← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18103

اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح

شمس الدين البرماوي

Полный текст (8 898 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

ثَمَرُهُ"، فتصَدَّقَ بِهِ. ٢٣٣٤ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَناَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بن أَسْلَمَ، عَنْ أَبيهِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ ﵁: لَوْلَا آخِرُ الْمُسْلِمِينَ مَا فتحْتُ قَرْيَةً إِلَّا قَسَمْتُهَا بَيْنَ أَهْلِهَا، كَمَا قَسَمَ النَّبيُّ ﷺ خَيْبَرَ. (فُتِحَت) بضمِّ أوله وفتْحه. (قرية) بالرَّفْع والنَّصب. (بين أهلها)؛ أي: الغانمين، وذلك أن عُمر كان يَعلَم أنَّ المالَ يَعِزُّ، وأن الشُحَّ يَغْلِبُ، وأنْ لا ملِكَ بعد كِسْرى يُغْنمُ مالُه، وَتُحْرَزُ خزائنُه، فيغنى بها فقراء المسلمين، فأشفَق أن يبقى آخرُ النَّاس لا شيءَ لهم، وتأوَّل قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية [الحشر:١٠]، ورأى أن للآخِرين منهم أسوةَ الأولين، فيَحبس الأرض، ولا يقسِمُها كما فعل بأرض السَّواد نظرًا للمسلمين وشفَقةً على آخرهم بدَوام نفعها لهم، ورَدِّ خيرها عليهم. * * * ١٥ - بابُ مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا وَرَأَى ذَلِكَ عَلِيٌّ فِي أَرْضِ الْخَرَابِ بِالْكُوفَةِ مَوَاتٌ. وَقَالَ عُمَرُ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهْيَ لَهُ. وَيُرْوَى عَنْ عَمْرِ وابن عَوْفٍ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ -

стр. 3397

وَقَالَ: "فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِم، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ فِيهِ حَقٌّ". وَيُرْوَى فِيهِ عَنْ جَابرٍ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ . (باب مَن أَحيا أرضًا مواتًا) أي: غير مَعمور، فهو يُشبه الميِّت، وعِمارته تُشبه الإحياء. (في أرض الخراب) في بعضها: (المَوات). (ويروى عن عمرو بن عوف) وصلَه ابن أبي شَيبة. (وقال في غير)؛ أي: زاد في روايته ذلك، وقيل: إنما هو: ويُروى عن عُمر، بضم العين، أي: ابن الخطَّاب، وابن عَوْف، أي: عبد الرحمن، غايته أنَّ الألِف في (ابن) سقطَتْ في الخطِّ، ولا يُقال: يكون فيه تكرارٌ حينئذٍ؛ لأن له فيه فوائد: أحدها: أن الأوَّل بصيغة تمريضٍ، والثاني بالجَزْم. وثانيها: أنَّ فيه زيادة: (في غير حقِّ مسلمٍ). وثالثها: أن في الثاني رفْعًا إلى النبيِّ ﷺ ، لكنَّ الصَّحيح الأول، ففي التِّرمذي: أنه يَرويه عن عَمْرو بن عَوف. قال الغَسَّاني: والحديث محفوظٌ لعمرو بن عَوف، فرويناه عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جدِّه، عن رسول الله ﷺ : (مَنْ أَحيَا مَوَاتًا من الأَرَضين في غيرِ حقِّ). (لِعِرْقٍ ظالم) بالإضافة، لأنَّ الغارِس في أرض غيره بلا حقٍّ ظالمٌ، وبالتنوين، ونسبة الظُّلم للعِرْق مجازٌ؛ لأنه سبَب الظُّلم، أو به

стр. 3398

وقَع الظُّلم، أو نحو ذلك، قال في "التَّهذيب": وهذا اختِيار مالك، والشَّافعي، وقيل التقدير: لِعِرْقٍ ذي ظُلْمٍ. (ويروى فيه عن جابر) وصلَه أحمد. * * * ٢٣٣٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بن بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُبَيْدِ الله بن أَبي جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لأَحَدٍ فَهْوَ أَحَقُّ". قَالَ عُرْوَةُ: قَضَى بِهِ عُمَرُ ﵁ فِي خِلَافَتِهِ. (أعْمَرَ) قيل: بضم الهمزة أجود؛ لأنَّ المفتوح -كما قال (ع) - وقَع هنا رُباعيًّا، والصَّواب عَمَر، ثلاثيًّا، أي: وهو ما يقَع في بعض النُّسخ، قال تعالى: ﴿وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ [الروم:٩]، إلا أنْ يكون مِن أعمَرتُها: جعلتُ فيها عَمارًا، أو أعمرتُها: وجَدتُها عامرةً، ولكن هذا لا معنى له، ولا يُطابق التَّرجمة، ويُمكن أن يكون مِن اعتمَر سقَطت التاءُ من الأَصْل. وفي الحديث أنَّ المُحيي يملِكُ بمجرَّد الإحياء، ولا يُشترط إذْنُ السُّلطان، وكيفيَّة الإحياء مدارُها على العُرف، وهو مختلِفٌ كما فصَّلَه الفُقهاء.

стр. 3399

(أحق) حذَف صِلَةَ أفْعَل التَّفضيل للعِلْم به. * * * ١٦ - بابٌ (بابٌ) ٢٣٣٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بن جَعْفَرٍ، عَنْ مُوسَى بن عُقْبَةَ، عَنْ سَالِم بن عَبْدِ الله بن عُمَرَ، عَنْ أَبيهِ ﵁: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ أُرِيَ وَهْوَ فِي مُعَرَّسِهِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ فِي بَطْنِ الْوَادِي، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ ببَطْحَاءَ مُبَاركَةٍ. فَقَالَ مُوسَى: وَقَدْ أَنَاخَ بنا سَالِمٌ بِالْمُنَاخ الَّذِي كَانَ عَبْدُ الله. يُنِيخُ بِهِ، يَتَحَرَّى مُعَرَّسَ رَسُولِ الله ﷺ ، وَهْوَ أَسْفَلُ مِنَ الْمَسْجدِ الَّذِي ببَطْنِ الْوَادِي، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ، وَسَطٌ مِنْ ذَلِكَ. ٢٣٣٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بن إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَناَ شُعَيْبُ بن إِسْحَاقَ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "اللَّيْلَةَ أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبي -وَهْوَ بِالْعَقِيقِ- أَنْ صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ". الحديث الأول، والثاني: (أُرِيَ) مبنيٌّ للمفعول. (مُعَرَّسِهِ) بمهمَلاتٍ، من التَّعريس وهو نُزول المسافِر آخرَ اللَّيل

стр. 3400

للاستراحة، فإنَّه ﷺ كان عرَّس بذي الحُليفة، وصلَّى فيها الصُّبح، ثم رحل. (مُناخ) بضم الميم، وبنونٍ، وبمعجمةٍ. (أسفل) بالرفع والنَّصب. (في حجة)؛ أي: مع حَجَّةٍ، وسبق الحديثان أول (الحجِّ). قيل: مقصود البخاري أنَّ المَوات يجوز الانتِفاع بها بالنُزول، وأنه غير مملوكٍ لأحدٍ قبل الإحياء، أو أنَّ ذا الحُلَيفة لا يُملَك بالإحياء؛ لمَا فيه مِن منْع الناس من النُّزول فيه. * * * ١٧ - بابٌ إِذَا قَالَ رِبُّ الأَرْضِ: أُقِرُّكَ مَا أَقَرَّكَ الله، وَلَمْ يَذْكُرْ أجَلًا مَعْلُومًا، فَهُمَا عَلَى تَرَاضيهِمَا (بابٌ: إذا قال رَبُّ الأرض: أُقِرُّكَ ما أقرَّكَ الله) (فهما)؛ أي: المُقِرُّ، وهو صاحب الأرض، والمُقَرُّ، وهو ساكنها. (تراضيهما)؛ أي: بالإسكان، والسُّكون. ٢٣٣٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بن الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بن سُلَيْمَانَ، حَدَّثنا مُوسَى، أَخْبَرَناَ نَافِعٌ، عَنِ ابن عُمَرَ ﵄، قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ .

стр. 3401

وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَناَ ابن جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بن عُقْبَةَ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ بن الْخَطَابِ ﵄ أَجْلَى الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ، وَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ لَمَّا ظَهَرَ عَلَى خَيْبَرَ أَرَادَ إِخْرَاجَ الْيَهُودِ مِنْهَا، وَكَانَتِ الأَرْضُ حِينَ ظَهَرَ عَلَيْهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ وَلِلْمُسْلِمِينَ، وَأَرَادَ إِخْرَاجَ الْيَهُودِ مِنْهَا، فَسَأَلَتِ الْيَهُودُ رَسُولَ الله ﷺ لِيُقِرَّهُمْ بِهَا أَنْ يَكْفُوا عَمَلَهَا وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ الله ﷺ : "نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا". فَقَرُّوا بِهَا حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ إِلَى تَيْمَاءَ وَأَرِيحَاءَ. (أجلى)؛ أي: أخرج. (الحجاز) هو بين مكَّة، والمدينة، ومخاليفهما. (فظهر)؛ أي: غلَبَ. (وليقرهم)؛ أي: يُسكنهم فيها لكِفاية عمَل نخيلها ومَزارعها، والقِيام بتعهُّدها وعِمارتها. (تَيْمَاء) بفتح المثنَّاة، وسُكون الياء، وبالمدِّ. (وَأَرِيْحا) بفتح الهمزة، وكسر الراء، وسكون الياء، ومهملةٍ، والمدِّ: قَريتان معروفتان من جِهَة الشَّام. واحتجَّ به الظَّاهرية على جَواز المُساقاة مُدَّةً مجهولةً، وأجاب الجمهور عنه بأنَّ المراد أنها ليستْ عَقْدًا دائمًا كالبَيع، بل بعد انقِضاء مدَّتها إنْ شئنا عقدْنا عقدًا آخَر، وإنْ شئنا أخرجناكم، أو بأَنَّ (ما

стр. 3402

شئْنا)؛ أي: المُدَّة التي عُقدت بها المُساقاة، أو مدَّة العَقْد. * * * ١٨ - بابُ مَا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبيِّ ﷺ يُوَاسِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الزِّرَاعَةِ وَالثَّمَرَةِ (باب ما كان النبيُّ ﷺ يُواسي بعضُهم بعضًا) ٢٣٣٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله، أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ أَبي النَّجَاشِيِّ مَوْلَى رَافِعِ بن خَدِيجٍ، سَمِعْتُ رَافِعَ بن خَدِيج بن رَافِعٍ، عَنْ عَمِّهِ ظُهَيْرِ بن رَافِعٍ، قَالَ ظُهَيْرٌ: لَقَدْ نهاناَ رَسُولُ الله ﷺ عَنْ أَمْرٍ كَانَ بنا رَافِقًا. قُلْتُ: مَا قَالَ رَسُولُ الله ﷺ فَهْوَ حَقٌّ. قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ الله ﷺ قَالَ: "مَا تَصْنَعُونَ بِمَحَاقِلِكُمْ". قُلْتُ: نؤاجِرُهَا عَلَى الرُّبُعِ، وَعَلَى الأَوْسُقِ مِنَ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ. قَالَ: "لا تَفْعَلُوا، ازْرَعُوهَا، أَوْ أَزْرِعُوهَا، أَوْ أَمْسِكُوهَا". قَالَ رَافِعٌ: قُلْتُ: سَمْعًا وَطَاعَةً. الحديث الأول: (رفقاء)؛ أي: ذا رِفْقٍ، أو هو إسنادٌ مجازيٌّ. (محاقلكم)؛ أي: مزارعكم، والحَقْل بالمهملة، والقاف: الزَّرع. (الربيع)؛ أي: النَّهر الصَّغير، أي: الزَّرع الذي هو عليه. (وعلى الأوسق) الواو بمعنى: أو.

стр. 3403

قال التَّيْمِي: ويحتمل أنْ يكون النَّهي عن مُؤاجَرة الأرض بالثُّلُث أو الرُّبُع مع اشتراط صاحب الأرض أَوْسُقًا من الشَّعير ونحوها أيضًا. (ازْرَعُوهَا) بهمزة وصلٍ، وفتح الراء. (أو أَزْرِعُوهَا) بهمزة قطعٍ، وكسر الراء، وهو تخييرٌ من النبيِّ ﷺ لهم بين الأُمور الثلاثة: أنْ يَزرَعُوا بأنفسهم، أو يجعلوها مزرعةً للغير مَجانًا، أو يُمسكوها معطَّلةً. (سمعًا): بالنصب والرفع. * * * ٢٣٤٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بن مُوسَى، أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابر ﵁ قَالَ: كَانُوا يَزْرَعُونَهَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَالنِّصْفِ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ". ٢٣٤١ - وَقَالَ الرَّبيعُ بن ناَفِع أَبُو تَوْبَةَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبي سَلَمَةَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ". الحديث الثاني: (أو ليمنحها): بفتح النون وكسرها، أي: يجعلها له مَنِيْحةً، أي: عاريةً.

стр. 3404

(وقال الربيع:): وصلَه مسلم. * * * ٢٣٤٢ - حَدَّثَنَا قَبيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، قَالَ: ذَكَرْتُهُ لِطَاوُسٍ فَقَالَ: يُزْرعُ، قَالَ ابن عَبَّاسٍ ﵄، إِنَّ النَّبيَّ ﷺ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ، وَلَكِنْ قَالَ: "أَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مَعْلُومًا". (ذكرته)؛ أي: الحديث المذكور آنِفًا، فقال طاوُس: يجوز أن يُزرِعَ غيرَهُ بالكِرَاء؛ لأن ابن عبَّاس قال: إنه ﷺ لم يَنْهَ نهيَ تحريمٍ، وسبق شرحه قريبًا. * * * ٢٣٤٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بن حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ ناَفِع: أَنَّ ابنْ عُمَرَ ﵄ كَانَ يُكْرِي مَزَارِعَهُ عَلَى عَهْدِ النَّبيِّ ﷺ وَأَبي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَصَدْرًا مِنْ إِمَارَةِ مُعَاوِيَةَ. ٢٣٤٤ - ثُمَّ حُدِّثَ عَنْ رَافِعِ بن خَدِيجٍ: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عَنْ كِرَاءِ الْمَزَارعِ، فَذَهَبَ ابن عُمَرَ إِلَى رَافِعٍ، فَذَهَبْتُ مَعَهُ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: نَهَى النَّبيُّ ﷺ عَنْ كِرَاءِ المَزارِعِ. فقال ابن عُمَرَ: قَدْ عَمِلْتَ أنَّا كُنَّا نُكْرِي مَزارِعنَا عَلَى عَهْدِ رُسُولِ الله ﷺ بِمَا علَىَ الأَرْبعاءِ وبشَيءٍ منَ التِّبن.

стр. 3405

الحديث الثالث: (صدرًا)؛ أي: أوائل زَمان إمارتِه، ولم يذكُر عليًّا؛ لكونه فيما يظهَر أنه ما أكَراها في زمانه شيئًا. (حُدِثَ) مبنيٌّ للمفعول. (أنا كُنا) بفتح الهمزة. (نُكْرِي) بضم أوله. (الأرْبعَاء) جمع رَبيعٍ. * * * ٢٣٤٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بن بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْل، عَنِ ابن شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَالِمٌ: أَنَّ عَبْدَ الله بن عُمَرَ ﵄ قَالَ: كُنْتُ أَعْلَمُ فِي عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ أَنَّ الأَرْضَ تُكْرَى، ثُمَّ خَشِيَ عَبْدُ الله أَنْ يَكُونَ النَّبيُّ ﷺ قَدْ أَحْدَثَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ، فترَكَ كِرَاءَ الأَرْضِ. الرابع: (أحدث)؛ أي: حكمٌ بما هو ناسِخٌ لمَا كان يعلَمه من جَواز الكِراء. * * * ١٩ - بابُ كِرَاءِ الأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: إِنَّ أَمْثَلَ مَا أَنْتُمْ صَانِعُونَ أَنْ تَسْتَأْجِرُوا الأَرْضَ

стр. 3406

الْبَيْضَاءَ مِنَ السَّنَةِ إِلَى السَّنَةِ. (باب كِراء الأَرض بالذَّهب والفِضَّة) (وقال ابن عبَّاس) وصلَه الترمذي في "جامعه". * * * ٢٣٤٦ - و ٢٣٤٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بن خَالِدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ رَبيعَةَ ابن أَبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَنْظَلَةَ بن قَيْسٍ، عَنْ رَافِعِ بن خَدِيجٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمَّايَ: أَنَّهُمْ كَانُوا يُكْرُونَ الأَرْضَ عَلَى عَهْدِ النَّبيِّ ﷺ بِمَا يَنْبُتُ عَلَى الأَرْبعَاءِ أَوْ شَيءٍ يَسْتَثْنِيهِ صَاحِبُ الأَرْضِ، فَنَهَى النَّبيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ. فَقُلْتُ لِرَافِعٍ: فَكَيْفَ هِيَ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ؟ فَقَالَ رَافِعٌ: لَيْسَ بِهَا بَأْسٌ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَم. وَقَالَ اللَّيْثُ: وَكَانَ الَّذِي نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ مَا لَوْ نَظَرَ فِيهِ ذَوُو الْفَهْمِ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ لَمْ يُجيزُوهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُخَاطَرَةِ. (عماي) أحدهما: ظَهير، وقد أخرجه البخاري عنه، وأما الآخَر فقال الكَلابَاذي: لم أقفْ على اسمه، انتهى. ومنهم من سماه: مظهرًا، لكن ابن السَّكَن روى أنه: فهير. (يستثنيه)؛ أي: كاستثناء الثُّلُث، أو الرُّبُع من المزروع لأجل صاحب الأرض. (وكان الذي)؛ أي: قال اللَّيْث: (أظنُّه)، يعني: لم يجزم برواية شيخه له.

стр. 3407

(ذَوُو الفَهْم) في بعضها: (ذو الفَهْم) بالإفراد باعتبار الجِنْس. (المخاطرة) هي الإشْراف على الهلاك كما سبَق، فربما أصابَ ذلك، وتسلَّم الأرض، وبالعكس، وقال التُّوْرِبِشْتي: لم يتبيَّن لي أنَّ هذه الزيادة مِن قول بعض الرُّواة أم مِن قَول البخاري، وقال البَيْضاوي: الظَّاهر من السِّياق أنه من كلام رافِع. قال (خ): أبطَلَ رسول الله ﷺ من المُزارعة والمُخابَرة ما كان مَجهولًا. قال الطِّيْبي: أو كان لكلِّ واحدٍ قطعةٌ من الأرض معينةٌ. * * * ٢٠ - بابٌ (باب) ٢٣٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنَا هِلَالٌ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ هِلَالِ ابن عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاء بن يَسَارٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ يَوْمًا يُحَدِّثُ، وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ: "أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ، فَقَالَ لَهُ: أَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَزْرعَ. قَالَ: فَبَذَرَ، فَبَادَرَ الطَّرْفَ نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ، فَكَانَ أَمْثَالَ الْجبَالِ، فَيَقُولُ الله: دُونَكَ يَا ابن آدَمَ، فَإِنَّهُ

стр. 3408

لَا يُشْبعُكَ شَيْءٌ". فَقَالَ الأَعْرَابيُّ: وَالله لَا تَجِدُهُ إِلَّا قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا، فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ، وَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زَرْعٍ. فَضَحِكَ النَّبيُّ ﷺ . (فبذر)؛ أي: ألقَى البذْر في الأرض. (فبادر الطرف)؛ أي: نبتَ في الحالِ واستَوى، وأدركَ حصاده، فكان كلُّ حَبَّةٍ مثل الجبَل. (دونك)؛ أي: خُذْه. (الأعرابي) هو ذلك الرجل الذي كان عنده من أهل البادية. * * * ٢١ - بابُ مَا جَاءَ فِي الْغَرْسِ (باب ما جاءَ في الغَرْس) ٢٣٤٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بن سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، عَنْ أَبي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بن سَعْدٍ ﵁: أنَّهُ قَالَ: إنَّا كُنَّا نَفْرَحُ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ تَأْخُذُ مِنْ أُصُولِ سِلْقٍ لَنَا كُنَّا نَغْرِسُهُ فِي أَرْبعَائِنَا، فتَجْعَلُهُ فِي قِدْرٍ لَهَا، فتَجْعَلُ فِيهِ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ، لَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ فِيهِ شَحْمٌ وَلَا وَدَكٌ، فَإِذَا صَلَّيْنَا الْجُمُعَةَ زُرْناَهَا، فَقَرَّبَتْهُ إِلَيْنَا، فَكُنَّا نَفْرَحُ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ، وَمَا كُنَّا نتَغَدَّى وَلَا نَقِيلُ إِلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ.

стр. 3409

الحديث الأول: (سِلْق) بكسر السين. (وَدَك) دسم اللَّحم، والظاهر أنه من كلام أبي حازِم، ومرَّ الحديث في آخِر (الجمُعة). * * * ٢٣٥٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بن سَعْدٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَجٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: يَقُولُونَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الْحَدِيثَ. وَالله الْمَوْعِدُ، وَيَقُولُونَ: مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ لَا يُحَدِّثُونَ مِثْلَ أَحَادِيثهِ؟! وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ، وَكنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا أَلْزَمُ رَسُولَ الله ﷺ عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، فَأَحْضُرُ حِينَ يَغِيبُونَ، وَأَعِي حِينَ يَنْسَونَ، وَقَالَ النَّبيُّ ﷺ يَوْمًا: "لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ مِنْكُمْ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضيَ مَقَالَتِي هَذِهِ، ثُمَّ يَجْمَعَهُ إِلَى صَدْرِهِ، فَيَنْسَى مِنْ مَقَالَتِي شَيْئًا أَبَدًا". فَبَسَطْتُ نَمِرَةً لَيْسَ عَلَيَّ ثَوْبٌ غَيْرُهَا، حَتَّى قَضَى النَّبيُّ ﷺ مَقَالَتَهُ، ثُمَّ جَمَعْتُهَا إلَى صَدْرِي، فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا نسِيتُ مِنْ مَقَالَتِهِ تِلْكَ إِلَى يَوْمِي هَذَا، وَالله لَوْلَا آيَتَانِ فِي كتَابِ الله مَا حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا أَبَدًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ إِلَى قَوْلهِ: ﴿الرَّحِيمُ﴾.

стр. 3410

الحديث الثاني: (يكثر)؛ أي: رواية الحديث. (الموعد) سواءٌ كان للزَّمان، أو المكان، أو المصدر، لا يُطلَق على الله تعالى، فيؤوَّل بمضافٍ لا يخفَى، وغرَضه أنَّ الله سيُحاسبني إنْ تعمدتُ كذِبًا، ويُحاسب مَنْ ظنَّ بيَ السُّوء. (عمل)؛ أي: من زَرعٍ، أو غَرسٍ. (مِلْءِ) بكسر الميم، والهمز. (أعي)؛ أي: أحفَظُ. (يجمعه) بالنصب عطفًا على: (يَبسُط)، وكذا: (فيَنسَى)، والمعنى: أنَّ البَسْط المذكور، والنِّسيان لا يجتمعان؛ لأنَّ البَسْط الذي بعدَه الجمْع المتعقِّب للنِّسيان منفيٌّ، فعند وُجود البَسْط يَنعدم النِّسيان، وبالعكس. (نَمِرَة)؛ أي: بُرْدةٌ من صُوفٍ يلبَسها الأَعراب، والمراد بسَطَ بعضها لئلَّا تَنكشف العَورة، وسبق بسطه في (باب: حِفْظ العِلْم) (١).

стр. 3411

٤٢ - كِتَابُ الشُّربِ

стр. 3412

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٤٢ - كِتَابُ الشُّربِ ١ - بابُ فِي الشُّرْبِ وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾. وَقَوْلهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾. الأُجَاجُ: الْمُرُّ. الْمُزْنُ: السَّحَابُ. (كتابُ الشِّرْب) هو الحَظُّ من الماء. قال أبو عُبَيد: الشَّرب بالفتح: مصدرٌ، وبالخفض والرَّفع: اسمان، ويقال أيضًا: شَرِبَ الماءَ وغيرَه شُربًا، وشَربًا، وشِربًا. (مُنْصَبًّا)؛ أي: مطرٌ ثجَّاجٌ إذا انصبَّ جِدًّا. (السحابة)؛ أي: البَيضاء، والجمْع: مُزْنٌ، وذكر البخاريُّ هذا على عادته أنْ يذكُر عَقِب التَّرجمة ما يُناسبها من القُرآن، ويُفسِّره تكثيرًا للفائدة. * * *

стр. 3413

١ / -م - بابٌ فِي الشُّرْبِ، وَمَنْ رَأَى صَدَقَةَ الْمَاءِ وَهِبَتَهُ وَوَصِيَّتَهُ جَائِزَةً، مَقْسُومًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَقْسُومٍ وَقَالَ عُثْمَانُ، قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ، فَيَكُونُ دلْوُهُ فِيهَا كَدِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ". فَاشْتَرَاهَا عُثْمَانُ ﵁. (باب مَن رأَى صدَقةَ الماءِ) (وقال عُثمان) وصلَه التِّرمِذي، والبئْر معروفةٌ بالمدينة، اشتراها عُثمان بخمسةٍ وثلاثين ألفَ درهمٍ، فوقَفَها. (دلوه فيها) تعلَّق بذلك من يُجوِّز الوقْفَ على النَّفْس؛ لأنه يَنتفع كما يَنتفعون، وجوابه: أنه ليس بالقَصْد، فهو كما لو وقَفَ على الفُقراء فصار فقيرًا. * * * ٢٣٥١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بن أَبي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبَو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بن سَعْدٍ ﵁، قَالَ: أُتِيَ النَّبيُّ ﷺ بِقَدَحٍ، فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ أَصْغَرُ الْقَوْمِ، وَالأَشْيَاخُ عَنْ يَسَارِهِ، فَقَالَ: "يَا غُلَامُ! أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ الأَشْيَاخَ". قَالَ: مَا كُنْتُ لأُوثِرَ بِفَضْلِي مِنْكَ أَحَدًا يَا رَسُولَ الله! فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ.

стр. 3414

الحديث الأول (غُلام) هو ابن عبَّاس، رواه ابن أبي شَيبة، وقيل: الفَضْل، وقيل: خالد بن الوليد، نُقِلَ عن سُفيان في "مُسنَده"، ومن جملة الأشياخ خالد ابن الوليد. (بفضلي) وفي بعضها: (بفَضْلٍ) وهو واضحٌ، وسيأتي في الرِّواية الأُخرى: (بنصِيْبي). * * * ٢٣٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بن مَالِكٍ ﵁: أَنَّهَا حُلِبَتْ لِرَسُولِ الله ﷺ شَاةٌ دَاجِنٌ، وَهْيَ فِي دَارِ أَنس بن مَالِكٍ، وَشيبَ لَبنهَا بِمَاءٍ مِنَ الْبئْرِ الَّتِي فِي دَارِ أَنَسٍ، فَأَعْطَى رَسُولَ الله ﷺ الْقَدَحَ، فَشَرِبَ مِنْهُ، حَتَّى إِذَا نزَعَ الْقَدَحَ مِنْ فِيهِ، وَعَلَى يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابيٌّ، فَقَالَ عُمَرُ وَخَافَ أَنْ يُعْطِيَهُ الأَعْرَابيَّ: أَعْطِ أَبَا بَكْرٍ يَا رَسُولَ الله عِنْدَكَ! فَأَعْطَاهُ الأَعْرَابيَّ الَّذِي عَلَى يَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ: "الأَيْمَنَ فَالأَيْمَنَ". الثاني: (إنها) للقِصَّة. (الداجن) الشَّاة التي ألِفَت البُيوت، وأقامتْ بها، وإنما لم يقُل: داجِنَة اعتبارًا بتأنيث الموصوف؛ لأن الشاة تذكَّر وتؤنَّث.

стр. 3415

(شِيْبَ)؛ أي: خُلِطَ. (عن يمنيه) قاله بـ (عَنْ)، وفي اليَسار بـ (على)، كانَ موضعًا مرتفعًا، فاعتبَر استعلاءَه، أو كان الأعرابيُّ بعيدًا عن رسول الله ﷺ . (أعرابي) قيل: خالد بن الوليد، وأنكَره ابن عبد البَرِّ بأنه لا يُقال فيه أعرابيٌّ. (فقال عُمر)؛ أي: تذكيرًا للنبي ﷺ ، وإعلامًا للأعرابيِّ بجَلالة أبي بكر. قال (خ): كانت العادةُ قديمًا وحديثًا تقديمَ الأيمَن كما قال: وكانَ الكَأْسُ مَجراها اليَميْنَا فخَشِيَ عُمر أن يُناول الأعرابيَّ لذلك. (الأيمن) بالنصب بفعلٍ محذوفٍ، أي: قدِّموا الأيمنَ، وبالرفع مبتدأٌ، والخبر محذوفٌ، أي: الأيمن أحقُّ وأَولى. وإنما استأذَن الغُلامَ في الحديث السابق، ولم يستأذن هنا الأعرابيَّ ائتلافًا لقَلْب الأعرابي، وتطييبًا لنَفْسه، وشفقةً أن يسبق إلى قَلْبه شيءٌ يهلِكُ به لقُرب عهده بالجاهلية، ولم يجعل للغُلام ذلك؛ لأنَّ قَرابته وسِنَّهُ دون المَشيَخة، فاستأذنَه عليهم تأدُّبًا، ولئلا يُوحشَهم بتقديمه عليهم، حتى أعلمَهم أنَّ ذلك حقٌّ له بالتَّيامن. وفيه استحباب التَّيامُن، وتقديمُ الأيمَن وإنْ كان مَفْضولًا، وأنه لا يُؤثِر على نفسه ما هو فَضيلةٌ أخرويةٌ، وإنما الإيثار المَحمود ما كان في

стр. 3416

حُظوظ الأنفُس دون الطَّاعات، وأنَّ خلْطَ الماء باللبن جائزٌ؛ لتبريدٍ، أو لتكثيرٍ، أو كليهما، وإنما يُنهَى عن شَوْبه إذا أراد بيعَه؛ لأنَّه غِشٌّ، وأنَّ مَنْ سبَق إلى موضعٍ من مَجلِس العِلْم فهو أحقُّ به ممن بعدَه. * * * ٢ - بابُ مَنْ قَالَ: إِنَّ صَاحِبَ الْمَاءِ أَحَقُّ بِالْمَاءِ حَتَّى يَرْوَى؛ لِقَوْلِ النَّبيِّ ﷺ : "لا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ " (باب مَن قال: إنَّ صاحب الماءِ أحقُّ بالماءِ، حتى يُرْوَى) بفتح الواو من الرِّيِّ. ٢٣٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبي الزِّناَدِ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لَا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ؛ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلأُ". (الكَلأ) بفتح الكاف، واللام، وبالهمز: العُشْب سواءٌ كان يابسًا أو رَطْبًا. * * * ٢٣٥٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بن بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنِ ابن الْمُسَيَّبِ، وَأَبي سَلَمَةَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ

стр. 3417

رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ الْمَاءِ؛ لِتَمْنَعُوا بِهِ فَضْلَ الْكَلإِ". الثاني: في معناه. قال (خ): هذا في الرجل يحفِرُ البئْرَ في المَوات فيملكُها بالإحياء، وبقُرب البئر مواتٌ فيه كَلأٌ تَرعاه الماشية، فلا يكون لهم مُقامٌ إذا مُنعوا الماءَ، فأمَر صاحبَ البئر أنْ لا يمنَع الماشيةَ فضْلَ مائه؛ لئلا يكون مانِعًا للكَلأ، وهذا النَّهي للتحريم عند الشافعي، ومالك، وقال آخرون: من باب المَعروف. * * * ٣ - بابٌ مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِهِ لَمْ يَضْمَنْ (باب مَن حفَر بِئْرًا في ملْكهِ لم يَضمَنْ) ٢٣٥٥ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ الله، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبي حَصِينٍ، عَنْ أَبي صَالِحٍ، عن أبيِ هُرَيْرَةَ ﵁، قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "المَعْدِنُ جُبَارٌ، والبئْرُ جُبَارٌ، والعَجْماءُ جُبَارٌ، وفي الرِّكازِ الخُمْسُ". (جُبَار) بضم الجيم، وخفَّة الموحَّدة: الهَدَر. (والعجماء)؛ أي: جُرْح العَجْماء، وسبَق في (الزكاة)، في

стр. 3418

(باب: في الرِّكاز الخُمُس). * * * ٤ - بابُ الْخُصُومَةِ فِي الْبئْرِ وَالْقَضَاءِ فِيهَا (باب الخُصومة في البئْر) ٢٣٥٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ الله ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ، هُوَ عَلَيْهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ الله وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ، فَأَنْزَلَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ " الآيَةَ. ٢٣٥٧ - فَجَاءَ الأَشْعَثُ، فَقَالَ: مَا حَدَّثَكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ فِيَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، كَانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ابن عَمٍّ لِي، فَقَالَ لِي: "شُهُودَكَ". قُلْتُ: مَا لِي شُهُودٌ. قَالَ: "فَيَمِينَهُ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! إِذًا يَحْلِفَ. فَذَكَرَ النَّبيُّ ﷺ هَذَا الْحَدِيثَ، فَأَنْزَلَ الله ذَلِكَ تَصْدِيقًا لَهُ. (حمزة) بمهملةٍ، وزاي. (يقتطع)؛ أي: يأْخُذ قطعةً بسبَب اليمين. (فاجر)؛ أي: وهو في تلْك اليمين كاذبٌ.

стр. 3419

(فقال)؛ أي: النبيُّ ﷺ . (شهودك) بالنَّصب، أي: أقِمْ، أو أحْضرْ. (فيمينَهُ) بالنَّصب أيضًا، أي: اطلُب يمينَهُ. (إذن يَحْلِفَ) قال السُّهَيلي: بالنَّصب لا غيرُ؛ لتصدُّر إِذَنْ، قال (ش): وكلام ابن خَرُوف في "شَرح سِيْبَويه" يقتضي أنَّ الرواية بالرفْع؛ فإنه قال: من العرب مَن لا ينصِب بها مع استيفاء الشُّروط، وذكَر الحديث. وأما خصم الأشْعث فهو الجَفْشِيش، بفتح الجيم، أو الحاء، أو الخاء، وإسْكان الفاء، وكسر المعجَمة الأُولى، ابن مَعْدِي كَرِب، وهذا لقَبٌ، واسمه: مَعْدَان، ذكَره الطَّبَراني، وغيره، الكِنْدي، وقيل اسمه: جَرِيْر، وكُنيته أبو الخَيْر. * * * ٥ - بابُ إِثْمِ مَنْ مَنَعَ ابن السَّبيلِ مِنَ الْمَاءِ (باب إثْم مَن منَع ابن السَّبيل من الماءِ) ٢٣٥٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بن زِيَادٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ثَلَاثةٌ لَا يَنْظُرُ الله إِلَيْهِمْ يَوْمَ

стр. 3420

الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ، فَمَنَعَهُ مِنِ ابن السَّبيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا؛ فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا رَضيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا سَخِطَ، وَرَجُلٌ أقامَ سلْعَتَهُ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَقَالَ: وَالله الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَقَدْ أَعْطَيْتُ بِهَا كَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ رَجُلٌ"، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. (لا ينظر الله إليهم) كنايةٌ عن عدَم الإحسان إليهم، قال في "الكشَّاف": هو حقيقةٌ فيما يجوز عليهم النَّظَر، مجازٌ فيمن لا يجوز عليه. (ولا يزكيهم)؛ أي: لا يُثني عليهم. (إمامه)؛ أي: خليفة عَصْره. (لدنيا) غير منوَّنٍ، ولعلَّ أصلها صيغة التفضيل، ولكن اضمحلَّ عنها معنى الوصفيَّة لغلَبة الاسمية عليه، فلم يَحتَجْ لـ (مِنْ) ونحوه. (أقام) مِن قامت السُّوقُ: إذا نفَقت. (سلعته)؛ أي: متاعه، وذكر اليمين بهذا الوجه؛ لأنه الأغلب، وإلا فكلُّ من حلَف على باطلٍ فكذلك، حتى لو حلَف وقْت الظُّهر أو الصُّبح كان كذلك، وإنما الغالب أنَّ مثل هذا يقع آخر النَّهار حيث أرادوا الانعِزال عن السُّوق، والفراغَ من المعاملة، أو خصَّصها بالذكر لمَا فيها من زيادة الجُرأة؛ إذ التوحيد هو أساسُ التَّنزيهات، والعصر هو وقت

стр. 3421

صُعود ملائكة النَّهار، ولذلك تغلَّظ في يمين المُلاعِن ونحوه بذلك. (فصدقه رجل)؛ أي: المشتري، فاشتراه بذلك الثمَن الذي حلَف أنه أُعطيَه اعتمادًا على حَلِفه، نعَمْ، الذين لا ينظر الله إليهم لا ينحصرون في الثلاثة؛ لأنَّ العدد لا يَنفي الزائد، أو الأول إشارةٌ إلى عدَم الشَّفَقة على خَلْق الله، والثَّالث إلى عدَم التعظيم لأمر الله، والمتوسِّط جامعٌ للجهتين، فمَرجِع ما سوى ذلك إليها. * * * ٦ - بابُ سَكْرِ الأَنهَارِ (باب سَكْر الأنْهار) بفتح السين، وسكون الكاف، قال الجَوْهَري: السِّكْر مصدرُ سكَرتُ النَّهرَ: إذا سدَدْتَه. ٢٣٥٩ - و ٢٣٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ الله بن الزُّبَيْرِ ﵄: أنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ عِنْدَ النَّبيِّ ﷺ فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا النَّخْلَ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: سَرِّحِ الْمَاءَ يَمُرُّ، فَأَبَى عَلَيْهِ، فَاخْتَصَمَا عِنْدَ النَّبيِّ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ لِلزُّبَيْرِ: "أَسْقِ يَا زُبَيْرُ! ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ". فَغَضبَ الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: أَنْ كَانَ ابن عَمَّتِكَ؟ فتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ الله ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: "اسْقِ يَا زُبَيْرُ! ثُمَّ احْبسِ

стр. 3422

الْمَاءَ، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ". فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَالله إِنِّي لأَحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نزَلَتْ فِي ذَلِكَ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾. (أن رجلًا) قال بعضهم فيما حكاه ابن بَاطِيْش: حاطِب بن أَبي بَلْتَعة، كان مهاجريًّا بدريًّا مَذْحِجيًّا، حليفًا للزُّبَير، وكذا حكاه ابن مُظفَّر، ثم قال: وفي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ الآية [النساء: ٦٦] شاهدٌ لكون خَصْم الزُّبَير أنصاريًّا لا مُهاجريًّا؛ لأن المهاجرين كُتب عليهم أن يخرجوا من ديارهم، ففعلوا، وكانت الدَّار للأنصار قبلُ، وأطلق عليه أنصاريٌّ؛ لأنه كان حليفًا لهم، وحينئذٍ فلا ينبغي أن يضعَّف هذا القول بذلك، وقيل اسمه: حُمَيد، رواه أبو موسى في "الذَّيل" بسندٍ جيدٍ، وقيل: ثابت بن قَيْس، حكاه ابن بَشْكُوال، وقيل: ثَعلَبة بن حاطِب. (شِرَاج) بكسر المعجمة، وراءٍ، وجيمٍ: جمع شَرْجة، وهي مَسيْل الماء من الحرَّة إلى السَّهل، والحَرَّة بفتح الحاء: اسم موضع. (اسق) بفتح الهمزة رباعيًّا، وبكسرها ثلاثيًّا. (أن كان) بفتح الهمزة، أي: حكمتَ بذلك لأجل أنه كان ابن عمَّتِك، وقيل: (أنْ) تفسيريَّةٌ نحو: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ [القلم: ١٤]. (ابن) منصوبٌ خبر كان، واسمها ضميرٌ مستترٌ، وفي بعضها بالكسر.

стр. 3423

(عمتك)؛ أي: صفيَّة بنت عبد المُطَّلب. (الجَدْر) بفتح الجيم، وسكون المهملة،، أصْل الجِدار، وقيل: الحائِط، والمراد به هنا: المُسنَّاة، وهو ما وُضع حول المزرعة كالجِدَار. قال السُّهيلي: هو الحَواجِز التي تحبس الماءَ، ويُقال للجَدْر: حِبَاس، ويُروى بالذَّال المعجَمة، أي: مَبْلَغ تمام الشُّرب من جَذْر الحساب، ويُروى الجُدُر بالضم: جمع جِدار. قال ابن عمَّار: سألتُ الشَّاشي عن قوله: (حتى تَبلُغ الجَدْر)؟ قال: حتى يَبلُغ الكَعْب. قال: وكأنه فسَّره على المعنى، وإلا فمعنى الجَدْر في اللُّغة ليس الكَعْب. * * * ٧ - باب شُرْبِ الأَعْلَى قَبْلَ الأَسْفَلِ (باب شُرب الأَعلى قبْلَ الأَسفَل) ٢٣٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: خَاصَمَ الزُّبَيْرَ رَجُلُ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "يَا زُبَيْرُ! اسْقِ، ثُمَّ أَرْسِلْ". فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: إِنَّهُ ابن

стр. 3424

عَمَّتِكَ. فَقَالَ ﵇: "اسْقِ يَا زُبَيْرُ! ثُمَّ يَبْلُغُ الْمَاءُ الْجَدْرَ، ثُمَّ أَمْسِكْ". فَقَالَ الزُّبَيْرُ: فَأَحْسِبُ هَذ الآيَةَ نزَلَتْ فِي ذَلِكَ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾. (ثم أمسك) إنْ قيل: المُناسِب للسِّياق: ثم أَرسِلْ، قيل: المراد أمسِكْ نفْسك عن السَّقْي لا أن المراد: أمسِك الماءَ. (إنه كان) جوَّز فيه ابن مالك الكسر والفتح، فإنْ كسرتَ قدَّرت الفاء، وإنْ فتحت قدَّرتَ اللام، والكسر أَجْود، قاله ابن مالك، وقُرئ بالوجهين في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨]، فقرأَ نافع، والكِسائي بالفتح، وكسَره الباقون، واستُشكل قوله: إنْ كسرت قدَّرت قبله الفاء؛ لأن الفاء تُشعر بالتَّعليل، والتعليل يقتضي الفتْح لا الكسرَ. * * * ٨ - بابُ شِرْبِ الأَعْلَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ (باب شُرب الأَعلى إلى الكَعْبَين) ٢٣٦٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا مَخْلَدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابن جُرَيْجٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بن الزُّبَيْرِ: أَنَّهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ فِي شِرَاجٍ مِنَ الْحَرَّةِ يَسْقِي بِهَا النَّخْلَ.

стр. 3425

فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "اسْقِ يَا زُبَيرُ! " -فَأَمَرَهُ بِالْمَعْرُوفِ-"ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَى جَارِكَ". فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: آنْ كانَ ابن عَمَّتِكَ؟ فتلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ الله ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: "اسْقِ، ثُمَّ احْبسْ، يَرْجِعَ الْمَاءُ إِلَى الْجَدْرِ". وَاسْتَوْعَى لَهُ حَقَّهُ. فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَالله إِنَّ هَذ الآيَةَ أُنْزِلَتْ فِي ذَلِكَ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾. قَالَ لِي ابن شِهَابٍ: فَقَدَّرَتِ الأَنْصَارُ وَالنَّاسُ قَوْلَ النَّبيِّ ﷺ : "اسْقِ، ثُمَّ احْبسْ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ"، وَكانَ ذَلِكَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ. (فأمِرَّهُ بالمَعْرُوف) فعلُ أمرٍ من الإمرار، فهو مشدَّد، وفي بعضها فعلٌ ماضٍ من الأَمْر. (واستوعى)؛ أي: استوعَبَ واستوفَى، ولعلَّه من إدراج الزُّهْرِي على عادته في الإدراج، وهو مأخوذٌ من الوِعاء، وهذا يدلُّ على أن القَول الأول كان مَشُورة للزُّبَير ومُسامحةً لجاره ببعض حقِّه لا على وجه الحُكم، فلمَّا خالَفه الخَصْم استقصَى الزُّبَير حقَّه، وقيل: بل عقوبةٌ له بالمال، والأول أوجَهُ، والرواية الثانية الآتية فى (باب: إذا أشارَ الإمامُ بالمصلَحة) مصرِّحةٌ بذلك. قال (خ): وقيل: إنه نَسْخٌ للحُكم الأول بالثَّاني، وكان له في الأصل أن يحكم بأيِّهما شاء إلا أنه قدَّم الأخفَّ والأسهلَ مُسامحةً وإيثارًا للجِوار، فلمَّا رأى الأنصاريَّ يجهل موضعَ حقِّه نسخَ الأول بالآخر حين رآه أصلَح، وفي الزَّجْر أبلَغ.

стр. 3426

(والله إن هذه الآية) وجه الجمع بين هذا وبين ما في الرواية السابقة (أحسِب): أنَّ الشَّخص قد يكون أولًا شاكًّا، ثم يتحقَّق، وبالعكس. (والناس) من عطْف العامِّ على الخاصِّ، أو هو معهودٌ من غير الأنصار. قال (خ) (١): وفيه أنَّ مياه الأَودية التي لم تُستنبط بعمَلٍ فيها مباحٌ، ومَن سبَق إليه فهو أحقُّ به، وفيه أنَّه ليس للأَعلى إذا أخَذ حاجته أن يحبسَه عن الأسفل، وأن للإمام أنْ يعفوَ عن التَّعزير، وقيل: كان تَعزيره بالمال، والعقوبة قد تقع بالمال بشَقِّ الزِّقاق، وكسْرِ الجِرار عند تحريم الخمر تغليظًا للتحريم. قال: وحُكمه عليه حالَ غضَبه مع نهيه أن يقضيَ القاضي وهو غَضْبان؛ لعصمته ﷺ ، فلا يقول في الغضَب والرِّضا إلا حقًّا. قال التُّوْرِبِشْتي: قد اجتَرأ جمعٌ بنسْبة هذا الرجُل للنِّفاق، وهو باطلٌ؛ لأن كونه أنصاريًّا وصفُ مَدْحٍ، والسَّلَف احتَرزوا أن يُطلقوا على من اتُّهم بالنِّفاق أنصاريًّا، فالأَولى أن يُقال: هو قولٌ أزلَّه الشيطان فيه بتمكينه عند الغضَب، ولا يستبعد الابتلاءُ بذلك لبعض البشر. * * *

стр. 3427

٩ - بابُ فَضْلِ سَقْيِ الْمَاءِ (باب فَضْل سَقْي الماء) ٢٣٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبي صَالِحٍ، عَنْ أَبي هُرَيرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَنَزَلَ بِئْرًا، فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي، فَمَلأَ خُفَّهُ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، ثُمَّ رَقِيَ، فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ الله لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ". قَالُوا: يَا رَسُولَ الله! وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِم أَجْرًا؟ قَالَ: "فِي كُلِّ كَبدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ". تَابَعَهُ حَمَّادُ بن سَلَمَةَ، وَالرَّبيعُ بن مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بن زِيَادٍ. الحديث الأول: (فاشتد) أوقَع الفاءَ مَوقِع (إذا)؛ لعكسه كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦]. (يلهث)؛ أي: يُخرج لسانَه. (الثرى) بمثلَّثةٍ: الأرض. (من العطش) ويُروى: (العُطَاش) بضمِّ العين: داءٌ يُصيب الإنسان فيشرب فلا يُروى.

стр. 3428

(بلغ هذا مثل) نصبٌ نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: مبلَغًا مثلَ. (رقِي) بكسر القاف: صَعِدَ. (فغفر له) هو نفس الشُّكر كقوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] عند مَنْ فسَّر التوبة بالقتْل، كما مرَّ في (الوضوء). (كبد) فيه ثلاثةُ أوجهٍ، وأنَّث (رطبة)؛ لأنَّ الكَبد مؤنَّثٌ سماعيٌّ، والمراد برطْبةٍ حيَّة؛ إذ الرُّطوبة لازمةٌ للحياة، فهو كنايةٌ، ومعنى (في) الظَّرفية، ومتعلَّقها محذوفٌ تقديره: الأجْر ثابتٌ في إرواء كلِّ كبدٍ حيٍّ، أو (في) للتَّنبيه، نحو: "في النَّفْس المؤمنة مائةٌ من الإبل"، أي: بسبَب قتل النفس المؤمنة. * * * ٢٣٦٤ - حَدَّثَنَا ابن أَبي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا ناَفِعُ بن عُمَرَ، عَنِ ابن أَبي مُلَيْكَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ بنتِ أَبي بَكْرٍ ﵄: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ، فَقَالَ: "دَنَتْ مِنِّي النَّارُ حَتَّى قُلْتُ: أَيْ رَبِّ! وَأَناَ مَعَهُمْ؟! فَإِذَا امْرَأَةٌ -حَسِبْتُ أنَّهُ قَالَ: تَخْدِشُهَا هِرَّةٌ- قَالَ: مَا شَأْنُ هَذِهِ؟ قَالُوا: حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا". الثاني: (أي ربُّ) بفتح الهمزة: حرف نداءٍ. (وأنا معهم) تعجُّبٌ واستِبعادٌ؛ لقُربه من أهل جهنَّم، كأنه استبعدَ

стр. 3429

قُربهم منه وبينه وبينهم كبُعد المشرقَين. (تخدشها) بكسر الدَّال، أي: تَكدَحُها. * * * ٢٣٦٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "عُذِّبَتِ أمْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، قَالَ: فَقَالَ، وَالله أَعْلَمُ: لَا أنتِ أَطْعَمْتِيهَا؟ وَلَا سَقَيْتِهَا حِينَ حَبَسْتِيهَا؟ وَلَا أَنْتِ أَرْسَلْتِيهَا فَأَكلَتْ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ"؟ الثالث: (في هرة)؛ أي: في شأْن هِرَّةٍ، وبسبَبها. (والله أعلم) جملةٌ معترِضةٌ. (أطعمتها) قائله: الله تعالى، أو مالكٌ خازِن النَّار، وفي بعضها: (أطعمتِيها) بإشباع كسر التاء ياءً. (خِشَاش) بكسر المعجمة، وخِفَّة الشِّين الأولى، وقد تُفتح، هي: الحشَرات، قال (ن): وقد تُضمُّ أيضًا. وفيه أنَّ النَّار مخلوقةٌ، وأنَّ بعض الناس يُعذَّب اليوم في جهنَّم، وفي تعذيبها بسبَب الهِرَّة دلالةٌ على أنَّ فِعْلها كبيرةٌ؛ لأنها أصرَّتْ عليها. * * *

стр. 3430

١٠ - بابُ مَنْ رَأَى أَنَّ صَاحِبَ الْحَوْضِ وَالْقِرْبَةِ أَحَقُّ بِمَائِهِ (باب مَن رأَى أنَّ صاحِبَ الحَوض والقِرْبةِ أحَقُّ) ٢٣٦٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بن سَعْدٍ ﵁، قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ الله ﷺ بِقَدَحٍ، فَشَرِبَ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ، هُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ، وَالأَشيَاخُ عَنْ يَسَارِهِ، قَالَ: "يَا غُلَامُ! أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ الأَشيَاخَ؟ " فَقَالَ: مَا كُنْتُ لأُوثِرَ بنصِيبي مِنْكَ أَحَدًا يَا رَسُولَ الله! فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ. الحديث الأول: (أحدث) أصغر، ووجْه التَّرجمة قياسُ القِرْبَة والحَوْض على القَدَح. * * * ٢٣٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بن زِيَادٍ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَذُوْدَنَّ رِجَالًا عَنْ حَوْضي، كَمَا تُذَادُ الْغَرِيبَةُ مِنَ الإِبلِ عَنِ الْحَوْضِ".

стр. 3431

الثاني: (لأذودن) بذالٍ معجمةٍ، ثم مهملةٍ، أي: لأَطْرُدَنَّ. (كما يُذَادُ)؛ أي: كما يَطْردُ السَّاقي الناقةَ الغريبةَ عن إبلِه إذا شربِتْ معها، قيل: هم المنافقون، أو المرتدُّون، أو أصحاب الكبائر، أو المُحدِث في الدِّين كالمُبتدِعة، والظَّلَمة، والمُعلِنين بالكبائر. وإذا استَحقَّ الماءَ بجُلوسه في جهة اليمين، فلأنْ يستحقَّه بحيازته في حَوضه وقِرْبته أَولى. * * * ٢٣٦٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، وَكثِيرِ بن كَثِيرٍ -يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ- عَنْ سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ ابن عَبَّاسٍ ﵄: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "يَرْحَمُ الله أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ أَوْ قَالَ: لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ المْاء لَكانَتْ عَيْنًا مَعِينًا، وأقْبَلَ جُرْهُمُ، فَقَالُوا: أَتَأْذَنِينَ أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، وَلَا حَقَّ لَكُمْ فِي الْمَاءِ. قَالُوا: نعمْ". الثالث: (وكثير) بالجرِّ عطفٌ على أيُّوب، ولا يَلزم منه أن يكون كلٌّ منهما مَزيدًا ومَزيدًا عليه؛ لأنهما باعتبارَين. (أم إسماعيل) هي هاجَر.

стр. 3432

(لو تركت زمزم) بأن لا تَغرِف منها في القِرْبة شُحًّا بها. قال (خ): (لو لمِ تغرف)؛ أي: لو لم تَشِحَّ وتدَّخِره لكانتْ عينًا تجري، ولكنها لمَّا غرفتْ، ولم تثِقْ بأن الله سيمُدُّها ويُجريها حُرِمتْ ذلك. (مَعِيْنًا) بفتح الميم، أي: جاريًا. (جُرْهُم) بضم الجيم والهاء: حَيٌّ من اليمَن، أصهار إسماعيل. (أن ننزل) في بعضها: (أنْ أَنزِل) باعتبار واحدٍ منهم. (نعم) بمعنى: بلى؛ لأنها جاءتْ بعد النَّفي، فلو كانت على بابها لقرَّرتْه. وفيه أن مَن استخرَج ماءَ بُقعةٍ مَلَكَهُ بالإحياء إلا أنَّه لا يمنعَ فَضْلَ مائه. * * * ٢٣٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ: رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى، وَهْوَ كَاذِبٌ، وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ؛ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ، وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ، فَيَقُولُ الله: الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي، كمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ".

стр. 3433

قَالَ عَلِيٌّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ أَبَا صَالِحٍ يَبْلُغُ بِهِ النَّبيَّ ﷺ . الرابع: (ليقتطع)؛ أي: ليأْخُذ قِطعةً. (رجل منع) لا مُنافاةَ بين هذا وما تقدَّم آنفًا: أنَّ المبايع للإمام ثالثُ الثَّلاثة؛ لأن العدَد لم ينحصِر في هذه الثلاثة، ولا تلك الثلاثة. (بعد العصر) قال (خ): خصَّ وقْت العصر بالذِّكر لتعظيم الإثم فيه، ورُوي أنَّ الملائكة يجتمعون فيه، وهو خِتَام الأعمال، فغُلِّظت العُقوبة فيه. قال: ومعنى: (اليوم أمنعك)؛ أي: لأنك إذا منَعت فَضْل ما ليس تملِك، بل رزْقٌ ساقَه الله؛ فما الذي تَسمَح به لأخيك. (يبلغ)؛ أي: يَرفَع. * * * ١١ - بابٌ لَا حِمَى إِلا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ - (باب: لا حِمَى إلا للهِ) حِمَى: غير منوَّنٍ، ومعناه: المَحظُور، واصطلاحًا: ما يَحمي الإمامُ من المَوات لمواشِي يُعيِّنها، ويمنعُ النَّاسَ من الرَّعي فيها،

стр. 3434

ومقصوده بالحَصْر: إبطالُ ما كان يحميه العزيز من الجاهليَّة، يأتي الأرضَ الخِصْبة فيَستعوي كلْبًا فيحمي مدَى صوتِ الكلْب من كلِّ جهةٍ، ويمنَع من الرَّعْي حولَه. * * * ٢٣٧٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بن بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله بن عَبْدِ الله بن عُتْبَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ الصَّعْبَ بن جَثَّامَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لَا حِمَى إِلَّا لِلَّهِ وَلرَسُولِهِ". وَقَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ النَّبيَّ ﷺ حَمَى النَّقِيعَ، وَأَنَّ عُمَرَ حَمَى السَّرَفَ وَالرَّبَذَةَ. (الصعب) ضد السَّهل. (جَثَّامة) بفتح الجيم، وشدة المثلَّثة. (بلغنا) قائله ابن شِهَاب، ورواه ابن وَهْب في "مُوطَّئه". (النقيع) بالنون: موضعٌ في صدْر وادي العَقِيْق، نحو عِشْرين مِيْلًا من المدينة، كان يُنقَع فيه الماءُ، أي: يجتمع، فإذا نضَبَ نبَت فيه الكلأُ. (الشَّرَف) بالمعجمة، والراء المفتوحتين: هو شَرَف الرَّوحاء من عمَل المدينة، وفي بعضها: بفتح المهملَة، وكسر الراء، موضعٌ قَريب من مكَّة.

стр. 3435

قال (ك): والأوَّل أظهَر وأشهَر. (الرَّبَذَة) بالراء، والموحَّدة، والمعجمَة المفتوحات: على ثلاثِ مَراحِل من المدينة، قَريبٌ من ذات عِرْق، به قَبْر أبي ذَرٍّ. * * * ١٢ - بابُ شُرْبِ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ مِنَ الأَنهَارِ (باب شُرْبِ) -بضم المعجمة- (الناسِ والدوابِّ). ٢٣٧١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكُ بن أَنسٍ، عَنْ زيدِ بن أَسْلَمَ، عَنْ أَبي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "الْخَيْلُ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ؛ فَأَمَّا الَّذِي لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبيلِ الله، فَأَطَالَ بِهَا فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ، فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا ذَلِكَ مِنَ الْمَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٍ، وَلَوْ أَنَّهُ انْقَطَعَ طِيَلُهَا، فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ، كَانَتْ آثَارُهَا وَأَرْوَاثُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ، وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بنهَرٍ، فَشَرِبَتْ مِنْهُ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَ، كَانَ ذَلِكَ حَسَنَاتٍ لَهُ، فَهِيَ لِذَلِكَ أَجْرٌ، وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًا، ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ الله فِي رِقَابهَا وَلَا ظُهُورِهَا، فَهِيَ لِذَلِكَ سِتْرٌ، وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِيَاءً وَنِوَاءً لأَهْلِ الإِسْلَامِ، فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ وِزْرٌ". وَسُئِلَ رَسُولُ الله ﷺ عَنِ الْحُمُرِ فَقَالَ: "مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهَا
следующие страницы →