بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٣٨ - كتاب الحَوالة
١ - بابٌ في الْحَوَالَةِ، وَهَلْ يَرْجِعُ في الْحَوَالَةِ ؟
وَقَالَ الْحَسَنُ وَقتادَةُ: إِذَا كَانَ يَوْمَ أَحَالَ عَلَيْهِ مَلِيًّا جَازَ. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: يَتَخَارَجُ الشَّرِيكَانِ وَأَهْلُ الْمِيرَاثِ، فَيَأْخُذُ هَذَا عَيْنًا وَهَذَا دَيْنًا، فَإِنْ تَوِيَ لأَحَدِهِمَا لَمْ يَرْجِعْ عَلَى صَاحِبهِ.
(كتاب الحَوَالَة)
هي نقْلُ الدَّين من ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ أُخرى.
(وهل يرجع)؛ أي: المُحتال على المُحيل، وفي بعضه بناؤُه للمَفعول.
(كان يوم) بالنَّصب، أو مبنيٌّ على الفتح، يعني: إذا كان المُحال عليه يومَ الحَوالة غنيًّا ثم أفلَسَ بعدها جازَ رُجوع المُحتال على المُحيل، وهو خلاف قَول الشَّافعي، وأحمد، وقال أبو حنيفة: يَرجع إذا ماتَ المُحال عليه مُفْلِسًا.
стр. 3327
(يتخارج)؛ أي: يَخرج هذا الشَّريك مما وقَع في نَصيْب صاحبه، وذلك الآخَر كذلك.
(تَوِيَ) بفتح المثنَّاة، وكسر الواو: هلَكَ.
* * *
٢٢٨٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ أَبي الزِّناَدِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، فَإِذَا أُتْبعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيٍّ، فَلْيَتْبَعْ".
(أُتْبعَ) مبنيٌّ للمفعول، وهو بسُكون المثنَّاة قبل الموحَّدة: من الإتْباع.
قال (خ): يقولونَه بالتَّشديد، والصَّواب التَّخفيف.
(ملي) كغَنيٍّ لفْظًا ومعنًى، وفي بعضها بالهمز بوَزْن فَعِيْل بلا إدغامٍ.
(فليتبع) بالسُّكون أيضًا أمرٌ من التَّبعيَّة، وذكره (ك): يَتْبع مضارعًا مبنيًّا للفاعل، قال: وعن بعضهم بتشديده من الافتعال، ومعناه: إذا أُحِيْل بالدَّين على غَنيٍّ؛ فليَقْبل الحَوالةَ.
وفيه أنَّ المَطْلَ -وهو منع أداء ما استُحقَّ أداؤُه- ظُلمٌ، فلو تكرَّر ذلك كان مُسقِطًا للشَّهادة، ومفهوم الصِّفة أنَّ مَطْلَ الفقير فيه ليس بظُلْمٍ، وكيف وهو معذورٌ، وفي بعض النُّسخ: (فهذا أُتْبعَ) فالترتيب
стр. 3328
فيه من حيْث (١) المَطْلَ إذا كان المَطْلُ فليَقبل الحَوالة، وأنَّ الظاهر أنه يُحترزُ بها عن الظُّلم، وهذا الأمر للإرشاد، أو النَّدب لا للوُجوب خلافًا للظَّاهريَّة.
قال (خ): واشتِراط المَلاءَة دليل أنَّه لا رُجوعَ للمُحتال على المُحيل إذا أفْلَسَ المُحال عليه أو مات، وإلا لم يكنْ لاشتراطها معنَى؛ إذ الحَوالة جائزةٌ على مَن كانت له ذِمَّةٌ من غنيٍّ أو فقيرٍ.
وقال (ط): الحَوالة رُخصةٌ من بيْع الدَّين بالدَّين كالعَرِيَّة من المُزَابنة.
* * *
واعلم أنَّ في نُسخة الفَرَبْرِي زيادة:
٢ - بابٌ إِذَا أَحَالَ عَلَى مَلِيٍّ، فَلَيْسَ لَهُ رَدٌّ
٢٢٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابن ذَكْوَانَ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَمَنْ أُتْبعَ عَلَى مَلِيٍّ، فَلْيَتَّبعْ".
(بابٌ: إذا أحَالَ على مَلِيٍّ فليسَ لهُ رَدٌّ، وَمَنْ أُتْبعَ على مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعُ)
стр. 3329
ومعناه: إذا كان لأحدٍ عليك شيءٌ فأحلتَه على رجلٍ مَلِيٍّ فقَبلَ ذلك منك؛ فإنْ أفلَسْتَ بعد ذلك؛ فله أن يَتبَع صاحِب الحَوالة، فيَأْخُذَ منه.
ثنا محمَّد بن يوسُف، ثنا سُفيان، عن ابن ذَكْوان، عن الأَعْرج، عن أبي هريرة ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَمَنْ أُتْبعَ على مَلِيٍّ فَلْيَتْبع".
* * *
٣ - بابٌ وَإِنْ أَحَالَ دَيْنَ الْمَيِّتِ عَلَى رَجُلٍ جَازَ
(بابُ إذا أحَالَ دَيْنَ الميِّتِ على رَجُلٍ جَازَ)
٢٢٨٩ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بن إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بن أَبي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بن الأَكْوَعِ ﵁ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبيِّ ﷺ إِذْ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ، فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا. فَقَالَ: "هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ " قَالُوا: لَا. قَالَ: "فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟ " قَالُوا: لَا. فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله! صَلِّ عَلَيْهَا. قَالَ: "هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ " قِيلَ: نَعَمْ. قَالَ: "فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟ " قَالُوا: ثَلَاثَةَ دَنَاَنِيرَ. فَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ أُتِيَ بِالثَّالِثَةِ، فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا. قَالَ: "هَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟ " قَالُوا: لَا. قَالَ: "فَهَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ " قَالُوا: ثَلَاثَةُ دنَاَنِيرَ. قَالَ: "صَلُّوا عَلَى صَاحِبكُمْ". قَالَ أَبُو قتادَةَ: صَلِّ عَلَيْهِ
стр. 3330
يَا رَسُولَ الله! وَعَلَيَّ ديْنُهُ. فَصَلَّى عَلَيْهِ.
الحديث فيه من ثُلاثيَّات البخاري.
(ثلاث دنانير) صلاتُه ﷺ على الأَوْسط الذي عليه دين تَرك ثلاثةً؛ لأنه عَلِم بقَرائن الأحوال وغيرها أنَّها تَفي بدَينه.
(عليَّ دَينُهُ) هذا ضمانٌ، فما وَجْهُ دُخوله في التَّرجمة بالحَوالة؟!
وجوابه: أنه في معنى الحَوالة؛ لأنه نقَل الدَّيْنَ من ذِمَّته إلى ذِمَّة نفْسه، أو أنَّ الضَّمان والحَوالة متقاربان في المعنى؛ لأن كُلًّا منهما يتضمَّن مطالبةَ غير الأَصيل، أشار إلى ذلك (ط)، قال: فالكَفالة في الحديث بَراءةٌ لذِمةٍ، وصار كالحَوالة سواءً.
قال (خ): فيه أن الضَّمان عن الميِّت يُبرئه إذا كان معلومًا، سواءٌ خَلَّفَ الميتُ وَفاءً أو لا، وذلك أنه إنما امتنَع من الصلاة عليه لارتهان ذمته بالدَّيْنِ، فلو لم تَبرأ بضمان أبي قَتادة لَمَا صلَّى عليه، والعِلَّة المانعة قائمةٌ، وفيه فَساد قول مالك: أن المؤدَّى عنهُ الدَّيْنُ يملكُه أولًا عن الضَّامِن؛ لأن الميِّت لا يَملِك، وإنما كان هذا قبل أنْ يكون للمُسلمين بيت مالٍ، أما بعدَه فالقَضاء عليه.
قال البَيضاوي: لعلَّه ﷺ امتنَع من الصَّلاة على المَديُون حيث لم يَترك وفاءً تحذيرًا من الدَّيْنِ وزجْرًا عن المُماطلة، أو كراهةَ أن يُوقف دعاؤه عن الإجابة بسبَب ما عليه من مَظْلَمَةِ الخَلْقِ.
стр. 3331
وفي الحديث حُجَّةٌ على أبي حنيفة في مَنْعه الضَّمان عن الميِّت إذا لم يَترك وفاءً.
(مصدقًا) بتخفيف الدال، أي: آخذًا للصدقة عاملًا فيها.
(فصدقهم) جوَّز فيه (ك) ثلاثة أوجهِ:
أحدها: أنه بالتَّخفيف، والمعنى: أن الرَّجل الذي وقَع على جاريةِ امرأته اعتَرف بما وقَع عليه منه، لكن اعتذَر بجهله بحُرمة ذلك ظنًّا أنَّ جاريتَها كجارية نفسه، أو كزوجته، أو أنها التَبستْ عليه بزوجته، أو جاريةِ نفسه.
ثانيها: أنه بالتَّشديد، وأن المراد: فصدَّق عُمر الكُفَلاء فيما كانوا يَدَّعونه أنه قد جُلِد مرَّةً لذلك، وعلى هذا اقتصر (ش)، وأنَّ البخاري اختصَره مما في "الموطَّأ" -روايةِ ابن وَهْبٍ- عن عبد الرَّحمن بن أبي الزِّناد، عن أبيه قال: حدَّثني حمزة بن عَمْرو الأَسْلَمي، عن أبيه حمزة: أنَّ عُمرَ بعثَه مُصدِّقًا علي بني سَعْد بن هُذَيْم، فأتى حمزة بمال ليصدقه، قال: فإذا رجل يقول لامرأة: صدِّقي مال مولاك، وإذا امرأة تقول له: أنت أدِّ صدقة مال ابنك، فسأل حمزة عن أمرها؟ فأخبر أن الرجل زوج المرأة، وأنه وقع على جارية لها، فولدت ولدًا فأعتقته امرأته، فهذا المال لابنه من جاريتها، وقال حمزة: لأرجمنك كجاريتك، فقال له أهل المال: أصلحك الله إن أمره رفع إلى عُمرَ فجلده مائة، ولم يرَ عليه رجمًا. قال: فأخذ حمزة بالرجل كُفلاء، حتى قدم على عُمرَ فسأله عما ذكر أهل المال فصدقهم عُمر، وإنما درأ عنه الرَّجْم؛ لأنه عذره بالجهالة، انتهى.
وهذا يحتمل أن يكونوا هم الكفُلاء، حتى يوافق من قال:
стр. 3336
فصدق الكفُلاء.
ثالثها: أن معنى فصدَّقهم: أكرمهم، كما في: ﴿مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر:٥٥]، أي: كريم، والمعنى: إكرام عُمر الكُفلاء، وعُذْر الرجل بجَهالة الحُرمة أو الاشتباه، لكنْ يُشكِل جَلْد عمر إيَّاه حينئذٍ، فيُجاب إما بأنَّ ذلك كان قبْل الإحصان بإصابته الزَّوجة، أو أنه اقتضَى اجتهادُه جلد الجاهِل بالحُرمة.
(وَكَفَلَهُمْ عَشَائِرُهُمْ)؛ أي: ضمَّنَهم.
واعلم أنَّ أخذ حمزة، وتَكفيل التائبين من الرِّدَّة المراد به التَّعهُّد والضَّبْط، وإلا فمَن احتمل أنَّ عليه حدًّا، ومَن تاب من الرِّدَّة لا معنى للكَفالة فيه؛ لأنه أمرٌ لم يقَع، ولا يُعلم أنه سيقَع أو لا، فالمراد: يَتعاهدون أَحوال الرجل لئلَّا يَهرُب، ويضبطُون الناس حتى لا يَرجعوا للرِّدَّة.
قال (ط): هو على سَبيل الترهيب على المكفول ببدَنه، والاستيثاق، لا أنَّ ذلك لازمٌ للكَفيل إذا زالَ المكفول به.
قلتُ: كأنَّه يعرض بأنَّ الكَفيل في غير ذلك كالدَّين يقُوم به عن المكفول كما هو مذهب مالك.
(وقال الليث) سبَق وصْلُه أوائل (البُيوع).
(مَرْكبًا)؛ أي: سَفينةً.
(يَقْدَمُ) بفتح الدال.
стр. 3337
(صَحِيْفَة)؛ أي: مَكتُوبًا.
(زَجَّجَ) بزاي، وجيمين، أي: أصلَح موضع النَّقْر وسوَّاه، ولعلَّه مِن تزجيج الحواجب، وهو التِقاط زَوائد الشَّعْر الخارِج عن الخَدَّين، فإنْ أُخذ مِن الزُّجِّ، وهو سِنان الرُّمح، فيكون النَّقْر قد وقَع في طرَفٍ من الخشَبة، فسدَّ عليه رجاءَ أن يُمسكه، ويحفظ ما في باطنه.
(تسلفت فلانًا) المشهور أنَّ تعدية هذا إنما هي بحَرْف الجرِّ.
(جَهَدْتُ) بفتح الجيم، والهاء.
(نَشَرَهَا)؛ أي: قَطَعها بالمِنْشار، ورواهُ النَّسائي: (كسَرها).
(بالألف دينار) هو جائزٌ عند الكوفيين.
(راشدًا) حالٌ من فاعِل: انصَرَف.
قال (خ): إنَّ فيه دليلًا على دُخول الأجَل في القَرْض، وهو قوله: (إلى أجَل)، وذهب كثيرٌ إلى وُجوب الوَفاء بها، وفيه أنَّ جميع ما يُوجد في البحر هو لواجِده ما لم يَعلمْه مُلكًا لأحدٍ.
قال (ط): وفيه أنَّ مَن توكَّل على الله؛ فإنَّه يَنصرُه، فإنَّ الذي نقَر الخشَبة، وتوكَّل على حفْظ الله مالَه، والذي سلَّفَه، وقنِع بالله كفيلًا أوصَل الله مالَه إليه.
* * *
أي: نسَخت تلك الآيةُ حُكمَ نَصيب الإرثِ لا النَّصْر.
(والرِّفادة) بكسر الراء، أي: المُعاونة، والرِّفادة أيضًا شيءٌ كان تَترافَدُ به قُريشٌ في الجاهليَّة يخرج مالًا يُشترى به للحاجِّ طعامٌ وزبيبٌ للنَّبيذ، أو (إلا النَّصْر) استثناءٌ منقطِعٌ، أي: لكن النَّصر ونحوه باقٍ ثابثٌ.
(وقد ذهب الميراث)؛ أي: مِن بين المعاقِدَين.
فإن قيل: ما وجْهُ تعلُّق هذا الباب بالحَوالَة؟ قيل: فيه معناها حيث تحوَّل استِحقاق الوِراثة من القَريب إلى المُعاقِد، أو بالعكس، وهو باعتبار أنَّ أحَد المتعاقدَين كفيلٌ عن الآخَر؛ لأنه كان من جُملة المُعاقَدة؛ لأنهم كانوا يذكُرون فيها: تُطْلَبُ بي، وأُطْلَبُ بك، وَتَعْقِلُ عني، وأعْقِلُ عنك.
وقيل: وجه الدَّلالة على الكَفالة: أنها مُلتزَمٌ فيجب الوفاء به كما يجب الوفاء في عَقْد الأُخوَّة، فيُشبه الالتزام في الوَفاء.
* * *
٢٢٩٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بن جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ، فَآخَى رَسُولُ الله ﷺ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بن الرَّبيعِ.
الحديث الأول:
(بينه وبين سعد) مرَّت قِصَّته أول (كتاب البَيع).
* * *
стр. 3340
٢٢٩٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بن زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، قَالَ: قُلْتُ لأَنَسٍ ﵁: أَبَلَغَكَ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "لَا حِلْفَ في الإسْلَامِ"؟ فَقَالَ: قَدْ حَالَفَ النَّبيُّ ﷺ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالأَنْصَارِ فِي دَارِي.
الثاني:
(حِلْف) بكسر المهملَة، وسكون اللام: العَهْد يكون بين القَوم.
ووجه الجمع بين "لا حِلْفَ في الإِسلام"، وبين مُحالفته ﷺ بين قُريش والأنصار: أنَّ الجائِز المؤاخاة للرِّفْق والرِّفادة، والممتنِع المعاقَدة على باطِلٍ كما كانوا يفعلونه في الجاهليَّة من الأنْساب، والتَّوارث، ونحو ذلك، وأَصْله من الحِلْف؛ لأنَّهم كانوا يتقاسَمون عند عقده على التِزامه.
والواحد حَلِيْفٌ، والجمْع حُلَفاء وأَحْلاف، وقيل: إن المُحالَفة كانتْ أول الإِسلام وزالتْ.
* * *
٣ - بابُ مَنْ تَكَفَّلَ عَنْ مَيِّتٍ دَيْنًا، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ
وَبهِ قَالَ الْحَسَنُ.
هِيَ خَمْسُ مِائَةٍ، وَقَالَ: خُذْ مِثْلَيْهَا.
(لو قد) معنى (قد) هنا التَّحقيق، أي: المَجِيء بوَعْده ﷺ بالعَطاء.
(مثليها) بالتَّثنية، وفي بعضها بالإفراد.
قال (ط): الجُمهور على جَواز التكفُّل عن الميِّت وإنْ لم يترك شيئًا يَفي به، وشذَّ أبو حنيفة في منعه ذلك، حتى قال الطَّحاويُّ بأنَّ هذا مخالِفٌ لحديث رسول الله ﷺ ، أما الاحتِجاج به على عدَم الرُّجوع، فإنه لو كان له الرُّجوع لقامَ الكَفيل مَقام الطَّالِب، ولم يكن النبي ﷺ يُصلِّي عليه بعد ضَمان أبي قَتادة، وأما تحمُّل أبي بكرٍ بعِدَة من النبيِّ ﷺ فلأنَّ الوَعْد منه يَلزَم إنجازُه؛ لأنه من مَكارم الأخْلاق، وإنه لعلَى خلُقٍ عظيمٍ.
وقد استدلَّ به على وُجوب وَفائه ﷺ بالوَعْد، وعدَّه بعض أصحابنا من خَصائصه، وأما تصديق أبي بكرٍ جابرًا في دَعواه فلقَوله: "مَنْ كذَبَ عليَّ مُتعمِّدًا فلْيتَبَوَّأْ مَقْعدَه مِن النَّارِ"، ولا يُظَنُّ بأن مثْلَه يقَع فيه، انتهى.
أما دلالته على عدَم الرُّجوع؛ فلأنه لو كان لأبي بكر الرُّجوع للَزِمَ خِلاف مقصوده، وهو بَراءةُ ساحةِ النبيِّ ﷺ عن حُقوق النَّاس، مع أنه لو بقِيَ منه ﷺ تَرِكَةٌ لكان صدَقةً، فلا مَجالَ للرُّجوع إليها.
* * *
فَإِمَّا أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِمَّا أَنْ تَرُدَّ إِلَيَّ ذِمَّتِي، فَإِنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ الْعَرَبُ: أَنِّي أُخْفِرْتُ فِي رَجُلٍ عَقَدْتُ له. قَالَ أبُو بَكْرٍ: إِنِّي أَرُدُّ إليْكَ جِوارَكَ، وأرْضَى بِجوَارِ الله، ورَسُولُ الله ﷺ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "قَدْ أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ، رَأَيْتُ سَبْخَةَ ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لَابَتَيْنِ". وَهُمَا الْحَرَّتَانِ، فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ الْمَدِينَةِ حِينَ ذَكَرَ ذَلِكَ رَسُولُ الله ﷺ ، وَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ بَعْضُ مَنْ كانَ هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ : "عَلَى رِسْلِكَ؛ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَلْ تَرْجُو ذَلِكَ بِأَبي أَنْتَ؟ قَالَ: "نَعَمْ". فَحَبَسَ أَبو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ ؛ لِيَصْحَبَهُ، وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ.
(فأخبرني) عطفٌ على مقدَّرٍ، أي: قال ابن شِهَاب: أخبرني بكذا وكذا عَقِبَ ذلك أخبرني بهذا.
(وقال أبو صالح)؛ أي: سُليمان بن صالِح المُلقَّب بـ: سَلَمُويه.
(عبد الله)؛ أي: ابن المُبارك، وقد وصلَ هذا التَّعليقَ الذُّهْليُّ في "الزُهْريات".
(فلم أعقل) لم أَعرِف، ولم أَعْهَد.
(الدِّيْن)؛ أي: دين الإسلام.
(قط) قال (ط): يجزم إذا كان بمعنى التَّقليل، نحو: ليس عندي
стр. 3346
إلا هذا فقَطْ، ويُضمُّ ويثقَّل إذا كان في معنى الزَّمان نحو: لم أَرهُ قَطُّ.
(ابتلي)؛ أي: بإيذاءِ المشركين لهم.
(بَرك) بفتح الموحَّدة على الأكثَر، وفي بعضها بالكسر.
(الغِماد) بكسر المعجَمة، أو ضمِّها، وآخره مهملةٌ: موضعٌ باليمَن، وقيل: وراء مكَّة بخمس لَيالٍ، وقيل: في أقاصِي هَجَر، قال الجَوْهَري: موضعٌ بناحية اليمَن، وغامِد: حيٌّ من اليمَن، وغَمدان بها، أي: باليمَن.
(ابن الدَّغِنَة) قال الغَسَّاني: بفتح الموحَّدة، وكسر المعجَمة، وخِفَّة النُّون، بوَزْن: كَلِمَة، ويُقال: بضمِّ الدال، والغين، وتشديد النُّون، وبالوجهَين رويناه في "الجامِع"، ويقال: بفتح الدال، وسكون الغَين.
وقال ابن إسحاق: اسمه رَبيْعة بن رُفيع، والدَّغِنَة اسم أُمِّه، ومعناه لغةً: الغيم الممطِر.
وقال (ش) (١): إنَّ الأول هو ما لكافَّتهم، وعند أبي زَيْد المَرْوَزي فتح الغين.
قال الأَصِيْلي: وكذا قرأَه لنا؛ لأنه كان في لسانه استِرخاء لا يَقدِر على ملكه، وحُكي ضمُّ الدال والغين، وتشديد النون عن القابسِيِّ، وأن الوجهَين حكاهما الجَيَّاني.
стр. 3347
فالحاصل من الكلِّ في ضبطه أربعةٌ.
(القارة) بالقاف، وتخفيف الراء: قَبيلةٌ موصوفةٌ بجُودة الرَّمي، وهم بنو الهُون بن خزيمة.
(أسيح)؛ أي: أسيرُ، مِن السِّياحة.
(لا يَخرج) بفتح أوَّله.
(ولا يُخْرَج) بالبناء للمفعول.
(تَقْوى) بفتح التاء.
(وتَكسب) بفتح التاء وضمها.
(المعدوم)؛ أي: الفقير الذي بفَقْره كأنه هالكٌ عن الوجود، والمعنى: تكسِب مُعاونتَه.
وسبق في أول "الجامع" مباحثُ في مثْله، وأورده (ش) هنا: العديم الفقير، فقيل: بمعنى فاعل.
قال: وهذا أحسن من الرِّواية السابقة أوَّل الكتاب في حديث خديجة: (تَكسِب المعدُوم).
(الكَل) بفتح الكاف: الثِّقَل، أي: ثِقَل العَجْز.
(جار)؛ أي: مُجيْزٌ، قال الجَوْهَري: الذي أجَرْتَه من أن يَظلمه ظالمٌ.
(فرجع مع أبي بكر) قيل: كان القياس: فرجَع أبو بكر معه، إلا أنه أطلَق الرجوع، وأراد لازمَه الذي هو المَجيء، أو من قَبيل المُشاكَلة؛
стр. 3348
لأن أبا بكر كان راجِعًا، أو أطلَق الرُّجوع باعتبار ما كان قبْلَه بمكة.
(فأنفذت)؛ أي: رضُوا بجِواره، ولم يتعرَّضوا لنقضه، وهو بإعجام الذال.
(فليعبد) إنما دخلت الفاء؛ لأن التقدير: مُرْ أبا بكرٍ ليَعبُد ربَّه، فليَعبُد.
(أن يفتن) من الفتنة والإفتان، ومن التَّفتين.
(فَطَفِقَ) بفتح الفاء وكسرها.
(بدا)؛ أي: نشأَ له رأْيٌ.
(بفناء) بكسر الفاء، والمدِّ، وهو ما امتدَّ من جوانب الدَّار.
(فيتقصف)؛ أي: يَزدحمُ حتى يَسقُط بعضهم على بعضٍ، وأصل التقصُّف التكسُّر.
(أجرنا أبا بكر) كذا لأكثرهم، ورواه القابسِي بالزَّاي.
(نُخْفِرَكَ) بضمِّ أوله، أي: ننقُضَ عَهْدك ولا نَفِيَ به.
(سَبخَة) بفتح الموحَّدة، أي: أرضًا مالحةً، وإذا وُصف به الأرض كُسرت الباء.
(لابَتين) اللَّابَة بتخفيف الموحَّدة: أرضٌ فيها حِجارةٌ سوداء كأنما أُحرقت بالنَّار، وهي الحَرَّة -بفتح المهملة-.
(قِبل) بكسر القاف.
(مهاجرًا) حالٌ مقدَّرةٌ.
стр. 3349
(رسلك) بكسر الراء، أي: هِيْنَتك من غير عَجَلةٍ.
(ترجو ذاك بأبي أنت) إما أن يكون (أنت) مبتدأً، و (بأبي) خبره، أي: مُفَدَّى بأبي، أو (أنت) تأكيدٌ لفاعلِ تَرجُو، و (بأبي) قسَمٌ.
(السمُر) بضم الميم: شجَر الطَّلْح.
ومناسبة الحديث للتَّرجمة: أن المُجِير مُلتزِمٌ للمُجار أن لا يُؤذى من جهة مَنْ أجاره، وضامنٌ له ذلك، وأنَّ العُهدة في ذلك عليه، قال (ط): هذا الجِوار كان مَعروفًا بين العرب.
وفيه أنه إذا خشِيَ المؤمن على نفْسه من ظالمٍ جازَ له أن يَستجير بمن يَحميه وإنْ كان كافرًا، وأنَّ مَن اختار الرِّضا بجِوار الله وقاهُ الله بما وَثِقَ فيه، ولم ينَلْه مكروهٌ، وفيه فضيلة أبي بكرٍ وتقدُّمه.
* * *
٥ - بابُ الدَّيْنِ
٢٢٩٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بن بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ أَبي سَلَمَةَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْمُتَوَفَّى عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَيَسْأَلُ: "هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ فَضْلًا؟ " فَإِنْ حُدِّثَ: أَنَّهُ تَرَكَ لِدَيْنِهِ وَفَاءً، صَلَّى، وَإِلَّا قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: "صَلُّوا عَلَى صَاحِبكُمْ". فَلَمَّا فَتَحَ الله عَلَيْهِ الْفُتُوحَ قَالَ: "أَنَا أَوْلَى
стр. 3350
بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فترَكَ دَيْنًا، فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا، فَلِوَرَثَتِهِ".
الحديث الثاني:
سبق شرحه قريبًا.
стр. 3351
٤٠ - كِتابُ الوَكَالَةِ
стр. 3352
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٤٠ - كِتابُ الوَكَالَةِ
(كتابُ الوَكالة)
بفتح الواو وكسرها، أي: التَّفويض؛ مِن وكَلتُ إليه الأمرَ، وَكْلًا ووكولًا: فوَّضتَه، وجعلتَه نائبًا.
١ - باب وَكَالَةُ الشَّرِيكِ الشَّرِيكَ فِي الْقِسْمَةِ وَغَيْرِهَا، وَقَدْ أْشْرَكَ النَّبي ﷺ عَلِيًّا فِي هَدْيِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِقِسْمَتِهَا
(باب وَكالةِ الشَّريك في القِسْمة)
(وقد اشترك) إلى آخره، ملفَّقٌ من حديثَين وصلَ أحدهما في (الحجِّ)، وهو حديث أمْره أنْ يُقيم على بُدْنِهِ ويقسمَها، ووصلَ الآخَر في (كتاب الشِّرْكة)، وهو حديث: (وأشْرَكَه معه في الهَدْي).
٢٢٩٩ - حَدَّثَنَا قَبيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابن أَبي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن أَبي لَيْلَى، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: أَمَرَنِي
стр. 3353
رَسُولُ الله ﷺ أَنْ أتصَدَّقَ بِجلَالِ الْبُدْنِ الَّتِى نُحِرَتْ وَبجُلُودِهَا.
الحديث الأول:
(جِلال) بكسر الجيم: جمع جُلٍّ، وهو ما تلبَس الدابَّة.
(البُدُن) بضم الدال وسكونها.
(نُحِرت) بضم أوله، وكسر ثانيه، وقيل: بفتحهما، والضمير لعليٍّ.
ووجه دُخوله في التَّرجمة: ما عُلم من أنه ﷺ أشركَه معه في هَدْيه.
* * *
٢٣٠٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بن خَالِدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بن عَامِرٍ ﵁: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ أَعْطَاهُ غَنَمًا يَقْسِمُهَا عَلَى صَحَابَتِهِ، فَبَقِيَ عَتُودٌ، فَذَكَرَهُ لِلنَّبيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "ضَحِّ أَنْتَ".
الثاني:
(عَتُود) بفتح المهملَة، وضمِّ المثنَّاة: ما بلَغ من أولاد المعْزِ إلى الرَّعْي وقَوِي.
قال (ط): وكالة الشَّريك جائزةٌ كما يجوز شركة الوكيل، نعَمْ، ليس في حديث عُقْبة ذِكْر الشَّريك، ولكن لمَّا وكَّله ﷺ في قِسْمة الضَّحايا وكان شَريك الموهوب إليهم، فتوكيلُه على ذلك كتوكيل
الرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ يُرِينَا ذَلِكَ الأثَرَ فِي ظَهْرِ قَدَمِه.
(صاغيتي) بمهملةٍ، ثم معجمةٍ: خاصَّته ومن يُصغي إليه، أي: يميل إليه، ومنه: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، فالمراد أتباعه، وهو أشْبَه، وقيل: المراد بها المال.
(لأحوزه) من الحِيَازة، أي: الجَمْع، وفي بعضها: مِن الحِرْز، أي: الضَّبْط، والحِفْظ، وفي بعضها: مِن التَّجويز، أي: التَّنفيذ.
(أُمية) بالرفع، أي: هذا أُميَّةُ، وبالنصب، أي: الزَمُوا أُميةَ.
(أتوا) من الإتيان، وفي بعضها: من الإِبَاء.
(فتجللوا) وهو بالجِيْم للأَصِيْلي، وأبي ذَرٍّ، أي: علَوه وغَشُّوه، وعند الباقين بالخاء المعجَمة، وهو أظْهَر؛ لقَول عبد الرحمن: فألقَيتُ عليه نفسي، فكأنهم أدخَلُوا أسيافَهم خِلالَه حتى وصَلُوا إليه وطعَنوا بها من تحته، من قولهم: خلَّلتُه بالرُّمح، وأخْللتُه: طعَنْتُه.
ولما قتلَه قال أبو بكرٍ أبياتًا منها:
هَنِيْئًا زادَكَ الرَّحمن فَضْلًا ... فقَدْ أدْركْتَ ثَأْركَ يا بِلالُ
قال المُهلَّب: وترك عبد الرحمن أن يكتب إليه لفظ الرحمن؛ لأنَّ التَّسمية عَلامةٌ، كما فعَل النبي ﷺ ذلك يوم الحُدَيبية، وأما سعي بِلالٍ في قتْل أُميَّة، واستِصراخ الأنصار، وإغراؤُهم به؛ فلأنه كان عذَّب بلالًا كثيرًا على الإسلام، وكان يُخرجه إلى الرَّمْضاء إذا حمِيتْ
стр. 3356
فيُضْجِعُه على ظَهْره، ثم يأْخُذ الصَّخْرة العظيمة فيضعُها على صَدْره، يقول: لا تَزال هكذا حتى تُفارق دِيْنَ محمَّدٍ، فيقول بلالٌ: أحَدٌ أحَدٌ.
(سمع يوسف صالحًا وإبراهيم) بالرفع عطفًا على يوسُف، وفائدته -مع أنه قد عُلم سماعهما من الإسناد- تحقيقُ معنَى السَّماع، حتى لا يُظنَّ أنه عنْعنَ بمجرَّد إمكان السَّماع كما هو مذْهب بعض المحدِّثين كمسلمٍ وغيره.
* * *
٣ - بابُ الْوَكَالَةِ فِي الصَّرْفِ وَالْمِيزَانِ
وَقَدْ وَكَّلَ عُمَرُ وَابن عُمَرَ فِي الصَّرْفِ.
(بابِ الوَكالَةِ في الصَّرْف والمِيْزان)؛ أي: بيع النَّقد بالنَّقد.
٢٣٠٢ - و ٢٣٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَجيدِ بن سُهَيْلِ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عَوْفٍ، عَنْ سَعِيدِ بن الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبي هُرَيرَةَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُمْ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ فَقَالَ: "أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ " فَقَالَ: إِنَّا لَنأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ. فَقَالَ: "لَا تَفْعَلْ، بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا".
стр. 3357
وَقَالَ فِي الْمِيزَانِ مِثْلَ ذَلِكَ.
(الجَنِيب) بفتح الجيم، وكسر النون: الخِيَار من التَّمْر.
(الجمع) المُختلِط من الجيِّد والرَّديء.
(في الميزان)؛ أي: في المَوزونات.
(مثل ذلك)؛ أي: لا تَبعْ منه رطْلًا برطلَين، بل بعِ بالدَّراهم، ثم ابتَعْ بالدَّراهم.
وسبق شرح الحديث، ووجه دلالته على التَّرجمة: أنَّه لما منَع الوكيل عن التَّقابُض عُلم منه جوازُ بيعه صاعًا بصاعٍ، فيكون بيع الدِّرهم بالدِّرهم، والدِّينار بالدِّينار كذلك؛ إذ لا قائلَ بالفَضل.
قال (ط): والتَّرجمة صحيحةٌ، وبيع الطَّعام بالطَّعام يدًا بيدٍ مثْل الصَّرف سواءً، وهو شَبيهه في المعنى.
* * *
٤ - بابٌ إِذَا أَبْصَرَ الرَّاعِي أَوِ الْوَكِيلُ شَاةً تَمُوتُ أَوْ شَيْئًا يَفْسُدُ ذَبَحَ وَأَصْلَحَ مَا يَخَافُ عَلَيْهِ الْفَسَادَ
(بابٌ: إذا أبصَرَ الرَّاعي أو الوكيلُ شاةً)
(أصلح) هو جواب الشَّرط، وفي بعضها: (فأصلَحَ)، وهو عطْفٌ
стр. 3358
على: (أبصَر)، والجواب محذوفٌ، أي: جازَ، أو نحو ذلك.
* * *
٢٣٠٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بن إِبْرَاهِيمَ، سَمعَ الْمُعْتَمِرَ، أنبَأَناَ عُبَيْدُ الله، عَنْ ناَفِعٍ: أَنَّهُ سَمِعَ ابن كَعْبِ بن مَالِكٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبيهِ: أَنَّهُ كَانَتْ لَهُمْ غَنَمٌ تَرْعَى بِسَلْعٍ، فَأَبْصَرَتْ جَارِيَةٌ لَنَا بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِنَا مَوْتًا، فَكَسَرَتْ حَجَرًا، فَذَبَحَتْهَا بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: لَا تَأْكُلُوا حَتَّى أَسْأَلَ النَّبيَّ ﷺ ، أَوْ أُرْسِلَ إِلَى النَّبيِّ ﷺ مَنْ يَسْأَلُهُ. وَأَنَّهُ سَأَلَ النَّبيَّ ﷺ عَنْ ذَاكَ، أَوْ أَرْسَلَ، فَأَمَرَ بِأكلِهَا.
قَالَ عُبَيْدُ الله: فَيُعْجبني أنَهَا أَمَةٌ، وَأَنَّهَا ذَبَحَتْ. تَابَعَهُ عَبْدَةُ، عَنْ عُبَيْدِ الله.
(أنبأنا) لا فَرقَ بينه وبين: أخبَرَنا.
(ابن كعب) الظاهر أنَّه من أولاده عبدُ الرَّحمن، وولدُه أيضًا: عبد الله، وعُبيد الله.
(بسلع) بفتح المهملَة، وسكون اللَّام، وبمهملةٍ: جبَلٌ بالمَدينة، وفيه تَصديق الرَّاعي، والوكيل فيما ائتُمِنَ عليه حتى يَظهر عليه دليلُ الخِيَانة، وأنَّ ذَبيحة الحُرَّة والأمَة جائزةٌ، والذَّبح بكل جارِحٍ إلا السِّنَّ والظُّفُر.
(فكسرت حجرًا) محمولٌ على أنَّ الحجَر كان له حَدٌّ يمُورُ كمَوْر الحَديد.
стр. 3359
(تابعهُ عَبدة)؛ أي: ابن سُليمان بن عبد الله بن عُمر بن الخطَّاب، وهو موصولٌ في (الذَّبائح).
* * *
٥ - بابٌ وَكَالَةُ الشَّاهِدِ وَالْغَائِبِ جَائِزَةٌ
وَكتَبَ عَبْدُ الله بن عَمْرٍو إِلَى قَهْرَمَانِهِ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهُ: أَنْ يُزَكِّيَ عَنْ أَهْلِهِ؛ الصَّغِيرِ وَالْكَبيرِ.
(باب وَكالَة الشَّاهِد والغائِب)
(قَهْرَمانه) بفتح القاف، والراء: الخادِم، أي: القائِم بالحَوائج.
(يُزَكي)؛ أي: زكاة الفطر.
* * *
٢٣٠٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنْ أَبي سَلَمَةَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى النَّبيِّ ﷺ سِنٌّ مِنَ الإِبلِ، فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ: "أَعْطُوهُ". فَطَلَبُوا سِنَّهُ، فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ إِلَّا سِنًّا فَوْقَهَا. فَقَالَ: "أَعْطُوهُ". فَقَالَ: أَوْفَيْتَنِي أَوْفَى الله بِكَ. قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً".
(أوفيتني)؛ أي: أعطيتَني حقِّي.
(بك) مِن زيادة الباء في المفعول تأكيدًا.
стр. 3360
(خياركم) يحتمل أنه مُفردٌ بمعنى المُختار، وأنه جمْعٌ.
(أحسنكم) أخبر عن الجمع به لا أنَّ أفعَل التَّفضيل المُضاف يجوز فيه المطابقَةُ والإفْرادُ.
ووجه مطابقته للتَّرجمة: أنَّ (أعطُوه) خِطابٌ للوكلاء للعُرف وإنْ كان ظاهره أنه خِطَابٌ للآخَرين.
* * *
٦ - بابُ الْوَكَالَةِ فِي قَضَاءِ الدُّيُونِ
(باب الوكالَة في قَضاء الدُّيون)
٢٣٠٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بن حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ بن كُهَيْلٍ، سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبيَّ ﷺ يَتَقَاضَاهُ، فَأَغْلَظَ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "دَعُوهُ؛ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا". ثُمَّ قَالَ: "أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ". قَالُوا: يَا رَسُولَ الله! إِلَّا أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ. فَقَالَ: "أَعْطُوهُ؛ فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً".
(فأغلظ) إما شدَّدَ في المطالَبة من غير كلامٍ يقتضي الكُفْر ونحوه، أو أن المُتقاضي كان كافِرًا، فهو يقول ما يشَاءُ.
стр. 3361
(فهمُّوا به)؛ أي: فقصَدوا أن يُؤذوه باللِّسان، أو باليَدِ، أو نحو ذلك.
(إلا أمثل) هو استثناءٌ من مقدَّرٍ دلَّ عليه السِّياق، أي: لا نَجِدُ الأمثَلَ، أي: لا نجدُ إلا سِنًّا أفضَلَ من سِنِّهِ.
وفيه جَواز إقراض الحيَوان مطلَقًا خلافًا لأبي حنيفة.
(خيركم)؛ أي: خيركم عند التَّساوي فيما سِوى هذا، لا أنَّه خيرُ الأُمة مطلَقًا، وفيه (مِن) مقدَّرةً، أي: من خيار الناس، وقد جاء كذلك في بعضها.
* * *
٧ - بابٌ إِذَا وَهَبَ شَيْئًا لِوَكِيل أَوْ شَفِيعِ قَوْمٍ جَازَ؛ لِقَوْلِ النَّبيِّ ﷺ لِوَفْدِ هَوَازِنَ حِينَ سَأَلُوهُ الْمَغَانِمَ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "نَصِيبي لَكُمْ "
(بابٌ: إذا وهَب شيئًا لوكيلٍ)؛ أي: بالتنوين، ويجوز بالإضافة نحو:
بَينَ ذِرَاعَيْ وجَبْهةِ الأَسَدِ
(هَوَازِن) بفتح الهاء، وخفَّة الواو، وكسر الزاي، وبنونٍ: قَبيلةٌ من قَيْس.
* * *
(واسْتَأنَيْتُ به)؛ أي: انتظرتُه، ويقال للمتمكِّن في الأُمور: مُتأَنٍّ، ومُسْتأْنِ، والأناة: الرِّفْق.
(قَفَل)؛ أي: رجَع.
(يطيب) من الثُّلاثي، ومن الإفعال، ومن التَّفعيل، أي: يردُّ الشَّيء مجانًا برضا نفْسه وطِيْب قَلْبه.
(مَا يُفِيءُ)؛ أي: يَرجع، وهو شاملٌ للفَيء والغَنيمة، وفرَّقَ الفُقهاء بينهما، أي: حيث اجتمَعا.
(عُرَفاؤكُم) جمع عَرِيْفٍ، أي: الذي يَعرف أُمورَ القَوم وأحوالَهم، وهو النَّقيب، وهو دُون الرَّئيس، وفى بعضها: (يَرفعوا) على لُغةِ: أكَلُوني البَراغيث.
قال (خ): فيه جَواز سَبْي العرَب واسترقاقِهم كالعجَم، واستدلَّ به أيضًا مَن يَرى قَبول إقرار الوكيل على موكِّله؛ لأنَّ العُرَفَاء بمنزلة الوكَلاء عنهم في أمورهم.
(طَيَّبنا)؛ أي: بقُلوبنا، أي: طابتْ أنفُسنا بذلك، فلمَّا سمع ﷺ ما نقَلُوه إليه من القول أنفذَه عليهم، ولم يسأَلْهم عمَّا قالوه، وكان في ذلك تحريم فُروج النِّساء على مَنْ كانت حلَّتْ لهم.
وفيه قَبول خبر الواحد.
* * *
الْقِيرَاطُ يُفَارِقُ جِرَابَ جَابرِ بن عَبْدِ الله.
(بعضهم) الضمير فيه لـ (غير)؛ لأنه بمعنى الجمع.
(لم ينقله) الضمير للحديث، أو للرسول.
(رجل) بدَلٌ من: كُل.
(عن جابر) متعلِّقٌ بعَطاء، وفي أكثر الروايات بلفظ: (الغير) أي: بالجرِّ، وأما رفعه فعلى الابتداء، و (يزيد) خبَره، ويحتمل أن يكون (رجل) فاعلَ فعلٍ مقدَّرٍ نحو: بلَّغه، وعلى التَّقادير لا يخفى ما في هذا التركيب من التَّعجْرُف، ولو كان بدَّل كلهم بضمير المفرد لكان ظاهرًا، وأما الزِّيادات والتَّفاوت فستأتي في (باب الشُّروط).
(ثُفَال) بالمثلَّثة، وخفة الفاء، وباللام: البَطيء السَّير الثَّقيل الحركة، قاله (ع)، ورواه بكسر الثاء، وهو خطأٌ.
(فكان)؛ أي: الجمل من مكان الضَّرب في أوائل القَوم في مبادئهم ببركة رسول الله ﷺ حيث تبدَّل ضعفُه بالقوَّة.
(ولك ظهره)؛ أي: لك أن تَركَب، وهذا إعارةٌ منه ﷺ لجابر، وإباحةٌ، لا أنه شَرْطٌ في البيع.
(خلا)؛ أي: ماتَ عنها زوجها.
(جارية) بالنَّصب بفعل مقدَّرٍ، أي: هلَّا تزوجتَ جاريةً.
(جربت)؛ أي: اختبرت حوادثَ الدَّهر، وصارتْ ذات تجربةٍ تَقدر على تعهُّد أخواته، وتفقُّد أحوالهنَّ.