← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18103

اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح

شمس الدين البرماوي

Полный текст (8 898 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

(فهمُّوا به)؛ أي: فقصَدوا أن يُؤذوه باللِّسان، أو باليَدِ، أو نحو ذلك. (إلا أمثل) هو استثناءٌ من مقدَّرٍ دلَّ عليه السِّياق، أي: لا نَجِدُ الأمثَلَ، أي: لا نجدُ إلا سِنًّا أفضَلَ من سِنِّهِ. وفيه جَواز إقراض الحيَوان مطلَقًا خلافًا لأبي حنيفة. (خيركم)؛ أي: خيركم عند التَّساوي فيما سِوى هذا، لا أنَّه خيرُ الأُمة مطلَقًا، وفيه (مِن) مقدَّرةً، أي: من خيار الناس، وقد جاء كذلك في بعضها. * * * ٧ - بابٌ إِذَا وَهَبَ شَيْئًا لِوَكِيل أَوْ شَفِيعِ قَوْمٍ جَازَ؛ لِقَوْلِ النَّبيِّ ﷺ لِوَفْدِ هَوَازِنَ حِينَ سَأَلُوهُ الْمَغَانِمَ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "نَصِيبي لَكُمْ " (بابٌ: إذا وهَب شيئًا لوكيلٍ)؛ أي: بالتنوين، ويجوز بالإضافة نحو: بَينَ ذِرَاعَيْ وجَبْهةِ الأَسَدِ (هَوَازِن) بفتح الهاء، وخفَّة الواو، وكسر الزاي، وبنونٍ: قَبيلةٌ من قَيْس. * * *

стр. 3362

٢٣٠٧ - و ٢٣٠٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بن عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، قَالَ: وَزَعَمَ عُرْوَةُ: أَنَّ مَرْوَانَ ابن الْحَكَم وَالْمِسْوَرَ بن مَخْرَمَةَ أَخْبَرَاهُ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله ﷺ : "أَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَيَ أَصْدَقُهُ. فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ؛ إِمَّا السَّبْيَ، وَإِمَّا الْمَالَ، وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِهِمْ". وَقَدْ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ انْتَظَرَهُمْ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ مِنَ الطَّائِفِ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلَّا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، قَالُوا: فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا. فَقَامَ رَسُولُ الله ﷺ فِي الْمُسْلِمِينَ، فَأَثْنَى عَلَى الله بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ هَؤُلَاءِ قَدْ جَاءُوناَ تَائِبينَ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ بِذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ الله عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ". فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ طَيَّبنا ذَلِكَ لِرَسُولِ الله ﷺ لَهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعُوا إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ". فَرَجَعَ النَّاسُ، فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، فَأَخْبَرُوهُ: أَنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا. (زعم)؛ أي: قال، ثم تُستعمل في القَول المُحقَّق.

стр. 3363

(واسْتَأنَيْتُ به)؛ أي: انتظرتُه، ويقال للمتمكِّن في الأُمور: مُتأَنٍّ، ومُسْتأْنِ، والأناة: الرِّفْق. (قَفَل)؛ أي: رجَع. (يطيب) من الثُّلاثي، ومن الإفعال، ومن التَّفعيل، أي: يردُّ الشَّيء مجانًا برضا نفْسه وطِيْب قَلْبه. (مَا يُفِيءُ)؛ أي: يَرجع، وهو شاملٌ للفَيء والغَنيمة، وفرَّقَ الفُقهاء بينهما، أي: حيث اجتمَعا. (عُرَفاؤكُم) جمع عَرِيْفٍ، أي: الذي يَعرف أُمورَ القَوم وأحوالَهم، وهو النَّقيب، وهو دُون الرَّئيس، وفى بعضها: (يَرفعوا) على لُغةِ: أكَلُوني البَراغيث. قال (خ): فيه جَواز سَبْي العرَب واسترقاقِهم كالعجَم، واستدلَّ به أيضًا مَن يَرى قَبول إقرار الوكيل على موكِّله؛ لأنَّ العُرَفَاء بمنزلة الوكَلاء عنهم في أمورهم. (طَيَّبنا)؛ أي: بقُلوبنا، أي: طابتْ أنفُسنا بذلك، فلمَّا سمع ﷺ ما نقَلُوه إليه من القول أنفذَه عليهم، ولم يسأَلْهم عمَّا قالوه، وكان في ذلك تحريم فُروج النِّساء على مَنْ كانت حلَّتْ لهم. وفيه قَبول خبر الواحد. * * *

стр. 3364

٨ - بابٌ إِذَا وَكَّلَ رَجُلٌ أَنْ يُعْطِيَ شَيْئًا، وَلَمْ يُبَيِّنْ كَمْ يُعْطِي، فَأَعْطَى عَلَى مَا يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ (باب إذا وكَّل رجلًا أن يُعطيَ شيئًا) ٢٣٠٩ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بن إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابن جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاء ابن أَبي رَبَاحٍ وَغَيْرِهِ، يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَمْ يُبَلِّغْهُ كلُّهُمْ، رَجُلٌ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، عَنْ جَابرِ بن عَبْدِ الله، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَكُنْتُ عَلَى جَمَلٍ ثَفَالٍ، إِنَّمَا هُوَ فِي آخِرِ الْقَوْمِ، فَمَرَّ بِي النَّبيُّ ﷺ فَقَالَ: "مَنْ هَذَا؟ "قُلْتُ: جَابرُ بن عَبْدِ الله. قَالَ: "مَا لَكَ؟ " قُلْتُ: إِنِّي عَلَى جَمَلٍ ثَفَالٍ. قَالَ: "أَمَعَكَ قَضيبٌ؟ " قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: "أَعْطِنِيهِ". فَأَعْطَيْتُهُ، فَضَرَبَهُ، فَزَجَرَهُ، فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ مِنْ أَوَّلِ الْقَوْمِ، قَالَ: "بعْنِيهِ". فَقُلْتُ: بَلْ هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ الله! قَالَ: "بعنِيهِ، قَدْ أخَذْتُهُ بِأرْبَعَةِ دنَانِيرَ، ولَكَ ظَهْرُهُ إلى الَمدِينَةَ"، فَلَمَّا دنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ أَخَذْتُ أَرْتَحِلُ. قَالَ: "أَيْنَ تُرِيدُ؟ " قُلْتُ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً قَدْ خَلَا مِنْهَا. قَالَ: "فَهَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ". قُلْتُ: إِنَّ أَبي تُوُفِّيَ وَتَرَكَ بناتٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَنْكِحَ امْرَأَةً قَدْ جَرَّبَتْ خَلَا مِنْهَا. قَالَ: "فَذَلِكَ". فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ قَالَ: "يَا بِلَالُ! اقْضهِ، وَزِدْهُ". فَأَعْطَاهُ أَرْبَعَةَ دَنَاَنِيرَ، وَزَادَهُ قِيرَاطًا. قَالَ جَابرٌ: لَا تُفَارِقُنِي زِيَادَةُ رَسُولِ الله ﷺ . فَلَمْ يَكُنِ

стр. 3365

الْقِيرَاطُ يُفَارِقُ جِرَابَ جَابرِ بن عَبْدِ الله. (بعضهم) الضمير فيه لـ (غير)؛ لأنه بمعنى الجمع. (لم ينقله) الضمير للحديث، أو للرسول. (رجل) بدَلٌ من: كُل. (عن جابر) متعلِّقٌ بعَطاء، وفي أكثر الروايات بلفظ: (الغير) أي: بالجرِّ، وأما رفعه فعلى الابتداء، و (يزيد) خبَره، ويحتمل أن يكون (رجل) فاعلَ فعلٍ مقدَّرٍ نحو: بلَّغه، وعلى التَّقادير لا يخفى ما في هذا التركيب من التَّعجْرُف، ولو كان بدَّل كلهم بضمير المفرد لكان ظاهرًا، وأما الزِّيادات والتَّفاوت فستأتي في (باب الشُّروط). (ثُفَال) بالمثلَّثة، وخفة الفاء، وباللام: البَطيء السَّير الثَّقيل الحركة، قاله (ع)، ورواه بكسر الثاء، وهو خطأٌ. (فكان)؛ أي: الجمل من مكان الضَّرب في أوائل القَوم في مبادئهم ببركة رسول الله ﷺ حيث تبدَّل ضعفُه بالقوَّة. (ولك ظهره)؛ أي: لك أن تَركَب، وهذا إعارةٌ منه ﷺ لجابر، وإباحةٌ، لا أنه شَرْطٌ في البيع. (خلا)؛ أي: ماتَ عنها زوجها. (جارية) بالنَّصب بفعل مقدَّرٍ، أي: هلَّا تزوجتَ جاريةً. (جربت)؛ أي: اختبرت حوادثَ الدَّهر، وصارتْ ذات تجربةٍ تَقدر على تعهُّد أخواته، وتفقُّد أحوالهنَّ.

стр. 3366

(فذلك) مبتدأٌ خبره محذوفٌ، أي: مباركٌ ونحوه. (اقضه)؛ أي: دَيْنَه، وهو ثمَن الجمَل. (فلم يكن)؛ أي: القِيراط، وهو مَقول عَطاء. (قِرَاب) وهو وِعاءُ السَّيْف، ويُروى: (جِرَاب) بالجيم. * * * * * * ٩ - بابُ وَكَالَةِ الامْرَأَةِ الإمَامَ فِي النِّكَاحِ (باب وكالَة المَرأَة)؛ أي: توكيله، (الإمام) مفعولٌ به، وقال (ك): الإمام مرفوعٌ بأنه فاعل المصدر. ٢٣١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بن سَعْدٍ، قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله! إِنِّي قَدْ وَهَبْتُ لَكَ مِنْ نَفْسِي. فَقَالَ رَجُلٌ: زَوِّجْنِيهَا. قَالَ: "قَدْ زَوَّجْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ". (نفسي) وفي بعضها: (من نفسي). قال (ن): مما أُنكِر على الفقهاء قولهم: وهبتُ مِن فلانٍ كذا، وجوابها أنَّ زيادة (مِنْ) في الموجب جائزةٌ عند الأخْفَش والكوفيين. (بما معك) فيه جواز كون الصَّداق تعليمَ القرآن؛ لأن ظاهره أن

стр. 3367

الباء للتعويض، نحو: بعتُ هذا الثَّوب بدينارٍ، وإلا فلا فائدةَ في ذِكْره، ومنَعتْه الحنفيَّة، وقالوا: الباء للسبَبية، أي: تزوجتَها بسبب ذلك. وفيه استحباب عَرْض المرأة نفْسها على الصُّلَحاء لتزويجها، وأنَّ مَن طُلب منه حاجةً لا يمكنه قضاؤها أنْ يسكُت سكوتًا، ولا يُخجله بالمنع. * * * ١٠ - بابٌ إِذَا وَكَّلَ رَجُلًا، فَتَرَكَ الْوَكِيلُ شَيْئًا، فَأَجَازَهُ الْمُوَكِّلُ، فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ أَقْرَضَهُ إِلَى أَجَل مُسَمًّى جَازَ ٢٣١١ - وَقَالَ عُثْمَانُ بن الْهَيْثَم أَبُو عَمْرٍو: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بن سِيرِينَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ الله ﷺ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ، فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ، وَقُلْتُ: وَالله لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ . قَالَ: إِنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَيَّ عِيَالٌ، وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ. قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنْهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟ " قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبيلَهُ. قَالَ: "أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ، وَسَيَعُودُ". فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ الله ﷺ : إِنَّهُ سَيَعُودُ. فَرَصَدْتُهُ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ . قَالَ: دَعْنِي؛ فَإِنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَيَّ

стр. 3368

عِيَالٌ، لَا أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ : "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟ " قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبيلَهُ. قَالَ: "أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ، وَسَيَعُودُ". فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ الله، وَهَذَا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ أَنَّكَ تَزْعُمُ لَا تَعُودُ، ثُمَّ تَعُودُ. قَالَ: دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ الله بِهَا. قُلْتُ: مَا هُوَ؟ قَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ، فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيّ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ؛ فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ الله حَافِطٌ، وَلَا يَقْرَبنكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبحَ. فَخَلَّيْتُ سَبيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ : "مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟ "قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي الله بِهَا، فَخَلَّيْتُ سَبيلَهُ. قَالَ: "مَا هِيَ؟ " قُلْتُ: قَالَ لِي: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ، فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وَقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ الله حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبحَ، وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الْخَيْرِ. فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ ". قَالَ: لَا. قَالَ: "ذَاكَ شَيْطَانٌ". (باب: إذا وكَّل رجلًا فتركَ الوكيل) (وقال عُثمان) وصلَه المُسْتملي في روايةٍ عن محمد بن عُقيل،

стр. 3369

عن أبي الدَّرداء بن مُنِيْب عنه. (يحثو) بمهملةٍ، ومثلَّثةٍ، أي: يأْخذُه بكفَّيه. (أما) بالتخفيف. (أنه) بفتْح همزةِ (أنَّ) وكسرها. (كذلك)؛ أي: في أنَّه مُحتاجٌ، وسيعود إلى الأخْذ. وفيه معجزةٌ للنبي ﷺ حيث وقَع كما أخبَر. (كذلك)؛ أي: في الاحتياج، وفي عدَم العَود. (رصدته)؛ أي: ترقَّبتُه. (ولا يَقْرَبَك) بفتح الراء والباء، وأصله: يقربنك. (ما هي) وفي بعضها: (ما هو؟) أي: الكلام النافِع، أو الشيء. (أوَيْتَ) من الثُّلاثي على المشهور في اللازِم. (من الله) ليس متعلِّقًا بحافظ، أو متعلِّقٌ به، ومعناه: من جِهَة أمر الله وقدَره، أو من بأْس الله ونِقْمته، كقوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]. (وكانوا)؛ أي: الصَّحابة أحرصَ النَّاس على تعليم الخير، وإنما خلَّى سبيلَه حِرْصًا على أن يُعلِّمه كلماتٍ ينفعُه الله بها. (وهو كذوب)؛ أي: مِن شأنه وعادته الكَذِب بأنْ كان صادِقًا في نفع قراءة آية الكُرسيِّ، فالكَذوب قد يصدُق، والتَّتْميم به في غاية

стр. 3370

الحُسْن؛ إذ بإثبات الصِّدْق له ربما يُوهِم مَدْحَه، فاستدركَه بصيغةٍ تُفيد المبالغة في كذِبه، قاله الطِّيْبي. وفيه أن الشَّيطان قد يَراه الإنسان، وأنه حافِظٌ للقُرآن عالمٌ نفْعَه. ووجه دلالته على التَّرجمة بالإقْراض لأجلٍ مسمًّى: أنه أمهلَه إلى الرَّفْع للنبيِّ ﷺ . قال الطِّيْبي: فمعنى لأَرفعنَّك، أي: لأذهبن بك إلى النبي ﷺ ليَحكُم عليك بقطع اليد. قيل: أبو هريرة ترَك الذي حثَا الطَّعام، فأخبر النبيَّ ﷺ بذلك، فأجاز فعلَه، وفيه نظرٌ؛ لأن أبا هريرة لم يكُن وكيلًا بالعَطاء، بل في الحِفْظ خاصةً. وفيه دليلٌ على جمع زكاة الفِطْر من الجَماعة، ثم توكيلهم أحدًا بتصريفها، وعلى جَواز تعلُّم العِلْم ممن لم يعمَلْ بعِلْمه. * * * ١١ - بابٌ إِذَا بَاعَ الْوَكِيل شَيْئًا فَاسِدًا، فَبَيْعُهُ مَرْدُودٌ (بابٌ: إذا باعَ الوكيلُ شيئًا فاسدًا فبَيعُه مردودٌ)؛ أي: بيعًا فاسِدًا.

стр. 3371

٢٣١٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بن صَالِحٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ هُوَ ابن سَلَّامٍ، عَنْ يَحْيَى، قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بن عَبْدِ الْغَافِرِ: أنَّهُ سَمعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁، قَالَ: جَاءَ بِلَالٌ إِلَى النَّبيِّ ﷺ بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ، فَقَالَ لَهُ النَّبيُّ ﷺ : "مِنْ أَيْنَ هَذَا؟ " قَالَ بِلَالٌ: كَانَ عِنْدَناَ تَمْرٌ رَدِيٌّ، فَبعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ؛ لِنُطْعِمَ النَّبيَّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: "أَوَّهْ أَوَّهْ! عَيْنُ الرِّبَا عَيْنُ الرِّبَا! لَا تَفْعَلْ، وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ، فَبعِ التَّمْرَ ببَيْعٍ آخَرَ، ثُمَّ اشْتَرِهِ". (بَرْنِي) بفتح الموحَّدة، وإسكان الرَّاء، وبالنون، قال في "المُحْكَم": ضرْبٌ من التَّمْر أصفَر مدوَّرٌ، هو أجوَد التمر. (ليطعم) في بعضها: (لمَطْعَمٍ) بالميم. (أوَّهْ) بفتح الهمزة، وشدَّة الواو، وسكون الهاء، قال (ع): كذا رويناه بالقَصْر، وقيل: بمدِّ الهمزة، قالوا: ولا تُمدُّ إلا لبُعد الصَّوت، وقيل: بسكون الواو، وكسر الهاء، ومِن العرَب مَن يمدُّ الهمزة، ويجعل بعدَها واوَين، فيقول: أووه، وهي كلمةٌ تقال عند الشِّكاية والحُزْن، ومنه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ﴾ [التوبة: ١١٤]. (عَيْنُ الرِّبا) إنَّ هذا البيع هو نفْس الرِّبا حقيقةً. * * *

стр. 3372

١٢ - بابُ الْوَكَالَةِ فِي الْوَقْفِ وَنَفَقَتِهِ، وَأَنْ يُطْعِمَ صَدِيقًا لَهُ، وَيأْكُلَ بِالْمَعْرُوفِ (باب الوكالَة في الوَقْف ونفَقتِه)؛ أي: نفَقة الوكيل، وإطعامهِ صديقَه. ٢٣١٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بن سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، قَالَ فِي صَدَقَةِ عُمَرَ ﵁: لَيْسَ عَلَى الْوَلِيِّ جُنَاحٌ أَنْ يَأْكُلَ ويُؤْكِلَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَأثِّلٍ مَالًا. فَكَانَ ابن عُمَرَ هُوَ يَلِي صَدَقَةَ عُمَرَ يُهْدِي لِلنَّاسِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ. (قال عُمر) وفي بعضها: (صدَقة عُمرَ) بالإضافة، فيه إرسالٌ إذ هو لم يُدرِك عمر، وفي بعضها: (عمرو) بالواو، فالقائل به هو ابن دِيْنار، أي: قال في وقْف عُمَر بن الخَطَّاب ذلك. (مُتَأثل)؛ أي: متأَصِّلٍ، مِن أثْلَة الشَّيء أصْلُه، فالمتَأثِّل مَن يَجمع مالًا ويجعلُه أصْلًا. (ينزل)؛ أي: ابن عُمر على ناسٍ من مكة، ويُهدي لهم من صدَقة عُمر. * * *

стр. 3373

١٣ - بابُ الْوَكَالَةِ فِي الْحُدُودِ (باب الوكالَة في الحُدود) ٢٣١٤، ٢٣١٥ - حَدَّثنَا أَبَو الْوَلِيدِ، أَخْبَرَناَ اللَّيْثُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله، عَنْ زيدِ بن خَالِدٍ وَأَبي هُرَيْرَةَ ﵄، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا". الحديث الأول: (واغْدُ يا أُنَيْسُ) هو مختصرٌ من الحديث المطوَّل، سبَق مرَّاتٍ. * * * ٢٣١٦ - حَدَّثَنَا ابن سَلَامٍ، أَخْبَرَناَ عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِي، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابن أَبي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بن الْحَارِثِ، قَالَ: جِيءَ بِالنُّعَيمَانِ أَوِ ابن النُّعَيْمَانِ شَارِبًا، فَأَمَرَ رَسُولُ الله ﷺ مَنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ أنْ يَضْرِبُوا، قَالَ: فَكُنْتُ أَناَ فِيمَنْ ضَرَبَهُ، فَضَرَبناهُ بِالنِّعَالِ وَالْجَرِيدِ. الثاني: (بالنعيمان) مصغَّر نُعمان، وهو ابن عَمْرو الأنْصاري، كان من قُدماء الصَّحابة وكبارهم، وكانت فيه دُعابةٌ، وقال ابن عبد البَرِّ: إنه كان رجُلًا صالحًا، وإنَّ الذي حدَّه النبي ﷺ في الخَمْر كان ابنه.

стр. 3374

قال (خ): وفيه أنَّ حدَّ الخَمْر لا يُستأنى به الإفاقة كحدِّ الحامِل لتضَع الحَمْل، وفيه أنَّه أخفُّ الحُدود. * * * ١٤ - بابُ الْوَكَالَةِ فِي الْبُدْنِ وَتَعَاهُدِهَا (باب الوكالَة في البُدن وتعاهُدِها) ٢٣١٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بن عَبْدِ الله، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الله بن أَبي بَكْرِ بن حَزْمٍ، عَنْ عَمْرَةَ بنتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أنَّهَا أَخْبَرَتْهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: أَناَ فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ الله ﷺ بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ الله ﷺ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبي، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ شَيْءٌ أَحَلَّهُ الله لَهُ حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ. الحديث فيه سبَق في (الحجِّ) وغيره. * * * ١٥ - بابٌ إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِوَكِيلِهِ: ضَعْهُ حَيْثُ أرَاكَ الله وَقَالَ الْوَكِيلُ: قَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ (بابٌ: إذا قال الرَّجُل لوكيله: ضَعْهُ حيثُ أراكَ الله) ٢٣١٨ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بن يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ

стр. 3375

إِسحَاقَ بن عَبْدِ الله: أنَّهُ سَمِعَ أَنس بن مَالِكٍ ﵁، يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكثَرَ الأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالًا، وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بِيْرُحَاءَ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبلَةَ الْمَسْجدَ، وَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَدْخُلُهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، فَلَمَّا نزَلَتْ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! إِنَّ الله تَعَالَى يَقُولُ فِي كتابهِ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَ بِيْرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ الله، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ الله حَيْثُ شِئْتَ، فَقَالَ: "بَخٍ، ذَلِكَ مَالٌ رَائِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَائِحٌ، قَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ فِيهَا، وَأَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبينَ". قَالَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ الله. فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبهِ وَبني عَمِّهِ. تَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ، عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَ رَوْحٌ، عَنْ مَالِكٍ: رَابحٌ. (أكثر أنصاري) هو من التَّفضيل بالتَّفصيل، أي: أكثر مِن كلِّ واحدٍ من الأنصار، ولهذا لم يقل: أكثَر الأنصار. (بَخْ) بفتح الموحَّدة، وسكون المعجَمة، وتنوينها. (رائح) من الرَّواح. (تابعه إسماعيل) موصولٌ في (سورة آل عمران). (وقال رَوْح) وصلَه أحمد. (رابح) بالموحَّدة في هذه الرِّواية، وسبق شرحه. * * *

стр. 3376

١٦ - بابُ وَكَالَةِ الأَمِينِ فِي الْخِزَانَةِ وَنَحْوِهَا (باب وكالَة الأَميْن في الخِزَانة ونحوِها) (الخِزَانة) بكسر الخاء: اسمٌ للموضع الذي يُخزن فيه. ٢٣١٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بن عَبْدِ الله، عَنْ أَبي بُرْدَةَ، عَنْ أَبي مُوسَى ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "الْخَازِنُ الأَمِينُ الَّذِي يُنْفِقُ -وَرُبَّمَا قَالَ: الَّذِي يُعْطِي- مَا أُمِرَ بِهِ كَامِلًا مُوَفَّرًا طَيِّبٌ نَفْسُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ بِهِ أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ". سبق الحديث فيه في (الزكاة)، في (أجْر الخادِم). (المُتَصَدِّقَيْنِ) بالتَّثنية.

стр. 3377

٤١ - كِتَابُ الحَرْثِ

стр. 3378

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٤١ - كِتَابُ الحرْثِ ما جَاءَ في الحَرثِ والمُزارعَةِ ١ - بابُ فُضْلِ الزَّرْعِ والغَرسِ إذا أُكِلَ مِنْهُ وقوله الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾. (كتابُ الحَرْث) (باب فَضْل الزَّرع) ٢٣٢٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بن سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قتادَةَ، عَنْ أَنَسَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَا مِنْ مُسْلِم يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ". ٢٣٢٠ / -م - وَقَالَ لنا مُسْلِمٌ: حَدَّثَنَا أَبَانُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ .

стр. 3379

الحديث فيه حُجَّةٌ على الصَّحيح في أفْضل المكاسِب الثلاث: أنَّه الزِّراعة، وثانيها: التِّجارة، وثالثها: الصِّناعة. (مسلم) قال الطِّيْبي: نُكَّر بعد النَّفي ليَعمَّ، وزاده تأكيدًا (من) الاستِغراقية، فيشمل الحرَّ والعبدَ، ونكِّر أيضًا ما بعد ذلك ليعمَّ كلَّ منتفَعٍ به. قال البَغَوي: رُوي أنَّ رجلًا مرَّ بأبي الدَّرداء وهو يَغرِس جَوزةً، فقال: أتَغرس هذه وأنت شيخٌ كبيرٌ، وهي لا تُطعم إلا في كَذا عامًا، فقال: وما عليَّ أنْ يكون لي أجْرُها، ويأْكل منها غيري. وذكر أبو الوَفاء البَغدادي: أنه مَرَّ أَنُوشُروان على شيخٍ يغرِس شجَرَ الزَّيتون، فقال: ليس هذا أَوان غَرْسِك الزَّيتونَ، وهو بطِيء الإثْمار، فقال: غَرَسَ مَنْ قَبْلنا فأكلْنا، ونَغْرِسُ ليأكلَ مَن بعدَنا، فقال: زِهْ، أي: أحسَنْتَ، وكان إذا قال ذلك يُعطي مَن قِيْلت له أربعةَ آلاف درهمٍ، فقال: أيُّها الملِك كيف تتعجَّب من إبطاء ثمره؟، وما أَسْرعَ ما أثْمرت، فقال: زِهْ، فزيد أربعةَ ألافٍ، فقال: كلُّ شجَرةٍ تُثمر في العام مرَّةَ، وقد أثمرتْ شجَرتي في ساعةٍ مرتين، فقال: زِهْ، فزيد مثلَها، ومضى أنُوشُروان قائلًا: لو وقَفْنا عليك لم يكفِه ما في خزائننا. (وقال لنا مسلم) أخرجه مسلم. * * *

стр. 3380

٢ - بابُ مَا يُحْذَرُ مِنْ عَوَاقِبِ الاِشْتِغَالِ بآلَةِ الزَّرْعِ، أَوْ مُجَاوَزَةَ الْحَدِّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ (باب ما يُحذر من عَواقِب الاشتِغال بآلةِ الزَّرْع) إلى آخره، فيه إشعارٌ بأنه لا تكون الزِّراعة أفضلَ المَكاسِب إلا حيث لم يَشتغِل بها، ويَركن إليها، ويَترك الجِهاد. ٢٣٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن سَالِمٍ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن زِيَادٍ الألهَانِيُّ، عَنْ أَبي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ، قَالَ -وَرَأَى سِكَّةً وَشَيْئًا مِنْ آلَةِ الْحَرْثِ- فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَدْخُلُ هَذَا بَيْتَ قَوْمٍ إِلَّا أُدْخِلَهُ الذُّلُّ". (سِكة) بالكسر: هي الحَديدة التي تحرث بها الأرض. (الذل)؛ أي: من جِهَة الدُّنيا، وإنْ كان فيها عزٌّ وثَوابٌ من جِهَة الآخرة، وذلك لما يَلزمهم من جِهَة الحُقوق التي تُطالبهم بها السَّلاطين وأُمراؤهم، قال الشاعر: هِيَ العَيْشُ إلَّا أَنَّ فيها مَذلَة. . . فمَنْ ذَلَّ قاسَاها ومَنْ عَزَّ باعَها * * *

стр. 3381

٣ - بابُ اقْتِنَاءِ الْكَلْبِ لِلْحَرْثِ (باب اقْتِناء الكلب للحَرْث) الاقتناء: الاتِّخاذ، والإِمْساك. ٢٣٢٢ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بن فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى بن أَبي كَثِيرٍ، عَنْ أَبي سَلَمَةَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا فَإِنَّهُ يَنْقُصُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيراطٌ، إلَّا كَلْبَ حَرثٍ أو مَاشِيَةٍ". قال ابن سِيرِينَ وأبُو صَالِحٍ، عَن أبي هُرَيرَةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ : "إلا كَلْبَ غَنَمٍ، أوْ حَرْثٍ، أوْ صَيْدٍ". وقال أبُو حازِمٍ، عنْ أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ : "كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ". الحديث الأول: (قيراط) هو هنا مِقْدارٌ معلومٌ عند الله تعالى، أي: نقصَ جُزءٌ من أجزاء عمَله، وسبب النَّقْص؛ قيل: لامتِناع الملائكة من دُخول بيته، أو ما يَلحق المارِّين من الأذى، أو ذلك عقوبةٌ لهم لاتخاذهم ما نُهي عن اتخاذه، أو لكثْرة أكلها النَّجاسات، أو لكَراهة رائحتها، أو لأنَّ بعضها شيطانٌ، أو لوُلوغه في الأَواني عند غَفْلة صاحبها.

стр. 3382

(أو) هي للتَّنويع هنا لا للتَّرديد، واستثنى الكلب الذي فيه منفعةٌ تَرجيحًا للمَصلحة الرَّاجِحة على المَفْسَدة. (وأبو صالح) وصلَه أبو الشَّيْخ في كتاب "الترغيب". (قال أبو حازم) وصلَه أيضًا أبو الشَّيْخ في كتاب "الترغيب". * * * ٢٣٢٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ يَزِيدَ بن خُصَيْفَةَ: أَنَّ السَّائِبَ بن يَزِيدَ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ سُفْيَانَ بن أَبي زُهَيْرٍ -رَجُلًا مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ- وَكانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبيِّ ﷺ ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "مَنِ اقْتَنَى كلْبًا لَا يُغْنِي عَنْهُ زَرْعًا وَلَا ضَرْعًا، نَقَصَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطٌ". قُلْتُ: أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ الله ﷺ ؟ قَالَ: إِي وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجدِ. الحديث الثاني: (رجل) مرفوعٌ خبر مبتدأ محذوفٍ كان من أهل السَّراة، ويَنزل المدينةَ كثيرًا. (شَنُوْءة) بفتح المعجَمة، وضم النون، وسكون الواو، وبالهمز. (لا يغني)؛ أي: لا ينفع بسبَبه، أو لا يُقيم به. (ضرعًا) هو كلُّ ذات ظُلْفٍ وخُفٍّ، وهذا كنايةٌ عن الماشية. واعلم أنه قال هنا: (قِيْراط)، وجاء في بعض الروايات: (قِيْراطان)،

стр. 3383

فإما أنَّ ذلك باعتبار نوعَين: أحدهما أشدُّ إيذاءً من الآخَر، أو قالَه في زمانيَن؛ قال أولًا: قيراطًا، ثم زاد في التَّغليظ، فقال: قيراطين، أو أن القيراطَين في المدُن والقُرى، والقِيْراط في البَوادي. * * * ٤ - بابُ اسْتِعْمَالِ الْبَقَرِ لِلْحِرَاثَةِ (باب استِعمال البقَر للحِراثَة) ٢٣٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدٍ، سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "بَيْنَمَا رَجُلٌ رَاكبٌ عَلَى بَقَرَةٍ الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ. فَقَالَتْ: لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا، خُلِقْتُ لِلْحِرَاثَةِ"، قَالَ: "آمَنْتُ بِهِ أَناَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَأَخَذَ الذِّئْبُ شَاةً فتبعَهَا الرَّاعِي، فَقَالَ الذِّئْبُ: مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ، يَوْمَ لَا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي؟ " قَالَ: "آمَنْتُ بِهِ أَناَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ". قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: ومَا هُمَا يَوْمَئِذٍ فِي الْقَوْمِ. (لم أُخْلق لهذا)؛ أي: للرُّكوب. (به)؛ أي: بتكلُّم البقَرة، وكذا في تكلُّم الذِّئب. قال (ش): (هذا استنقذتها) جوَّز ابن مالك فيه ثلاثةَ أوجُهٍ: أنه مُنادى حُذف منه حرف النِّداء، أو في مَوضع نصبٍ على الظَّرفية مشارًا به لليوم،

стр. 3384

والأصل: هذا يوم الاستِنقاذ، أو في موضع نصبٍ على المصدريَّة. (يوم السَّبُع) بفتح السين، وضم الموحَّدة، ورُوي بإسكانها، أي: الحيَوان المعروف، وقيل: إنه بالسُّكون يوم القيامة، وإنَّ ذلك اسم للمَوضع الذي عنده المَحشَر، وأنكره آخرون؛ لأن يوم القيامة لا يكون الذِّئْب راعيَها، ولا له تعلُّقٌ بها، ويحتمل أنه أراد يَومَ أَكْلي لها، يقال: سَبَعَ الذِّئب الغنَم أكلَها، وقيل: يوم الإهمال، وقال الدَّاودي: معناه إذا طردَكَ عنها السَّبُع فبقيتُ أنا فيها أتحكَّم دونك؛ لفِرارك منه، وقيل: من سَبعْتُ الرَّجل: ذَعَرتَه، أي: مَن لها يوم الفَزَع، وقيل: من أُسبعت، أي: أُهملت، أي: من لها يوم الإهمال، وقيل: يوم السبُع عيدٌ في الجاهلية يجتمعون فيه للَهْوِهم، فيُهملُون مواشيَهم فيأكلها السبُع، وهذا لا يُلائم سِياق الحديث، وقيل: إنما هو بمثنَّاةٍ تحت، أي: يوم السِّياع، يقال: أسيَعت وأصيَعت بمعنًى، وقال (ن): مَن لها عند الفِتَن حين يتركها الناسُ هَمَلًا لا راعيَ لها نُهبةً للسِّباع، فيبقى السبُع لها راعيًا، أي: منفردًا بها. (وما هما)؛ أي: لم يكونا يومئذٍ حاضرَين، وإنما قال النبيُّ ﷺ ذلك لعِلْمه بصِدْق إيمانهما وقُوَّة يقينهما، وكمال مَعرفتهما بقُدرة الله تعالى. وفيه جَواز كرامات الأَولياء. * * *

стр. 3385

٥ - بابٌ إِذَا قَالَ: اكْفِنِي مَؤونَةَ النَّخْلِ أَوْ غَيْرِهِ وَتُشْرِكُنِي فِي الثَّمَرِ (بابٌ: إذا قال: اكفِنِيَ مَؤُونةَ النَّخْل) (وَتَشْرَكني) بفتح أوله وثالثه، أو بضمِّ أوله، وكسر ثالثه، وفيه الرفع والنَّصْب. ٢٣٢٥ - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بن نَافِعٍ، أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبَو الزِّناَدِ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَتِ الأَنْصَارُ لِلنَّبيِّ ﷺ : اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا النَّخِيلَ. قَالَ: "لَا". فَقَالُوا: تَكْفُوناَ الْمَؤُنَةَ وَنُشْرِكَكُمْ فِي الثَّمَرَةِ. قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. (إخواننا)؛ أي: المُهاجرين، وهذا عقد المُساقاة. * * * ٦ - بابُ قَطْعِ الشَّجَرِ وَالنَّخْلِ وَقَالَ أَنَسٌ: أَمَرَ النَّبيُّ ﷺ بِالنَّخْلِ فَقُطِعَ. (باب قَطْع الشَّجَر والنَّخْل) (وقال أنس) موصولٌ في (الهجْرة)، وغيرها.

стр. 3386

٢٣٢٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنْ عَبْدِ الله ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ : أَنَّهُ حَرَّقَ نَخْلَ بني النَّضيرِ وَقَطَعَ، وَهْيَ الْبُويْرَةُ، وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانُ: وهَانَ عَلَى سَرَاةِ بنيْ لُؤَيٍّ ... حَرِيقٌ بِالبُويْرَةِ مُسْتَطِيرُ (النَّضيْر) بفتْح النُّون، وكسر المعجَمة: قَومٌ من اليَهود. (البُوَيْرة) بضم الموحَّدة، وفتح الواو، وسُكون الياء، وبالرَّاء: نخلٌ بقُرب المدينة، وقال الجَوْهَري: البُؤْرة بالهمز: الحُفْرة. (سَراة) بفتح المهملة: ساداتٌ، جمع سَرِيٍّ على غير قياسٍ. (لُؤي) بضم اللام، وبالواو، والهمزة المفتوحة: تَصغير لأْيٍ: اسمُ رجلٍ، والمراد أكابر قُريش. (مستطير)؛ أي: مُنتشِر. قال (خ): هذا يَفعل إذا دعَت الحاجَةُ إليه، وقيل: النَّخْل كانت مُقابلة القوم، فقُطعت ليَبرز مكانها، فيكون مَجالًا للحرب. قال صاحب "المُعجم": إنما قال حسَّان ذلك لأنَّ قُريشًا هم الذين حمَلوا كعْب بن أسد القُرَظي صاحب عقد بني قُريظة على نقض العَهْد بينه وبين رسول الله ﷺ حين خرَج معهم إلى الخنْدق. * * *

стр. 3387

٧ - بابٌ (بابٌ) ٢٣٢٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَناَ عَبْدُ الله، أَخْبَرَناَ يَحْيَى بن سَعِيدٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ بن قَيْسٍ الأَنْصَارِيِّ، سَمعَ رَافِعَ بن خَدِيجٍ، قَالَ: كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مُزْدَرَعًا، كُنَّا نُكْرِي الأَرْضَ بِالنَّاحِيَةِ مِنْهَا مُسَمًّى لِسَيِّدِ الأَرْضِ، قَالَ: فَمِمَّا يُصَابُ ذَلِكَ، وَتَسْلَمُ الأَرْضُ، وَمِمَّا يُصَابُ الأَرْضُ، وَيَسْلَمُ ذَلِكَ، فَنُهِينَا، وَأَمَّا الذَّهَبُ وَالْوَرِقُ فَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ. (مزدرعًا) هو مكان الزَّرع، أو مصدرٌ، وأصله: مَزْرَعًا، أُبدلت التاء دالًا. (مسمى) القياس مُسمَّاه، ولكنه ذكَره باعتبار أنَّ ناحية الشيء بعضُه، أو باعتبار زرعها، وفي بعضها: (يُسمَّى) بلفظ الفعل المبنيِّ للمفعول. (سيد الأرض)؛ أي: مالكها تَنزيلًا لها منزلة عبْدٍ. (يصاب)؛ أي: يقَع له مصيبةٌ، ويتلَف ذلك، ويسلَم باقي الأرض تارةً، وبالعكس أُخرى. (فَنُهينا) عن ذلك؛ لأنه مُوجِبٌ لحِرْمان أحد الطَّرفَين، فيؤدِّي إلى أكْل المال بالباطِل، ويحتمل أنْ تكون (مما) بمعنى: ربما؛ لأنَّ حروف الجرِّ يُقام بعضها مُقام بعضٍ، ومن التَّبعيضيَّة تُناسب رُبَّ التَّقليلية، فلا

стр. 3388

يحتاج حينئذٍ أن يُقال: إنه مِن وضْع مُظهَرٍ مَوضعَ مُضمَرٍ. * * * ٨ - بابُ الْمُزَارَعَةِ بِالشَّطْرِ وَنَحْوِهِ وَقَالَ قَيْسُ بن مُسْلِمٍ، عَنْ أَبي جَعْفَرٍ، قَالَ: مَا بِالْمَدِينَةِ أَهْل بَيْتِ هِجْرَةٍ إِلَّا يَزْرَعُونَ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ. وَزَارَعَ عَلِيٌّ وَسَعْدُ بن مَالِكٍ وَعَبْدُ الله بن مَسْعُودٍ وَعُمَرُ بن عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْقَاسِمُ وَعُرْوَة وَآلُ أَبي بَكْرٍ وَآلُ عُمَرَ وَآلُ عَلِيٍّ وَابن سِيرِينَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن الأَسْوَدِ: كُنْتُ أُشَارِكُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بن يَزِيدَ فِي الزَّرْعِ. وَعَامَلَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَى إِنْ جَاءَ عُمَرُ بِالْبَذْرِ مِنْ عِنْدِهِ فَلَهُ الشَّطْرُ، وَإِنْ جَاءُوا بِالْبَذْرِ فَلَهُمْ كَذَا. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا بَأْسَ أَنْ تَكونَ الأَرْضُ لأَحَدِهِمَا، فَيُنْفِقَانِ جَمِيعًا، فَمَا خَرَجَ فَهْوَ بَيْنَهُمَا، وَرَأَى ذَلِكَ الزُّهْرِيُّ. وَقَالَ الْحَسَن: لَا بَأْسَ أَنْ يُجْتَنَى الْقُطْنُ عَلَى النِّصْفِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ وَابن سِيرِينَ وَعَطَاءٌ وَالْحَكَمُ وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطِيَ الثَّوْبَ بِالثُّلثِ أَوِ الرُّبُعِ وَنَحْوِهِ. وَقَالَ مَعْمَرٌ: لَا بَأْسَ أَنْ تَكُونَ الْمَاشِيَةُ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ إِلَى أَجَلٍ مسَمًّى. ٢٣٢٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بن الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بن عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله، عَنْ ناَفِعٍ: أَنَّ عَبْدَ الله بن عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ عنَّ النَّبيِّ ﷺ عَامَلَ

стр. 3389

خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ، فَكَانَ يُعْطِي أَزْوَاجَهُ مِائَةَ وَسْقٍ؛ ثَمَانُونَ وَسْقَ تَمْرٍ، وَعِشْرُونَ وَسْقَ شَعِيرٍ، فَقَسَمَ عُمَرُ خَيْبَرَ، فَخَيَّرَ أَزْوَاجَ النَّبيِّ ﷺ أَنْ يُقْطِعَ لَهُنَّ مِنَ الْمَاءِ وَالأَرْضِ، أَوْ يُمْضيَ لَهُنَّ، فَمِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَ الأَرْضَ، وَمِنْهُنَّ مَنِ اخْتارَ الوَسْقَ، وكانَتْ عائِشَةُ اخْتارَتِ الأَرْضَ. (باب المُزارَعة بالشَّطْر)؛ أي: النِّصف، وقد يُطلق على البعض مُطلقًا. (أهل بيت هجرة)؛ أي: مهاجرين. (والربع) الواو بمعنى: أو. (إن جاء) بكسر الهمزة، وفيه جواز المُخابرة، وهي أن يكون البذْر من العامل لا من المالِك. (الثوب بالثلث)؛ أي: يُعطي النَّسَّاج الغَزْل ينسُجُه، ويكون ثلُث المنسوج له، والباقي لمالك الغَزْل، فإطلاق الثَّوب عليه وهو غَزْلٌ مجازٌ. (الماشية على الثلث)؛ أي: ثلُث الكِراء الحاصِل منها. (عامل خيبر)؛ أي: أهلَها. (من زرع)؛ أي: بالمُزارعة. (وثمر) بالمثلَّثة، أي: بالمُساقاة. (وسق تمر) بالإضافة، وبنصب (تمرًا). (يمضي)؛ أي: يجري لهنَّ قسمتهنَّ على ما كان في حياة

стр. 3390

رسول الله ﷺ كما كان من التَّمر والشَّعير. * * * ٩ - بابٌ إِذَا لَمْ يَشْتَرِطِ السِّنِينَ فِي الْمُزَارَعَةِ (باب السِّنين في المُزارعة) ٢٣٢٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنِي ناَفِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: عَامَلَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ. قالوا: مُعاملَته ﷺ مع أهل خَيْبر كانت برِضَا الغانمين، فلمَّا أخذَها عُمر من اليهود حين أجلاهُم قسمَها بين المستحقِّين، وسلَّم إليهم. وفيه دليلٌ أنَّ البَياض كان بخيبر الذي هو موضع الزَّرع أقلُّ من الشَّجَر، واحتجَّ [به] الشَّافعي على جواز المزارعة تبَعًا للمُساقاة وإنْ لم تجُزْ عنده مُنفردةً، وصنَّف ابن خُزَيمة في هذا الباب كتابًا، فاستَغرق مسائلَه. * * * ١٠ - بابٌ (بابٌ) ٢٣٣٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بن عَبْدِ الله، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرٌو: قُلْتُ

стр. 3391

لِطَاوُسٍ: لَوْ تَرَكْتَ الْمُخَابَرَةَ؛ فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عَنْهُ. قَالَ: أَيْ عَمْرُو! إِنِّي أُعْطِيهِمْ وَأُغْنِيهِمْ، وَإِنَّ أَعْلَمَهُمْ أَخْبَرَنِي -يَعْنِي: ابن عَبَّاسٍ ﵄ -أَنَّ النَّبيَّ ﷺ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ، وَلَكِنْ قَالَ: "أَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ خَرْجًا مَعْلُومًا". (لو) جوابها محذوفٌ، أو هي للتَّمنِّي. (المخابرة) هي أنْ يكون البذْر مِن العامِل، وهي مشتقَّةٌ من الخَبير، وهو الأكَّار، أو من الخُبْرة بضمِّ الخاء، وهو النَّصيب، أو من خَيْبر؛ لأنَّ أوَّل هذه المعاملَة وقعتْ فيها. (عنه)؛ أي: عن الزَّرع على طريق المُخابَرة. (أي عمرو) نداءٌ، أي: يا عَمْرو. (أعينهم) من الإِعانَة، وفي بعضها: من الإعناء. (إنْ يُمْنَح) بكسر (إِن) وفتحها، والنون ساكنةٌ، ونونُ (يمنح) بالفتح، أو بكسرها مع ضمِّ أوله؛ لأنه يُقال: منَحه وأمنَحه، أي: أعطاه. (خرجًا)؛ أي: أُجرةً، والغرَض منها أنَّه يجعلُها لهم مَنِيْحةً، أي: عاريةً؛ لأنهم كانوا يَتنازعون في كِرَاء الأرض حتى أفضَى بهم إلى التَّقاتُل، أو لأنه ﷺ كَرِهَ لهم الافتِتان بالزِّراعة والحرص عليها؛ لئلا يقعدوا بها عن الجهاد. ووجه الجمع بين روايتَي: (نهى عنه)، و (لم يَنْهَ عنه): أنَّ الأُولى فيما فيه شَرْطٌ فاسدٌ ونحوه، والثانية ما ليس كذلك، أو المنفىُّ نهيُ

стр. 3392

التحريم، والمثبَت نهيُ التَّنزيه. * * * ١٢ - بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الشُّرُوطِ فِي الْمُزَارَعَةِ (باب ما يُكره من الشُّروط في المُزارَعة) ٢٣٣٢ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بن الْفَضْلِ، أَخْبَرَناَ ابن عُيَيْنَةَ، عَنْ يَحْيَى، سَمعَ حَنْظَلَةَ الزُّرَقيَّ، عَنْ رَافِعٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حَقْلًا، وَكَانَ أَحَدُناَ يُكْرِي أَرْضَهُ، فَيَقُولُ: هَذِهِ الْقِطْعَةُ لِي وَهَذِهِ لَكَ، فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ ذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ ذِهِ، فَنَهَاهُمُ النَّبيُّ ﷺ . (حَقْلًا) بفتح المهملَة، وسُكون القاف: الأرض التي تُزرع، وتُسمِّيها أهل العِراق: القراح. (ذه) إشارةٌ إلى القِطْعة، والأصل: ذي، فجيء بهاء السَّكْت للوقف، أو لبَيان اللَّفظ كما يقال: هذه، وهذي، والجَميع بمعنًى، وإنما دخلتْ هاءُ الإشارة على ذي في هذه. واعلم أنَّ هذا لا تعلُّق له بالمزارعة؛ لأن النَّهي قد يكون لتعيين قطعةٍ لهذا، وقطعةٍ لهذا، ولِمَا فيه من الغَرَر بضَياع حقِّ أحدهما. * * *

стр. 3393

١٣ - بابٌ إِذَا زَرَعَ بِمَالِ قَوْمٍ بغَيْرِ إِذْنِهِمْ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ صَلَاحٌ لَهُمْ (باب: إذا زَارَع بمالِ قَومٍ بغير إذْنهم) ٢٣٣٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بن الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بن عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَر ﵄، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَمْشُونَ أَخَذَهُمُ الْمَطَرُ، فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ، فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمٍ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ، فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً لِلَّهِ، فَادْعُوا الله بِهَا، لَعَلَّهُ يُفَرِّجُهَا عَنْكُمْ. قَالَ أَحَدُهُمُ: اللهمَّ! إنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبيرَانِ، وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ، كُنْتُ أَرْعَى عَلَيْهِمْ، فَإِذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ حَلَبْتُ، فَبَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ أَسْقِيهِمَا قَبْلَ بنيَّ، وَإِنِّي اسْتَأْخَرْتُ ذَاتَ يَوْمٍ، فَلَمْ آتِ حَتَّى أَمْسَيْتُ، فَوَجَدْتُهُمَا ناَمَا، فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، فَقُمْتُ عِنْدَ رُؤُوسِهِمَا، أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْقِيَ الصِّبْيَةَ، وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ، حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ لَنَا فَرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ. فَفَرَجَ الله فَرَأَوُا السَّمَاءَ. وَقَالَ الآخَرُ: اللهمَّ! إِنَّهَا كَانَتْ لِي بنتُ عَمٍّ أَحْبَبْتُهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ، فَطَلَبْتُ مِنْهَا، فَأَبَتْ، حَتَّى أَتَيْتُهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَبَغَيْتُ

стр. 3394

حَتَّى جَمَعْتُهَا، فَلَمَّا وَقَعْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتْ: يَا عَبْدَ الله! اتَّقِ الله، وَلَا تَفْتَحِ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ. فَقُمْتُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا فَرْجَةً. فَفَرَجَ. وَقَالَ الثَّالِثُ: اللهمَّ! إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزٍّ، فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي. فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ، فَرَغِبَ عَنْهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيهَا، فَجَاءَنِي فَقَالَ: اتَّقِ الله. فَقُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ الْبَقَرِ وَرُعَاتِهَا فَخُذْ. فَقَالَ: اتَّقِ الله، وَلَا تَسْتَهْزِئْ بِي. فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ فَخُذْ. فَأَخَذَهُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ مَا بَقِيَ، فَفَرَجَ الله". قَالَ أبُو عَبْدِ الله: وَقَالَ ابن عُقْبَةَ، عَنْ ناَفِعٍ: فَسَعَيْتُ. (يتضاغون) بمعجمتين، أي: يتصايحون. (إنها) الضمير للقِصَّة، وفي (إنه) -فيما سبَق- للشَّأْن. (بفَرْقٍ) بفتح الفاء: ما يسَع ستة عشَرَ رِطْلًا. (أَرُز) فيه ستُّ لُغاتٍ: فتح الهمزة، وضمها، وضم الراء مع تشديد الزَّاي، وبسُكون الراء مع تخفيف الزَّاي، وبضمِّها، كعُنُق، ورُزٌّ، بلا همزٍ مع تشديد الزاي. واعلم أنه سبق في (باب: من اشترى شيئًا لغيره): أنه من ذُرةٍ، فإما أنَّ ذلك لتقارُبهما، فأطلق اسم كلٍّ منهما على الآخَر، أو كان بعضُه من هذا، وبعضُه من هذا، أو كانا أجيرَينِ. قيل: ووجه دلالته على الجَواز في التَّرجمة: أن المستأجِر عيَّنَ

стр. 3395

للأجير أُجرةً، فبعد إعراضه عن ذلك تصرَّف فيه، فلو لم يكن التصرُّف جائزًا لكان معصيةً، فلا يُتوسَّل بها إلى الله تعالى، وقد يُجاب بأنَّ محلَّ التوسُّل ردُّ الحقِّ إلى مُستحِقِّه بزوائده ونمائه لا بتصرُّفه، كما أنَّ الجُلوس مع المرأة كان معصيةً، والتوسُّل إنما كان بترْك الزِّنا، والمسامَحة بالجُعْل ونحوه، كما سبَق بيانه في (الإجارة)، في (باب: مَن استأجَر أجيرًا). (وقال إسماعيل بن عقبة عن نافع) قال الغَسَّاني: في نُسخة أبي ذَرٍّ: عن ابن عُقْبة، وهو وهمٌ؛ فإن إسماعيل هو ابن إبراهيم بن عُقبة، وهو ابن أخي موسَى بن عُقبة، يَروي عن نافعٍ هذا الحديث. (فسعيت) أي: رواه بدَل: (فبغَيْتُ) الذي هو بمعنى: طلَبْتُ. * * * ١٤ - بابُ أَوْقَافِ أَصْحَابِ النَّبيِّ ﷺ وَأَرْضِ الْخَرَاجِ وَمُزَارَعَتِهِمْ وَمُعَامَلَتِهِمْ وَقَالَ النَّبيُّ ﷺ لِعُمَرَ: "تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ لَا يُبَاعُ، وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ"، فتَصَدَّقَ بِهِ. (باب أَوَقافِ أصحابِ النبيِّ ﷺ ) (وقال النبي ﷺ لعُمر) هو روايةٌ بالمعنى لمَا وصلَه من طرُقٍ. وَقَالَ النَّبيُّ ﷺ لِعُمَرَ: "تَصَدَّقْ بِأصْلِهِ لَا يُبَاعُ، وَلَكِنْ يُنْفَقُ

стр. 3396

ثَمَرُهُ"، فتصَدَّقَ بِهِ. ٢٣٣٤ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَناَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بن أَسْلَمَ، عَنْ أَبيهِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ ﵁: لَوْلَا آخِرُ الْمُسْلِمِينَ مَا فتحْتُ قَرْيَةً إِلَّا قَسَمْتُهَا بَيْنَ أَهْلِهَا، كَمَا قَسَمَ النَّبيُّ ﷺ خَيْبَرَ. (فُتِحَت) بضمِّ أوله وفتْحه. (قرية) بالرَّفْع والنَّصب. (بين أهلها)؛ أي: الغانمين، وذلك أن عُمر كان يَعلَم أنَّ المالَ يَعِزُّ، وأن الشُحَّ يَغْلِبُ، وأنْ لا ملِكَ بعد كِسْرى يُغْنمُ مالُه، وَتُحْرَزُ خزائنُه، فيغنى بها فقراء المسلمين، فأشفَق أن يبقى آخرُ النَّاس لا شيءَ لهم، وتأوَّل قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية [الحشر:١٠]، ورأى أن للآخِرين منهم أسوةَ الأولين، فيَحبس الأرض، ولا يقسِمُها كما فعل بأرض السَّواد نظرًا للمسلمين وشفَقةً على آخرهم بدَوام نفعها لهم، ورَدِّ خيرها عليهم. * * * ١٥ - بابُ مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا وَرَأَى ذَلِكَ عَلِيٌّ فِي أَرْضِ الْخَرَابِ بِالْكُوفَةِ مَوَاتٌ. وَقَالَ عُمَرُ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهْيَ لَهُ. وَيُرْوَى عَنْ عَمْرِ وابن عَوْفٍ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ -

стр. 3397

وَقَالَ: "فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِم، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ فِيهِ حَقٌّ". وَيُرْوَى فِيهِ عَنْ جَابرٍ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ . (باب مَن أَحيا أرضًا مواتًا) أي: غير مَعمور، فهو يُشبه الميِّت، وعِمارته تُشبه الإحياء. (في أرض الخراب) في بعضها: (المَوات). (ويروى عن عمرو بن عوف) وصلَه ابن أبي شَيبة. (وقال في غير)؛ أي: زاد في روايته ذلك، وقيل: إنما هو: ويُروى عن عُمر، بضم العين، أي: ابن الخطَّاب، وابن عَوْف، أي: عبد الرحمن، غايته أنَّ الألِف في (ابن) سقطَتْ في الخطِّ، ولا يُقال: يكون فيه تكرارٌ حينئذٍ؛ لأن له فيه فوائد: أحدها: أن الأوَّل بصيغة تمريضٍ، والثاني بالجَزْم. وثانيها: أنَّ فيه زيادة: (في غير حقِّ مسلمٍ). وثالثها: أن في الثاني رفْعًا إلى النبيِّ ﷺ ، لكنَّ الصَّحيح الأول، ففي التِّرمذي: أنه يَرويه عن عَمْرو بن عَوف. قال الغَسَّاني: والحديث محفوظٌ لعمرو بن عَوف، فرويناه عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جدِّه، عن رسول الله ﷺ : (مَنْ أَحيَا مَوَاتًا من الأَرَضين في غيرِ حقِّ). (لِعِرْقٍ ظالم) بالإضافة، لأنَّ الغارِس في أرض غيره بلا حقٍّ ظالمٌ، وبالتنوين، ونسبة الظُّلم للعِرْق مجازٌ؛ لأنه سبَب الظُّلم، أو به

стр. 3398

وقَع الظُّلم، أو نحو ذلك، قال في "التَّهذيب": وهذا اختِيار مالك، والشَّافعي، وقيل التقدير: لِعِرْقٍ ذي ظُلْمٍ. (ويروى فيه عن جابر) وصلَه أحمد. * * * ٢٣٣٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بن بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُبَيْدِ الله بن أَبي جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لأَحَدٍ فَهْوَ أَحَقُّ". قَالَ عُرْوَةُ: قَضَى بِهِ عُمَرُ ﵁ فِي خِلَافَتِهِ. (أعْمَرَ) قيل: بضم الهمزة أجود؛ لأنَّ المفتوح -كما قال (ع) - وقَع هنا رُباعيًّا، والصَّواب عَمَر، ثلاثيًّا، أي: وهو ما يقَع في بعض النُّسخ، قال تعالى: ﴿وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ [الروم:٩]، إلا أنْ يكون مِن أعمَرتُها: جعلتُ فيها عَمارًا، أو أعمرتُها: وجَدتُها عامرةً، ولكن هذا لا معنى له، ولا يُطابق التَّرجمة، ويُمكن أن يكون مِن اعتمَر سقَطت التاءُ من الأَصْل. وفي الحديث أنَّ المُحيي يملِكُ بمجرَّد الإحياء، ولا يُشترط إذْنُ السُّلطان، وكيفيَّة الإحياء مدارُها على العُرف، وهو مختلِفٌ كما فصَّلَه الفُقهاء.

стр. 3399

(أحق) حذَف صِلَةَ أفْعَل التَّفضيل للعِلْم به. * * * ١٦ - بابٌ (بابٌ) ٢٣٣٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بن جَعْفَرٍ، عَنْ مُوسَى بن عُقْبَةَ، عَنْ سَالِم بن عَبْدِ الله بن عُمَرَ، عَنْ أَبيهِ ﵁: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ أُرِيَ وَهْوَ فِي مُعَرَّسِهِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ فِي بَطْنِ الْوَادِي، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ ببَطْحَاءَ مُبَاركَةٍ. فَقَالَ مُوسَى: وَقَدْ أَنَاخَ بنا سَالِمٌ بِالْمُنَاخ الَّذِي كَانَ عَبْدُ الله. يُنِيخُ بِهِ، يَتَحَرَّى مُعَرَّسَ رَسُولِ الله ﷺ ، وَهْوَ أَسْفَلُ مِنَ الْمَسْجدِ الَّذِي ببَطْنِ الْوَادِي، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ، وَسَطٌ مِنْ ذَلِكَ. ٢٣٣٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بن إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَناَ شُعَيْبُ بن إِسْحَاقَ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "اللَّيْلَةَ أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبي -وَهْوَ بِالْعَقِيقِ- أَنْ صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ". الحديث الأول، والثاني: (أُرِيَ) مبنيٌّ للمفعول. (مُعَرَّسِهِ) بمهمَلاتٍ، من التَّعريس وهو نُزول المسافِر آخرَ اللَّيل

стр. 3400

للاستراحة، فإنَّه ﷺ كان عرَّس بذي الحُليفة، وصلَّى فيها الصُّبح، ثم رحل. (مُناخ) بضم الميم، وبنونٍ، وبمعجمةٍ. (أسفل) بالرفع والنَّصب. (في حجة)؛ أي: مع حَجَّةٍ، وسبق الحديثان أول (الحجِّ). قيل: مقصود البخاري أنَّ المَوات يجوز الانتِفاع بها بالنُزول، وأنه غير مملوكٍ لأحدٍ قبل الإحياء، أو أنَّ ذا الحُلَيفة لا يُملَك بالإحياء؛ لمَا فيه مِن منْع الناس من النُّزول فيه. * * * ١٧ - بابٌ إِذَا قَالَ رِبُّ الأَرْضِ: أُقِرُّكَ مَا أَقَرَّكَ الله، وَلَمْ يَذْكُرْ أجَلًا مَعْلُومًا، فَهُمَا عَلَى تَرَاضيهِمَا (بابٌ: إذا قال رَبُّ الأرض: أُقِرُّكَ ما أقرَّكَ الله) (فهما)؛ أي: المُقِرُّ، وهو صاحب الأرض، والمُقَرُّ، وهو ساكنها. (تراضيهما)؛ أي: بالإسكان، والسُّكون. ٢٣٣٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بن الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بن سُلَيْمَانَ، حَدَّثنا مُوسَى، أَخْبَرَناَ نَافِعٌ، عَنِ ابن عُمَرَ ﵄، قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ .
следующие страницы →