وَقَالَ سَعِيدُ بن الْمُسَيَّبِ: قَضَى عُثْمَانُ مَنِ اقْتَضَى مِنْ حَقِّهِ قَبْلَ أَنْ يُفْلِسَ فَهْوَ لَهُ، وَمَنْ عَرَفَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ فَهْوَ أَحَقُّ بِهِ.
(بابٌ: إذا وَجَد مالَه عند مُفلِسٍ)
أفلَسَ الرجل صار مُفلِسًا، كأنَّ دراهمه صارتْ فُلوسًا، والمراد أنه صار إلى حالٍ ليس معه فَلْسٌ، فالهمزة للسَّلْب.
(وقال الحسن: وتبين)؛ أي: ثبَت عند القاضي.
(وقال سعيد) وصلَه أبو عُبيد في كتاب "الأَموال"، والبيهقي.
(اقتضى)؛ أي: طلَب.
* * *
٢٤٠٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بن يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بن سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بن مُحَمَّدِ بن عَمْرِو بن حَزْمٍ: أَنَّ عُمَرَ ابن عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرِ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن الْحَارِثِ بن هِشَامٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ ، أَوْ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ أَوْ إِنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ، فَهْوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ".
(أحَقُّ)؛ أي: من سائر الغُرماء.
قال (خ): هذه سنَّة النبي ﷺ ، سنَّها في استدراك حقِّ مَن باع
стр. 3467
على حُسن الظَّنِّ بالوَفاء، فأَخلَف موضعُ ظنِّه، وظهَر على إفْلاس غَريمه، ثم إنَّ في الأُصول أنَّ الأعيان والذِّمَم إذا تقابلَت، فالأَعيان مقدَّمةٌ على الذِّمَم.
قال (ط): والجمهور على أنه أحقُّ، والحنفيَّة: البائع أُسوة الغُرماء، ودفَعوا حديث التَّفليس بالقِياس، وقالوا: السِّلْعة مال المُشتري، وثمنُها في ذمَّتِه، ومَن باعَ شيئًا فله إِمْساكُه حتى يَستوفيَ الثَّمَن، كما أنَّ المرتهن له الحَبْس، ولو أبطَل حقَّ الحَبْس لم يكن له الرُّجوع، فكذا البائع إذا سلَّمه للمُشتري تعلَّق حقُّه بالذِّمة المُجرَّدة، والجواب: لا مَدخَل للقياس إلا (١) إذا عُدمت السُّنَّة، فإذا وُجدت فهي حُجَّةٌ على مَن خالَفها، وأيضًا البائع إذا نُقِل حقُّه من العين إلى الذِّمة، وتعذَّر قبْضه من الذِّمة فله الرُّجوع إلى العين.
وتؤوُّل الكوفيين حمْلَه على المقرِض والمودع دون البائِع فاسدٌ؛ لأنه ﷺ جعَل لصاحِب المتاع الرُّجوع إذا وجَده بعينه، والمودع أحقُّ بعينه سواءٌ كان بصفته أو تغيَّر عنها، فلم يجز حَمْل الخبر عليه، ووجَب حمله على البائع؛ لأنه إنما يَرجع بعينه إذا وجدَه بصفته لم يتغيَّر، فإن تغيَّر لم يرجِع، وقيل: التَّأْويل ليس بصحيحٍ؛ إذ لا خِلافَ أنَّ صاحب الوديعة أحقُّ سواءٌ وجدَها عند مفلسٍ أو لا، وقد شرَط
стр. 3468
الإفلاسَ في الحديث.
* * *
١٦ - بابُ مَنْ بَاعَ مَالَ الْمُفْلِسِ أَوِ الْمُعْدِمِ، فَقَسَمَهُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ، أَوْ أَعْطَاهُ حَتَّى يُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ
(باب مَن باع مالَ المُفْلِس أو المُعْدِم) بكسر الدال: الفقير، والكلام يحتمل اللَّفَّ والنَّشر.
٢٤٠٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بن زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بن أَبي رَبَاحٍ، عَنْ جَابرِ بن عَبْدِ الله ﵄ قَالَ: أَعْتَقَ رَجُلٌ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟ " فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بن عَبْدِ الله، فَأَخَذَ ثَمَنَهُ، فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ.
(رجل) هو أبو مَذْكور.
(غُلامًا) اسمه يعقوب.
(ثمنه) ثمان مائة درهمٍ.
ووجه دلالة التَّرجمة: أن الإنْفاق على نفسه، والقِسمة بين الغُرماء حقَّان واجبان على الشَّخص، فحُكم أحدهما حُكم الآخَر،
стр. 3469
وإذا جاز الدَّفع إليه فإلى الغُرماء أَولى، ويحتمل الأمرَين بأن يدفع الثَّمَن إليه ليُفرِّقه على غُرمائه إنْ كان رَشيْدًا، ويُنفقه على نفسه إنْ كان سفيهًا، أو باعَه رسول الله ﷺ نيابةً عنه.
قال (ط): ليس في الحديث القِسْمة بين الغُرماء، وليس فيه أنَّه كان عليه دَينٌ، بل إنما باعَه عليه؛ لأنَّه دبَّره، ولم يكن له مالٌ غيره، ومن السُّنَّة أن لا يتصدَّق بماله كلِّه، ويبقَى فقيرًا.
قال (ش): روى النَّسائي: "أنه كان عليه دَينٌ، ودفَع إليه ثمنَه، وقال: اقضِ دَينَك"، قال: وذكره (ط) في (باب: المدبَّر) الآتي.
* * *
١٧ - بابٌ إِذَا أَقْرَضَهُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، أَوْ أَجَّلَهُ فِي الْبَيْعِ
قَالَ ابن عُمَرَ فِي الْقَرْضِ إِلَى أَجَلٍ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ أُعْطِيَ أَفْضَلَ مِنْ دَرَاهِمِهِ، مَا لَمْ يَشْتَرِطْ. وَقَالَ عَطَاءٌ وَعَمْرُو بن دِينَارٍ: هُوَ إِلَى أَجَلِهِ فِي الْقَرْضِ.
٢٤٠٤ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بن رَبيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابن هُرْمُزَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ : أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ
стр. 3470
بني إِسْرَائِيلَ، سَأَلَ بَعْضَ بني إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، الحَدِيْثَ.
(باب: إذا أقْرضَه إلى أجَلٍ)
(وقال ابن عُمر) وصلَه ابن أبي شَيبة.
(وقال عطاء، وعمرو بن دينار) وصلَه عبد الرزَّاق عنهما.
(هو)؛ أي: القَرْض.
قال مالك: إذا أخَّر الدَّيْن إلى أجلٍ ثم أراد الانصراف عنه لم يكُن له ذلك.
(وقال الليث) هو طرَفٌ من حديثٍ تقدَّم في (الكفالة).
(فذكر الحديث)؛ أي: بطوله في الكفالة.
* * *
١٨ - بابُ الشَّفَاعَةِ فِي وَضْعِ الدَّيْنِ
(باب الشَّفاعة في وَضْع الدَّيْن)
٢٤٠٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ جَابرٍ ﵁ قَالَ: أُصِيبَ عَبْدُ الله، وَتَرَكَ عِيَالًا وَدَيْنًا، فَطَلَبْتُ إِلَى أَصْحَابِ الدَّيْنِ أَنْ يَضَعُوا بَعْضًا مِنْ دَيْنِهِ، فَأَبَوْا، فَأَتَيْتُ النَّبيَّ ﷺ ، فَاسْتَشْفَعْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ، فَأَبَوْا، فَقَالَ: "صَنِّفْ تَمْرَكَ كُلَّ
الدِّمْياطِي: المعروف: عَذْق زَيْد، والعَذْق بالفتح: النَّخلة، وبالكسر: الكِبَاسة.
(واللين) بكسر اللام، وسكون الياء: جمع لِيْنَةٍ، أصلها: لِوْنَة، قُلبت الواو ياءً؛ لإسكانها [وكسر] ما قبلَها، وهو ما خَلا البَرْنِي، والعَجْوة، وهي أجود تمر المدينة.
(كما هو)، (ما) موصولةٌ، وهو مبتدأٌ، خبره محذوفٌ، أو (ما) زائدةٌ، أي: كمِثْله.
(ناضح)؛ أي: بعيرٌ يُستقَى عليه.
(فأزْحَف) بإسكان الزاي، وفتح المهملة، أي: أَعيَا وكَلَّ.
(فوكَزه) بالواو، أي: ضرَبه بالعَصا، ويُروى: (فرَكَزه) بالراء.
(فلامني)؛ لأنه كان مُحتاجًا إليه، أو أنه اختار أنْ يَهبَه للنبيِّ ﷺ لا أن يَبيعَه.
(وسَهْمي) بإسكان الهاء، وفي بعضها: (وسَهَمني) بلفظ الفعْل، أي: أعطاني السَّهم، ومرَّ في (البيع).
وفيه جواز أنْ يَشفَع الحاكم إلى صاحب الحَقِّ، وجواز الشَّرط في البيع.
قال (ك): وفيه معجزةٌ.
* * *
стр. 3473
١٩ - بابُ مَا يُنهَى عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ
وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾، و ﴿لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾. وقال في قوله: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾. وَقَالَ: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾، وَالْحَجْرِ فِي ذَلِكَ، وَمَا يُنْهَى عَنِ الْخِدَاعِ.
(باب ما يُنهَى عن إضاعَةِ المالِ، وقولِ الله: (إن الله لا يحب الفساد).
التلاوة: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، ثم قال: (ولا يحب عمل المفسدين) والتلاوة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١].
(والحَجْر) بالجرِّ، أي: حَجْر السُّفهاء ونحوهم في التصرُّف في المال.
(عن الخداع)؛ أي: في البُيوع.
* * *
٢٤٠٧ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الله بن دِينَارٍ، سَمِعْتُ ابن عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبيِّ ﷺ : إِنِّي أُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ. فَقَالَ: "إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ". فَكَانَ الرَّجُلُ يَقُولُهُ.
стр. 3474
الحديث الأول:
(لا خِلابة) مرَّ شرحه في (البيع).
* * *
٢٤٠٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الشَّعْبيِّ، عَنْ وَرَّادٍ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بن شُعْبَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بن شُعْبَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "إِنَّ الله حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ الْبناتِ، وَمَنَعَ وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ".
الثاني:
(عقوق) أصلُه القَطْع، كأَنَّ العاقَّ لأُمه يقطَع ما بينهما من الحُقوق.
(الأُمهات) قال (ط): خصِّص بالذِّكر، وإنْ كان برُّ الآباء كذلك، لكنْ برُّ الأُمِّ مُقدَّمٌ في نوع التلطُّف، وبرُّ الأَبِ مقدَّمٌ في الطاعة، وحُسْن المتابعة لرأيه والنُّفوذ لأمره.
(وَوَأدَ البناتِ) ما كانت الجاهليَّة تفعلُه من دفن البنات أحياءً عند ولادتهنَّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨].
(ومنعًا) بالنصب.
(وهات) مبنيٌّ على الكسر، أي: منع ما يجب عليه إعطاؤُه من الحُقوق، وطلَب ما لا يحلُّ له من أموال النَّاس.
وصحَّ عطْفه على (منْعًا)، بتقدير: وقَول: وهاتِ، وهو باعتبار
стр. 3475
لازِم معناه، وهو الأَخْذ.
ومرَّ شرح الباقي في (باب: قَول الله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]).
قال (ط): قال سعيد بن جُبَير: إضاعة المال الإنْفاق في الحَرام، وقيل: السَّرَف في الإنفاق وإنْ كان في حلالٍ، ومعنى (ومنْعًا وهات): بمعنى يمنَع الناسَ رِفْدَه وخَيْره، ويأْخذ منهم رِفْدَهم.
(وقيل وقال) فِعْلان، (قيل): مبنيٌّ لمَا لم يُسمَّ فاعلُه، و (قال): فعلٌ ماضٍ، أو مصدران منوَّنان.
(وكثرة السؤال) إما بالعِلْميات، أو الماليَّات.
* * *
٢٠ - بابٌ الْعَبْدُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ، وَلَا يَعْمَلُ إِلا بِإِذْنِهِ
(باب العبْد راعٍ في مالِ سيِّده)
٢٤٠٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بن عَبْدِ الله، عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَر ﵄: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ رَاعٍ، وَهْوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ، وَهْوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ
стр. 3476
زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهْيَ مَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ، وَهْوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ". قَالَ: فَسَمِعْتُ هَؤُلَاءِ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ ، وَأَحْسِبُ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "وَالرَّجُلُ فِي مَالِ أَبيهِ رَاعٍ، وَهْوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ".
(الخادم)؛ أي: يَلزمه ما يَلزم سائر الرُّعاة مِن حِفْظ ما استُرعي عليه، ولا يعمَل في مُعظَم الأمور إلا بإذن سيِّده، وما اعتِيد العَفْو عنه كالصَّدقة بالكِسْرة لا تحتاج لإذنٍ.
وتقدَّم الحديث في (باب: الجمُعة في القُرى)
(النَّزَّال) بفتح النون، وشدَّة الزاي.
(ابن سَبْرَة) بفتح المهملَة، وسكون الموحَّدة، الأكثَر أنه تابعيٌّ.
(مُحْسِن)؛ أي: في القِراءة، وأُفرد باعتبار لفظ (كِلا).
قال (ط): إذا كان الخصم في مَوضعٍ يخاف فواته منه؛ فلا بأْسَ بإشخاصه، وإنْ لم يخف فلا يُشْخَص إلا في أمور الدِّين.
* * *
٢٤١١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بن قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بن سَعْدٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ أَبي سَلَمَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلَانِ؛ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، قَالَ الْمُسْلِمُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا عَلَى الْعَالَمِينَ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْعَالَمِينَ. فَرَفَعَ الْمُسْلِمُ يَدَهُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَلَطَمَ وَجْهَ الْيَهُودِيِّ، فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إِلَى النَّبيِّ ﷺ ، فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ الْمُسْلِمِ، فَدَعَا النَّبيُّ ﷺ الْمُسْلِمَ، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى؛ فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَصْعَقُ مَعَهُمْ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ جَانِبَ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي، أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى الله؟ ".
الثاني:
(تخيروني)؛ أي: لا تُفضلوني، ونهى عن نسبته للأفضلية، وهو
стр. 3480
أفضل المَخلوقات، قيل: إنَّه يَعلم أنَّه سيِّد ولَد آدم، أو لا تُفضلوني بحيث يَلزم غيره من الرُّسُلِ نقْصٌ، أو غَضَاضةٌ، أو بحيث يؤدِّي إلى خُصومةٍ، أو قاله هضمًا لنفسه وتواضعًا ﷺ .
(يُصْعَقُون) بفتح العين، أي: يَخِرُّون صَرعَى لصوتٍ يسمعونه من الفزَع.
(بَاطِشٌ)؛ أي: متعلِّقٌ به بقوَّةٍ قابضٌ عليه بيَده، وفي رواية: (باطِشٌ بجانِب).
(استثنى الله)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨]؛ أي: أن لا يُصعَق.
* * *
٢٤١٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَمْرُو ابن يَحْيَى، عَنْ أَبيهِ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ الله ﷺ جَالِسٌ جَاءَ يَهُودِيٌ، فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ! ضَرَبَ وَجْهِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابكَ. فَقَالَ: "مَنْ؟ " قَالَ: رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ. قَالَ: "ادْعُوهُ". فَقَالَ: "أَضَرَبْتَهُ؟ " قَالَ: سَمِعْتُهُ بِالسُّوقِ يَحْلِفُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ. قُلْتُ: أَيْ خَبيثُ! عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ؟! فَأَخَذَتْنِي غَضْبَةٌ ضَرَبْتُ وَجْهَهُ. فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأَنْبيَاءِ؛ فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ، فَإِذَا أَناَ بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ
стр. 3481
فِيمَنْ صَعِقَ، أَمْ حُوسِبَ بِصَعْقَةِ الأُولَى؟ ".
الثالث:
(على البشر) في بعضها: (على النَّبيين).
(أي) حرف نداءٍ، أي: يا (خبيث)، أَصطفَاه الله على محمد ﷺ ؟.
(آخِذٌ) خبر مبتدأ محذوفٍ.
(قائمة) واحدةُ قوائِم الدَّابَّة، والمراد هنا ما هو كالعَمود للفرَس.
(صعقته الأولى) هي التي كانتْ في الدُّنيا فيما قال تعالى: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣]؛ أي: هَوَى من الصَّعْق، ولا مُنافاةَ بين قوله أولًا: (أكانَ ممن استَثنى الله)، وقوله ثانيًا: (أم حُوسِبَ بصَعْقَته الأُولى)؛ إذ المُستثنى قد يكون نفْسَ مَنْ له الصَعْقة في الدُّنيا، أو معناه: لا أَدري أيُّ هذه الثلاثة كانتْ من الإفاقة، أو الاستِثناء، أو المُحاسبة.
قال (ط): فيه أنه لا قِصاصَ بين المسلم والذِّمِّي؛ لأنه ﷺ لم يأْمر بقِصاص اللَّطْمة، وفيه تأدُّبه ﷺ ، وإقرارُه لموسى ﵊ بما خصَّه الله من الفَضيلة، وفيه أنَّ المِحَنَ في الدُّنيا والهُموم يُجازى بها، ويُدفَع بها من أهوال يوم القيامة.
* * *
٢٤١٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنسٍ ﵁:
(باب مَن رَدَّ أَمْر السَّفِيهِ) ضدُّ الرَّشيد، وهو المُصلِح دينَه ودُنياه.
(والضعيف العقل) أعمُّ منه.
(ويذكر عن جابر) قال (ش): قال عبد الحقِّ: مُراده حديث نُعَيم ابن النَحَّام حين دبَّر غُلامَه، فباعَه النبيُّ ﷺ في دَينه.
وقيل: بل أراد حديثَ جابر في الدَّاخل يوم الجمعة وهو ﷺ يخطُب فأمرَهم فتصدَّقوا عليه، فجاءَ في الثانية فأمرَهم بالصَّدَقة أيضًا، فقام ذلك المُتَصِدَّق عليه فتصدَّق بأحد ثوبَيه، فردَّ ﷺ عليه، وهو ضعيفٌ، رواه الدَّارَقُطْني.
قال (ش): ولهذا ذكره البخاري بصيغة تمريضٍ.
(ثم نهاه)؛ أي: رَدَّ على المتصدِّق المُحتاج لمَا تصدَّق به.
وأشار المصنِّف بما جمعَه في الباب من الأحاديث إلى التَّفصيل بين مَن ظُنَّ منه الإضاعة، فيردُّ تَصَدُّقُه كصاحِب المدبَّر، وبين مَن لم ينتَهِ لهذه الحالة، بل كان عن غفلةٍ، فلا يردُّ كصاحب الخدع.
(باب مَن ردَّ على الضَّعيف) (١).
(بعد) مبنيٌّ على الضمِّ؛ لأن إضافته مَنْويَّةٌ.
* * *
стр. 3484
٢٤١٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بن مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابن عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يُخْدَعُ فِي الْبَيْعِ، فَقَالَ لَهُ النَّبيُّ ﷺ : "إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ". فَكَانَ يَقُولُهُ.
٢٤١٥ - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بن عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا ابن أَبي ذِئْبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بن الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابرٍ ﵁: أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ، لَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَرَدَّهُ النَّبيُّ ﷺ ، فَابْتَاعَهُ مِنْهُ نُعَيْمُ بن النَّحَّامِ.
الحديث الأول، والثاني:
(أعتق عبدًا) مرَّ أنه كان مدبَّرًا، فيُجمع بينهما بأن المراد أعتَق عن دُبُرٍ حملًا للمُطلَق على المقيَّد.
(نُعَيم بن النَّحَّام) بالنون، وشدَّة المهملة،، وأكثر النسخ: (نُعيم بن النَّحَّام)، وصوابه: نُعَيم النَحَّام؛ لأن النَّحَّام صفةٌ لنُعيمٍ لا لأبيه؛ لأنه ﷺ قال: (دخلتُ الجنَّةَ، فسمِعتُ نَحْمة نُعَيمٍ فيها)، والنَحْمة -بفتح النون-: السَّعْلة.
قال (ط): السَّفه اليَسير، والخداع الذي لا يَكاد يسلَم منه لا يُوجِب الحَجْرَ، ولا ردَّ ما وقَع، كما لم يردَّ النبيُّ ﷺ بيعَ القائِل: لا خِلابَة، وبيع فاحِش السَّفَه يُردُّ كما ردَّ رسول الله ﷺ تدبيرَ العبد.
* * *
٢٤١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بن عُمَرَ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الله بن كَعْبِ بن مَالِكٍ، عَنْ كَعْبٍ ﵁: أَنَّهُ تَقَاضَى ابن أَبي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ الله ﷺ وَهْوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا، حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرتِهِ، فَنَادَى: "يَا كَعْبُ! " قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ الله. قَالَ: "ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا"، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ؛ أَيِ: الشَّطْرَ. قَالَ: لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ الله! قَالَ: "قُمْ، فَاقْضهِ".
الثاني:
(سِجْف) بكسر السين وفتحها: السِّتر كما مرَّ في (رفْع الصَّوت في المساجد).
ولا يجوز من كلام الخُصوم إلا ما يجوز لغَيرهم مما لا يُوجِب أدبًا ولا حَدًّا، ومثل قول الأشعث مباحٌ فيمَن عُرف فِسْقُه كما عُرف من اليهوديِّ، ومن لم يُعرف فسقه يجب أن يُنكَر عليه، ويؤخَذ له الحقُّ، وفي حديث كعب: أن للحاكم أن يُشير عليهما بالصُّلح، وأمر صاحب الدَّين بالوَضيعَة لقَطْع الخِصام.
* * *
٢٤١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بن الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عَبْدٍ الْقَارِيِّ: أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بن الْخَطَّابِ ﵁، يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بن حَكِيم
стр. 3487
ابن حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا، وَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ أَقْرَأَنِيهَا، وَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ، ثُمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ، فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ الله ﷺ ، فَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا، فَقَالَ لِي: "أَرْسِلْهُ". ثُمَّ قَالَ لَهُ: "اقْرَأْ". فَقَرَأَ، قَالَ: "هَكَذَا أُنْزِلَتْ". ثُمَّ قَالَ لِي: "اقْرَأْ". فَقَرَأْتُ، فَقَالَ: "هَكَذَا أُنْزِلَتْ؛ إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَؤُوا مِنْهُ مَا تَيَسَّرَ".
الثالث:
(القاري) بالقاف نسبةً لبني القَارة، والمشهور أنه تابعيٌّ.
(انصرف)؛ أي: من القراءة.
(لببته) بتخفيف الباء أعرف، أي: جمعتُ ثوبَه عند صَدْره، ولببته، ثم جرَرتُه.
قال (ك): وجاز هذا الفِعْل؛ لأنه أدَّى إليه اجتهاده.
(سبعة أحرف) قال (خ): الأشْبه أنَّ القرآن أُنزِل مرخَّصًا للقارئ أن يَقرأ بما تيسَّر من السَّبْعة أحرف مما اتفَق معناه أو تقارَب، وهذا قبل إجماع الصَّحابة، أما الآن فلم تسُغ القِراءة بخِلاف المُجمَع عليه.
والأحرف قيل: هي اللُّغات، أي: أُنزِل على أفْصح اللُّغات، وقيل: الإعراب؛ لأن الحرف الطَّرَف، والإعراب يَلزم آخرَ الأسماء، فسُمِّي باسم محلِّه، ثم استُعمل، فقيل: فلانٌ يَقرأ بحرف عاصمٍ، أي: بالوَجه الذي اختاره، وقيل: الأَحرف هي الأسماء والأفعال
стр. 3488
المؤلَّفة من الحُروف التي تنتظِم منها الكلمة، فتُقرأ على سبعة أوجهٍ، كقوله: ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ [يوسف: ١٢]، قُرئ بسبعة أَحرُفٍ.
وجاز إطلاق العدَد على نُزول الآية مع أنَّها إذا نزلتْ مرَّةً حصلتْ كما هي إلى أن تُرفَع، ثم تَنزل؛ لأن جبريل كان يُدارِس رسولَ الله ﷺ القُرآنَ في كلِّ رمضان، ويُعارِضه فيه، فيَنزل كلَّ عَرْضةٍ بحرفٍ، ولهذا قال: "أقرأَني جِبْريل على حَرْفٍ، فراجعتُه، فلم أزَلْ أَستَزيدُه حتَّى انتَهى إلى سبْعة أَحْرُفٍ".
قال (ع): هي توسِعةٌ، وتسهيلٌ، لم يُقصَد به الحصْر، والأكثَرون حصرٌ للعدَد في السَّبعة، فقيل: هي صورةُ التِّلاوة، وكيفيَّة النُّطق من إدغامٍ، وإظهارٍ، وتفخيمٍ، وترقيقٍ، ومدٍّ، وإمالةٍ؛ ليقرأ كلٌّ بما يوافِق لُغتَه، ويسهُلَ عليه، فلا يُكلَّف القُرشيُّ الهمْزَ، والتَّيْميُّ تَرْكَه، والأَسَدي فتْحَ حرْف المُضارَعة.
وقيل: هي في الألفاظ والحُروف، فقيل: سبعةُ لغاتٍ للعرَب يَمَنِها ومَعَدِّها، وقيل: بل السَّبْعة لمُضَر متفرقةٌ في القرآن غير مجتمعةٍ في كلمةٍ واحدةٍ، بل في بعض الكلمات، كقوله: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠].
قال الدَّاوُدي: القِراءة التي يَقرأ بها النَّاس اليوم ليس كلُّ حرفٍ منها أحَد السَّبْعة التي في الحديث بما جمَع عليه عُثمان.
* * *
стр. 3489
٥ - بابُ إِخْرَاجِ أَهْلِ الْمَعَاصِي وَالْخُصُومِ مِنَ الْبُيُوتِ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ
وَقَدْ أَخْرَجَ عُمَرُ أُخْتَ أَبي بَكْرٍ حِينَ ناَحَتْ.
([باب] إخراج أهل المعاصي)
أعاده في (الأحكام)، وقال بدَل المعاصي: (الرِّيَب).
(وقد أخرج عُمر) وصلَه ابن سَعْد في "الطَّبَقات" بإسنادٍ صحيحٍ.
* * *
٢٤٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن أَبي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بن إِبْرَاهِيمَ، عَنْ حُمَيْدِ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى مَنَازِلِ قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ".
(أُخالف) (١)؛ أي: آتي إليه، ومرَّ في (صلاة الجمُعة).
وفيه أنَّ العُقوبة تتعدَّى إلى المال، فإنَّ حَرْق المنازل معاقبةٌ في المال على عمَل الأبدان، وفيه أنَّ المعاقَبة على ما لا حَدَّ فيه موكولٌ للإمام.
* * *
стр. 3490
٦ - بابُ دَعْوَي الْوَصِيِّ لِلْمَيِّتِ
(باب دَعْوى الوَصيِّ للميِّت)
٢٤٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ عَبْدَ بن زَمْعَةَ وَسَعْدَ بن أَبي وَقَّاصٍ اخْتَصَمَا إِلَى النَّبيِّ ﷺ فِي ابن أَمَةِ زَمْعَةَ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ الله! أَوْصَانِي أَخِي إِذَا قَدِمْتُ أَنْ أَنْظُرَ ابن أَمَةِ زَمْعَةَ، فَأَقْبضَهُ، فَإِنَّهُ ابني. وَقَالَ عَبْدُ بن زَمْعَةَ: أَخِي، وَابن أَمَةِ أَبي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبي. فَرَأَى النَّبيُّ ﷺ شَبَهًا بَيِّنًا فَقَالَ: "هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بن زَمْعَةَ! الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَاحْتَجِبي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ".
(زَمَعَة) بزاي، وميمٍ، ومهملةٍ مفتوحات، والمُخْتَصَمُ فيه ابن جاريَة زَمَعَة، اسمه: عبد الرَّحمن، صحابيٌّ.
(أنظر) بصيغة الأمر، وفي بعضها بلفظ الخبَر.
(أخي) هو أخي (عُتْبة) بسُكون الفَوقانيَّة، اختلَفوا في إسلامه، وهو الذي شَجَّ وجْهَ رسولِ الله ﷺ يومَ أُحُد.
وأَمْر (سودة) أُمِّ المؤمنين بالاحتِجاب ورَعًا للمُشابهة الظاهرة بين عبد الرَّحمن وعُتْبة.
ومرَّ في (تفسير المُشبَّهات)، من (البيع).
стр. 3491
(يا عبد بن زمعة) بنصب (عبد) و (ابن)، ورفعهما.
قلت: ينبغي أن يُقرأ برفع (عبد) فقط؛ لأنَّه غير علَم، ونصب (ابن) دائمًا على الأكثر، فقد قال في "التَّسهيل": فرُبَّما ضُمَّ (ابن) إتْباعًا.
* * *
٧ - بابُ التَّوَثُّقِ مِمَّنْ تُخْشَى مَعَرَّتُهُ
وَقَيَّدَ ابن عَبَّاسٍ عِكْرِمَةَ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ وَالْفَرَائِضِ.
(باب التَّوثُّق ممَّنْ يُخشَى مَعَرَّتُه)، بفتح الميم، والمهملة، وتشديد الراء: القَبيْح المكروه، والأذَى، مَفْعَل من العَرِّ.
* * *
٢٤٢٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بن أَبي سَعِيدٍ: أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيرَةَ ﵄ يَقُولُ بَعَثَ رَسُولُ الله ﷺ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بني حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بن أُثَالٍ؛ سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجدِ، فَخَرَجَ إلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ قَالَ: "مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ " قَالَ: عِنْدِي يَا مُحَمَّدُ خَيْرٌ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ: "أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ".
стр. 3492
(خيلًا)؛ أي: رُكبانًا.
(قِبل) بكسر القاف: الجِهَة.
(بني حَنيفة) بفتح المهملَة: قبيلةٌ من العرَب.
(ثُمامة) بضم المثلَّثة.
(أُثَال) بضمِّ الهمزة، وخفَّة المثلَّثة، مصروفٌ، أسَره رسول الله ﷺ ، ثم أطلقَه، فأسلَمَ، وحسُنَ إسلامه، ولم يرتدَّ مع من ارتدَّ.
(اليَمامة) بفتح التحتانيَّة: مدينةٌ باليمَن على مَرْحلةٍ من الطَّائف.
(فذكر الحديث) بتمامه.
(أطلقوا) بلفظ الأمر، تقدَّم في (ربْط الأَسِيْر في المسجد).
* * *
٨ - بابُ الرَّبْطِ وَالْحَبْسِ فِي الْحَرَمِ
وَاشْتَرَى نَافِعُ بن عَبْدِ الْحَارِثِ دَارًا لِلسِّجْنِ بِمَكَّةَ مِنْ صَفْوَانَ بن أُمَيَّةَ عَلَى أَنَّ عُمَرَ؛ إِنْ رَضيَ فَالْبَيْعُ بَيْعُهُ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ عُمَرُ فَلِصَفْوَانَ أَرْبَعُ مِائَةٍ. وَسَجَنَ ابن الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ.
٢٤٢٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بن أَبي سَعِيدٍ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: بَعَثَ النَّبيُّ ﷺ خَيْلًا
стр. 3493
قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بني حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بن أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ.
(باب الرَّبْط والحَبْس)
(نافع بن عبد الحارث) الخُزاعي، مِن أجِلَّاء الصَّحابة، استعملَه عُمر على مكَّة، وأمَره بشراءِ دارٍ (بمكة) للسِّجْن.
(على) دخلتْ على (إن) الشَّرطية نظرًا إلى المعنى، كأنه قال: على هذا الشَّرْط، والبيع بمثْل هذا الشَّرط فاسدٌ، لكن لم يَدخل الشَّرط في نفْس العَقْد، بل هو وَعْدٌ يقتضيه العقد، أو بيع بشرطِ الخِيَار لعُمَر، أو كان وكيلًا لعُمر، وللوكيل أنْ يَأْخُذ لنفسه إذا ردَّه الموكِّل بالعَيْب ونحوه.
قال المُهلَّب: اشتراها نافِعٌ من صَفْوان للسِّجْن، وشرَط إنْ رضيَ عُمر البَيع فهي لعُمر، وإن لم يَرْضَ بالثَّمن المذكور؛ فالدَّار لنافِع بأربع مائة دينارٍ، وهذا بيعٌ جائزٌ.
والسُّنَّة في مثل قضيَّة ثُمامَة أن يُقتل، أو يُستَعبَد، أو يُفادَى به، أو يُمَنَّ عليه، فحبسَه النبي ﷺ حتى يَرى الأصلَح للمسلمين في أمره.
* * *
стр. 3494
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
٩ - بابُ الْمُلَازمَةِ
٢٤٢٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بن بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بن رَبيعَةَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بن رَبيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن هُرْمُزَ، عَنْ عَبْدِ الله بن كَعْبِ بن مَالِكٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ كَعْبِ بن مَالِكٍ ﵁: أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَلَى عَبْدِ الله بن أَبي حَدْرَدٍ الأَسْلَمِيِّ دَيْنٌ، فَلَقِيَهُ فَلَزِمَهُ، فَتَكَلَّمَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَمَرَّ بِهِمَا النَّبيُّ ﷺ فَقَالَ: "يَا كَعْبُ! " وَأَشَارَ بِيَدِهِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ: النِّصْفَ، فَأَخَذَ نِصْفَ مَا عَلَيْهِ وَتَرَكَ نِصْفًا.
(بابٌ: في المُلازَمة)
(قال غيره)؛ أي: غير يحيى، والفَرْق بين الطَّريقين: أنَّ الأول رُوي بـ (عَنْ)، والثاني بلفْظ: حدَّثني.
وفيه جواز مُلازَمة الغَريم؛ لأنه ﷺ لم يُنكِر على كَعْب ملازمتَه لغَريمه، واختُلف هل يُلازم المعدِم بعد ثُبوت الإِعْدام، وانطلاقِه من الحبس؟.
* * *
стр. 3495
١٠ - بابُ التَّقَاضي
(باب التَّقاضي)
٢٤٢٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بن جَرِيرِ بن حَازِمٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ خَبَّابٍ قَالَ: كُنْتُ قَيْنًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ لِي عَلَى الْعَاصِ بن وَائِلٍ دَرَاهِمُ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ: لَا أَقْضيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، فَقُلْتُ: لَا وَالله لَا أَكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ حَتَّى يُمِيتَكَ الله، ثُمَّ يَبْعَثَكَ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أَمُوتَ، ثُمَّ أُبْعَثَ، فَأُوتَى مَالًا وَوَلَدًا، ثُمَّ أَقْضيَكَ. فَنَزَلَتْ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ الآية.
(إسحاق) قيل: إنه ابن إبراهيم الحَنْظلي.
(النصف) بالنَّصْب بإضمار فِعْلٍ، أي: ضَعْ، أو اُتركْ.
(قَينًا)؛ أي: حدَّادًا.
(وائل) بهمزٍ بعد الألف.
(أُقبضك) من الإقْباض، وفي بعضها: (أَقضيك) من القَضاء، مرَّ في (ذكر القَين)، من (البيع)، و (الإجارة).
وفيه مَن له دَينٌ على فاسقٍ لا بأْسَ أن يطلبَه، ويُشْخصَ له.
стр. 3496
٤٥ - كتاب في اللقطة
стр. 3497
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٤٥ - كتاب في اللُّقَطَةِ
وإِذَا أَخْبَرَهُ رَبُّ اللُّقَطَةِ بِالْعَلَامَةِ دَفَعَ إِلَيْهِ.
(كتابُ اللُّقَطَةِ)
الأفصح فتح القاف، قال الخَليل: بالفتح: اللَّاقِط، وبالسُّكون: المَلقُوط، وهو القياس، لكن اللُّقَطة على خِلاف القياس؛ إذ أجمعوا بالفتح على المَلقُوط، وسيأتي في البخاري: (فسأَلَه عما يلتَقطُه)، فدلَّ على أن المسؤُول عما يُلتَقَط.
قال ابن مالك: فيها أيضًا اللُّقاطة بضمِّ اللام، واللَّقَطة بفتح اللام، والقاف.
* * *
٢٤٢٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بن بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ، سَمِعْتُ سُوَيْدَ بن غَفَلَةَ، قَالَ: لَقِيتُ أُبَيَّ بن كَعْبٍ ﵁ فَقَالَ: أَخَذْتُ صُرَّةً مِائَةَ دِينَارٍ، فَأَتَيْتُ النَّبيَّ ﷺ ، فَقَالَ: "عَرِّفْهَا حَوْلًا". فَعَرَّفْتُهَا حَوْلَهَا، فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا، ثُمَّ أَتَيْتُهُ، فَقَالَ: "عَرِّفْهَا حَوْلًا"، فَعَرَّفْتُهَا فَلَمْ أَجِدْ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ
стр. 3498
ثَلَاثًا، فَقَالَ: "احْفَظْ وِعَاءَهَا، وَعَدَدَهَا، وَوِكَاءَهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَّا فَاسْتَمْتِعْ بِهَا". فَاسْتَمْتَعْتُ، فَلَقِيتُهُ بَعْدُ بِمَكَّةَ، فَقَالَ: لَا أَدْرِي ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ، أَوْ حَوْلًا وَاحِدًا.
(سُويد بن غَفَلَة) بفتح المعجمَة، واللام، والفاء: أدركَ الجاهليَّةَ والإسلامَ.
(وجدت) في بعضها: (أخَذْتُ)، وفي بعضها: (أصَبْتُ).
(وكاءها) الخَيْط الذي يُشَدُّ به الكِيْس.
(فإن جاء صاحبُها) شرطٌ حُذِف جزاؤهُ، تقديره: فارْدُدْها عليه.
(فلقيته بعدُ) بالضمِّ، أي: قال شُعبة: فلقِيْتُ شيخي سلَمة بن كُهَيل، وبيَّنه مسلم، فاقتصَّ الحديث، وقال شُعبة: فسمعتُه بعد عشر سنين يقول: عرِّفْها عامًا واحِدًا، وبيَّنه أبو داود الطَّيَالِسي، فقال آخِرَ الحديث: فلقِيْتُ سَلَمة بعد ذلك، فقال: لا أَدري، وأغرَب فقال: الشَّاكُّ أُبيُّ بن كعْب، والقائِل: سُويد بن غَفَلَة، فلم يُصِبْ، وفي هذا ما يُعتذر به عن القَول بثلاثة أحوالٍ من تردُّد الرَّاوي فيه.
قال (خ): أجمع العُلماء على الاكتِفاء بحولٍ واحدٍ، واختُلف إذا جاء صاحبها بعلامتها تردُّ إليه أو يُكلَّف البيِّنة؟، فقال مالك، وأحمد: بالرَّدِّ لهذا الحديث، وأبو حنيفة والشَّافعي: لا يأْخذ إِلا بالبيِّنة؛ لقوله ﷺ : "البيِّنة على المُدَّعي".
* * *
стр. 3499
٢ - بابُ ضَالَّةِ الإِبلِ
٢٤٢٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بن عَبَّاسٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ رَبيعَةَ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ، عَنْ زَيْدِ بن خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵁، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابيٌّ النَّبيَّ ﷺ ، فَسَأَلَهُ عَمَّا يَلْتَقِطُهُ، فَقَالَ: "عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ احْفَظْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبرُكَ بِهَا، وَإِلَّا فَاسْتَنْفِقْهَا". قَالَ: يَا رَسُولَ الله! فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ: "لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ". قَالَ: ضَالَّةُ الإبلِ؟ فَتَمَعَّرَ وَجْهُ النَّبيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "مَا لَكَ وَلَهَا، مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ".
(باب ضالَّة الإبل)
(عمرو بن عباس) بالموحَّدة، والمهملة.
(اعرف) من المعرفة.
(عِفاصها) بكسر المهملة، وبالفاء، والمهملة: الذي فيه النَّفَقة، أو الجِلْد الذي تُلبسه رأْس القارورة.
(تَمَعَّرَ) بفتح المهملة المشدَّدة، والراء، أي: تغيَّر من الغضَب، من قولهم: مكانٌ أمْعَر، وهو الجَدْب.
(حِذاؤها) بكسر الحاء، والمدِّ: ما وَطِئ عليه البعيرُ من خُفِّه.
(قال يحيى بن سعيد الأنصاري)؛ أي: راوي الحديث: لا أَدري هذا الشَّرط والجَزاء من الحديث أو مِن كلام يزيد.
قال بعض العَصْريين: ولم يشُكَّ يحيى في كون هذه الجُملة موقوفةً على يَزيد، ولم أرَها مرفوعةً.
* * *
٤ - بابٌ إِذَا لَمْ يُوجَدْ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ سَنَةٍ فَهْيَ لِمَنْ وَجَدَهَا
(بابٌ: إذا لم يُوجَد)
٢٤٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ رَبيعَةَ بن أَبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ، عَنْ زَيْدِ بن خَالِدٍ ﵁، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: "اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا". قَالَ: فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ: "هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ". قَالَ: فَضَالَّةُ الإِبلِ؟ قَالَ: "مَا لَكَ وَلَهَا، مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا".
(جاء رجل) قال ابن بَشْكُوال: الرَّجل هنا بلال المؤذِّن، وساقَ سنَده بذلك، لكنْ يُشكِل عليه سياق البخاري السابق: (جاء أعرابيٌّ).
(فشأنك) نصبٌ على الإغْراء، أي: الْزَمْ شأنَك، وبالرَّفع، وفيه
стр. 3502
حَذْف الجَواب، أي: إنْ جاءَ فادفعْها إليه.
وفيه جواز أخْذ اللُّقَطة، وأنها إنْ لم تَفسُد في مدَّة السَّنة تُعرَّف سنةً، وأنه يستمتِع بها بعد انقِضاء الحَول، ولا يَلزمه التصدُّق بها.
قال (ط): ما لا يتشاحَحُ النَّاس فيه كالتَّمْرة لا يَلزمه تعريفُه.
قال مالك: مَن أخَذ شاةً من أرضٍ فلاةٍ فأكلَها فلا ضمانَ عليه؛ لأنه ﷺ أذِنَ له في أكلها حيث قال: (لكَ، أو لأَخيكَ).
أجاب الطَّحَاوي: لأخيكَ، ليس للمِلك، وبأنه قال: (أو للذئب) والذِّئب لا يملِك، والإجماع أنَّ صاحبَها قبْل أن يأْكلَها واجدُها له أخْذُها منه.
قال داود: إنَّ صاحب اللُّقَطة في غير ما يُسرِع إليه الفَساد من الشَّاة ونحوها لا يَضمَن إذا استملَكَها بعد التَّعريف؛ لقوله ﵇: (فشَأْنَك بها).
قال (ك): وهو خَرْقٌ للإجماع.
* * *
٥ - بابٌ إِذَا وَجَدَ خَشَبَةً فِي الْبَحْرِ أَوْ سَوْطًا أَوْ نَحْوَهُ
(بابٌ: إذا وجَد خشَبةً)
٢٤٣٠ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بن رَبيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
стр. 3503
ابن هُرمُزَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ : أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بني إِسْرَائِيلَ -وَسَاقَ الْحَدِيثَ-: "فَخَرَجَ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ، فَإِذَا هُوَ بِالْخَشَبَةِ، فَأَخَذَهَا لأَهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا نشَرَهَا، وَجَدَ الْمَالَ وَالصَّحِيفَةَ".
(وجد المال)؛ أي: الذي بعثَه المُستقرِض إليه.
(والصحيفة) التي كتبَها له المُستقرِض بذكْر بعث القَرْض.
وفيه أنَّ الخشَبة حكمها حُكم اللُّقَطة.
قال المُهلَّب: وإنما أخذَها حَطَبًا لأهله؛ لغلَبة الغضَب عليه بانكِسار سفينته، واختُلف في القليل من اللُّقَطة فرخَّص طائفةٌ أخْذَها، والانتفاعَ بها، وتَرْكَ تعريفها، وقال آخرون: لم يُفرِّق في الحديث بين القليل والكثير في إيجاب التَّعريف، ومن له رَبٌّ لا يتملَّكه أحد إلا بتمليكه إياه، قلَّ أو كثُر.
* * *
٦ - بابٌ إِذَا وَجَدَ تَمْرَةً فِي الطَّرِيقِ
(بابٌ: إذا وَجَد تَمْرةً)
٢٤٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ أَنسٍ ﵁، قَالَ: مَرَّ النَّبيُّ ﷺ بِتَمْرَةٍ فِي الطَّرِيقِ قَالَ:
стр. 3504
"لَوْلَا أنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لأكَلْتُهَا".
وَقَالَ يَحْيَى: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ.
وَقَالَ زَائِدَةُ: عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ طَلْحَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ.
* * *
٢٤٣٢ - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بن مُنَبهٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "إِنِّي لأَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِي، فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي، فَأَرْفَعُهَا لآكلَهَا، ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً، فَأُلْفِيهَا".
(فأُلقيها) بضم الهمزة لا غير.
وفيه حُرْمة الصَّدَقتين على رسول الله ﷺ ، والاحتِرازُ عن الشُّبهة، قيل: هذا أشدُّ ما رُوي في الشُّبُهات، وفيه إباحة الشَّيء التَّافِه للمُلتقِط دون تعريفٍ كما مرَّ في (البيع).
* * *
٧ - بابٌ كيف تُعَرَّفُ لُقَطَةُ أَهْلِ مَكَّةَ ؟
وَقَالَ طَاوُسٌ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، قَالَ: "لَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهَا إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا". وَقَالَ خَالدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنِ
стр. 3505
النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ".
(بابٌ: كيف تُعرَّف؟)
بلفْظ المجهول من التَّفْعيل.
(وقال طاوس) [...] (١).
(إلا من عرفها) لا يُقال: لُقَطات جميع البلاد كذا؛ لأنَّ المراد هنا: لا تُلْتقَط إلا للتعريف، ولا يصحُّ تملُّكها أصلًا.
* * *
٢٤٣٣ - وَقَالَ أَحْمَدُ بن سَعِدٍ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بن دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لَا يُعْضَدُ عِضَاهُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا". فَقَالَ عَبَّاسٌ: يَا رَسُولَ الله! إِلَّا الإذْخِرَ؟ فَقَالَ: "إِلَّا الإذْخِرَ".
الحديث الأول:
(روْح) بفتح الراء.