، عن ابن أبي مُلَيكة، عن أبيه، عن جدِّه، عن أبي بكر: أن رجلًا عضَّ يد

стр. 3298

رجل فسقطت، فأبطلها أبو بكر. * * * ٦ - بابُ مَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا، فَبَيَّنَ لَهُ الأَجَلَ، وَلَمْ يُبَيِّنِ الْعَمَلَ لِقَوْلِهِ: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾. يَأْجُرُ فُلَانًا: يُعْطِيهِ أَجْرًا، وَمِنْهُ في التَّعْزِيَةِ: أَجَرَكَ الله. (باب: إذا استَأْجَر أجيرًا فبيَّنَ له الأَجل، ولم يُبيِّنْ له العمَل) (تأَجُرُ) بضم الجيم، تفسيرٌ لقوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧]. (ومنه التعزية: أجرك الله) يُريد البخاري: أنَّ (آجْرَتُك) ممدودٌ، بل حُكِيَ فيه القَصْر، ولا يحسُن منه الاستشهاد بالتَّعزية؛ لأن المعنى فيها مختلفٌ، وفرقٌ بين الأَجْر والأُجرة. وقال المُطَرِّزي: ما كان من فاعلٍ في معنى المُعاملة كالمُشاركة، والمُزارعة لا يتعدَّى إلا إلى مفعولٍ واحدٍ، فإذا قلتَ: مِن أجَّره الدَّار، فهو مِن أفْعل لا غير، وإذا قلتَ: أُجر الأَجْر كان موجهًا. ولم يذكر فيه حديثًا بل ذكَر حُكمًا، وهو جواز مثْل هذه الإجارة،

стр. 3299

واستدلَّ له بالآية؛ لكنْ قال: ليس كما تَرجم؛ لأنَّ العمَل كان معلومًا عندهم عادةً. * * * ٧ - بابٌ إِذَا اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا عَلَى أَنْ يُقِيمَ حَائِطًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ جَازَ (باب: إذا استَأْجر أجيرًا على أن يُقيم حائِطًا) ٢٢٦٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بن مُوسَى، أَخْبَرَناَ هِشَامُ بن يُوسُفَ: أَنَّ ابن جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يَعْلَى بن مُسْلِمٍ، وَعَمْرُو بن دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ، يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبهِ، وَغَيْرُهُمَا قَالَ: قَدْ سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُهُ عَنْ سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ لِي ابن عَبَّاسٍ ﵄: حَدَّثَنِي أُبَيُّ ابن كعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "فَانْطَلَقَا فَوَجَدَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ". قَالَ سَعِيدٌ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَاسْتَقَامَ، قَالَ يَعْلَى: حَسِبْتُ أَنَّ سَعِيدًا قَالَ: فَمَسَحَهُ بِيَدِهِ فَاسْتَقَامَ، لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا. قَالَ سَعِيدٌ: أَجْرًا نَأْكُلُهُ. (أحدهما)؛ أي: يَعْلى، وعَمْرو. (سمعته) الضَّمير راجعٌ للغير، أي: قال ابن جُريج: وسمعت غيرهما أيضًا يحدِّث عن سعيد بن جُبَير، فإنْ قيل: يَلزم من زيادة

стр. 3300

أحدهما على صاحبه نوعُ محالٍ، وهو أن يكون الشيء مَزيدًا ومزيدًا عليه، قيل: إنْ أُريد بأحدهما معيَّنٌ فظاهرٌ، وإنْ أُريد كلٌّ منهما فمعناه أنه يُريد شيئًا غيره زادَه الآخر فهو من مزيدٍ باعتبار شيءٍ مزيدٍ عليه باعتبار شيءٍ آخر، نعَمْ، عُلِمَ عين الزِّيادة من سِياقةِ يَعْلى؛ إذ قال: حسبْتُ. (بيده)؛ أي: أشارَ بيَده إلى الجِدار فاستقَامَ، وهو تفسيرٌ لقوله تعالى: ﴿فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف: ٧٧]. * * * ٨ - بابُ الإِجَارَةِ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ (باب الإجارةِ إلى نِصْف النَّهار) ٢٢٦٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بن حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ كمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ غُدْوَةَ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ، فَعَمِلَتِ النَّصَارَى، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنَ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ عَلَى قِيرَاطَيْنِ، فَأَنْتُمْ هُمْ، فَغَضبَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالُوا: مَا لنا أَكْثَرَ عَمَلًا وَأَقَلَّ عَطَاءً؟ قَالَ: هَلْ نَقَصْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ".

стр. 3301

(كمثل رجل) هو من تشبيه مركَّبٍ بمركبٍ، أي: مَثَلي معَكم كمثَل رجُلٍ مع أُجَراء، فالاعتبار بالمَجموعَين، وإلا كان يَلزم من كونه تشبيهَ متعدِّدٍ لمتعدِّدٍ أنْ يُقال: كمثْل أُجَراء. (أكثر عملًا وأقل عطاءً) بنصبِ: (أكثَرَ) و (أقلَّ) على الحال نحو: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩]. وقال (ك): إنه بالرَّفع والنَّصب، ثم قال: فإنْ قيل: كيف كانوا أكثَر عمَلًا، ووقْت الظُّهر إلى العصر مثْل وقْت العَصْر إلى المَغرِب؟ قلتُ: لا يَلزم من أكثَرية العمَل أكثَرية الزَّمان، انتهى. وكرَّر هذا السُّؤال والجَواب مِرارًا، وهو عجيبٌ؛ فإنَّ ما بين العَصْر والمَغرِب أقلُّ قطعًا لإجماع أهل الميقات، وبالحسِّ أيضًا. (واليهود) عطفَ المجرورَ بلا إعادة الخافِض فهو جائزٌ، وجوَّز ابن مالك رفْعَه أيضًا على أنَّ (مثَل) حُذف وأُقيم المُضاف إليه مُقامه. (حين) يجوز رفعه وفتحه. (قيراطًا) كرَّره ليدلَّ على تقسيم القَراريط على جميعهم. * * * ٩ - بابُ الإِجَارَةِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ ٢٢٦٩ - حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ بن أبيِ أُوَيْسٍ، قالَ: حَدَّثَني مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الله بن دِينَارٍ مَوْلَى عَبْدِ الله بن عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ بن

стр. 3302

الخَطَّابِ ﵁: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "إِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى كَرَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ، ثُمَّ عَمِلَتِ النَّصَارَى عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ، ثُمَّ أَنتمُ الَّذِينَ تَعْمَلُونَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغَارِبِ الشَّمْسِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، فَغَضبَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَقَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً؟ قَالَ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا. فَقَالَ: فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ". (باب الإجارة إلى صلاةِ العَصْر إلى مَغارِب الشَّمس) جمعَه باعتبار الأزمنة المتعدِّدة باعتبار الطَّوائف المختلفة الآتية إلى يوم القيامة. (وقالوا) قال (ط): هو من مَقول اليهود خاصةً، نحو: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١]، وإنما الناسي يُوشَع فقط، و: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]، وهو لا يخرج إلا مِن المَالِح، أو يكون إلى العَصْر ونحوه، ليس فيه أنَّه إلى أوَّلها، أي: بل قد يكون إلى تمامها، فيَزيد حينئذٍ. قلتُ: لما قرَّره من أن ما بين الظُّهر والعَصْر مساوٍ لمَا بين العصر والمغرب، وفيه ما قدَّمناه.

стр. 3303

قال (ط): إنما كان للمُؤمنين قيراطان لإيمانهم بموسى وعيسى؛ لأن التصديق أيضًا عمَلٌ. * * * ١٠ - بابُ إِثْمِ مَنْ مَنَعَ أَجْرَ الأَجِيرِ (باب إثْم مَن منَع أجْرَ الأجير) ٢٢٧٠ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بن مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بن سُلَيْمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بن أُمَيَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بن أَبي سَعِيدٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "قَالَ الله تَعَالَى: ثَلَاثَةٌ أَناَ خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ، وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ". (خصمهم) الخصم مصدرٌ، أو صفةٌ مشبَّهةٌ. (أعطى بي)؛ أي: العهد موثَّقًا باسمي، والقرينة المخصِّصة للمفعول لفظ: (غدَر). والحديث سبق في (باب إثْم مَن باع حُرًّا). * * *

стр. 3304

١١ - بابُ الإِجَارَةِ مِنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ (باب الإجارة من العصر إلى اللَّيل) (إلي الليل) إنْ قيل: هذا يُخالف ما سبق أنَّ اليهود استُؤجروا إلى نصف النَّهار؛ قيل: إنَّ ذاك محمولٌ على مَن عَجَز عن الإيمان بالموت قَبْلَ ظُهور دينٍ آخر، وهذا بالنسبة إلى مَن أدرك دين الإِسلام، ومَن لم يُؤمن به. ٢٢٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبي بُرْدَةَ، عَنْ أَبي مُوسَى ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "مَثَلُ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلًا يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ عَلَى أَجْرٍ مَعْلُومٍ، فَعَمِلُوا لَهُ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ، فَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ الَّذِي شَرَطْتَ لنا، وَمَا عَمِلْنَا بَاطِلٌ. فَقَالَ لَهُمْ: لَا تَفْعَلُوا، أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ عَمَلِكُمْ، وَخُذُوا أَجْرَكُمْ كَامِلًا. فَأَبَوْا وَتَرَكُوا، وَاسْتَأْجَرَ أَجِيرَيْنِ بَعْدَهُمْ، فَقَالَ لَهُمَا: أكمِلَا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمَا هَذَا، وَلَكُمَا الَّذِي شَرَطْتُ لَهُمْ مِنَ الأَجْرِ. فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا كَانَ حِينُ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَالَا: لَكَ مَا عَمِلْنَا بَاطِلٌ، وَلَكَ الأَجْرُ الَّذِي جَعَلْتَ لنا فِيهِ. فَقَالَ لَهُمَا: أكْمِلَا بَقِيَّةَ عَمَلِكُمَا مَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ شَيْءٌ يَسيرٌ. فَأَبَيَا، وَاسْتَأْجَرَ قَوْمًا أنْ يَعْمَلُوا لَهُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ، فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، واسْتكْمَلُوا أجْرَ الفَرِيقَيْنِ كلَيْهِمَا، فَذلِكَ مَثَلُهُمْ ومَثَلُ ما قَبلوُا مِنْ هَذَا النُّورِ".

стр. 3305

وسبق الحديث في (باب: مَن أدرك ركعةً من العصر). (لا تفعلوا)؛ أي: إبطالُ العمَل، وتَرْك الأجْرِ المشروط، لا يُقال لهم: سبَق أنهم أخَذوا قيراطًا قيراطًا، فهو مخالفٌ للمفهوم هنا، وهو أنَّ أهل الكتابَين لم يَأْخُذوا شيئًا؛ لأنا نقول: الآخِذون هم الذين ماتُوا قبل النَّسْخ، والتَّاركون هم الذين كفَروا بالنبيِّ الذي بعد نبيِّهم، وبالجملة فالقَصْد من الأول: بيانُ أنَّ أعمال هذه الأُمة أكثر ثَوابًا من أعمال سائر الأُمم، ومن الثاني: أنَّ الذين لم يُؤمنوا بمحمدٍ ﷺ أعمالهم السَّالِفة على دينهم لا ثَواب عليها. (فأبَيا) بفتح الباء على المشهور، وحكى الجَوْهَري، وابن سِيْدَه كسرَها، وفي نُسخة: (فأبَوا) بواو الجمع. (كلاهما) بالألف على لُغة مَن يجعل المثنَّى بالألف في الأحوال الثلاثة. (هذا النور)؛ أي: نُور الهداية إلى الحقِّ. * * * ١٢ - بابُ مَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَتَرَكَ أَجْرَهُ، فَعَمِلَ فِيهِ الْمُسْتَأْجِرُ فَزَادَ، أَوْ مَنْ عَمِلَ في مَالِ غَيْرِهِ فَاسْتَفْضَلَ (باب مَن استَأجَر أجيرًا فترَكَ أجْرَه) ٢٢٧٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي

стр. 3306

سَالِمُ بن عَبْدِ الله: أَنَّ عَبْدَ الله بن عُمَرَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "انْطَلَقَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى أَوَوُا الْمَبيتَ إِلَى غَارٍ، فَدَخَلُوهُ، فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ، فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الْغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لَا يُنْجيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا الله بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمُ: اللهمَّ! كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبيرَانِ، وَكُنْتُ لَا أَغْبقُ قَبْلَهُمَا أَهْلًا وَلَا مَالًا، فَنأَى بِي فِي طَلَبِ شَيْءٍ يَوْمًا، فَلَمْ أُرِحْ عَلَيْهِمَا حَتَّى ناَمَا، فَحَلَبْتُ لَهُمَا غُبُوقَهُمَا، فَوَجَدْتُهُمَا ناَئِمَيْنِ، وَكَرِهْتُ أَنْ أَغْبقَ قَبْلَهُمَا أَهْلًا أَوْ مَالًا، فَلَبثْتُ وَالْقَدَحُ عَلَى يَدَيَّ أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَّى بَرَقَ الْفَجْرُ، فَاسْتَيْقَظَا فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا، اللهمَّ! إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ، فَانْفَرَجَتْ شَيْئًا لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ". قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "وَقَالَ الآخَرُ: اللهمَّ! كَانَتْ لِي بنتُ عَمٍّ كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَأَرَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا، فَامْتَنَعَتْ مِنِّي حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ، فَجَاءَتْنِي، فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِهَا، فَفَعَلَتْ، حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا قَالَتْ: لَا أُحِلُّ لَكَ أَنْ تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ. فتحَرَّجْتُ مِنَ الْوُقُوعِ عَلَيْهَا، فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهْيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَيْتُهَا، اللهمَّ! إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ. فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ، غير أنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْهَا". قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "وَقَالَ الثَّالِثُ: اللهمَّ! إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ، فَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ غَيْرَ رَجُلٍ

стр. 3307

واحِدٍ، تَرَكَ الَّذِي لَهُ وذَهَبَ، فَثَمَرَّتُ أَجْرَهُ حتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الأَمْوَالُ، فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ، فَقَالَ: يا عَبْدَ الله! أَدِّي إلَيَّ أجْرِي. فَقُلْتُ لَهُ: كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أجْرِكَ؛ مِنَ الإبلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالرَّقِيقِ. فَقَالَ: يَا عَبْدَ الله! لَا تَسْتَهْزِئْ بِي. فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ. فَأَخَذَهُ كُلَّهُ، فَاسْتَاقَهُ، فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا، اللهمَّ! فَإنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ. فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ، فَخَرَجُوا يَمْشُونَ". (أووا) ثلاثيٌّ ورباعيٌّ، والأكثر في اللَّازم القَصْر، والمتعدِّي المَدُّ، يُقال: أوَى إلى منزله أَويًا بوزن: فَعُول. (أن تدعوا) بسكون الواو؛ لأن الواو للجمع، وأصله: يَدعُون، فحُذفت النون للنَّصب. (أغبق) مضارعُ: غبَقَ -بمعجمةٍ، وموحَّدةٍ-. قال (ك): من غبَقْتُ الرجل أَغبُقه بالضم، والغَبوق: شُرب العَشيِّ مُقابل الصَّبوح، وقال (ش): إنَّ: أغْبَق بفتح الموحَّدة، فمعناه: أنَّ ماضيه مكسور العين، أي: ما كنتُ أقدِّم عليهما أحدًا في شُرب نصيبهما من اللَّبن. (مَالًا)؛ أي: رقيقًا. (فنأى) أصله: ناءَ، أي: بَعُدَ، فقُلب فصار: نأَى يَنأَى كرعَى يَرعى، وأما: ناءَ، فيُقال فيه: ناءَ كحارَ يَحارُ، وناءَ يَنُوءُ، كقالَ يَقُول. (فلم أُرح) بضم الهمزة، وكسر الراء: مِن الرَّواح. (بَرِق) بفتح الموحَّدة، وكسر الراء وفتحها.

стр. 3308

(غبوقهما)؛ أي: كان مُعدًّا للغَبوق، وإلا فهو الآن صَبُوح؛ لأنه يُشرب وقتَ الصَّباح. (ابتغاء) مفعولٌ لأجله. (عن نفسها)؛ أي: بسبَب نفسها، وفي بعضها: (على نَفْسها)، أي: مستعليةً عليها. (ألَمَّتْ)؛ أي: نَزلت بها سَنَةٌ من سِني القَحْط. (عشرين)؛ أي: دينارًا، لكنْ سبَق في (باب: إذا اشتَرى شيئًا لغيره): أنَّ الكُلَّ مائةُ دينارٍ، ولا تَنافيَ؛ فإنَّ المائة لا تَنفي الزائدَ، أو أنَّ المائة هي التي طلبَتْها، والعِشْرون تبرُّعٌ منه زيادةً. (تفض) بالفاء، والمعجَمة، أي: لا أُجوِّز لك إزالةَ البَكارة. (إلا بحقه)؛ أي: وهو النِّكاح. (تحرجت) تحرَّزت من الحرَج، وهو الإثم. (ثمرت) أي: كثَّرت (١). (من أجرك) هو خبر المبتدأ، وهو (كلُّ). (من الإبل) إلى آخره، بيانًا لـ (ما ترى)، نعَمْ، قال في ذلك الباب: (بقرًا وراعيَها)، وزاد هنا: (الإبل والغنَم)، ولا منافاةَ، وسبق بقيَّةُ مباحثه هناك. (فَأفرِجْ) بهمزة قطعٍ، وكسْر الرَّاء، أي: اكشِفْ، ورواه غير البخاري

стр. 3309

بهمزة وصْلٍ، وضمِّ الرَّاء، مِن فَرَجَه يَفرُجه. * * * ١٣ - بابُ مَنْ آجَرَ نَفْسَهُ لِيَحْمِلَ عَلَى ظَهْرِهِ، ثمَّ تَصَدَّقَ بِهِ، وَأُجْرَةِ الْحَمَّالِ (باب مَن أجَّر نفْسَه ليَحملَ على ظَهْره) ٢٢٧٣ - حَدَّثَنَا سَعيد بن يَحْيَى بن سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبي، حَدَّثَنَا الأَعْمَش، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ أَبي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ ﵁، قَالَ: كَانَ رَسول الله ﷺ إِذَا أَمَرَ بِالصَّدَقَةِ انْطَلَقَ أَحَدُناَ إِلَى السُّوقِ، فَيُحَامِلُ، فَيُصِيبُ الْمُدَّ، وَإِنَّ لِبَعْضهِمْ لَمِائَةَ أَلْفٍ، قَالَ: مَا تَرَاهُ إِلَّا نَفْسَهُ. (تحامل) فعلٌ ماضٍ مبنيٌّ للمفعول، مِن المُفاعلة، أي: يحمل المتاعَ بالأُجرة مدٍّ من طعامٍ أو نحوه، فيتصدَّق به، والمفاعلة بين اثنين؛ لأنَّ الحَمْل من أحدهما، والأجْر من الآخَر كمُساقاةٍ، ومزارعةٍ؛ لأن السَّقْي والزَّرع من أحدهما، والأجْرة من الآخر، وفي بعضها بلفظ مضارع المُفاعَلة. (لمائة) اللام فيه لام الابتداء، دخلتْ على اسمِ إنَّ لوُجود شرطه، وهو تقدُّم الخبر، نحو: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ [آل عمران:١٣]. (نُراه) بضمِّ النون وفتحها، أي: قال شَقيق: أراد أبو مَسعود

стр. 3310

بذلك نفْسَه، وأنه هو الذي يملك مائةَ ألفٍ، لكن في (الزكاة)، في (باب: اتقُوا النار): (وإنَّ لبعضهم اليومَ لمائةَ ألفٍ)، والمراد: أنهم كانوا فُقراء، وهو اليوم أغْنياء. * * * ١٤ - بابُ أَجْرِ السَّمْسَرَةِ (باب أجْر السَّمْسَرة)؛ أي: الدَّلالة، والسِّمسار -بكسر السين-: الدَّلَّال. (وقال النبي ﷺ ) وصلَه أحمد، وأبو داود، والحاكم عن أبي هريرة، والدَّارَقُطْني عن عَمْرو بن عَوف. (شروطهم)؛ أي: الجائِزة شرعًا. وَلَمْ يَرَ ابن سِيرِينَ وَعَطَاءٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَالْحَسَنُ بِأَجْرِ السِّمْسَارِ بَأْسًا. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ: بِعْ هَذَا الثَّوْبَ، فَمَا زَادَ عَلَى كَذَا وَكَذَا، فَهُوَ لَكَ. وَقَالَ ابن سِيرِينَ: إِذَا قَالَ: بِعْهُ بِكَذَا، فَمَا كَانَ مِنْ رِبْحٍ فَهْوَ لَكَ، أَوْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "الْمُسْلِمُون عِنْدَ شُرُوطِهِمْ". ٢٢٧٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابن طَاوُسٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ أَنْ

стр. 3311

يُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ، وَلَا يَبيعَ حَاضرٌ لِبَادٍ. قُلْتُ: يَا ابن عَبَّاسٍ! مَا قَوْلُهُ: "لَا يَبيعُ حَاضرٌ لِبَادٍ"؟ قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا. (ولا يبيع) بالنَّصب على أنَّ (لا) زائدةٌ، وبالرفع بتقدير: قال قبلَه عطفًا على نَهى، وسبق أوساط (كتاب البَيع). (لا يكون له سمسارًا)، قال (ط): أي: مِن أجْل مضرَّته للناس، لا مِن أجل أُجرته. * * * ١٥ - بابٌ هَلْ يُؤَاجِرُ الرَّجُلُ نَفْسَهُ مِنْ مُشْرِكٍ في أَرْضِ الْحَرْبِ (باب: هل يُؤاجِر الرَّجل نفْسَه من مُشرك في أرضِ الحَرْب)؛ أي: دار الكفْر. ٢٢٧٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بن حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، حَدَّثَنَا خَبَّابٌ، قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا قَيْنًا، فَعَمِلْتُ لِلْعَاصِ بن وَائِلٍ، فَاجْتَمَعَ لِي عِنْدَهُ، فَأَتَيْتُهُ أتقَاضَاهُ، فَقَالَ: لَا وَالله لَا أَقْضيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ. فَقُلْتُ: أَمَا وَالله حَتَّى تَمُوتَ، ثُمَّ تُبْعَثَ فَلَا. قَالَ: وَإِنِّي لَمَيِّتٌ، ثُمَّ مَبْعُوثٌ؟ قُلْتُ: نعمْ. قَالَ: فَإِنَّهُ سَيَكُونُ لِي ثَمَّ مَالٌ وَوَلَدٌ فَأَقْضيكَ. فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي

стр. 3312

كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾. (قَيْنًا)؛ أي: حدَّادًا. (وائل) بالهمز. (أما) بالتخفيف للتَّنبيه، وجواب القسَم محذوفٌ، وتقديره: لا أَكفُر، أو نحوه. (حتى تموت) غايةٌ له، ومراده: التَّأْبيد، وإلا فبعْد البَعْث لا يُمكنه الكُفْر كقولك: على إبْليسَ اللَّعنة إلى يوم القيامة، وفي بعضها: (فلا أَكفُر)، فيكون تفسيرًا لجَواب القسَم المقدَّر؛ لأن الفاء لا تَدخل جواب القسَم، وفي بعضها: (أمَّا) بتشديد الميم، وتقديره: أمَّا أنا فلا كفُر والله، وأما غيري فلا أعلَمُ حالَه. (وإني لميت)؛ أي: أَوَإني، فحُذفت همز الاستِفهام، ووجْهُ تأكيده بـ: إنَّ واللام، والمخاطَبُ به -وهو خَبَّاب- لا مُتردِّدٌ، ولا مُنكِرٌ لذلك: أنَّ العاصي فَهِم من خبَّاب التَّأْكيد في مُقابلة إنكاره، فكأنه قال: أتَقُولُ هذا الكلام المؤكَّد، ومرَّ في (باب: ذكر الفِتَن). * * * ١٦ - بابُ مَا يُعْطَى في الرُّقْيَةِ عَلَى أَحْيَاءِ الْعَرَبِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ : "أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا

стр. 3313

كِتَابُ الله". وَقَالَ الشَّعْبيُّ: لَا يَشْتَرِطُ الْمُعَلِّمُ إِلَّا أَنْ يُعْطَى شَيْئًا، فَلْيقْبَلْهُ. وَقَالَ الْحَكَمُ: لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا كَرِهَ أَجْرَ الْمُعَلِّمِ. وَأَعْطَى الْحَسَنُ دَرَاهِمَ عَشَرَةً. وَلَمْ يَرَ ابن سِيرِينَ بِأَجْرِ الْقَسَّامِ بَأْسًا. وَقَالَ: كَانَ يُقَالُ: السُّحْتُ الرِّشْوَةُ في الْحُكْمِ. وَكَانُوا يُعْطَوْنَ عَلَى الْخَرْصِ. ٢٢٧٦ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبي بِشْرٍ، عَنْ أَبي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبي سعيد ﵁ قَالَ: انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبيِّ ﷺ فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا، حَتَّى نزَلُوا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَاسْتَضَافُوهُمْ، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ، فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَيِّ، فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ أتيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نزَلُوا، لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضُهُمْ شَيْءٌ، فَأَتَوْهُمْ، فَقَالُوا: يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ! إِنَّ سَيِّدَناَ لُدِغَ، وَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ، فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ، وَالله إِنِّي لأَرْقِي، وَلَكِنْ وَالله لَقَدِ اسْتَضَفْنَاكُمْ، فَلَمْ تُضيِّفُونَا، فَمَا أَناَ بِرَاقٍ لَكُمْ، حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا. فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنَ الْغَنَمِ، فَانْطَلَقَ يَتْفِلُ عَلَيْهِ وَيَقْرَأُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَانْطَلَقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ، قَالَ: فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمُ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: اقْسِمُوا. فَقَالَ الَّذِي رَقَى: لَا تَفْعَلُوا، حَتَّى نَأْتِيَ النَّبيَّ ﷺ ، فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ، فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُناَ. فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ الله ﷺ ، فَذَكَرُوا لَهُ، فَقَالَ: "وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟ "، ثُمَّ

стр. 3314

قَالَ: "قَدْ أَصَبْتُمُ، اقْسِمُوا، وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا"، فَضَحِكَ رَسُولُ الله ﷺ . وَقَالَ شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ، سَمِعْتُ أَبَا الْمُتَوَكِّلِ بِهَذَا. (باب ما يُعطَى في الرُّقْية) بضم الراء، وسكون القاف: هي العوذة. (إلا أن يُعطى) بفتح (أنْ)، والاستثناء منقطِعٌ، أي: لكن الإعطاء بدُون الاشتراط جائزٌ. (فيقبله) في بعضها: (فليَقبلْهُ)، وفي بعضها بكسر همزة (إنْ) لكنْ إن يُعطَ شيئًا بدون الشَّرط؛ فليَقبلْه، وثُبوت الألِف حينئذٍ في (يُعطى) كقِراءة قُنْبُل: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف:٩٠]، أو مِن إشباع الفَتْحة. (القسام) جمع قاسِم. (السحت) بضمِّ الحاء وسكونها: الرِّشْوة -بكسر الرَّاء وضمها-. (على الخرص)؛ أي: أُجْرة الخارِص. (فلذع) بمعجمتين، كذا قاله (ش)، لكن الذي في "الصِّحاح": أنَّ لذع بالمعجَمة داله مهملةٌ، وبالعين المهملة، ذاله معجمةٌ. (فسعوا)؛ أي: عالجُوه طلَبًا للشِّفاء، وفي نُسخةٍ: (فسقوا له)، وليس بمحفوظٍ. (لو) جوابها محذوفٌ، أو للتمني.

стр. 3315

(بعضهم) هو أبو سعيد نفْسه كما في غير هذه الرِّواية صريحًا: أنَّه الرَّاقي بذلك. (أرقِ) بكسر القاف. (جُعلًا) بضم الجيم: ما جُعل للإنسان من مالٍ على فعلٍ. (قطيع) طائفةٌ، والغالب أنه ما بين العشَرة والأربعين، والمراد هنا: ثلاثون، كما جاء مبيَّنًا في الرِّوايات. (يَتْفُلُ) بمثناةٍ، وضم الفاء وكسرها، أي: يَبزُق بريقٍ قليلٍ، وسبق أنَّ أوَّله البَزْق، ثم التَّفْل، ثم النَّفْث، ثم النَّفْخ. (نشط) بالتخفيف، أي: حلَّ، ورُوي: (انتشَطَ)، وهو أفصح. قال أهل اللُّغة: أَنشطْتُ العُقدة: إذا حلَلْتَها، ونشَطتها، أي: عقَدتها بأُنشوطةٍ، وأصل النَّشْط النَّزْع، فيحتمل نشَط التخفيف، أي: نزع، [و] التشديد، أي: للتكثير، أي: حلَّ شيئًا فشيئًا. (عِقال) بكسر العين: الحَبْل الذي تُشدُّ به الوَظيْفُ من الذِّراع. (قَلَبَةٌ) بقافٍ، ولامٍ، وموحَّدةٍ، مفتوحاتٍ، أي: عِلَّةٌ يقلب إليها ليُعلَم موضع الدَّاء، فيُنظَر إليه، قاله في "المُجمَل". (أوفوهم) من الإيفاء، وهو الإتمام، وفي بعضها بالرَّاء، والمَوفُور هو الشَّيء التَّامُّ، يقال: وفَرت الشَّيءَ، وَفْرًا، ووفَر الشَّيءُ بنفسه وُفُورًا. (رقَى) بفتح القاف. (اقسموا) أمرٌ بما هو من المُروءات، ومكارم الأخلاق، وإلا

стр. 3316

فالجميع ملكٌ للرَّاقي، وقال: (واضربوا لي) تطييبًا لقُلوبهم، ومبالغةً في أنه حَلالٌ لا شُبهةَ فيه. وفيه التَّصريح بأنَّ الفاتحة رُقيةٌ، واستحبابُ قراءَتها على اللَّديغ، والمريض، وسائر الأسقام، ولا يُعارض هذا ما في حديث الذين يَدخُلون الجنَّة بغير حِسَاب: "ولا يَرقُون"؛ لأنَّ المراد بالرُّقَى المذمومة التي تكون من كلام الكُفَّار، أو التي لا يُعرف معناها، المُحتملة أن تكون كُفْرًا أو قَريبًا منه، كالتي بالعِبْرانيَّة، وأمَّا الرُّقَى بالقرآن والأذكار المشهورة فممدوحةٌ إجماعًا، وقد يُجمع بأن المَدْح بترك الرُّقى من جِهَة الأفضليَّة، وبيان التوكُّل، والذي أَذِن فيه فهو لبَيان الجَواز، وإنْ كان التَّرْك أفضَل، أو أنَّ النَّهي لقومٍ يعتقدون تأثيرَ ذلك كما كانت الجاهليَّة تعتقد في أشياء كثيرةٍ. قال (ط): فيه أنَّ من القرآن ما يختصُّ بالرُّقْيَةِ، وإنْ كان الكُلُّ مَرجوَّ البرَكة، لكنْ إذا كان في الآية تعوُّذٌ أو دعاءٌ كان أخصَّ بالرُّقية، فأراد بقَوله: (وما يُدرْيكَ) أن يَختبر عِلْمه بذلك، وموضع الرُّقية فيها: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحه:٥]؛ أي: على كشْف الضُّرِّ، وسُؤال الفَرَج، والإقرار بالحاجَة إلى عَوْنه، فهو في معنى الدُّعاء، ويحتمل من جِهَة الافتتاح بالحمد الذي هو ثناءٌ على الله، فاستفتح بالثَّناء فجاءَ الفرَج. (وقال شعبة) موصولٌ في (الطِّبِّ). * * *

стр. 3317

١٧ - باب ضَرِيبَةِ الْعَبْدِ، وَتَعَاهُدِ ضَرَائِبِ الإِمَاءِ (باب ضَريبَة العَبْد)؛ أي: ما يُعيِّن السيد أن يُعطيه كلَّ يومٍ مثلًا مِن الخَراج، فَعِيْلةٌ بمعنى مَفعولةٍ، وجمعه: ضَرائِب. (وتعاهد) أشار البخاري بذلك إلى ما في "تاريخه": حدَّثنا محمَّد ابن كَثِيْر، ثنا شَدَّاد ابن أبي العَالِيَة، ثنا أبو داود الأَحْمَري، أي: واسمه مالك بن داود مِن أهل المَدائِن، قال: خطَبنا حُذَيفة حين قَدِم المَدائِن، فقال: تعاهَدُوا ضَرائب أرِقَّائكُم. ٢٢٧٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بن مَالِكٍ ﵁ قَالَ: حَجَمَ أَبُو طَيْبَةَ النَّبيَّ ﷺ ، فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ أَوْ صَاعيْنِ مِنْ طَعَامٍ، وَكَلَّمَ مَوَالِيَهُ، فَخَفَّفَ عَنْ غَلَّتِهِ، أَوْ ضَرِيبَتِهِ. (أبو طيبة) اسمه دِينار، وقيل: نافِع، وقيل: ميسرة. (مواليه)؛ أي: ساداتُه، وجمَعه إما لكونه يُجمع، أو هو كما يُقال: قتَل تميمٌ فُلانًا وإنْ كان القاتِلُ منهم واحدًا، وكان مَولاه مُحَيِّصَةُ ابن مَسْعود الأنصاريُّ، (أو) شكٌّ من الرَّاوي. (من طعام) لا يُنافي ما سبَق في أثناء (البيع): (صاعٌ من تمْر)؛

стр. 3318

لأنَّ الطَّعام يصدُق على التَّمْر أيضًا، أو أن القِصَّة متعدِّدةٌ. (غَلته) بفتح المعجَمة: الحاصِل من مِلْكه. (أو) شكٌّ من الرَّاوي أيضًا، وكان خَراجه ثَلاثَة آصُعٍ، فوضَعوا عنه صاعًا. ووجه ما في التَّرجمة من ضَرائب الإماء القياسُ عليه، وذلك حين لا تَكونُ ضرائبهنَّ من الزِّنا ونحوه، وهو المراد بتَعاهُدها. * * * ١٨ - بابُ خَرَاجِ الْحَجَّامِ (باب خَراج الحَجَّام) ٢٢٧٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابن طَاوُسٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: احْتَجَمَ النَّبيُّ ﷺ ، وَأَعْطَى الْحَجَّامَ. ٢٢٧٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّةٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بن زُرَيْعٍ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: احْتَجَمَ النَّبيُّ ﷺ ، وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ، وَلَوْ عَلِمَ كَرَاهِيةً لَمْ يُعْطِهِ. ٢٢٨٠ - حَدَّثَنَا أَبو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ عَمْرِو بن عَامِرٍ،

стр. 3319

قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁، يَقُولُ: كَانَ النَّبيُّ ﷺ يَحْتَجمُ، وَلَمْ يَكُنْ يَظْلِمُ أَحَدًا أَجْرَهُ. فيه ثلاثة أحاديث: الأول: عن ابن عبَّاس، والثالث: عن أنس متقاربةُ المعنى. ووجه مطابقة ما فيها مِن لفْظ: (أجْرَةً) وهو بسُكون الجيم؛ للتَّرجمة بخَراج: أن المراد بالخَراج ما يخرج إليه من الأَجْر، أو تَرك تتمَّة الحديث اعتمادًا على سائر الرِّوايات. قال (ط): فيه الشَّفاعة للعَبْد في الضَّريبة، وإنْ لم يكن دَينًا ثابتًا، لكنَّه مُطالَبٌ به، وفيه استِعمال العَبْد بغير إذْن سيِّده إذا كان مَعروفًا به. قلتُ: إذا كان عليه ضَريبةٌ فهي إذْنٌ ضمْنيٌّ. * * * ١٩ - بابُ مَنْ كَلَّمَ مَوَالِيَ الْعَبْدِ أنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ ٢٢٨١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ ابن مَالِكٍ ﵁، قَالَ: دَعَا النَّبيُّ ﷺ غُلَامًا حَجَّامًا، فَحَجَمَهُ، وَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ أَوْ صَاعَيْنِ، أَوْ مُدٍّ أَوْ مُدَّيْنِ، وَكَلَّمَ فِيهِ، فَخُفِّفَ مِنْ ضَرِيبَتِهِ.

стр. 3320

(باب مَن كلَّم مَوالي العَبْد) الحديث في معنى ما سبق. * * * ٢٠ - بابُ كَسْبِ الْبَغِيِّ وَالإِمَاءِ وَكَرِهَ إِبْرَاهِيمُ أَجْرَ النَّائِحَةِ وَالْمُغَنِّيَةِ. وَقَوْلُ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣]. ﴿فَتَيَاتِكُمْ﴾: إمَاؤُكُمْ. (باب كَسْب البَغِيِّ) (تحصنًا)؛ أي: تعفُّفًا، والشَّرط في الآية خَرج مَخْرَج الغالِب، فلا يُعمل بمفهومه، أو يقال: انتفَى حُرمة الإكراه لانتِفاء تصوُّر الإكراه حينئذٍ؛ إذ هو اللَّازِم على خِلاف المراد. (حُلْوَان) بضم الحاء: ما يَأْخُذه المتكهِّن على كهانته، ومرَّ آخر (البيع). * * * ٢٢٨٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بن سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ أَبي بَكْرِ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن الْحَارِثِ بن هِشَامٍ، عَنْ أَبي مَسْعُودٍ

стр. 3321

الأَنْصَارِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ. ٢٢٨٣ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بن إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بن جُحَادَةَ، عَنْ أَبي حَازِمٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: نَهَى النَّبيُّ ﷺ عَنْ كَسْبِ الإمَاءِ. الحديث الأول، والثاني: (كسبهن)؛ أي: مِن غير الزِّنا خُصَّ بالقَرينة. * * * ٢١ - بابُ عَسْبِ الْفَحْلِ (بابُ عَسْبِ الفَحْلِ) ٢٢٨٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، وَإِسْمَاعِيلُ بن إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلِيِّ بن الْحَكَمِ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ ﵄، قَالَ: نَهَى النَّبيُّ ﷺ عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ. (نهى عن عَسْبِ الفَحْلِ) بفتح العين، وسكون السين المهملة، أي: ضرَابه، المعنى: عن كِرَاء عَسْبِ الفَحْلِ، فحُذف المضاف، وقيل: العَسْبُ: الكِراء، ولم يَرِد النَّهي عن الإعارة لذلك؛ لمَا فيه من

стр. 3322

قَطْع النَّسْل، وإنما حرُم الكِراء للغَرَر فيه؛ إذ هو غير معلومٍ، ولا يُدرى هل يُلقِّح أو لا؟، وهل تعلَقُ النَّاقة أو لا؟. * * * ٢٢ - بابٌ إِذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا وَقَالَ ابن سِيرِينَ: لَيْسَ لأَهْلِهِ أَنْ يُخْرِجُوهُ إِلَى تَمَامِ الأَجَلِ. وَقَالَ الْحَكَمُ وَالْحَسَنُ وَإِيَاسُ بن مُعَاوِيَةَ: تُمْضَى الإِجَارَةُ إِلَى أَجَلِهَا. وَقَالَ ابن عُمَرَ: أَعْطَى النَّبيُّ ﷺ خَيْبَرَ بِالشَّطْرِ، فَكَانَ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ النَّبيِّ ﷺ وَأَبي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، وَلَمْ يُذْكَرْ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ جَدَّدا الإجَارَةَ بَعْدَمَا قُبضَ النَّبيُّ ﷺ . (بابٌ: إذا استأجَر أرْضًا فماتَ أحدُهما)؛ أي: المؤجِّر، أو المستأْجِر. (لأهله)؛ أي: لو رثَته. (أن يخرجوه) من عقد إجارته، ويتصرَّفوا في مَنافعه. (وقال ابن عمر) موصولٌ في الباب إلا قولَ عُبيد الله عن نافِع فموصولٌ في (المُزارعة). (بالشطر)؛ أي: النِّصْف له ﷺ ، والنِّصْف للزَّارع. * * *

стр. 3323

٢٢٨٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بن أَسْمَاءَ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنْ عَبْدِ الله ﵁ قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ الله ﷺ خَيبَرَ أَنْ يَعْمَلُوهَا، وَيَزْرَعُوهَا، وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَأَنَّ ابن عُمَرَ حَدَّثَهُ: أَنَّ الْمَزَارِعَ كانَتْ تُكْرَى عَلَى شَيءٍ سَمَّاهُ ناَفِعٌ لَا أَحْفَظُهُ. ٢٢٨٦ - وَأَنَّ رَافِعَ بن خَدِيجٍ حَدَّثَ: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارِعِ. وَقَالَ عُبَيْدُ الله، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ: حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ. (وأن ابن عُمر) عطفٌ على: (عن عبد الله). (سماه نافع)؛ أي: سمَّى مِقدارَ ذلك الشيء، إلا أنَّ جُوَيْريَة لم تحفظْه. (حدث) إنما لم يَقُل: حدَّثه كما قال هناك؛ لأن ابن عُمر حدَّث نافعًا بخلاف رافِع؛ فإنه لم يحدِّثه خُصوصًا، وسيأتي في (المزارعة)، على أنه يحتمل أن يكون حَذَف الضَّمير من حدَّثه، وأما النَّهي فإنه كان عن الكِراء ببعْضِ ما يحصُل من المزارع بالنَّقْد وغيره. (وقال عبيد الله) قال (ك): هو كلام مُوسَى، ومن تتمَّة حديثه، ومنه تحصل التَّرجمة، أي: فلا يكون تَعليقًا، وسبق على تقدير التَّعليق أنه وصلَه. قال (ط): اختَلفوا، فقال مالك، والشافعي، وأحمد: لا تَنفسخ الإجارة بموت أحدهما، ولا بموتهما، وقال الكوفيون: تَنفسخ بموت

стр. 3324

أيِّهما مات محتجِّين بأنَّ استيفاء المَنْفعة حينئذٍ للمُكتري، وهو ملْك المُكري، وإذا مات زالَ مِلْكه، وأما الوارِث فلا عَقْدَ له معه، وجوابه: أن المستأْجِر ملَك المنفَعة بالعقْد، فلا مِلْكَ فيها للمُورِّث، ولا للوارِث حتى تنقضيَ المدَّة.

стр. 3325

٣٨ - كتاب الحوالة

стр. 3326

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٣٨ - كتاب الحَوالة ١ - بابٌ في الْحَوَالَةِ، وَهَلْ يَرْجِعُ في الْحَوَالَةِ ؟ وَقَالَ الْحَسَنُ وَقتادَةُ: إِذَا كَانَ يَوْمَ أَحَالَ عَلَيْهِ مَلِيًّا جَازَ. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: يَتَخَارَجُ الشَّرِيكَانِ وَأَهْلُ الْمِيرَاثِ، فَيَأْخُذُ هَذَا عَيْنًا وَهَذَا دَيْنًا، فَإِنْ تَوِيَ لأَحَدِهِمَا لَمْ يَرْجِعْ عَلَى صَاحِبهِ. (كتاب الحَوَالَة) هي نقْلُ الدَّين من ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ أُخرى. (وهل يرجع)؛ أي: المُحتال على المُحيل، وفي بعضه بناؤُه للمَفعول. (كان يوم) بالنَّصب، أو مبنيٌّ على الفتح، يعني: إذا كان المُحال عليه يومَ الحَوالة غنيًّا ثم أفلَسَ بعدها جازَ رُجوع المُحتال على المُحيل، وهو خلاف قَول الشَّافعي، وأحمد، وقال أبو حنيفة: يَرجع إذا ماتَ المُحال عليه مُفْلِسًا.

стр. 3327

(يتخارج)؛ أي: يَخرج هذا الشَّريك مما وقَع في نَصيْب صاحبه، وذلك الآخَر كذلك. (تَوِيَ) بفتح المثنَّاة، وكسر الواو: هلَكَ. * * * ٢٢٨٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ أَبي الزِّناَدِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، فَإِذَا أُتْبعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيٍّ، فَلْيَتْبَعْ". (أُتْبعَ) مبنيٌّ للمفعول، وهو بسُكون المثنَّاة قبل الموحَّدة: من الإتْباع. قال (خ): يقولونَه بالتَّشديد، والصَّواب التَّخفيف. (ملي) كغَنيٍّ لفْظًا ومعنًى، وفي بعضها بالهمز بوَزْن فَعِيْل بلا إدغامٍ. (فليتبع) بالسُّكون أيضًا أمرٌ من التَّبعيَّة، وذكره (ك): يَتْبع مضارعًا مبنيًّا للفاعل، قال: وعن بعضهم بتشديده من الافتعال، ومعناه: إذا أُحِيْل بالدَّين على غَنيٍّ؛ فليَقْبل الحَوالةَ. وفيه أنَّ المَطْلَ -وهو منع أداء ما استُحقَّ أداؤُه- ظُلمٌ، فلو تكرَّر ذلك كان مُسقِطًا للشَّهادة، ومفهوم الصِّفة أنَّ مَطْلَ الفقير فيه ليس بظُلْمٍ، وكيف وهو معذورٌ، وفي بعض النُّسخ: (فهذا أُتْبعَ) فالترتيب

стр. 3328

فيه من حيْث (١) المَطْلَ إذا كان المَطْلُ فليَقبل الحَوالة، وأنَّ الظاهر أنه يُحترزُ بها عن الظُّلم، وهذا الأمر للإرشاد، أو النَّدب لا للوُجوب خلافًا للظَّاهريَّة. قال (خ): واشتِراط المَلاءَة دليل أنَّه لا رُجوعَ للمُحتال على المُحيل إذا أفْلَسَ المُحال عليه أو مات، وإلا لم يكنْ لاشتراطها معنَى؛ إذ الحَوالة جائزةٌ على مَن كانت له ذِمَّةٌ من غنيٍّ أو فقيرٍ. وقال (ط): الحَوالة رُخصةٌ من بيْع الدَّين بالدَّين كالعَرِيَّة من المُزَابنة. * * * واعلم أنَّ في نُسخة الفَرَبْرِي زيادة: ٢ - بابٌ إِذَا أَحَالَ عَلَى مَلِيٍّ، فَلَيْسَ لَهُ رَدٌّ ٢٢٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابن ذَكْوَانَ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَمَنْ أُتْبعَ عَلَى مَلِيٍّ، فَلْيَتَّبعْ". (بابٌ: إذا أحَالَ على مَلِيٍّ فليسَ لهُ رَدٌّ، وَمَنْ أُتْبعَ على مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعُ)

стр. 3329

ومعناه: إذا كان لأحدٍ عليك شيءٌ فأحلتَه على رجلٍ مَلِيٍّ فقَبلَ ذلك منك؛ فإنْ أفلَسْتَ بعد ذلك؛ فله أن يَتبَع صاحِب الحَوالة، فيَأْخُذَ منه. ثنا محمَّد بن يوسُف، ثنا سُفيان، عن ابن ذَكْوان، عن الأَعْرج، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَمَنْ أُتْبعَ على مَلِيٍّ فَلْيَتْبع". * * * ٣ - بابٌ وَإِنْ أَحَالَ دَيْنَ الْمَيِّتِ عَلَى رَجُلٍ جَازَ (بابُ إذا أحَالَ دَيْنَ الميِّتِ على رَجُلٍ جَازَ) ٢٢٨٩ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بن إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بن أَبي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بن الأَكْوَعِ ﵁ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبيِّ ﷺ إِذْ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ، فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا. فَقَالَ: "هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ " قَالُوا: لَا. قَالَ: "فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟ " قَالُوا: لَا. فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله! صَلِّ عَلَيْهَا. قَالَ: "هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ " قِيلَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟ " قَالُوا: ثَلَاثَةَ دَنَاَنِيرَ. فَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ أُتِيَ بِالثَّالِثَةِ، فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا. قَالَ: "هَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟ " قَالُوا: لَا. قَالَ: "فَهَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ " قَالُوا: ثَلَاثَةُ دنَاَنِيرَ. قَالَ: "صَلُّوا عَلَى صَاحِبكُمْ". قَالَ أَبُو قتادَةَ: صَلِّ عَلَيْهِ

стр. 3330

يَا رَسُولَ الله! وَعَلَيَّ ديْنُهُ. فَصَلَّى عَلَيْهِ. الحديث فيه من ثُلاثيَّات البخاري. (ثلاث دنانير) صلاتُه ﷺ على الأَوْسط الذي عليه دين تَرك ثلاثةً؛ لأنه عَلِم بقَرائن الأحوال وغيرها أنَّها تَفي بدَينه. (عليَّ دَينُهُ) هذا ضمانٌ، فما وَجْهُ دُخوله في التَّرجمة بالحَوالة؟! وجوابه: أنه في معنى الحَوالة؛ لأنه نقَل الدَّيْنَ من ذِمَّته إلى ذِمَّة نفْسه، أو أنَّ الضَّمان والحَوالة متقاربان في المعنى؛ لأن كُلًّا منهما يتضمَّن مطالبةَ غير الأَصيل، أشار إلى ذلك (ط)، قال: فالكَفالة في الحديث بَراءةٌ لذِمةٍ، وصار كالحَوالة سواءً. قال (خ): فيه أن الضَّمان عن الميِّت يُبرئه إذا كان معلومًا، سواءٌ خَلَّفَ الميتُ وَفاءً أو لا، وذلك أنه إنما امتنَع من الصلاة عليه لارتهان ذمته بالدَّيْنِ، فلو لم تَبرأ بضمان أبي قَتادة لَمَا صلَّى عليه، والعِلَّة المانعة قائمةٌ، وفيه فَساد قول مالك: أن المؤدَّى عنهُ الدَّيْنُ يملكُه أولًا عن الضَّامِن؛ لأن الميِّت لا يَملِك، وإنما كان هذا قبل أنْ يكون للمُسلمين بيت مالٍ، أما بعدَه فالقَضاء عليه. قال البَيضاوي: لعلَّه ﷺ امتنَع من الصَّلاة على المَديُون حيث لم يَترك وفاءً تحذيرًا من الدَّيْنِ وزجْرًا عن المُماطلة، أو كراهةَ أن يُوقف دعاؤه عن الإجابة بسبَب ما عليه من مَظْلَمَةِ الخَلْقِ.
следующие страницы →