← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18103

اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح

شمس الدين البرماوي

Полный текст (8 898 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ومَكارم أخلاقه، ومُواظبة صلَواته، وصيامه، وقراءته، وذكره، والصدقة، والصلة، وسائر الطاعات، ودوام ذلك كدوام ورق النخلة. قال السُّهيْلي في "التعريف": زاد فيه الحارث بن أبي أُسامة في متْنه زيادةً تُساوي رِحلةً: عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "هيَ النَّخلة لا تَسقُط لها أَنْمُلةٌ، وكَذا المؤمِنُ لا يسقُطُ له دَعوةٌ)، انتهى. وقيل: في وجْه الشَّبَه أيضًا إذا قُطع رأْسها ماتتْ، وأنَّها لا تحمِل حتى تلقَّح، وتموت إذا غرقَتْ، أو يفسد ما هو كالقَلْب لها، وإنَّ لطَلْعها رائحة المَنيِّ، أو لأنَّها تعشق كالإنسان، لكن هذه الأُمور كلَّها لا تختصُّ بالمسلم، فلا وجْه لتفسير الشبَه ها هنا. (ما هي) مبتدأٌ وخبرٌ في موضع الثاني من مفعولي (حدَّث). (فوقع الناس)؛ أي: فسر كل واحدٍ بنوعٍ، وفي رواية: (البَوادِ) بحذف الياء، وهو لغةٌ. (فاستحيت)؛ أي: أنْ أتكلَّمَ وعنده ﷺ الكبار هيبةً منه، وتوقيرًا لهم. (حدِّثنا) طلَبٌ؛ إذْ لا عُلوَّ ولا استعلاءَ ولا تَساوي. ففي الحديث أن سماع الشيخ والسماع منه يُطلق فيهما التحديث لقوله ﷺ : (حدثوني)، وقولهم: (حدِّثْنا)، ولا يخفى ما فيه من نظَرٍ؛ فإنَّ قوله: (حدِّثُوني) مساوٍ لـ (حدِّثْنا)؛ لتنزيله إياهم منزلة الشيخ. وفيه: إلقاء العالم المسألةَ على أصحابه ليَختبر أفْهامَهم،

стр. 387

ويُرغَبهم في العِلْم كما سيترجِم له عَقِبَ ذلك. وفيه: ضرب الأمثال بالشجرة وغيره، وتوقير الكبار، وترك التكلم عندهم، وفضْل النخل؛ قيل فيها: إنَّها خُلقتْ من بَقيَّة طِينة آدم، وهي كالعمَّة للأَناسيِّ. * * * ٥ - بابُ طرح الإِمَامِ المَسْئَلَةَ عَلَى أصحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ (باب طرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر)؛ أي: ليمتَحِنَ. (من العلم)، (مِنْ) للبيان. ٦٢ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُها، وَإِنَّها مَثَلُ المُسلم، حَدِّثُوني مَا هِيَ؟ "، قَالَ: فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَوَادِي، قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّها النَّخْلَةُ، ثُمَّ قَالُوا: حَدِّثْنَا مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "هِيَ النَّخْلَةُ". (حدِّثوني) في الرواية السابقة: (فحدِّثُوني) على تأْويلٍ، كأنَّه قال: إنْ عرفتُموها فحدِّثُوني، فحُذف الشَّرط، فعدَمها هو الأصل؛ إذ لا جِهةَ جامعةً تقتضي العطْف، وإنما أَعاد البخاري الحديثَ- ولا تفاوُتَ

стр. 388

إلا بزيادةِ الفاء- لاستفادة الحُكم المترجَم عليه، ولاختِلاف السَّنَد، وفائدة ذلك التَّنبيه على أنَّ كلًّا من شيخَيه حدَّثنا في مَقام، فقُتيبة في مَقام التَّحديث، وخالد في مقام طَرح المسألة، هذا مع فائدة التأْكيد وغيره. ٦ - بابُ مَا جَاء فِي العِلْمِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ القِرَاءَةُ وَالعَرضُ عَلَى المُحَدِّثِ وَرَأَى الْحَسَنُ وَالثَّوْرِيُّ وَمَالكٌ القِراءَةَ جَائِزَةً، وَاحتَجَّ بَعضُهُم فِي القِرَاءَةِ عَلَى العَالِم بِحَدِيثِ ضِمَامِ بْنِ ثَعلَبَةَ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : آللهُ أَمَرَكَ أَنْ تُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ؟ قَالَ: "نعم"، قَالَ: فَهذِهِ قِرَاءَة عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَ ضِمَامٌ قَوْمَهُ بِذَلِكَ فَأَجَازُوهُ، وَاحتَجَّ مَالكٌ بِالصَّكِّ يُقْرَأُ عَلَى القَوْمِ فَيَقُولُونَ: أَشهدَناَ فُلَان، وَيُقْرَأُ ذَلِكَ قِراءَةً عَلَيْهِم، وَيُقْرَأُ عَلَى المُقْرِئ فَيَقُولُ القَارِئُ: أَقْرَأَنِي فُلَانٌ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: لَا بَأْسَ بِالقِرَاءَةِ عَلَى العَالِم. وَأَخْبَرَناَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرَبْرِيُّ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: إِذَا قُرِئَ

стр. 389

عَلَى المُحَدِّثِ فَلَا بَأسَ أَنْ يَقُولَ حَدَّثَنِي، قَالَ: وَسَمِعتُ أَبَا عَاصمٍ يَقُولُ، عَنْ مَالِكٍ وَسُفْيَانَ: القِرَاءَةُ عَلَى العَالِم وَقِراءَتُهُ سَوَاء. (باب القراءة والعرض على المحدث) (على) مُتعلقةٌ بهما، وهو من التنازع، والمراد بالعرض هنا عرْض القراءة؛ بدليلِ ما ذكر في الباب لا عرْض المناولة، وهو أنْ يأتي إلى الشيخ يعرِض عليه أنَّه هل هو من روايته، فيتأمَّلُه الشيخ، ويقول: وقفْتُ على ما فيه، وهو حديثي، فأجزتُ لك أن تَرويه عني، وعلى الأوَّل فالعطْف للبَيان أنَّ له اسمين فهما وإن اتحدا ذاتًا لكنْ تغايَرا مفهومًا، ويُسمَّى مثْله العطف التَّفسيري. (ورأى ...) إلى آخره، هذه الأُمور خارجةٌ عن الترجمة مستأنفةٌ، ويحتمل أن تكون منها بتأْويلِ مصدرٍ؛ أي: وباب رأْي الحسَن ... إلى آخره، ثم ذكَر بعد ذلك سنَده إلى الحسَن، وإلى الثَّوري، ومالك، فيما قالُوه، ثم أسنَد حديث ضِمام الذي قال فيه: (احتجَّ بعضُهم)، وذلك البعض هو الحُمَيدي شيخ البخاري، لكن قوله: (أخبر ضِمام قومه) وصلَه أبو داود عن ابن عبَّاس بلفْظ: أنَّ ضِمامًا قال لقومه عندما رجَع إليهم: إنَّ الله قد بعثَه رسولًا، الحديثَ. وضِمام -بكسر المعجمة- بن ثَعلَبة -بمُثلَّثة مفتوحةٍ، ثم مُوحَّدة-: أخو بني سَعد بن بكْر السَّعدي، قَدِم على النبي ﷺ ، بعثَه إليه بنو سَعْد

стр. 390

يَسألُه عن الإسلام، رجَع إليهم، فأخبرهم بذلك، فأَسلَموا. قال ابن عبَّاس: ما سمعنا بوافدٍ قطُّ أفضَل من ضِمام. (آلله أمرك) الأول مرفوعٌ، والجملة خبرٌ، وفي الكلام استفهامٌ. (أن تصلي) وفي بعضها: (بأن)، وفي بعضها؛ (نُصَلِّي) بالنون، أي: بأنْ تأْمُرنا بالصلاة. (قال)؛ أي: البعض المُحتجُّ، وهو الحسَن، والثَّوريُّ، وغيرهما. (قرأه على النبي ﷺ ) وفي نسخةٍ: (قِراءَة النبيِّ)؛ أي: القِراءة عليه أو له. (فأجازه)؛ أي: النبيُّ ﷺ وأصحابه، أو أجازه قومُه؛ أي: بعد إسلامهم، أو كان فيهم يومئذٍ مُسلمون. وفائدة ذِكْره الإشعار بـ (قَرأَه) باعتبار القِراءة على المُحدّث، وجواز العمَل بذلك، ومجرَّد القراءة على الشيخ يدلُّ على هذا المقصود. (بالصكِّ) بتشديد الكاف: الكِتاب. قال الجَوْهري: فارسيٌّ معرَّبٌ، والجمع صِكَاك وصُكوك. (يقرأ) بالضم مبنيٌّ للمفعول. (فلان) منوَّنٌ منصرِفٌ، وفي بعضها بعد ذلك: (وإنما ذلك قِراءةٌ عليهم). قال (ط): هذه حُجةٌ قاطعةٌ؛ لأنَّ الإشهاد أَقوى حالًا من الإخبار.

стр. 391

(المقرئ)؛ أي: مُعلِّم القرآن. (القارئ)؛ أي: المتعلِّم سواءٌ الذي قرأَ على المُقرئ أو غيره. (محمد بن الحسن الواسطي) ليس في البخاري عنه إلا هذا الأثَر. (قال: وسمعت أبا عاصم)؛ أي: قال البخاري ذلك، وليس فيه إشعارٌ بأنَّه حدَّثه؛ لجواز أنَّه كان قاصِدًا إسماعَ غيره، فسمعَه، ولهذا قال بعضهم: (سمعت) أحطُّ رتبةً من (حدثني)، و (أخبرني). (سواء)؛ أي: في صِحَّة النَّقل وجواز الرِّواية، إلا أنَّ مالكًا استحبَّ القراءة على العالم، فذكَر الدَّارَقُطْني: أنَّ مالكًا لما قَدِم هارون المدينةَ سأَلوه أنْ يُسمع الأَمينَ والمأمونَ، وبعثُوا إليه، فلم يحضُر، فبعَث إليه أمير المؤمنين، فقال: العِلْم يُؤتَى أهلُه، ويُوقَّر، فقال: صَدَق، سِيْروا إليه، فساروا إليه، فسأَلوه أنْ يقرأَ هو عليهم، فأَبى، وقال: إنَّ عُلماء هذا البلد قالوا: إنما يُقرأ على العالم مثل ما يُقرأ القرآن على المعلِّم. ورُوي عنه أيضًا أنَّه قال: العَرْض خيرٌ من السَّماع. * * * ٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيد -هُوَ الْمَقْبُرِيُّ-، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ: أَنَّهُ سَمعَ أَنسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: بَيْنَمَا نَحنُ جُلُوسٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي المَسْجدِ، دَخَلَ

стр. 392

رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ فَأَناَخَهُ فِي المَسْجدِ، ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُم: أيَّكُمْ مُحَمَّد؟ وَالنَّبِيّ ﷺ مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانيهِم، فَقُلْنَا: هذا الرَّجُلُ الأَبْيَضُ المُتَّكِئُ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ! فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ ﷺ : "قدْ أَجَبْتُكَ"، فَقَالَ الرَّجُلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشَدِّد عَلَيْكَ فِي المَسْألَةِ، فَلَا تَجدْ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ، فَقَالَ: "سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ"، فَقَالَ أَسألكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ، آللهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كلِّهمْ؟ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ نعم"، قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللهِ، آللهُ أَمَرَكَ أَنْ نُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟ قَالَ: "اللَّهُمَّ نعمْ"، قَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللهِ، آللهُ أَمَرَكَ أَنْ نَصُومَ هذَا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ؟ قَالَ: "اللَّهُمَّ نعم"، قَالَ: أنشُدُكَ بِاللهِ، آللهُ أَمَرَكَ أَنْ تأخُذَ هذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فتقْسِمها عَلَى فُقَرَائِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ : "اللَّهُمَّ نعم"، فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَأنا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي، وَأَناَ ضِمَامُ بْنُ ثَعلَبةَ أَخُو بني سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ. رَوَاهُ مُوسَى وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بهذَا. (بينما) أصله: (بين)، فزيد عليه (ما)، كما سبق. (نحن جلوس) مبتدأٌ وخبرٌ، وهو جمع جالِس كشُهود، وشاهِد، ومحلُّ الجُملة جرٌّ بإضافة الظَّرف. (في المسجد)؛ أي: مَسجِده ﷺ ، فاللام للعهد. (عقَله) مفتوح الوسط يَعقِلُه عَقْلًا: إذا ثَنى وظِيْف البعير في

стр. 393

ذِراعه، فشدَّهما جميعًا في وسط الذِّراع، والوَظِيْف مُستدِقُّ السَّاق، والذراع في الإبل. (ظَهرانيَهم) بفتح الظاء، والنون، يُقال: أقام بين أَظهُرهم وظَهرانيهم؛ أي: بينهم، وإقحام لفْظ (الظهر) للدلالة على أن إقامته فيهم للاستِظهار بهم والاستِناد إليهم، وهو مما أُريد بلفْظ التثنية فيه معنى الجمع. وقال (ك): وكأن معنى التثنية لأنَ ظهرًا منهم قُدَّامه وآخَر وراءه، وهو مكتوفٌ من جانبَيه، وكثُر حتى استُعمل في الإقامة بين القوم مطلقًا وإنْ لم يكن مكتوفًا، وزيادة الألف والنون تأكيدٌ كما تُزاد في النِّسبة إلى النفس، فيقال: نَفْساني. (الأبيض) لا يُعارضه ما يأْتي في صِفَة النبي ﷺ أنَّه ليس بأبيض، ولا آدَم؛ لأن النفي هناك بَياض الجِصِّ، وكُره المنْظر، والمثبت هنا بياضٌ نيِّرٌ أزهرٌ. (الرجل)؛ أي: الداخل، فاللام للعهد. (بن عبد المطلب) بفتح الهمزة للنداء، و (بن) منصوبٌ؛ لأنَّه مضافٌ، ولأبي داود: (يا ابن). (قد أجبتك) إما بمعنى: (سمعتُ)؛ لأنَّه لم يسبِق جوابٌ يُخبِر به، أو هذا إنشاءٌ للإجابة، وإنما أجابَه ﷺ بذلك؛ لأنَّه أخلَّ بما يجب من رعاية غاية التعظيم، والأدَب بإدخاله الجَمَل في المسجد، وخِطابه

стр. 394

بـ: (أيُّكم) محمد، ويا بن عبد المطَّلب. (فلا تجد عليَّ) مِن المَوجِدة؛ أي: لا تغضَب، بخلاف وجَدَ المطلُوبَ وُجُودًا، ووَجَدَ ضالَّته وِجْدانا، ووَجَد وَجْدًا حَزِن، وفي المال جِدَةً؛ أي: استغنى. (عما بدا)؛ أي: ظَهر. (آلله) بالمد؛ لأن فيه حرف استفهامٍ، وهو مرفوعٌ على الابتداء. (اللهم) الميم بدلٌ من حرف النداء؛ أي: يا الله، وذُكر للتبرك، و (نعم) هو الجواب، وكأنَّه استَشهد بالله في ذلك تأكيدًا لصدقه. (أَنشُدك) بفتح الهمزة وضم الشين؛ أي: أسألُك بالله. قال الجَوْهري: نَشَدْتُ فلانًا أنْشَدُهُ نشدًا، إذا قلت له: نشدتُكَ الله؛ أي سألتك بالله، كأنَّكَ ذكَّرتَهُ إيَّاه فنَشَدَ؛ أي: تذكَّر. (أن نصلي) بالنون عند الأَصِيْلِي. قال (ع): وهو أوجه، وعند غيره بالتاء. (الصلوات) في بعضها: (الصلاة)؛ فوصفها بالخمس لإرادة الجنْس. (هذا الشهر)؛ أي: رمضان، فالإشارة بنوعه لا لعَينه. (فتقسمها) بفتح التاء. (فقرائنا)؛ أي: نصرف الزكاة، وإنْ لم ينحصر فيهم لكنَّهم الأغلب، أو من تغليب الاسم للكل لمقابَلة الأغنياء.

стр. 395

(آمنت) ليس هذا مبتدأَ إيمانِه؛ لأنَّ ما وقع بينهما ليس فيه إلا إيمانٌ يُفيد التأْكيد لا معجزة قد وجدت بسببها أُنشأَ الإيمان، فوجب أن يُقال: إنما أتى مُؤمنًا عارفا بنبوَّته عالمًا بمعجزته، ولهذا لم يسأل إلا عن تعميم الرِّسالة، وعن شرائع الإسلام لا عن أَصله، ولكنه لم يذكر الحجَّ إما لأنَّه قبل وقته، وإما لأن الرجل غير مُستطيعٍ، أو لأنَّه كان معلومًا عندهم من شريعة إبراهيم ﵇ أو نحو ذلك. وكونه جاء مُسلمًا هو ظاهر إيراد البخاري حديثَه في الترجمة، فجاء يعرِض ما سمعه عنه بواسطةٍ، نعم، ابن إسحاق ساق الحديث مَبْسوطًا بزياداتٍ: منها: أنَّه لما فَرغ من أسئلته قال: أَشهدُ أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا عبده ورسولَه، وظاهره أنَّه، إنما أسلَم حينئذٍ، ولهذا بوَّب عليه أبو داود: (باب المُشرك يدخُل المسجد). وقال (ع): الظاهر أنَّ إسلامه كان بعد أن أتى، ولهذا في "مسلم": (وزَعَمَ رَسُولُكَ)، وفي حديث ابن عبَّاس: (فلمَّا فَرَغَ تَشهَّدَ). قلتُ: الظاهر الأول، وما ذكر كلُّه يمكن تأْويله جمعًا بين الروايات. وزعم (ك) أنَّ (ع) قال: إنَّ هذا الرجل لم يأتِ إلا مُسلمًا، وأنَّه جاء مستَثْبِتًا ومُشافِهًا للنبي ﷺ ، وهو خلف ما ذَكَر. (مَنْ ورائي) بفتح الميم.

стр. 396

(مِنْ قومي) بكسرها. وجوز (ك) تنوينَ رسول، وكسر ميم (من ورائي)، وأنَّ (من قومي) تأْكيدٌ له. (وأنا ضمام) قال ذلك لِما حصل له من الشَّرف بالإيمان، وإيمانِ قومه بسبَبه، وإنْ قُلنا جاء مؤمنًا؛ فلتحقيق قواعد الإسلام، وتعريف قَومه إياها. (أخو بني سعد) زيادةُ بيانٍ في الشَّرف؛ أي: سعد بن بَكْر بن هوازن، وهم أَظآر النبيِّ ﷺ ، ويُقال لهم: سَعد بَكْر، وإنْ كان في العرب سُعودٌ أُخَر كسعد تميم، وسعد هُذيل، وسعد قَيْس، وفي المثَل: في كلِّ وادٍ بنو سَعْد. قال ابن الصلاح: في الحديث دليلٌ لما قاله العلماء: إن العوام المقلِّدين مؤمنون يُكتفى منهم بمجرد اعتقاد الحقِّ جزْمًا خلافًا للمعتزلة؛ لتقريره ﷺ ضِمامًا، ولم يقُل له: يجب عليك النظر في مُعجزتي والاستدلال. قال (ط): وفيه قَبول خبر الواحد لقَبول قومه خبرَه من غير توقُّفٍ على خبرٍ آخر، وطهارةُ بول الإبِل وأَرواثها، وتسميةُ الأَدنى للأعلى باسمه دون كُنيته إلا أنَّه نُسخ في حقه ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ﴾ [النور: ٦٣] الآيةَ، وجواز الاتكاء بين الناس في المَجلِس، وتعريف الرَّجل بصفةٍ من بياضٍ وغيره، والاستِحلاف على

стр. 397

الخبَر لليَقين، وصِدْق ضِمام؛ لأن النبي ﷺ كان معروفًا عند الخَلْق بالصِّدق كما في حديث هِرَقْل: "لم يكُن يَذَر الكذِبَ على النَّاس، ويكذِبَ على الله". وتعقَّبه (ك) في بَول الإبِل؛ لأنَّه مجردُ احتمالٍ، وفي الاتكاء على القُعود؛ لأنَّ ذلك خاصٌّ بسيّد القوم. قلتُ: بل إذا حُمل الاتكاء على التمكُّن في القُعود، كما في حديث: "كانَ لا يأْكُل مُتكِئًا" لا يبقى فيه دلالة على ما قالا أصلًا. (رواه موسى)؛ أي: التَّبُوذَكي، وهذا يحتمل أنَّه بواسطةٍ، فيكون تعليقا، وفائدته تقوية ما سبَق. والسَّنَد كله بصريون. * * * ٧ - بابُ مَا يُذْكَرُ فِي المُنَاوَلَةِ، وَكِتَابِ أَهْلِ العِلْمِ بالعِلْمِ إِلَى البُلْدَانِ وَقَالَ أَنسٌ: نَسَخَ عُثْمَانُ المَصَاحِفَ، فَبَعَثَ بها إِلَى الآفَاقِ، وَرَأَى عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ ويَحيَى بْنُ سَعِيدٍ وَمَالكٌ ذَلِكَ جَائِزًا، وَاحتَجَّ بَعضُ أَهْلِ الحِجَازِ فِي المُنَاوَلَةِ بِحَدِيثِ النَّبيِّ ﷺ حَيْثُ كتَبَ لأَمِير السَّرِيَّةِ كِتَابًا وَقَالَ: "لَا تَقْرَأْهُ حَتَّى تَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا"، فَلَمَّا بَلَغَ

стр. 398

ذَلِكَ المَكَانَ قَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ، وَأَخْبَرَهُم بِأمرِ النَّبِيِّ ﷺ . (باب ما يذكر في المناولة)؛ أي: المقرونة بالإجازة بأَنْ يأتي الشيخ بأصل سماعه فيُناوله للطالب، ويقول له: هذا سماعي، أَجزتُ لك روايتَه عني، وهي حالَّةٌ محلَّ السَّماع عند مالك، والزُّهري، ويحيى بن سعيد الأَنْصاري، فيَجوز فيها: حدثنا، وأخبرنا، لكنَّها مُنْحطَّةٌ على الصَّحيح عن السماع عند أكثر الأئمة، لا المُناوَلة المُجرَّدة عن قوله: أَجزْتُ لك، ولا يجوز له الرّواية بهذه على الصَّحيح. (وكان) عطفٌ على (ما)، أو على (المُناوَلة). (إلى البلدان)؛ أي: إلى أَهلها، وهو مِثالٌ، فالقُرى والصَّحارى وغيرها كذلك، والجارُّ متعلِّقٌ بـ (كتاب)؛ فإنَّه مصدرٌ. ثم المكاتَبة إما مع إجازةٍ فكالمناولة معها، وإما مُجرَّدةٌ، فالصَّحيح المشهور فيها جواز الرِّواية بها بأَنْ يقول: كتَب إِليَّ فُلانٌ، وجوَّز بعضهم أنْ يُقال فيها: حدَّثنا، وأنبأنا. (وقال أنس) وصلَه في (فضائل القرآن)، وغيره. قلتُ: قال أبو عَمرو الدَّاني: أجمعوا أنَّ عُثمان كتَب أربع نُسخٍ: واحدةٌ عنده، والثلاثة للبَصرة، والكُوفة، والشام. وقال أبو حاتم السِّجِسْتاني: سبعةً، والثلاثة الأُخرى بمكة، واليمَن، والبحرين. (وعبد الله بن عمر)؛ أي: ابن عاصِم بن عُمر بن الخطَّاب، قال:

стр. 399

كنتُ أَرى الزُّهري يأْتيه الرجل بالكتاب لم يَقرأْه عليه، ولم يُقرأْ عليه، فيقول: أَرويه عنكَ؟، فيقول: نعَم، وقال: ما أَخذْنا نحن ولا مالكٌ عن الزُّهريِّ عرْضًا. (ذلك)؛ أي: المُناوَلة والكتابة على حَدِّ: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨]. (بعض أهل) هو الحُمَيْدي. (الحجاز) هي مكة، والمدينة، واليَمامة، ومَخاليفها؛ أي: قُراها كخَيْبر للمدينة، والطائف لمكة، سُميت بذلك لأنَّها حَجَزتْ بين نَجْدِ والغَور. (حيث كتب)؛ أي: أمَر بالكتابة، فهو مجازٌ بقَرينة كونه أُميًّا؛ إذ الأُميُّ مَن لا يُحسن الكتابةَ لا من يَعرفها، وقد نقُل أنَّه كتَب بيَديه، وسيَجيء في (الجهاد)، أو يقال: إنَّه من خَرْق العادة. (لأمير السرية) هو عبد الله بن جَحْش كما في "سيرة ابن إسحاق" مُرسلًا بسندٍ ثقاتٍ، وفي "الطبراني الكبير" من حديث جُنْدُب بسندٍ حسنٍ. قلتُ: وكانتْ في رجب في السنَة الثانية مع ثمانيةٍ من المهاجرين. قال (ش): وخَدَش البيهقيُّ في هذا الاحتِجاج بأنَّ التبديل فيه كان غير مُتوهَّم لعدالة الصحابة، وهو بعد ذلك عند تغيُّر الناس مُتوهَّمٌ، وقال: إنَّ الشافعي أشار إلى ذلك في باب القَضاء. * * *

стр. 400

٦٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صالحٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ بِكِتَابِهِ رَجُلًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ البَحْرَيْنِ، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ البَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى، فَلَمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ، فَحَسِبْتُ أَنَّ ابْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهِم رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُمَزَّقُوا كلَّ مُمَزَّقٍ. (بكتابه)؛ أي: مُلتبسًا به مُصاحبًا له. (رجلًا) هو عبد الله بن حُذافة السَّهمي كما سيأْتي في (المغازي)، وغيرها. (البحرين) بلفْظ التَّثنية عَلَمٌ على بلدٍ قريبٍ من جَيْرُون وقَيْس، وإنما لم يقُل: إلى مَلِك البحرين؛ لأنَّه لا مُلكَ ولا سَلْطنة للكفَّار. (فدفعه) عطفٌ على مقدَّرٍ، أي: فذهبَ إلى عَظيم البَحرين، فدفعه إليه، ثم دفعَه ذلك العظيم إلى كِسْرى، وتُسمى الفاءَ الفَصِيحة. (كسرى) بفتح الكاف وكسرها، قال الجَوالِيْقي: وهو أفْصح، وهو لقَبٌ لمن مَلَكَ الفُرس، كما سبق بيان ذلك في حديث هِرَقْل. (قرأه)؛ أي: قرأَ كسرى الكتابَ. (مزَّقه)؛ أي: خَرَّقه وفَرَّقه، والفاعل لذلك منهم: أَبرويز بن هُرمُز أَنُوشُرْوان. (فحسبت)؛ أي: ظننتُ.

стр. 401

(ممزَّق) -بفتح الزاي- مصدرٌ كالتَّمزيق، والمعنى: كلَّ نوعٍ من التَّفريق. وفي التاريخ: أنَّ ابنه شِيْرويهِ قَتلَه بأنْ مزَّق بطنَه، ثم لم يَلبَثْ بعده إلا ستة أشهرٍ، ويُقال: إنَّه لما أحسَّ بالهلاك كتَب على حِقَّة السُّمِّ من حِقاق الأَدوية: الدَّواء النَّافع للجِماع، وكان ابنُه مُولَعًا بذلك، فاحتالَ في هلاكِ ابنه، فلمَّا فتح الخِزَانة ورأَى الحِقَّة تَناوَلَ منها، فماتَ في ذلك الشَّهر، ولم يقُم لهم بعد الدُّعاء أمرٌ حتى انقَرضُوا عن آخِرهم في خلافة عُمر ﵁ حين توجيهه سعدًا للعراق. واعلم أنَّ هذا الحديث دالٌّ على الجُزء الثاني من الترجمة، أما الأول فدلَّ عليه الكتاب الذي ناولَه له أمير السَّريَّة. وفي الحديث: جواز مُكاتبة الكفَّار ودُعائهم إلى الإسلام، والعمَل بالكتابة، وخبَر الواحد، وجواز الدُّعاء عليهم حين أَساؤُوا الأَدَب وأَهانُوا الدِّين، وأنَّ الواحد يُجزئ في حمل كتاب الحاكم للحاكم، ولا يُشترط شاهدان، وإنما استقرَّ الحُكم باعتبارهما احتياطًا لمَا دخَل من الفَساد. قلتُ: هذا حُكمه ودليله عُموم: ﴿شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. * * * ٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَناَ عَبْدُ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ شُعْبَةُ، عَنْ قتَادَةَ، عَنْ أَنس بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كتَبَ النَّبِيّ ﷺ كِتَابًا

стр. 402

-أَوْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ- فَقِيلَ لَهُ: إِنهم لَا يَقْرَءُونَ كتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا، فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ نَقْشُهُ: مُحَمَّد رَسُولُ اللهِ، كأنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدهِ، فَقُلْتُ لِقتادَةَ: مَنْ قَالَ نَقْشُهُ مُحَمَّد رَسُولُ اللهِ؟ قَالَ: أَنسٌ. (كتابًا)؛ أي: إلى العجَم، أو إلى الرُّوم، ففي (كتاب اللِّباس) روايتان صريحتان بذلك. (أو أراد) شكٌّ من أنَس. (وأنَّهم)؛ أي: الرُّوم، أو العجَم على الرِّوايتين، فكانُوا لا يَقرؤُون] إلا المَختُوم خَوفًا من كشْف أسرارهم. (خاتم) فيه لُغاتٌ، المشهورةُ منها أربعة: فتح التاء، وكسرها، وخَاتام، وخِيْتَام؛ أي: وخِتَام، وخَتْم. (نقشه) مبتدأٌ، والجملة بعده خبرٌ، وليس فيها عائد؛ لأنَّها عين المبتدأ كأنَّه قيل: نقْشُه هذا المَذكور. وفي الحديث: ختْم الكتُب، واتخاذ الخاتَم من فِضَّة للرِّجال، ونقشه، ونقش اسم صاحبه، ونقش اسم الله تعالى فيه، وجوازُ الكتابة، بل يُندب ذلك كله. (في يده) حالٌ من (البياض)، أو من المضاف إليه؛ أي: كأَني أنظُر إلى بَياض الخاتَم حالةَ كونه في يَدِ رسول الله ﷺ ، ومعنى كونه في اليَدِ: في الأصبَع، فأُطلق الكلُّ على الجُزء. ثم إنَّه من باب القَلْب؛ إذ الأصل الأصبَع في الخاتم لا الخاتم

стр. 403

في الأصبع، كـ: عَرضْتُ النَّاقةَ على الحَوْض. * * * ٨ - بابُ مَنْ قَعَدَ حَيْث ينتهي بِهِ المَجْلِسُ، وَمَنْ رَأَى فُرجَةً فِي الحلْقَةِ فَجَلسَ فِيها (باب من قعد حيث ينتهي به المجلس) أي: حُكم مَن قَعد، وهو الجَواز، أو الأَدب، أو نحوه. (فُرجة) بضم الفاء: فُعلَةٌ بمعنى: المَفعول، كقُبْضة، وبفتحها كذلك. (الحلْقة) بسكون اللام على المشهور. قال العَسْكَري: هي كلُّ مُستديرٍ خالي الوَسَط، والجمْع: حَلَق بفتح الحاء واللام. قال: وحُكي فتح اللام في الواحد، وهو قليلٌ، وإنما عبَّر بالحَلْقة دون المَجلِس؛ لأنَّه لفْظ الحديث، وعبَّر في الأول بالمَجلِس؛ لأن الحُكم واحدٌ. ٦٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ: أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَخْبَرَهُ،

стр. 404

عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي المَسْجدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ، إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَذهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيها، وَأَمَّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُم، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأدبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: "أَلَا أُخْبِرُكمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ؛ أَمَّا أَحَدُهُم فآوَى إِلَى اللهِ، فآوَاهُ اللهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحيَا، فَاسْتَحيَا اللهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ، فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ". (أبي واقد) بقافٍ، ومهملةٍ: الحارث، ليس له في البخاري غير هذا الحديث، حتى إنَّ المَقدِسيَّ في "الكمال" وَهِمَ بقوله: روى له الجماعة إلا البخاري. (أقبل ثلاثة نفر) جملةٌ أُضيف إليها الظَّرف. قال (ك): (جالسٌ) خبر مبتدأ محذوفٍ، وفي بعض الروايات: (هو جالِسٌ)، أي: بذِكْر (هو). (نفَرٌ) بالتحريك: عدَّة رجالٍ من الثلاثة إلى العشَرة، فهو اسم جمعٍ تمييزٌ للثلاثة، أي: هم ثلاثةٌ، لا أنَّه نوَّع الثلاثة على عدد أنفارٍ فيكون تسعةً، وهذا كما يُقال: ثلاثة رجالٍ، ليس المراد ثلاثةُ جموعِ رجلٍ، ونظير وُقوع اسم الجمع تمييزًا كالجمع: ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ [النمل: ٤٨]. (فأقبل اثنان) ذكره بعد: (فأقبل ثلاثة)؛ إما لأن التقدير: فأقبل

стр. 405

اثنان منهم، وإما لأنَّ إقبال الثلاثة إقبالٌ إلى المجلس، أو إلى جِهتهم، وإقبالُ الاثنين إقبالٌ إلى رسول الله ﷺ . (ذاهبًا)؛ أي: لم يرجع بل استمرَّ في إِدباره، وإلا فأدبر مُغْنٍ عن (ذاهبًا). (فلما فرغ)؛ أي: مما كان فيه من الخُطْبة، أو تعليم العِلْم، أو الذِّكر. (ألا) حرف تنبيهٍ، ويحتمل أن الهمزة للاستفهام، ولا نفْيَ، فثَمَّ في الكلام طَيٌّ كأنَّهم قالوا: أَخبرنا عنهم، فقال: كذا. (فأوى) بالقصر؛ أي: رجَع. (فآواه) بالمد. قال (ع): هذا [الأمر يحتمل أنْ] كان في اللُّغة في كلٍّ منهما القَصر والمدُّ، وفصدر المقصور: أَوْيًا على فَعُول، ومصدر الممدود: إِيْواءً، ونسبة الإيواء في: (إلى الله تعالى)، وكذا الاستِحياء، والإِعْراض مجازٌ؛ لاستحالتها في حقِّه تعالى؛ فالمراد لَوازمها: وهي إرادة إِيصال الخير، وترك العِقاب والإذلال، أو نحو ذلك. وهذه قاعدةُ كل ما لا يُطلق على الله يكون المراد غايتَه ولازِمَه، وقَرينة الصَّرْف عن الحقيقة العقْل، وفائدته: بَيان الشيء بطريق عقْليٍّ، وزيادةُ توضيحٍ، وتحسين اللَّفْظ، ويُسمَّى مثْل هذا المَجاز مَجازَ المُشاكَلة، والمقابَلة. واعلم أنَّ إِدخال هذا الباب في (كتاب العلم) إما لأنَّ الحلْقة كانت للعِلْم، فيكون من السُّنَّة الجلوس على وَضْع الحلقة، ويجلس

стр. 406

الدَّاخل حيث ينتهي إليه المَجلس، ولا يُزاحم إنْ لم يجد فُرجةً، وأنَّ الإعراض عن مجلِس العلم مذمومٌ؛ أي: إذا ذهب لا لعُذْرٍ. وفيه: أن مَن جلس في حلْقة علمٍ فهو في كنَفِ الله تعالى، فعلى العالِم أَنْ يُؤوي المتعلِّم؛ لأنَّ الله تعالى آواه، واستِحياء مَن لم يُزاحم محمودٌ، فلذلك لا يعذبه الله، وإنما المذموم فيه الحياء الباعِث على ترك العِلْم، ومَن أعرَضَ فقد تعرَّض لسخَط الله تعالى، فإنَّه أخبر بأنَّ الله أعرَض عنه. وفي قوله الأخير رَدٌّ على مَن زعم أنَّه لا يُستعمل إلا في الأخير؛ فإنَّه قد استُعمل هنا في الوسَط. * * * ٩ - بابُ قَوْلِ النبِيِّ ﷺ : "رُبَّ مُبَلغٍ أوْعَى مِنْ سَامِعٍ " (باب قول النبي ﷺ : رب مبلغ أوعى من سامع) علَّق هذا الحديث؛ إما لكونه في معنى الحديث المذكور بالسنَد، أو ثبَت عنده بلفْظه من طريقٍ آخَر. و (رُبَّ) للتكثير كثيرًا غالبًا في العُرف، وللتَّقليل قليلًا، وإنْ كان هو الأصل لغةً، ومِن خصائصها: أنَّها لا تدخُل إلا على نكرةٍ ظاهرةٍ أو مضمرةٍ، وأنْ تكون موصوفةً بمفردٍ أو جملةٍ، وأنَّ الفعل الذي سلَّطته على الاسم يجب تأخيره عنها؛ لأنَّها للإنْشاء، ولها صَدر

стр. 407

الكلام، وفِعْله يُحذف في الأكثَر، وأنَّ فِعلها يجب أنْ يكون ماضيًا، وهنا الفعل محذوفٌ نحو: كان، أو علمت، أو وجد، أو لقيت. وفيها لغاتٌ عشرٌ: براءٍ مضمومةٍ ومُوحَّدةٍ مشددةٍ، أو مخففةٍ مفتوحةٍ، أو مضمومةٍ، أو مسكنةٍ، وبراء مفتوحةٍ، وباءٍ مشدَّدةٍ، أو مخفَّفةٍ، ورُبَّتَ بتاءٍ بعد الباء المُشدَّدة، أو المخفَّفة. قلتُ: والأخيرتان إما مع ضم الراء أو فتحها، والأربعة إما مع فتح الباء التي زِيدتْ أو تسكينها، صارتْ ستَّ عشرة لُغةً. وهي حرفٌ عند البصريين، واسمٌ عند الكوفيين، أي: فيكون مرفوعًا بالابتداء. قلتُ: ونحو: ورُبَّ قتْلٍ عارُ ومُنع بأن (عارٌ) صفةٌ لـ (قتْلٍ)؛ لأنَّه مبتدأٌ مرفوع قبل دخول: رُبَّ، أو (عارٌ) خبر مبتدأ محذوفٍ، والجُملة صفةٌ لـ (قتل)، أو خبر عنه، وأما متعلَّق ربَّ بمحذوفٍ على قول البصريين، فكذا قال (ش): إنَّ ربَّ تتعلَّق بمحذوفٍ تقديره: يُوجد، أو يُصاب، ولكنه مُفرَّعٌ على أنَّ (رُبَّ) تدخل لتعدية عامل، وبه قال الجمهور. وقال الرُّمَّاني، وابن طاهِر، ورجَّحه بعض المتأخرين: لا تتعلق ربَّ بشيءٍ؛ لاستغنائها عن تقديرٍ، فإنَّها لم تدخل لتعديةٍ بل لإفادة تكثيرٍ، أو تقليلٍ.

стр. 408

و (مُبلَّغٍ) بفتح اللام، وغَلط من كسرها. و (أَوعَى): أفعل تفضيلٍ من الوَغي، وهو الحِفْظ، وهو صفةٌ لـ (مبلَّغ)، و (مِن سامعٍ) صلتُه، والمراد: سامعٍ مني؛ لأنَّ ذلك هو المقصود. * * * ٦٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ ذَكَرَ النَّبِيَّ ﷺ قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ، وَأَمْسَكَ إِنْسَانٌ بِخِطَامِهِ -أَوْ بِزِمَامِهِ- قَالَ: "أَيُّ يَوْمٍ هذَا؟ "، فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ سِوَى اسْمِهِ، قَالَ: "أليْسَ يَوْمَ النَّحْرِ"، قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: "فَأَيُّ شَهْرٍ هذَا؟ "، فَسَكَتْنَا حَتَّى ظَننَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمه، فَقَالَ: "أليْسَ بِذِي الحِجَّةِ"، قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: "فَإِنَّ دِمَاءكم وَأَموَالَكُم وَأَغرَاضَكُم بَيْنَكُم حَرَامٌ كَحُرمَةِ يَوْمِكُم هذَا، فِي شَهْرِكُم هذَا، فِي بَلَدِكُم هذَا، لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ". (على بعيره) كان ذلك بمنى يوم النَّحر في حَجَّة الوداع. (أو زمامها) شكٌّ من الراوي. والزِّمام قال الجَوْهري: الخِطَام الذي يُشدُّ فيه البَرَّة، ثم يُشدُّ في طرفه المِقوَد، وقد يسمى المِقوَد زِمامًا، وزممتُ البعير: خطَمته.

стр. 409

قال: والبَرَّة حلْقةٌ من صفرٍ تُجعل في لحم أنْف البعير. وقال الأصمعي: تجعل في أحد جانبَي المِنْخَرين. (سيسميه) فيه إشارةٌ إلى تفويض الأمور إلى الشارع، والانعزال عما عُرف من المتعارف المشهور. (أعراضكم) جمع عِرْض بكسر المهملة، وسُكون الراء، وبضادٍ معجمةٍ: موضع المَدح والذمِّ من النكاح سواءٌ في نفسه أو سلَفه، فالمَدح: نِسبةٌ إلى الأخلاق الحميدة، والذم عكسه. وقيل: العِرض: الخُلُق؛ من إطلاق اللازم على المَلْزوم. وقيل: الحَسَب؛ أي: لا يجوز القَدْح في العِرْض كالغِيبة، وذلك كالقتْل في الدِّماء، والغَصب من الأموال. واعلم أنَّ قوله: (فإنَّ دِماءكم) هو وما بعده على تقدير مُضافاتٍ، أي: سَفْك دمائكم، وأخْذ أموالكم، وثلْب أعراضكم؛ إذ الذَّوات لا تُحرَّم، فيُقدَّر في كل شيءٍ ما يُناسبه. (كحرمة يومكم هذا) إلى آخره، شبَّهه بهذه الأُمور؛ لاشتِهار الحُرمة فيها عندهم، وإلا فالمشبَّه إنما يكون دون المشبَّه به، ولهذا قدَّم السؤال عنها مع شُهرتها؛ لتقرير الحرمة المطلوبة في نفُوسهم وتشديدها. قال (ن): فيه ضرْب الأمثال، وإِلْحاق النَّظير بالنَّظير. (ليبلغِ) أمرٌ، فالغين تكسر لالتقاء الساكنين. (الشاهد)؛ أي: الحاضِر في المَجلِس، وظاهر الأَمر الوجوب،

стр. 410

والمراد إما يُبلِّغ تحريمَ ما ذُكر، وإما جميع الأحكام. (الغائب) مفعول: (يُبلِّغ)، والظاهر أنَّه بتقدير (إلى). (منه) صلةٌ لأفعل التفضيل، وفُصل بينهما للتوسُّع في الظَّرف كالفَضل بين المضاف والمضاف إليه، كقول الشاعر: كنَاحتٍ يَومًا صَخْرةً بعسيلٍ وقد أُجيز الفصل بينهما بغير الظَّرف أيضًا إذا لم يكن أجنبيًّا من كلِّ وجهٍ. قال (ط) عن المُهَلَّب: فيه من الفِقْه تبليغ العِلْم، وتبيينه لمن لا يَفهم، وهو الميثاق الذي أخذه الله تعالى في قوله: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]. وفيه: أن المتأخِّر قد يكون له علْمٌ ليس لمن تقدَّمه، إلا أنَّه قليلٌ لأجل قرينةِ؛ لأنَّ (رُبَّ) للتقليل، أي: هنا للقَرينة. وعسى للإطماع لا لتحقيق الشيء، وأنَّ حامِلَ الحديثِ يُؤخذ منه ولو كان جاهلًا بمعناه، وهو مأجورٌ في تبْليغه محسوبٌ في زُمرة العُلماء، وأن ما كان حرامًا يجب على العالم أن يؤكِّد حرمته، ويغلِّظه بأبْلَغ ما يجد، وجواز القُعود على ظهر الدَّوابِّ إذا احتيج إلى ذلك، وإنما خطَب على البعير ليُسمع الناس، وإنما أَمسَك إنسانٌ بخطامه ليتفرَّغ للحديث ولا يَشتغِل بإمساكه.

стр. 411

١٠ - بابٌ العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩] . فَبَدَأَ بِالعِلْم، وَأَنَّ العُلَمَاءَ هُم وَرثةُ الأَنْبِيَاء، وَرَّثُوا العِلْمَ، مَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ، وَقَالَ جَلَّ ذِكرهُ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. وَقَالَ: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إلا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]. ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠]. وَقَالَ ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْه)، (وإِنَّمَا العِلْمُ بِالتَّعَلُّم). وَقَالَ أبُو ذَرٍّ: لَوْ وَضَعتُمُ الصَّمصَامَةَ عَلَى هذه -وَأَشَارَ إِلَى قَفَاهُ- ثُمَّ ظَنَنْتُ أنِّي أُنْفِذُ كَلِمَةً سَمِعتُها مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أَنْ تُجيزُوا عَلَيَّ لأَنْفَذْتها. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَهِّمْهُ، وَإِنَّمَا العِلْمُ بِالتَّعَلُّم"، وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: لَوْ وَضَعتُمُ الصَّمصَامَةَ عَلَى هذه -وَأَشَارَ إِلَى قَفَاهُ- ثُمَّ ظَنَنْتُ أنِّي أُنْفِذُ كَلِمَةً سَمِعتها مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أَنْ تُجيزُوا عَلَيَّ لأَنْفَذْتُها، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩]: حُلمَاء فُقَهَاءَ، وَيُقَالُ: الرَّبَّانِيّ الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ العِلْم قَبْلَ كبَارِهِ. (باب العلم قبل القول والعمل)؛ أي: لأن الشيء يُعلَم ثم يُعمَل به، فهو مقدَّمٌ بالذَّات، وأيضًا فأَشرف؛ لأنَّه عمل القَلْب الذي هو

стр. 412

أشرف الأعضاء. وقال (ط): العمل لا يكون إلا مقصودًا به معنًى متقدِّم، وذلك المعنى هو عِلْم ما وعَد الله عليه من الثواب. وأراد البخاري بالترجمة بيانَ مكانة العِلْم؛ لئلا يسبِق إلى الذهن أن العلم لا ينفع إلا بالعمَل، فبيَّن أنَّه شرطٌ في القول والعمل، متقدِّمٌ عليهما لا يعتبران إلا به. (لقول الله) سبَقه بهذا الاستدلال سُفْيان بن عُيَينة، وبقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨]، ثم قال: ﴿فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤]. (فأعلم) الخطاب للنبي ﷺ ، والمراد غيرُه، أو الأمر للدَّوام والثَّبات، أو أن المعنى: فإذا جاءت الساعةُ فاعلم ذلك، وأنَّه لا مِلْك لأحدٍ إلا له، والاستغفار إشارةٌ إلى القول والعمل. ففي الآية: وُجوب العِلْم بالتوحيد فلا تقليدَ فيه، وقد ذهب أكثر المتكلمين إلى منع صحة إيمان المقلِّد. قال البَغَوي: يجب على كلِّ مكلَّفٍ معرفة أُصول الدِّين، ولا يسَع فيه التقليد؛ لظُهور دلائله. قلتُ: سبَق في حديث ضِمام خلافُ ذلك. (وأن) بفتح الهمزة، ورُوي بالكسر، أي: وباب هذه الجُملة، أو أنَّه على سبيل الحكاية.

стр. 413

(ورثوا) بفتح الواو، وتشديد الراء وتخفيفها. (أخذ بحظ وافر)؛ أي: أخذ من مِيراث النُّبوَّة بنصيبٍ كاملٍ. وهذا الحديث رواه الترمذي مُطولًا أوَّله: (مَنْ سَلَكَ طَريقًا يَطلُبُ فيهِ عِلْمًا)، ثم قال: إنَّ إسناده ليس بمتصِلٍ. وقال الدَّارَقُطْني في "علله": إنَّه ليس بمحفوظٍ. ورواه البَغَوي في "شرح السنَّة" عن أبي الدَّرداء، وقال: غريبٌ لا يُعرف إلا من حديث عاصم بن رَجاء بن أَبي حَيْوَة، وقال ابن مَعِيْن فيه: إنَّه صُويلح. وكذلك رواه ابن حِبَّان في "صحيحه"، وقال في "كتاب الضُّعَفاء": إن أسانيد حديث: (العُلَماءُ وَرثة الأَنْبياء) صحيحةٌ. وقال الحاكم: صحيحٌ. (ومن سلك) إلى آخره، رواه مسلم، وإنما نكَّر (علمًا)؛ ليشمل القليل والكثير من العُلوم الدِّينية، ومعنى: (سَهَّل)؛ أي: في الآخِرة، أو وفَّق للعمَل الصالح الموصِل للجنة، أو سهَّل عليه ما يَزيد به عمَله؛ لأنَّه من طُرُق الجنة، بل أقربها. (أو يعقل)؛ أي: يعلَم، وحُذف مفعوله؛ لأنَّه جعل كالفعل اللازم؛ أي: لو كنَّا من أهل العِلْم لَمَا كنَّا من أهل النار. (ومن يرد الله به خيرًا) علَّقه هنا، ورواه قَريبا مُسنَدًا. (يفقهه)؛ أي: يُفهِّمه، فهو لفْظ بعضِ الروايات، ويحتمل أنْ

стр. 414

يُريد الفقه في الاصطلاح، وهو عِلْم الحُكم الشَّرعي من دليله التَّفْصيلي. (بالتعلم) بضم اللام على الصواب، ويُروى: (بالتَّعليم). قال (ك): وهذا يحتمل أن يكون من كلام البخاري لكنْ قد رواه أبو نعيم في كتابه "رِياضَة المُتعلِّمين" عن أَبي الدَّرْداء مرفوعًا بزيادةِ: (وإِنَّما الحِلْم بالتَّحلُّم، ومَن يتحرَّى الخَيْرَ يُعْطَه). قلتُ: ورواه- أيضًا- الخطيب في كتاب: "الفقيه والمتفقِّه" عن مَكْحُول، عن مُعاوية، ولكن لم يَسمع منه، فهو منقطعٌ. والمراد: إنما العلْم المعتبر المأْخوذ عن الأنبياء، وورثَتهم على سَبيل التعلُّم والتعليم، فيُفهم منه أن العِلْم لا يُطلق إلا على الشَّرع حتى لو أَوصى للعُلماء أُعطي أصحاب الحديث، والتفسير، والفقه. (وقال أبو ذر) رواه الحافظ عبد الكريم الحَلَبي، عن الحافظ عبد المؤمن الدِّمْيَاطِي، بسنَده إلى أبي مرْثَد: جلَسْتُ إلى أبي ذَرٍّ، فوقَفَ عليه رجلٌ، فقال: ألم يَنهَكَ أميرُ المؤمنين عن الفَتْوَى، فقال: لَو وضَعتُم الصَّمصَامةَ على هذه وأَشارَ إلى حَلْقه -على أَنْ أَترك كلمةً سمعتُها من رسولِ الله ﷺ لأَنفَذْتُها قبْلَ أنْ يكونَ ذلك. (الصمصامة) بفتح الصادين المهملتين، ويُقال: الصَّمصَام، أي: السَّيف الصَّارِم. (قفاه) مقصورٌ يذكر ويؤنث.

стр. 415

(أنفذ) بضم الهمزة، وسُكون النون، وبذالٍ معجمةٍ؛ أي: ظنَنتُ أني أَقدِر على إنْفاذ كلمةٍ؛ أي: تبليغها. (تجيزوا) بضم أوله، وكسر الجيم، وبزاي، أي: الصَّمصامة. (عَليَّ)؛ أي: على قفايَ، أي: تقتلوني، وتُنفذوا فِيَّ أمركم. فإنْ قيل: لو، لامتناع الثاني لامتناع الأوَّل على المشهور، فيَنتفي الإنْفاذ لانتِفاء الوضْع، وليس المعنى عليه. قيل: هو مثل: "لَو لم يَخَفِ الله لم يَعْصِه" حتى يكون الحكم ثابتًا في النَّقيض بطريق الأَولى، أو أنَّ: (لو) هنا لمُجرَّد الشرط كـ (إِنْ). قال (ط): فيه أنَّه يجوز للعالم في الأمر بالمعروف الشِّدةُ، ويحتسِب ما يُصيبه في ذلك عند الله تعالى. (وقال ابن عبَّاس) هذا التَّعليق رواه الخَطِيب في كتاب "الفقيه والمتفقِّه" بإسنادٍ صحيحٍ، وابن أبي عاصم في كتاب "العلم". (ربانيين) نسبةٌ إلى الرَّبِّ، وأصله: رُبِّيُّون، زِيدت الألف والنون للتأكيد، ووجْه الشَّبه إِخلاصُهم للرَّبِّ تعالى، أو أنَّهم يَربُّون المتعلِّم؛ أي: يقومون به؛ مِنْ رَبَّه يَرُبُّه: إذا قام بمصالحه. وفيه: أقوالٌ كثيرةٌ منها: أنْ لا يكون ربَّانيًّا حتى يعمل بما عَلِم، قاله ابن الأَعرابي. (حكماء) جمع: حكيم، والحكمة: صِحَّة القول والعقل والفعل.

стр. 416

وقيل الحكمة: الفِقْه في الدِّين. وقيل: معرفة الأَشياء على ما هي عليه. وفي بعض النُّسَخ باللام، والحِلْم: الطُّمأْنينة عند الغضَب، فهو من ذِكْر الخاصِّ بعد العام، والظاهر أنَّ ذلك تفسير للربانيين. (علماء)؛ أي: بجزئيات العلم قبل كُلِّياته، أو بفُروعه قبل أُصوله، أو بمقدِّماته قبل مَقاصده. واعلم أنَّه لم يَذكر في الترجمة حديثًا بسندٍ؛ إما لأنَّه أراد أنْ يُلحق ذلك فلم يتفِق له، أو إشعارٌ بأنَّه لم يثبُت عنده فيها شيءٌ على شَرطه كما في نظائره كما بينَّاه قريبًا، وإما أنَّه اكتفَى بما أورده؛ لأنَّ القصد هو فَضْل العِلْم حصَل به لا سيَّما وسُكوت الصحابة على مَن قال ذلك، وهو إجماعٌ سكوتي، فلم يحتَجْ لزيادةٍ. ١١ - بابُ مَا كانَ النَّبِي ﷺ يَتَخَوَّلُهم بِالمَوْعِظَةِ وَالعِلْمِ كَيْ لَا يَنْفِرُوا (باب ما كان النبي ﷺ يتخولهم بالموعظة) ينبغي أنْ يكون (ما) موصولًا حرفيًّا، أي: كَون؛ لأنَّه القصْد لإتْيان الذي كان ﷺ يتخولهم به.

стр. 417

والتخوُّل -بالمعجمة-: التعهُّد، وسيأْتي في لفْظ الحديث فيه زيادة بيانٍ، والموعظة: النُّصح والتذكير بالعواقب. (والعلم) مِن عطْف العامِّ على الخاصِّ. (ينفروا)؛ أي: يَتباعدوا منه. * * * ٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَناَ سُفْيانُ، عَنِ الأَعمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يتخَوَّلُنَا بِالمَوْعِظَةِ فِي الأيَّامِ، كَراهةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا. (يتخولنا)؛ أي: يتعهَّدنا؛ أي: يُراعي الأوقات في وعْظنا، ولا يفعلُه كلَّ يومٍ. وقال ابن السِّكِّيت: معناه: يُصلحنا ويقوم علينا. وكان أبو عمرو يقول: إنما هو بالنون، والتَّخوُّن: التَّعهُّد، ويردُّ على الأعمش روايته باللام، وكان الأَصمعيُّ يقول: ظلَمَه؛ فإنَّه يُروى باللام والنون. وقال التَّيْمِي: تخوَّن فُلانًا: تَعهده وحفِظَه؛ كأنَّه اجتَنبَ منه الخيانة المُخلَّة بالحفظ. وصوَّب بعضهم أنَّه بالحاء المهملة؛ أي: يتفقَّد أحوالهم التي ينشَطُون فيها للمَوعظة، فيعظِهُم فيها، ولا يُكْثِر عليهم فيَملَّوا.

стр. 418

قيل: وهي روايةٌ، لكن الرِّواية الصحيحة بالإعجام، والإتيانُ بالفعل مضارعًا بعد (كان) الماضي؛ لقَصْد الاستمرار، نحو: كانَ حاتِمٌ يُكرِمُ الضَّيْف، وسبق نحوه مراتٍ. (السآمة) كمَلالَة لفظًا ومعنًى، وسئِمَ تتعدَّى بـ (مِنْ) فحُذفتْ هنا، أي: السآمة من المَوعِظة، ثم المراد سآمتهم لا سآمَة النبي ﷺ ، يدلُّ عليه السِّياق. (علينا) متعلِّقٌ بـ (السآمة) على تضمين معنى: المشقَّة، أو بوصفٍ، أو حالٍ محذوفٍ؛ أي: السآمة الطارئة، أو طارئةٍ، أو بشفَقَة محذوفًا؛ إذ المراد شفَقته عليهم ورِفْقه بهم ﷺ . * * * ٦٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحيىَ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعبَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو التَّيَّاحِ، عَنْ أَنسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا". سنده بصريون. (يسروا) مِن اليُسر، (ولا تعسروا) ذُكر تأكْيدًا، وإلا فالأمر بالشيء نهيٌ عن ضِدِّه، وقال (ن): لأنَّه قد يفعلهما في وقتَين فلا يُفهم من (يسِّروا) النَّهي عن ضِدِّه في وقتٍ آخر، انتهى. (وبشروا) بمُوحَّدةٍ فمعجمةٍ، والبِشارة: الخبَر بالخير.

стр. 419

(ولا تنفروا) إنما قُوبل به (بَشِّروا) مع أن ضِدَّ البِشارة الإنْذار؛ لأن القصد من الإنذار التنفير، فصرح به. والحديث من جوامع الكلم لاشتماله على خير الدنيا والآخرة. وفيه: طلَب التَّبشير بذكر فَضْل الله وسعة رحمته، والتحذير من التنفير بالمَخُوفات مع عدم ذكر التبشير، وتأليف مَن قَرُب إسلامه، وترك التَّشديد عليه، والتلطُّف بمن تابَ عن المَعاصي وتدريجه في أنواع الطاعات شيئًا فشيئًا كما جاءتْ أُمور الإسلام؛ لعدم التَّنفير لرجاء حمله. ١٢ - بابُ مَنْ جَعَلَ لأَهْلِ العِلْمِ أَيَّامًا مَعلُومَةً (باب من جعل لأهل العلم أيامًا)، وفي نسخةٍ: (يَومًا مَعلومًا). ٧٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيبةَ، قَالَ: حَدَّثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَن! لَوَدِدتُ أَنَّكَ ذَكَّرتنا كُلَّ يَوْمٍ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أنِّي أكرَهُ أَنْ أُمِلَّكُم، وَإِنِّي أتخَوَّلُكُم بِالمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ النَّبِي ﷺ يتَخَوَّلُنَا بها، مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا. (يا أبا عبد الرحمن) حذْف الألف من الأَب جائز تخفيفًا.

стр. 420

(لوددت) جواب قسمٍ محذوفٍ. (أما) بالتخفيف: حرف تنبيهٍ. (أنَّه) الضمير للشأْن. (إني أكره) فاعل: يمنع؛ أي: كراهةَ. (أُملكم) بضم الهمزة؛ أي: أوقعكم في الملَل. (فإني أتخولكم) بكسر (إنَّ). (علينا) يحتمل تعلُّقه بالـ (مَخافة)، أي: خَوفًا علينا. قال (ط): فيه ما كان عليه الصحابة من الاقتداء بالنبيّ ﷺ ، والمُحافظةِ على سُنته، وتجنّب مخالفته. * * * ١٣ - بابٌ مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقّهْهُ فِي الدِّينِ (باب من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين) سمى بعضهُم مثل ذلك مرسلًا، والحقُّ قَول الأكثَر: أنَّه إذا وُصل سنَده بعد ذلك يصير مسندًا. ٧١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونسُ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، قَالَ: قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرّحمَنِ: سَمِعتُ مُعَاوِيَةَ خَطِيبًا يَقُولُ: سَمِعتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا

стр. 421

يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وإنَّمَا أَناَ قَاسِمٌ وَاللهُ يُعْطِي، وَلَنْ تَزَالَ هذه الأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمرِ اللهِ لَا يَضُرُّهُم مَنْ خَالَفَهُم حَتَّى يَأتِيَ أَمْرُ اللهِ". (خطيبًا) حالٌ من المفعول؛ لأنَّه أقرَب، ولأن الخطبة تليق بالولاة، لا من الفاعِل. (يُرِد) من الإرادة، وهي: تخصيص أحد طرَفي الجائز بالوقوع. وقيل: غير ذلك. (خيرًا)؛ أي: منفعةً في الدنيا والآخرة، ويُكره التعميم؛ لأنَّه في سِياق الشَّرط، فيعمُّ جميع الخيرات، أو للتعظيم لاقتضاء المقام ذلك كما في قوله: لَهُ حاجِبٌ في كُلِّ أَمرٍ يشِينُهُ (يفقهه) من الفقه، وهو في اللُّغة الفهم، وحَملُه عليه أحسَن؛ ليشمل جميع العلوم الدينية، ويحتمل الاصطلاحي على بُعد. وقال الحسن البصري: الفقيه: هو الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بأمر دِيْنه، المداوم على عبادة ربّه. (قاسم)؛ أي: أقسِمُ بينكم، فأُوصل كلَّ أحدٍ بما يَليق به، والله يُوفِّق من يشاء لفهمه، والتفكُّر في معناه. قال التُّورِبِشْتِي: إنَّه ﷺ لم يفضِّل أحدًا على أحد بل عدل في القسمة وسوَّى في البلاغ، وتفاوتهم فيما منح الله من الفهم، فبعض الصحابة كان لا يفهم من الخطاب إلا الظاهر، وبعضهم يستنبط منه

стр. 422

كثيرًا و ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٥٤]، انتهى. ووجه الحصر بـ (إنما) مع أنَّه ﷺ له صفاتٌ غير كونه قاسِمًا، وهو كونه بشيرًا ونذيرًا؛ إما رَدٌّ على من اعتقد فيه أنَّه يُعطي ويَقسم، فالقصر فيه قصْر إفرادٍ، أو يُعطي ولا يَقسِم، فالقصر فيه قَصْر قَلْب، وكلاهما ليس حقيقيًّا. (والله يعطي) التقديم عند السَّكَّاكي في مثْله للتَّقْوية. وقال الزَّمَخْشَري: يحتمل الاختصاص، أي: الله يُعطي لا غيرُه، ثم الجُملة يحتمل أنْ تكون حاليةً، والمعنى: ما أنا قاسمٌ حالَ إِعطاء اللهِ لا في حالٍ غيره، وأما حذْف مفعول أعطى؛ فلجَعْله كاللازم حتى يكون الغَرَض إيجاد الحقيقة لا بَيان المفعول. (ولن تزال) فعلٌ ناقصٌ ملازِمٌ للنَّفْي، أو معناه بخلاف زالَ يَزول بمعنى: ذهبَ؛ أي: وزَال يزيل بمعنى: مَيَّز. (على أمر الله)؛ أي: على الدِّين الحقِّ. (حتى يأتي أمر الله)؛ أي: القيامة، فإنَّه لا تكاليفَ فيها حينئذٍ؛ لأنَّ المراد أنَّهم حينئذٍ على غير أمر الله من حيث مُخالفة الغاية لما قبلَها، أو أن الغاية هنا لتأكيد التأبيد لا لمخالفة ما بعدَها لما قبلَها كما في: ﴿دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود: ١٠٧]، ويحتمل أن يكون غايةً لقوله: (لا يضرهم)؛ لأنَّه أَقْرب، ويكون المعنى: حتى يأتيَ بلاءُ الله فيضرُّهم، أو أنَّه لتأكيد عدم المضرة، كأنَّه قال: لا يضرُّهم مَن خالفَهم لهذا، أو هو مثل: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إلا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦]؛

стр. 423

أي: فلا مَضرةَ يوم القيامة كما لا موتَ، أما الضرُّ بمجيء الدجَّال، فإنْ فسَّروا أمر الله بالبلاء؛ فظاهرٌ، أو بيوم القيامة؛ ففعل الدجال منفعةٌ في الآخرة، فإنَّ الشهادة لا تضره فيها بل من أعظم المنافع. واعلم أنَّ في (حتى) يأْتيَ تنازُع فعلين. قلتُ: لو قال: عاملَين كان أجود؛ لأن أحدهما اسمٌ، وهو قائمةً، وأما الغاية في (حتى)، فالفرق بينها وبين (إلى): أن مجرور (حتى) يجب أن يكون آخر جزءٍ من الشيء أو ما يُلاقي آخر جزءٍ منه، وإليه أَشار في "الكشاف" في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ﴾ [الحجرات: ٥]. وفي الحديث حُجة الإجماع. قيل: ويدل على امتِناع خُلوِّ العصر عن المُجتهد. قال (ط): وعلى فَضْل العُلماء على سائر الناس؛ أي: ولهذا قال البخاريُّ في موضع: إنَّ الطائفة المذكورة هم أَهل العِلْم، وقال أحمد: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أَدري مَن هم؟. قال القاضي: أراد أحمد أهلَ السنَّة والجماعة. قال (ن): إنَّهم مفرَّقون في المؤمنين، منهم فُقهاء، ومنهم مُحدِّثون، ومنهم زُهَّاد إلى غير ذلك. وفيه: فضل الفقه على سائر العُلوم، وأنَّه ﷺ لم يستأثر عليهم في مال الله، وقد قال: (ما لي مما أَفاء الله عليكم إلا الخمُس، والخمُس مردودٌ فيكُم)، وطيَّب قلوبهم بقوله: (إنما أنا قاسم)، وعلى

стр. 424

أن أُمته خير الأمم، وأن عليها تقوم الساعة. وأما حديث: "لا تقُومُ السَّاعة إلا علَى شِرار الخَلْق"، وحديث: "حتى لا يقُولَ أَحدٌ: اللهَ الله"، فجواب ذلك: أن العُمومات في مثله أُريد بها خُصوصٌ من حيث إنَّ أهل الحقِّ مُنحازين في موضعٍ، ولهذا جاءتْ روايةٌ في حديث "لا تزال طائفة": قيل: وأين هم، يا رسول الله؟، قيل: ببيْت المقدِس، أو أَكناف بيت المقدِس. قال (ن): أو أن المراد مِن أمر الله: الريح اللَّيّنة التي تأْتي قرب القيامة، فتأخذ روح كل مؤمن ومؤمنة، والحديثان المتقدمان على ظاهرهما، أو ذاك عند القيامة. ١٤ - بابُ الفَهْمِ فِي العِلْمِ (باب الفهم في العلم) بمعنى المعلوم؛ أي: إدراك المعلومات، وإلا فالفهم نفس العلم كما فسَّر به الجَوْهري. ٧٢ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ لِي ابنُ أَبِي نَجيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: صَحِبْتُ ابنَ عُمَرَ إِلَى المَدِينَةِ فَلَم أَسْمَعهُ يُحَدِّثُ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا، قَال: كنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ

стр. 425

فَقَالَ: "إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثَلُهَا كمَثَلِ المُسْلِم"، فَأَردتُ أَنْ أقولَ هِيَ النَّخْلَةُ، فَإذَا أَناَ أَصغَرُ القَوْمِ، فَسَكَتُّ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "هِيَ النَّخْلَةُ". (علي)، قال (ك): في نُسخةٍ: (هو ابن عبْدِ الله)؛ أي: ابن المَدِيْني، والظاهر أنَّ ذلك من قول الفِرَبْرِي، أو راوٍ آخَر من رُواة الصَّحيح. واعلم أن ما رواه البخاري من العَنْعنة في السَّنَد محمولٌ على أنَّه ثبَت السَّماع؛ لأنَّه لا يكتفي بإِمكانه كما يكتفي به مسلم. وأما (قال): فإنما تُذكر عند المُذاكرة كما سبَق أن البخاري قال: كلُّ ما قلتُ: قال لي فلانٌ؛ فهو عرْضٌ ومُناولةٌ، فما رُوي عن سُفْيان من قوله: (قال لي ابن أَبي نَجيح) يحتمل أنْ يكون عَرْضًا لسُفْيان أيضًا. (إلى المدينة)؛ أي: طَيْبة، فاللام للعهد، والظاهر أنَّ مَبْدأ صُحبته إياه كان من مكة. (إلا حديثًا واحدًا) يريد به الحديث الذي بعدَه متصلًا به؛ وذلك لأن ابن عُمر كان متوقِّيًا الحديثَ عن النبي ﷺ ، وقد كان عَلِمَ قول أبيه: أَقِلُّوا الحديثَ عن رسول الله ﷺ ، وأَنا شَريكُكم. قلت: كذا قال (ط). ورد عليه بأن ابن عمر كان من المكثرين، وإنما ذلك لعدم سؤاله
следующие страницы →