(قال يحيى بن سعيد الأنصاري)؛ أي: راوي الحديث: لا أَدري هذا الشَّرط والجَزاء من الحديث أو مِن كلام يزيد.
قال بعض العَصْريين: ولم يشُكَّ يحيى في كون هذه الجُملة موقوفةً على يَزيد، ولم أرَها مرفوعةً.
* * *
٤ - بابٌ إِذَا لَمْ يُوجَدْ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ سَنَةٍ فَهْيَ لِمَنْ وَجَدَهَا
(بابٌ: إذا لم يُوجَد)
٢٤٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ رَبيعَةَ بن أَبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ، عَنْ زَيْدِ بن خَالِدٍ ﵁، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: "اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا". قَالَ: فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ: "هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ". قَالَ: فَضَالَّةُ الإِبلِ؟ قَالَ: "مَا لَكَ وَلَهَا، مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا".
(جاء رجل) قال ابن بَشْكُوال: الرَّجل هنا بلال المؤذِّن، وساقَ سنَده بذلك، لكنْ يُشكِل عليه سياق البخاري السابق: (جاء أعرابيٌّ).
(فشأنك) نصبٌ على الإغْراء، أي: الْزَمْ شأنَك، وبالرَّفع، وفيه
стр. 3502
حَذْف الجَواب، أي: إنْ جاءَ فادفعْها إليه.
وفيه جواز أخْذ اللُّقَطة، وأنها إنْ لم تَفسُد في مدَّة السَّنة تُعرَّف سنةً، وأنه يستمتِع بها بعد انقِضاء الحَول، ولا يَلزمه التصدُّق بها.
قال (ط): ما لا يتشاحَحُ النَّاس فيه كالتَّمْرة لا يَلزمه تعريفُه.
قال مالك: مَن أخَذ شاةً من أرضٍ فلاةٍ فأكلَها فلا ضمانَ عليه؛ لأنه ﷺ أذِنَ له في أكلها حيث قال: (لكَ، أو لأَخيكَ).
أجاب الطَّحَاوي: لأخيكَ، ليس للمِلك، وبأنه قال: (أو للذئب) والذِّئب لا يملِك، والإجماع أنَّ صاحبَها قبْل أن يأْكلَها واجدُها له أخْذُها منه.
قال داود: إنَّ صاحب اللُّقَطة في غير ما يُسرِع إليه الفَساد من الشَّاة ونحوها لا يَضمَن إذا استملَكَها بعد التَّعريف؛ لقوله ﵇: (فشَأْنَك بها).
قال (ك): وهو خَرْقٌ للإجماع.
* * *
٥ - بابٌ إِذَا وَجَدَ خَشَبَةً فِي الْبَحْرِ أَوْ سَوْطًا أَوْ نَحْوَهُ
(بابٌ: إذا وجَد خشَبةً)
٢٤٣٠ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بن رَبيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
стр. 3503
ابن هُرمُزَ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ : أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بني إِسْرَائِيلَ -وَسَاقَ الْحَدِيثَ-: "فَخَرَجَ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ، فَإِذَا هُوَ بِالْخَشَبَةِ، فَأَخَذَهَا لأَهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا نشَرَهَا، وَجَدَ الْمَالَ وَالصَّحِيفَةَ".
(وجد المال)؛ أي: الذي بعثَه المُستقرِض إليه.
(والصحيفة) التي كتبَها له المُستقرِض بذكْر بعث القَرْض.
وفيه أنَّ الخشَبة حكمها حُكم اللُّقَطة.
قال المُهلَّب: وإنما أخذَها حَطَبًا لأهله؛ لغلَبة الغضَب عليه بانكِسار سفينته، واختُلف في القليل من اللُّقَطة فرخَّص طائفةٌ أخْذَها، والانتفاعَ بها، وتَرْكَ تعريفها، وقال آخرون: لم يُفرِّق في الحديث بين القليل والكثير في إيجاب التَّعريف، ومن له رَبٌّ لا يتملَّكه أحد إلا بتمليكه إياه، قلَّ أو كثُر.
* * *
٦ - بابٌ إِذَا وَجَدَ تَمْرَةً فِي الطَّرِيقِ
(بابٌ: إذا وَجَد تَمْرةً)
٢٤٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ أَنسٍ ﵁، قَالَ: مَرَّ النَّبيُّ ﷺ بِتَمْرَةٍ فِي الطَّرِيقِ قَالَ:
стр. 3504
"لَوْلَا أنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لأكَلْتُهَا".
وَقَالَ يَحْيَى: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ.
وَقَالَ زَائِدَةُ: عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ طَلْحَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ.
* * *
٢٤٣٢ - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بن مُنَبهٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "إِنِّي لأَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِي، فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي، فَأَرْفَعُهَا لآكلَهَا، ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً، فَأُلْفِيهَا".
(فأُلقيها) بضم الهمزة لا غير.
وفيه حُرْمة الصَّدَقتين على رسول الله ﷺ ، والاحتِرازُ عن الشُّبهة، قيل: هذا أشدُّ ما رُوي في الشُّبُهات، وفيه إباحة الشَّيء التَّافِه للمُلتقِط دون تعريفٍ كما مرَّ في (البيع).
* * *
٧ - بابٌ كيف تُعَرَّفُ لُقَطَةُ أَهْلِ مَكَّةَ ؟
وَقَالَ طَاوُسٌ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، قَالَ: "لَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهَا إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا". وَقَالَ خَالدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ، عَنِ
стр. 3505
النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ".
(بابٌ: كيف تُعرَّف؟)
بلفْظ المجهول من التَّفْعيل.
(وقال طاوس) [...] (١).
(إلا من عرفها) لا يُقال: لُقَطات جميع البلاد كذا؛ لأنَّ المراد هنا: لا تُلْتقَط إلا للتعريف، ولا يصحُّ تملُّكها أصلًا.
* * *
٢٤٣٣ - وَقَالَ أَحْمَدُ بن سَعِدٍ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بن دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لَا يُعْضَدُ عِضَاهُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا". فَقَالَ عَبَّاسٌ: يَا رَسُولَ الله! إِلَّا الإذْخِرَ؟ فَقَالَ: "إِلَّا الإذْخِرَ".
الحديث الأول:
(روْح) بفتح الراء.
стр. 3506
(لا يُعْضَد) بالجزم والرفع: لا يُقطَع.
(عِضَاهها) بكسر المهملة، وخِفَّة المعجمة: العِضَاه شجَر أمِّ غَيْلان، وقيل: شجَرٌ عظيمٌ له شوكٌ، واحده عِضَةٌ بالتاء، أصلها: عضيهة.
(لمُنشد)؛ أي: مُعرِّفٍ بدليل الحديث قبلَه: (إلا لمُعرِّف)، نشَدْتُ الضالَّةَ، فأنا ناشِدُها، أي: طلبْتُها وأنشدتُها، فأنا مُنشِدُها: إذا عرَّفتَها.
(خلاها) بالقَصْر: هو الرَّطْب من الحَشيش.
قيل: إنما لم تُملك لُقَطتها لإمكان إيصالها لربها، فإنْ كانت للمَكِّي فظاهرٌ، أو للغَريب فيقصِد في كلِّ عامٍ من أقطار الأرض، فيَسهل التوصُّل لها.
* * *
٢٤٣٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بن مُوسَى، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بن مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بن أَبي كَثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ ابن عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: لَمَّا فتحَ الله عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مَكَّةَ قَامَ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ الله، وَأثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ الله حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، فَإنَّهَا لَا تَحِلُّ لأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي، فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا تَحِلُّ
стр. 3507
سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ، فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ؛ إِمَّا أَنْ يُفْدَى، وَإِمَّا أَنْ يُقِيدَ". فَقَالَ الْعَبَّاسُ: إِلَّا الإِذْخِرَ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ لِقُبُورِناَ وَبُيُوتِنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِلَّا الإِذْخِرَ". فَقَامَ أَبُو شَاهٍ -رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ- فَقَالَ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ الله! فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "اكْتُبُوا لأَبي شَاهٍ". قُلْتُ لِلأَوْزَاعِيِّ: مَا قَوْلُهُ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: هَذِهِ الْخُطْبَةَ الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ الله ﷺ .
الثاني:
(حبس عن مكة الفيل) أو القتل، سبَق في (العِلْم).
(لا تحل)؛ أي: لم تَحِلَّ، (لا) بمعنى: (لم)، والمراد حلُّ القتال فيها.
(قتيل) مجازٌ عن المُشرِف على القتْل، [أ] وحقيقة، ويُراد به القَتيل الذي صار قَتيلًا بهذا القتْل لا بقتْلٍ موجِبٍ لتحصيل الحاصِل.
(يُفْدَى) مبنيٌّ للمفعول، أي: يُعطى الفِدْية.
(يُقِيد) بضمِّ أوله، وكسر القاف، أي: يقتصَّ، مِن القَوَد، وهو القِصاص.
(أبو شاه) بالهاء لا غير، أي: مع التَّنوين والصَّرف، قاله (ن)، ورُوي بالتاء، وتقدَّم في (العلم).
قال (ع): قراءته معرفة ونكرة.
* * *
стр. 3508
٨ - بابٌ لَا تُحْتَلَبُ مَاشِيَةُ أَحَدِ بِغَيْرِ إِذْنِ
٢٤٣٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لَا يَحْلُبن أَحَدٌ مَاشِيَةَ امْرِئٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ، فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ، فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ؟ فَإِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَاتِهِمْ، فَلَا يَحْلُبن أَحَدٌ مَاشِيَهَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ".
(بابٌ: لا تُحلَب ماشية المَشْربة)
بفتح الميم، وضم الراء وفتحها: الغُرفة المرتفِعة عن الأرض، شبَّه ﷺ ضُروع المواشي في ضَبْطها الألبان لأربابها بالمَشرُبة التي تحفَظ ما أُودعَتْ من متاعٍ ونحوه.
(تَخْزُن) بفتح الفَوقانيَّة، وسكون المعجَمة، وضم الزَّاي، بعدها نون، ورُوي بضمِّ أوله، وسكون المهملة، وكسر الرَّاء، بعدها زاي.
(ضروع) جمع: ضَرْع، هو لكلِّ ذات ظُلْفِ وخُفٍّ كالثَّدي للإنسان.
(أطعِماتهم) بكسر العين: جمع أَطْعِمة الذي هو جمع طَعامٍ، والمراد بها هنا اللَّبن.
وقال (خ): وفيه إثْباتُ القِياس، وهو رَدُّ الشَّيء إلى نظيره؛ لأنه شبَّه حِفْظ اللَّبن في الضَّرع بحفظ المَتاع في المَشرُبة، وقد يُستدلُّ به
стр. 3509
على وُجوب القَطْع على مَنْ حلَب لبنًا من ماشيةِ غيره.
* * *
٩ - بابٌ إِذَا جَاءَ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ سَنَةٍ رَدَّهَا عَلَيْهِ؛ لأَنَّهَا وَدِيعَةٌ عِنْدَهُ
(بابٌ: إذا جاءَ صاحِبُ اللُّقَطة فأَدَّاها)
صريحٌ في وُجوب الضَّمان.
٢٤٣٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بن سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بن جَعْفَرٍ، عَنْ رَبيعَةَ بن أَبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ، عَنْ زَيْدِ بن خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵁: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ الله ﷺ عَنِ اللُّقَطَةِ، قَالَ: "عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا، فَأَدِّهَا إِلَيْهِ". قَالُوا: يَا رَسُولَ الله! فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ: "خُذْهَا؛ فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ". قَالَ: يَا رَسُولَ الله! فَضَالَّةُ الإبلِ؟ قَالَ: فَغَضبَ رَسُولُ الله ﷺ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنتَاهُ -أَوِ احْمَرَّ وَجْهُهُ- ثُمَّ قَالَ: "مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا، حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا".
(وجنتاه) الوَجْنَة: ما ارتفَع من الخدَّين، فيها أربع لغات.
* * *
بين ثديَي الشَّاة، ويحلبَها.
(كُثْبة) بضم الكاف، وإسكان المثلَّثة: قَدْر الحَلْبة، أو القليل منه.
(إداوة)؛ أي: رِكْوةً.
وأدخل البخاري هذا الحديث في اللُّقَطة؛ لأنَّ اللَّبن إذ ذاك في حُكم الضَّائِع المستهلَك، فهو كالسَّوط الذي اغْتُفِر التقاطُه، وأعلى أحواله أنْ يكون كالشَّاة المقُول فيها: (هي لأخيك، أو للذِّئب)، وكذا هذا اللَّبن إنْ لم يُحلَب ضاعَ، وهذا أَولى من تأْويل أنَّه مالُ حربيٍّ؛ إذ الغَنائم لم تكن أُحلَّتْ بعدُ، وقيل: كانت لصَدِيق الصِّدِّيق، ولهذا قال: فسَمَّاه، فعرفتُه، أو أنَّ قوله: هل في غنَمِك مِن لبن، أرادَ به: هل أُذِنَ لك في ذلك، أو أنَّ ذلك مُستفَاضٌ بين العرَب، لا يَرون بذلك بأْسًا، أو في حقِّ محتاجٍ، أو يُبيحون ذلك لرُعاتهم، أو أنَّ النبيَّ ﷺ أَولى بالمؤمنين، فهذه سبعة أوجهٍ محتملةٌ.
فيه استِصحاب الإِداوَة في السَّفَر، وخِدْمة التابع للمَتبوع.
مَوضعه، وقيل: التصرُّف في مِلْك الغير بغير إذنه.
(والغصب) الاستِيلاء على مال الغَير ظُلْمًا.
(المقنع المقمح)؛ أي: هذه الكلِمة بالنُّون والعين، وبالميم والحاء بمعنَى واحدٍ، وهو رفع الرَّأْس.
(جُوْفًا) بضم الجيم، وسكون الواو: جمع أَجْوَف، وفُلانٌ يُدْمِنُ كذا، أي: يُديمُه.
﴿مُهْطِعِينَ﴾: مُسرِعين إلى الدَّاعي، وقيل: أَنْ تُقبل ببصَرك على المرئيِّ تُديم النَّظَر إليه.
﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾: رافِعيها.
﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾؛ أي: لا يَطرِفُون، لكنْ عيونهم مفتوحةٌ ممدودةٌ من غير تحريك الأجْفان.
﴿هَوَاءٌ﴾؛ أي: صِفْرًا من الخَير، خاليةٌ عنه، والهواء: الخَلاء الذي لم تَشغَلْه الأجْرام، أي: لا قوَّةَ في قُلوبهم ولا جُرأَة، ويقال للأحمق: قلْبُه هواءٌ.
* * *
١ - بابُ قِصاصِ المَظَالِمِ
(باب: قصاص المظالم)
٢٤٤٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بن إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بن هِشَامٍ،
стр. 3517
حَدَّثَنِي أَبي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبي الْمُتَوَكِّلِ النَّاجِيِّ، عَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: "إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، حُبسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَتَقَاضُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا، أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ ﷺ بِيَدِهِ لأَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ فِي الْجَنَّةِ أَدَلُّ بِمَنْزِلهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا".
وَقَالَ يُونُسُ بن مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُتَوَكِّلِ.
(بقنطرة) إنْ ثبَت أن الجِسْر والصِّراط واحدٌ فَيُؤوَّل بأنَّ القَنْطرة من تتمَّة الصِّراط ونحو ذلك لا أنهما جِسْران.
(يتقاصون) يتفاعَلُون، مِن اقتصَصْتُ الأمْرَ: إذا تتبَّعتَه.
قال (ط): هذا التَّقاصُّ لقَومٍ دون قومٍ، وهم مَن لا تَستغرِق مظالمُهم جميعَ حسناتهم؛ إذ لو استغرَق جميعَها كانوا من أهل النَّار، فلا يُقال فيهم: خلَصُوا من النَّار، والتَّفاعُل من اثنَين، فلكلٍّ منهما على أخيه مظلمةٌ لا تُوجِب النَّارَ، فيتَقاصُّون الحسَنات لا السَّيئاتِ، فمَن زادَتْ مظلمَتُه على مَظلَمة أخيه أخَذ من حسَناته، ودخَل الجنَّة، ومنازلُهم فيها بقَدْر ما بقِيَ لكلٍّ منهم من الحسَنات، فلهذا يَتقاصُّون بعد خَلاصهم من النار.
قال المُهلَّب: هذه المُقاصَّة في مَظالم الأبْدان كاللَّطْمَةِ وشِبْهها
стр. 3518
مما الظَّالمُ فيها مليٌّ لأداء القِصاص منه لحُضور بدَنه، وقيل: القِصاص في العِرْض والمال يكون بالحسَنات والسيِّئات، فيُزاد في حسَنات المظلوم، وسيئِّات الظَّالم.
(نقوا) مبنيٌّ لمَا لم يُسمَّ فاعله مِن التَّنقية بمعنى التَّخليص والتَّمييز.
(وهذبوا)؛ أي: خُلِّصُوا من العُيوب.
(أدل بمسكنه) لأنَّه عرَفَه بعَرْضه عليه بالغَداة والعَشيِّ.
* * *
٢ - بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾
(باب قَول الله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨])
٢٤٤١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: أَخْبَرَنِي قَتَادَةُ، عَنْ صَفْوَانَ بن مُحْرِزٍ الْمَازِنِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَاَ أَمْشِي مَعَ ابن عُمَرَ ﵄ آخِذٌ بِيَدِهِ إِذْ عَرَضَ رَجُلٌ، فَقَالَ: كيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ الله ﷺ فِي النَّجْوَى؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ الله يُدْنِي الْمُؤْمِنَ، فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، وَيَسْتُرُهُ، فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ! حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبهِ، وَرَأَى فِي نَفْسِهِ: أَنَّهُ هَلَكَ، قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَناَ أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ. فَيُعْطَى
стр. 3519
كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُونَ، فَيَقُولُ الأَشْهَادُ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبهِمْ، أَلَا لَعْنَةُ الله عَلَى الظَّالِمِينَ".
(ابن مُحْرِز) بضم الميم، وسكون المهملَة، وتقديم الرَّاء.
(النجوى) ما يقَع بين الله تعالى وعبده المؤمن يوم القِيامة، وهو فضْلٌ من الله تعالى حيث يذكر معاصي العبد سِرًّا.
(يُدْني) يُقرِّب تَقريبًا رُتْبيًّا لا مَكانيًّا.
(كَنَفَهُ) بفتح النون: سَتْره، فلا يكشِفُه على رؤُوس الأشهاد بدليل سِياق الحديث، وقيل: عفْوَه ومَغْفرتَه.
قال القاضي: صحَّفَه بعضُهم تصحيفًا قبيحًا، فقال: بالتَّاء.
وبالجُملة فالحديث من المتَشابهات، والأُمَّة في أمثالها مفوِّضةٌ ومؤوِّلةٌ (١).
(الأشهاد) جمع شاهِد، أو شَهِيد كأَصْحاب، وأشراف، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾ [هود: ١٨] أي: يُحبَسون في الموقِف بين الخلائق، ويَشهد عليهم الأشهاد من الملائكة والنبيين بأنهم الكذَّابون على الله.
والحديث حُجَّةٌ على المعتزلة في مغفرة الذُّنوب إلا للكفَّار، وعلى الخَوارج حيث يُكفِّرون بالمعاصي.
* * *
стр. 3520
٣ - بابُ لَا يَظْلِمُ الْمُسْلِمُ الْمُسْلِمَ وَلَا يُسْلِمُهُ
(باب: لا يَظلِمُ المُسلمُ المُسلمَ، ولا يُسْلِمُه)
بضم الياء، وسكون السين، أي: لا يَخْذُله، يقال: أسلمتُ فُلانًا لكذا: إذا أخذلتَه وألقيتَه للهلَكة، فلم تَحمِه من عدوِّه، وهو عامٌّ في كلِّ من أسْلَمَهُ إلى شيءٍ، لكنْ دخلَه التَّخصيص، وغلَب عليه الإلقاء في الهلَكة.
٢٤٤٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بن بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ: أَنَّ سَالِمًا أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَبْدَ الله بن عُمَرَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِم، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ الله فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ الله عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
(كُرْبة) بالضمِّ: هي الغَمُّ الذي يَأْخُذ النَّفْس.
وفي الحديث حضٌّ على التَّعاوُن وحُسن المُعاشَرة، وكثيرٍ من الآداب، والسَّتر إنما هو في معصيةٍ وقعَتْ، والنَّهي عن المُنكَر فيما تلبَّس الشَّخص به، فتجب المُبادرة بإنكاره، ومنعه منه، والمتعلِّق بجَرْح الرُّواة والشُّهود لا يحلُّ السَّتْر عليهم، وليس من الغِيْبة المُحرَّمة
стр. 3521
بل من النَّصيحة الواجبة.
* * *
٤ - بابٌ أَعِنْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا
(باب: أَعِنْ أخاكَ ظالِمًا أو مَظلُومًا)
٢٤٤٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بن أَبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ الله ابن أَبي بَكْرِ بن أَنَسٍ، وَحُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، سَمِعَ أَنَسَ بن مَالِكٍ ﵁، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا".
٢٤٤٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا". قَالُوا: يَا رَسُولَ الله! هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا، فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟! قَالَ: "تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ".
الحديث الأول، والثاني:
(تأخذ فوق يديه)؛ أي: تمنعُه من الظُّلْم، ولفظ: (فَوق) مقحَمٌ، أو ذُكر إشارة للأخْذ بالاستِعلاء والقوَّة.
قال (ط): النُّصرة بالإعانة، وفسَّر النبيُّ ﷺ أنَّ نصر الظَّالم منْعُه من الظُّلم، فإذا تركتَه على ظُلمه أدَّاه إلى أن تقتصقَّ منه، فمنْعه من مُوجِب القِصاص نصرةٌ له، وهذا من تسمية الشَّيء بما يَؤُول إليه، وهو
(كالبنيان) هو الحائِط.
(وشبك)؛ أي: رسول الله ﷺ .
* * *
٦ - بابُ الاِنْتِصَارِ مِنَ الظَّالِمِ
لِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إلا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾. ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾. قَالَ إِبْرَاهِيمُ: كاَنُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُسْتَذَلُّوا، فَإِذَا قَدَرُوا عَفَوْا.
(باب الانتِصار) هو الانتِقام.
(يستذلوا) بلفظ المَجهول.
قال (ط): وفي معنى كلام إبراهيم ما رُوي أنَّه ﷺ استعاذَ بالله من غلَبة الرِّجال، وشَماتة الأعداء، وكان لا يَنتقِم لنفْسه، ولا ممن جنَى عليه، وعن أحمد بن حنبل أنه قال: جعلتُ المعتصمَ بالله في حِلٍّ من ضَرْبي وسَجْني؛ لأنِّي ما أُحبُّ أن يُعذِّب الله أحدًا بسبَبي.
* * *
٧ - بابُ عَفْوِ الْمَظْلُومِ
لِقَوْلهِ تَعَالَىَ: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ
стр. 3524
عَفُوًّا قَدِيرًا﴾، ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٢) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾، ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾.
وأسقط (ك): (باب عَفْو المَظلُوم)
* * *
٨ - بابٌ الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
(باب: الظُّلْم ظُلُماتٌ)
لا تُعرف هذه الظُّلُمات أهي عمًى بالقلب، أو ظُلُماتٌ على البَصَر، حتى لا يهتديَ سبيلًا؟، ودلَّ قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] أنهم حين مُنِعوا النُّور بقُوا في الظُّلمة عَشِيَتْ أبصارهم كما كانت على أبصارهم غِشَاوةُ الكُفْر في الدُّنيا، فالذي في القرآن هو الظُّلمة البصَرية.
* * *
стр. 3525
٩ - بابُ الاِتِّقَاءِ وَالْحَذَرِ مِنْ دَعْوَةِ الْمَظْلُومِ
(باب الاتِّقاءِ والحذَرِ من دَعوة المَظلوم)
٢٤٤٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بن مُوسَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بن إِسْحَاقَ الْمَكِّيُّ، عَنْ يَحْيَى بن عَبْدِ الله بن صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبي مَعْبَدٍ مَوْلَى ابن عَبَّاسٍ، عَنِ ابن عَبَّاس ﵁: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: "اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ؛ فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الله حِجَابٌ".
(أبو مَعْبَد) بفتح الميم، والموحَّدة.
(ليس بينها وبين الله حجاب)؛ أي: الدَّعوة مُجابةٌ وإنْ كان فاجِرًا، ففُجوره على نفسه.
* * *
١٠ - بابُ مَنْ كَانَتْ لَة مَظْلَمَةً عِندَ الرَّجُلِ فَحَلَّلَهَا لَةُ هَلْ يُبَيِّنُ مَظْلَمَتهُ ؟
٢٤٤٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ بن أَبي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا ابن أَبي ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لأَحَدٍ مِنْ عِرْضهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ، قَبْلَ أَنْ
стр. 3526
لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبهِ، فَحُمِلَ عَلَيْهِ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: قَالَ إِسْمَاعِيلُ بن أَبي أُوَيْسٍ: إِنَّمَا سُمِّيَ الْمَقْبُرِيَّ لأَنَّهُ كَانَ نزَلَ ناَحِيَةَ الْمَقَابرِ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: وَسَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ هُوَ مَوْلَى بني لَيْثٍ، وَهُوَ سَعِيدُ ابن أَبي سَعِيدٍ، وَاسْمُ أَبي سَعِيدٍ كيْسَانُ.
(باب مَنْ كانتْ له مَظلَمةٌ)
قال ابن القُوطيَّة: لا تَقوله العرب بفتح اللام بل بكسرها، وهي اسمُ ما أُخِذ منك بغير حقٍّ.
ومَن كانت بينه وبين آخَر معاملةٌ فحلَّل بعضُهم بعضًا في كلِّ ما جرى بينهما ذلك اليوم؛ قال (ط): قيل: هذه براءةٌ له في الدُّنيا والآخرة، وقيل: إنما تصحُّ البراءة إذا بيَّنَ له وعرَف مالَه عنده، والحديث حُجَّةٌ لهذا القَول؛ لأن لفْظ: (قَدْر مَظلمَتِه) يُوجِب أن يكون معلومًا.
(شيء)؛ أي: من المال ونحوه.
(فليتحلله)؛ أي: ليَسأَلْه أن يجعلَه في حِلٍّ، ويطلُب براءةَ ذمَّته قبل يوم القيامة.
(له)؛ أي: للظَّالم.
(أخذ)؛ أي: ثَوابُه منه للمظلوم.
стр. 3527
(فحمل عليه)؛ أي: عُوقِب الظَّالم به، ولا تعارُض بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥]؛ لأنه إنما يُعاقَب بسبَب فعله وظُلمه وجِنايته، فلمَّا دفَع لغُرمائه حسناته ولم يَبْق منها بقيةٌ أُخِذ قدر سيئاته، فعُوقِبَ بها.
قال (ط): معنى يتحلَّله: يَستَوهِبه، ويقطَع دعواه عنه؛ لأنَّ ما حرَّمه الله من الغِيبة لا يمكن تحليلُه، وجاء رجلٌ إلى ابن سِيْرين فقال: اجعلْني في حِلٍّ، فقد اغْتبتُكَ، فقال: إنِّي لا أُحِلُّ ما حرَّمه الله، لكنْ ما كان منك في قِبَلنا فأنْت في حِلٍّ، ومعنى أَخْذ الحسَنات والسَّيئات: أنْ يُجعل ثوابها لصاحِب المظلَمة، ويُجعل على الظَّالم عُقوبة سيئاته بدَل حَقِّه.
* * *
١١ - بابٌ إِذَا حَلَّلَهُ مِنْ ظُلْمِهِ فَلَا رُجُوعَ فِيهِ
(باب: إذا حلَّلَه من ظُلْمه فلا رُجوعَ)
٢٤٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بن عُرْوَةَ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: ﴿وَإِنِ امْرَأَةُ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعرَاضَا﴾ قَالَتِ: الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ الْمَرْأَةُ، لَيْسَ بِمُسْتكْثِرٍ مِنْهَا، يُرِيدُ أَنْ يُفَارِقَهَا، فَتَقُولُ: أَجْعَلُكَ مِنْ شَأْنِي فِي حِلٍّ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي ذَلِكَ.
стр. 3528
(قالت)؛ أي: عائشة في تفسير الآية.
(ليس بمستكثر) الصُّحبة معها لعدَم الأُلْفة، فيُريد فِراقَها بالخُلْع، فتقول: أنتَ في حِلٍّ من حُقوق الزَّوجية التي لي عليكَ مدافعةً.
(فنزلت) ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا﴾ [النساء: ١٢٨].
واستُشكل تطبيق التَّرجمة للحديث، فإنَّها تَتناول إسقاط الحقِّ من المظلمة، والآية مضمونُها إسقاط الحقِّ المستقبَل حتى لا يكون عدَم الوَفاءِ به مظلمةً لسُقوطه، وأُجيب: أنَّ المُراد: إذا تعذَّر الإسقاط في الحقِّ المتوقَّع؛ فلأَنْ يتعذَّر في الحقِّ المحقَّق أَولى، والخُلْع عقدٌ لازمٌ، لا رُجوعَ فيه، فهو كالتَّحليل بطريق الصُّلْح، أو الهبَة، أو الإبراء.
* * *
١٢ - بابٌ إِذَا أَذِنَ لَهُ أَوْ أحَلَّهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ كَمْ هُوَ ؟
(باب: إذا أذِنَ له أو أَحلَّه له ولم يُبيِّن كم هو؟)؛ أي: مِقْدار المأْذون فيه، أو المُحلَّل.
٢٤٥١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبي حَازِمِ ابن دِينَارٍ، عَنْ سَهْلِ بن سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أُتِيَ بِشَرَابٍ، فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ الأَشْيَاخُ، فَقَالَ
стр. 3529
لِلْغُلَامِ: "أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ؟ " فَقَالَ الْغُلَامُ: لَا وَالله يَا رَسُولَ الله! لَا أُوثِرُ بنصِيبي مِنْكَ أَحَدًا. قَالَ: فَتَلَّهُ رَسُولُ الله ﷺ فِي يَدِهِ.
(لا أُوثر): لا أختارُ.
(فَتلهُ)؛ أي: دفَعه إليه بقُوَّةٍ، ومرَّ في (الشرب).
قال (ط): لو حلَّل الغُلام من نصيبه الأشياخَ لكان ما حلَّل منه غيرَ معلومٍ؛ لأنه لا يُعرف مقدار ما كانوا يَشربون، ولا مقدار ما يَشربُه، وجوَّز مالك هِبَةَ المَجهول كأنْ يهَب نصيبَه من الميراث.
* * *
١٣ - بابُ إِثْمِ مَنْ ظَلَمَ شَيْئًا مِنَ الأَرْضِ
(باب إثْمِ مَن ظلَم شيئًا من أرضٍ)
٢٤٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي طَلْحَةُ بن عَبْدِ الله: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بن عَمْرِو بن سَهْلٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ سَعِيدَ بن زَيْدٍ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "مَنْ ظَلَمَ مِنَ الأَرْضِ شَيْئًا طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ".
الحديث الأول:
(من ظلم شيئًا من أرض) رُوي أنَّ مَروان أَرسلَ إلى سعيد بن زَيد أحدِ العشَرة المبشَّرة بالجنَّة ناسًا يكلِّمونه في شأْن أَرْوى بنت
стр. 3530
أُوَيس، وكانتْ شكَتْه إلى مَروان في أرضٍ، فقال سعيد: تَروني ظلَمتُها، وقد سمعتُ رسول الله ﷺ يقول ... الحديثَ، فترك سعيد لها ما ادَّعتْه، وقال: اللهمَّ إنْ كانت كاذبةً فلا تُمِتْها حتى تُعميَ بصرَها، وتجعَلَ قبْرها في بئْرٍ، قالوا: فوالله ما ماتتْ حتى ذهَبَ بصرُها، ومشَتْ في دارها فوقعتْ في بئرٍ.
(طوقه) بلفظ المَجهول.
(أرضين) الأرجَح فتح الراء، وله معنيان:
أحدهما: أن يُكلَّف نقْل ما ظَلَم منها في القيامة إلى المَحشَر، فيكون كالطَّوق في عنُقه.
وثانيهما: أن يُعاقَب بالخَسْف إلى سبع أرضين، كما في الحديث: (أنَّ مَنْ ملَكَ أَرْضًا ملَكَ أسْفلَها إلى سبْعِ أرضينَ)، وله أن يمنَع من حفَر تحتَها بئْرًا، سواءٌ لا أضرَّ به أم لم يضُرَّ.
قال (ن): أما التَّطويق فقالوا: يحتمل أنَّ معناه أن يحمل مثلَه من سبْع سماواتٍ، ويكلَّف إطاقتَه، أو يجعل له كالطَّوق في عنُقه، ويطُول عنُقه كما جاء في غِلَظِ جِلْد الكافر، وعِظَم ضِرْسه، أو يطوَّق إثم ذلك، ويَلزمه كلُزوم الطَّوق لعنُقه.
وفيه إمكان غصب الأرض خلافًا للحنَفيَّة، وأنَّ الأرض سبع طِبَاقٍ كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، وفيه تهديدٌ عظيمٌ للغاصِب.
* * *
بِالْمَدِينَةِ فِي بَعْضِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَأصَابنا سَنةٌ، فَكَانَ ابن الزُّبَيْرِ يَرْزُقُنَا التَّمْرَ، فَكَانَ ابن عُمَرَ ﵄ يمر بنا، فَيقُولُ: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ نهى عَنِ الإقْرَانِ، إِلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ أَخَاهُ.
الحديث الأول:
(جَبَلة) بفتح الجيم، والباء.
(سَنة) بفتح السِّين، أي: قحْطٌ.
(الإقْرَانِ) كذا أكثَر الروايات، وصوابه: القِرَآن، كما في (الصَّوم)، وهو أن يَقرِن بين الشَّيئين كالتَّمرتَين عند الأكل.
* * *
٢٤٥٦ - حَدَّثَنَا أبو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا أبو عَوَانةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبي وَائِلٍ، عَنْ أَبي مَسْعُود: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: أبو شُعَيبٍ، كَانَ لَهُ غُلَام لَحَّامٌ، فَقَالَ لَهُ أبو شُعَيبٍ: اصْنع لِي طَعَامَ خَمْسَةٍ، لَعَلِّي أَدْعُو النَّبيَّ ﷺ خَامِسَ خَمْسَة. وَأَبْصَرَ فِي وَجْهِ النَّبيِّ ﷺ الْجُوعَ، فَدَعَاهُ، فتبعَهُمْ رَجُلٌ لَمْ يُدْعَ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : "إِنَّ هَذَا قَدِ اتَّبَعَنَا أتأذَنُ لَهُ؟ ". قَالَ: نعمْ.
الثاني:
(لَحَّام) بائِع اللَّحم.
стр. 3533
(أبْصَرَ) بلفْظ الماضي جملةٌ حاليةٌ.
* * *
١٥ - بابُ قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾
٢٤٥٧ - حَدَّثَنَا أبو عَاصِمٍ، عَنِ ابن جُرَيْجٍ، عَنِ ابن أَبي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى الله الألدُّ الْخَصِمُ".
(باب قَولِ الله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤])
الأَلَدُّ: الشَّديد اللَّدَد، وهو الجِدال، ومنه: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧]، والإضافة بمعنى: في، كثبت الغدر، وجعْل الخِصَام ألَدَّ مبالغة، أو الخِصَام جمع الخَصم كصَعْب وصِعَاب، وذمَّه الله في القُرآن لمُدافعَته الحقَّ.
(الخَصِم) بفتح الخاء، وكسر الصاد، ومِن صيَغ المبالغة، أي: الشَّديد الخُصومة الماهر فيها، قال تعالى: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨].
واللام في الخصم (١) للعهد، عن الأخْنَس بفتح الهمزة، وسكون المعجمة، وفتح النون، وبالمهملة -ابن شَرِيق- بفتح المعجمة،
стр. 3534
وكسر الراء- الذي نزلت فيه الآية، أو هو تغليظٌ في الزَّجْر، أو المراد الألَدُّ في الباطِل المستَحَقِّ [له].
* * *
١٦ - بابُ إِثْمِ مَنْ خاصَمَ فِي بَاطِلٍ وهو يَعْلَمُهُ
(باب إثْم مَن خاصَم في باطِلٍ)
٢٤٥٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بن عَبْدِ الله، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بن سَعْدٍ، عَنْ صَالح، عَنِ ابن شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرني عُرْوَةُ بن الزُّبَيْرِ: أَنَّ زينَبَ بنتَ أُمِّ سَلمَةَ أَخْبَرتهُ: أَنَّ أُمَّهَا أُمَّ سَلَمَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبيِّ ﷺ أَخْبَرتْهَا عَنْ رَسُولِ الله ﷺ : أَنَّهُ سَمِعَ خُصُومَةً ببَابِ حُجْرَتهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: "إِنَّمَا أَناَ بَشَرٌ، وَإِنَّهُ يَأتِيني الْخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فَأحْسِبُ أَنَّهُ صَدَقَ، فَأقْضِيَ لَهُ بِذَلِكَ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ، فَإنَّمَا هِيَ قِطْعَة مِنَ النَّارِ، فَلْيَأْخُذْهَا، أَوْ فَلْيتركْهَا".
(إنما أنا بشر)؛ أي: لا أعلَم الغَيب، وبواطنَ الأُمور كما تقتَضيه الحالةُ البشَرية، بل أحكُم بالظَّاهر، والله مُتولِّي السَّرائر، ولو شاءَ الله أطلَعه على بواطِن الأُمور، حتى حكَم باليَقين، لكنْ لمَّا أمَر الله أُمتَه بالاقتداء به أَجرى أحكامَه على الظَّاهر لتَطيبَ نُفوسهم للانقِياد.
стр. 3535
قال (ن): فيه دليلٌ للجمهور أنَّ حُكم القاضي لا يَنفُذ إلا (١) ظاهِرًا، فلا يُحِلُّ حرامًا، ولو شَهِد شاهدَا زُورٍ أنَّه طلَّق امرأتَه لم يحلَّ لمن عَلِمَ كذبَهما أن يتزوَّجَها بعد الحُكم بالطَّلاق خلافًا للحنفية، وهو مخالِفٌ للحديث، والإجماع.
(أبلغ)؛ أي: أفصَحَ ببَيان حُجَّته، وأدخَل (أنْ) تَشبيهًا لـ (لعلَّ) بـ (عسَى).
(قضيت)؛ أي: حكمتُ له بحقِّ غيره مسلمًا أو ذِميًّا، وذكَر المُسلمَ تغليبًا، أو اهتِمامًا بحاله، أو نظَرًا للفْظ: (بعضكم)، فإنه خطابٌ للمؤمنين.
(قطعة من النار)؛ أي: هو حرامٌ مآلُه للنَّار.
(فليأخذ) أمر تهديدٍ لا تخييرٍ، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]. وفيه أنَّ الحاكم يحكُم بما ثبَت عنده، وليس كلُّ مجتهد مصيبًا.
* * *
١٧ - بابٌ إذَا خَاصمَ فَجَرَ
(بابٌ: إذا خاصَمَ فجَرَ)؛ أي: عَدَلَ عن طَريق الحقِّ.
عَلَيَّ حَرَجٌ أَنْ أُطْعِمَ مِنَ الَّذِي لَهُ عِيَالنا؟ فَقَالَ: "لَا حَرَجَ عَلَيْكِ أَنْ تُطْعِمِيهِمْ بِالْمَعْرُوفِ".
الحديث الأول:
(مِسِّيكٌ) الأكثَر بكسر الميم، وتشديد السِّين: مبالغةٌ في البُخل كشِرِّيب، ورواية المُتْقنين بفتح الميم، وتخفيف السِّين.
(بالمعروف) هو ما يتعارف أنْ يأكُل العِيَال.
واختلَفوا فيمَن وجَد مالَ الظَّالمِ، فقال أبو حنيفة: يأخذ من الذَّهب الذَّهبَ، وجوَّز الآخَرون الأخْذ من غير جِنْسه بالقيمة؛ للعِلْم بأنَّ بيت الرجُل الشَّحيْح لا يجمع كلَّ ما يحتاجه عيالُه حتى يَستغنيَ به عمَّا سِواه، فأجاز له ﷺ أخْذ عِوَضه.
وفيه وُجوب نفَقة الأولاد للحاجَة، وأنَّ للمرأَة مَدْخَلًا في كفالة أولادها، وجواز خُروج المرأة من بيتها للحاجة، وضُعِّف الاستِدلالُ به بجَواز الحُكْم على الغائِب؛ لأنَّه فَتْوى لا حُكم، ولأن أبا سُفيان كان حاضِرًا في البلَد.
* * *
٢٤٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ، عَنْ أَبي الْخَيرِ، عَنْ عُقْبةَ بن عَامِرٍ، قَالَ: قُلْنَا لِلنَّبيِّ ﷺ : إِنَّكَ تَبْعَثُنَا، فَنَنْزِلُ بِقَوْم لَا يَقْرُوناَ، فَمَا تَرَى فِيهِ؟ فَقَالَ لَنَا: "إِنْ نزَلْتُمْ بِقَوْمٍ،
стр. 3538
فَأمِرَ لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ".
الثاني:
(لا يقرونا) بفتح الباء: مِن القِرَى، أي: لا يُقروننَا بنونين.
(فخذوا)؛ أي: عند الاضطرار أخْذَ ضمانٍ؛ إذ القوم كانوا من أهل الجِزْية، وشُرِطَ عليهم ضيافةُ الضَّيف.
قال (خ): فإنَّ ذلك لازمٌ في زمنه ﷺ ؛ إذْ لم يكن بيتُ المال، أما اليوم فأرزاقُهم في بيت المال لا حقَّ لهم في أموال المُسلمين.
قال (ط): كان أوَّل الإسلام حيثُ كانت المُواساة واجبة، فنُسِخ بقوله: "جائزتُه يوم وليلة"، والجائزة تفضُّل لا واجبٌ.
* * *
١٩ - بابُ مَا جَاء فِي السَّقَائِفِ
وَجَلَسَ النَّبيُّ ﷺ وأصحَابُهُ فِي سَقِيفَةِ بني سَاعِدَةَ.
(باب ماجاءَ في السَّقائِف)
جمع: سَقيفة، وهي الصُّفَّة، وقد تكون كالسَّاباط، وقيل: السَّقائف: الحَوانيت، وقد عَلِم الناس ما وُضعتْ له، ومن اتخذ فيها مَجلِسًا فهو مباحٌ له إذا التَزمَه.
стр. 3539
وسَقيفة بني ساعِدة نُسبت إليهم؛ لأنهم كانوا يجتمعون فيها، أو لأنَّهم بنوها، وفيها وقَع عقدُ مبايعةِ خِلافة الصِّدِّيق.
* * *
٢٤٦٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بن سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابن وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، وَأَخْبَرَني يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، أَخْبَرَني عُبَيْدُ الله بن عَبْدِ الله بن عُتْبةَ: أَنَّ ابن عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ عَنْ عُمَرَ ﵃ قَالَ حِينَ تَوَفَّى الله نبَيَّهُ ﷺ : إِنَّ الأَنْصَارَ اجْتَمَعُوا فِي سَقِيفَةِ بني سَاعِدَةَ، فَقُلْتُ لأَبي بَكْرٍ: انْطَلِقْ بنا. فَجئْنَاهُمْ فِي سَقِيفَةِ بني سَاعِدَةَ.
(وأخبرني)؛ أي: قال عبد الله بن وَهْب، ويونسُ أيضًا: أخبَرني به، فهو تحويل إسنادٍ لآخَر.
ووجه تعلُّق الباب بكتاب المَظالم: بَيان أنَّ الجُلوس في سَقيفة العامة ليس ظُلمًا.
* * *
٢٠ - بابٌ لَا يَمْنَعُ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ
(بابٌ: لا يمنَعْ جارٌ جارَه)
٢٤٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لَا يَمْنَعُ
стр. 3540
جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِه". ثُمَّ يَقُولُ أَبو هُرَيْرَةَ: مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟ وَالله لأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أكتَافِكُمْ.
(خشبه) قال عبد الغَنِي: كلُّ النَّاس يقولونه بالجمْع إلا الطَّحَاويُّ فقال: (خَشَبَةَ) بالنصب والتَّنوين، أي: خشبةً واحدةً، ولعلهم كانوا يمنعون من الغَرْز، فقال: والله لأحملنَكم على هذه السنَّة ولألزمنَكُم بها.
(بين أكتافكم) بالمثنَّاة فوقُ، أي: بينكم، ورُوي في "الموطَّأ" بالنُّون، وهو بمعناه.
قال (خ): يقول أبو هُريرة: إنْ لم تتلقَّوه راضِيْن حملتُه على رقابكم كارِهين له، كأنه يقول بإيجابه، وهو عند العامة مندوبٌ إليه؛ لأنه استعمالُ مال الغَير بغيرِ إذْنه، فلا يحلُّ إلا بطِيبِ نفسه، فإذا وجَب حُسْن الجِوار بين الجانبين وجبَتْ مثلَه من الجانب الآخَر، فهو استحباب لا استحقاق، وقيل في الحديث: إنَّ تأْويل الأحاديث على ما تلقَّاها الصحابة لا على ظَواهرها.
* * *
٢١ - بابُ صَبِّ الْخَمْرِ فِي الطَّرِيق
(باب صَبِّ الخَمْر)
٢٤٦٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن عَبْدِ الرَّحِيم أبو يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَفَّانُ،