بذي الحُلَيفة مِيْقات أهل المدينة، لكنَّه قال: بدُون لفظ: ذي، والذي في "الصحيحين": ذو الحُلَيفة، فكأنه يُقال بالوجْهَين.
(أُخريات) بضم الهمزة، أي: أواخِرهم.
(فَعَجلوا) بكسر الجيم.
(أكُفئت)؛ أي: أُمِيلَتْ، وقُلبَتْ؛ ليُفْرغ ما فيها، يُقال: كفَأتُ الإناءَ، وأكَفأتُه: ملأْتُه.
قيل: أمرَهم بالإكفاء؛ لأنهم ذبحوا الغنَم قبل أن تُقسَم، فلم يُطيب لهم ذلك؛ لأنه في معنى النُّهْبى المنهيِّ عنها، وقيل: لأنهم كانوا انتَهوا لدار الإسلام، والمَحلِّ الذي لا يجوز فيه الأكْلُ من الغَنيمة المشتركة، وقيل: أمرَ به عُقوبةً لهم لتركهم رسولَ الله ﷺ في أُخْريات الناس مُعَرَّضًا للعدوِّ ونحوه، وتضْييع المال لا يَجوز، فلعلَّهم ردُّوا اللَّحم إلى المغنم.
(فعدل) بتخفيف الدال، يعني: التَّسوية، هذا محمولٌ على أنه كان بحسَب قيمتها يومئذٍ، ولا يُخالف قاعدةَ الأُضْحية يَقوم البعير مَقام سبْع شِيَاهٍ؛ لأنه الغالب في قيمة الشاة، والإبل المُعتدلَة.
(فندَّ)؛ أي: شَرَد، وذهَب على وجهه شاردًا.
(فأعياهم): أعجَزهم، عَييَ بأمره، إذا لم يهتدِ لوَجْهه، وأعياني هو.
(يسيره)؛ أي: قَليلُه.
стр. 3579
(فأهوى رجل) يقال: أهوَى بيده إلى الشَّيء ليأخذَه، وهوَى نحوه، إذا مالَ إليه، وأَوْمأ.
(أوابد)؛ أي: نَوافِر، جمع آبدَة، وتأَبَّدَ، أي: تَوحَّشَ، وانقطَع عن الموضع الذي كان فيه، وسُميت أَوابد الوَحْش بذلك؛ لانقطاعها عن الناس.
وفيه أنَّ الإنْسيَّ إذا تَوحَّش فذَكاتُه كذكاة الوَحْشيِّ، كعكسه.
(جدّي) هو رِفَاعة.
(نرجو أو نخاف) شكٌّ من الراوي، والغرَض من ذِكْر العدوِّ عند السُّؤال عن الذَّبْح بالقصَب؛ أنَّا لو استَعملنا السيوف في الذَّبح لكفَتْ، فنعجَز عن المقاتلة عند اللِّقاء.
(مُدًى) جمع مُدْيةٍ، بالضمِّ والكسر، وهي السِّكِّين.
(أَنْهَر)؛ أي: أجرَى الدَّمَ بكثْرةِ كما يجري الماء في النَّهر، ورُوي بالزاي، مِن أنهزت الطَّعنةَ: وسَّعتَها، وكلمة (ما) شرطيةٌ أو موصولةٌ.
والحِكْمة في اشتراط الإِنهار التَّنبيهُ على أن تحريم الميتة؛ لبَقاء دمها.
(ليس السن) كلمة (ليس) هنا للاستِثناء بمعنى (إلا)، وما بعدهَا نصب بالاستثناء، وفي رواية: (ما خَلا السِّنَّ).
(وسأحدثكم)؛ أي: سأُبيِّن لكم العِلَّة في ذلك.
стр. 3580
(أما السن فعظم) هذا يدلُّ أن النَّهي عن الذَّكاة بالعظم كان متقدِّمًا، فأحالَ هذا القول، [و] هذا معلومٌ سبق.
وقيل: إنَّ العَظْم غالبًا لا يقطَع، إنما يجرح، فتُزهق النفْس بلا يقينِ ذكاةٍ، أو المراد بالسِّنِّ المركَّب في الأسنان، أو المنزوع، وفي روايةٍ: (أما السِّنُّ فنَهْشٌ، وأما الظُّفُر فخَنْقٌ).
(الظفر فمدى الحبشة) قال (ط): ظاهره أن مُدَى الحبَشة لا تقَع بها الذَّكاة، ولا خِلاف أن المُسلم لو ذكَّى بمُدية حبَشيٍّ كافرٍ جازَ، فمعنى الكلام أن الحبَشة يُدْمُون مَذْبَح الشاة بأظْفارهم حتى تُزهق النَّفْس خَنْقًا أو تعذيبًا، ويُحلُّونها محلَّ الذَّكاة، فلذلك ضرَبَ المثَل بهم.
قال (ن): لا يجوز بالعَظْم فإنَّه ينجُس بالدَّم، وهو زادُ إخواننا الجِنِّ، ولهذا نُهيَ عن الاستنجاء بالعظم؛ فإنه نجسٌ.
وفيه أنَّ كلَّ ما صَدَق عليه اسم العظم لا تجوز الذَّكاة به، ولا الظُّفر؛ لأنَّ الحبَشة كفَّارٌ لا يجوز التشبُّه بهم، ولا بشِعارهم، ويدخل فيه ظُفر الآدمي وغيره، متصلًا ومنفصلًا، طاهرًا أو نجسًا، وكذا السِّنُّ.
قال أبو حنيفة: لا يجوز بالمتصلَين، ويجوز بالمنفصلَين.
قال التَّيْمِي: العظم غالبًا إنما يجرح ويُدمي، فتُزهق النفس من غير أن يقتضي وقوع الذَّكاة، فلهذا نُهِيَ عنه.
стр. 3581
[قال] البَيْضَاوي: هو قياسٌ حُذف منه المقدِّمة الثانية؛ لظُهورها عندهم، وهي أنَّ كلَّ عظْمٍ لا يحلُّ الذَّبح به.
* * *
٤ - بابُ الْقِرَانِ فِي التَّمْرِ بَيْنَ الشُّركاء حَتَّى يَسْتَأْذِنَ أَصْحابَهُ
(باب: القِرَان في التَّمْر حتى يَستأذِنَ)
كذا جميع النُّسخ، وفيه إشكالٌ، فقيل: المعنى: لا يجوز حتى يستأذنهم، واختصَر: لا يجوز، وقيل: صوابه: (حين) مكان (حتى)، وقيل: لعلَّه: باب: النَّهْي عن القِرَان، فسقَط لفظ: (النهي).
٢٤٨٩ - حَدَّثَنَا خَلَّادُ بن يَحْيَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا جَبَلَةُ بن سُحَيْم، قَالَ: سَمِعْتُ ابن عُمَرَ ﵄، يَقُولُ: نهى النَّبيُّ ﷺ أنْ يَقْرُنَ الرَّجُلُ بَيْنَ التَّمْرتيْنِ جَمِيعًا، حَتَّى يَسْتَأذِنَ أَصحَابَهُ.
الحديث الأول:
(جَبَلة) بفتح الجيم، والموحَّدة.
(سُحيم) بمهملتين مصغَّرًا.
(أن يَقْرِن) بفتح أوله، وكسر الراء وضمِّها: أن يَجمَع بين
стр. 3582
تمرتَين، نُهي عنه لأنَّ فيه شَرَهًا، أو غُبنًا برفيقه، والنَّهي للتَّنزيه، والظاهرية للتَّحريم، قالت عائشة: إنَّه للدَّناءة، وإذا أذِنَ له صاحبه، فكأنَّه جادَ عليه بفضْل ما بين القِرَان والإفراد.
* * *
٢٤٩٠ - حَدَّثَنَا أبو الْوَليدِ، حَدَّثَنَا شُعْبةُ، عَنْ جَبَلَةَ، قَالَ: كُنَّا بِالْمَدِينَةِ، فَأصَابَتْنَا سَنَةٌ، فَكَانَ ابن الزُّبَيْرِ يَرْزُقُنَا التَّمْرَ، وَكَانَ ابن عُمَرَ يَمُرُّ بنا، فَيقُولُ: لَا تَقْرُنُوا؛ فَإِنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عَنِ الإقْرَانِ، إِلَّا أَنْ يَسْتَأذِنَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ أَخَاهُ.
الثاني:
(نهى عن الإقران) كذا رُوي، والأصح: القِرَان.
* * *
٥ - بابُ تَقْوِيمِ الأَشْيَاء بَيْنَ الشُّرَكاء بِقِيمَةِ عَدْل
(باب تَقْويم الأَشْياء)
٢٤٩١ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بن مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ مِنْ عَبْدٍ -أَوْ: شِرْكًا، أَوْ قَالَ: نصَيبًا- وَكَانَ لَهُ مَا يَبْلُغُ
стр. 3583
ثَمَنَهُ بِقِيمَةِ الْعَدْلِ، فَهْوَ عَتِيقٌ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ". قَالَ: لَا أَدْرِي قَوْلُهُ: "عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ" قَوْلٌ مِنْ ناَفِعٍ، أَوْ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبيِّ ﷺ .
الحديث الأول:
(الشِّقْص) بكسر الشين، والشِّقص: النَّصيب في العين المشتركة قليلًا أو كثيرًا.
(وكان له؛ أي: للمُعتِق.
(ما يبلغ ثمنهُ)؛ أي: ثمن العبد بتمامه، فالعبد كلُّه عتيقٌ، بعضُه بالإعتاق، والباقي بالسِّراية.
(وإلا)؛ أي: وإنْ لم يكن موسِرًا له ما يبلُغ ثمنَه، عتَق منه القَدْر الذي أعتقه فقط.
(قال)؛ أي: أيُّوب.
* * *
٢٤٩٢ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بن مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بن أَبي عَرُوبَةَ، عَنْ قتادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بن أَنسٍ، عَنْ بَشِيرِ بن نَهِيكٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا مِنْ مَمْلُوكِهِ، فَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ فِي مَالِهِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، قُوّمَ الْمَمْلُوكُ قِيمَةَ عَدْلٍ، ثُمَّ اسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ".
стр. 3584
الثاني:
(بِشْر) بكسر الموحَّدة.
(عَرَوبة) بفتح المهملة، وخفَّة الراء.
(النَّضْر) بسكون المعجَمة.
(بَشير) بفتح الموحَّدة.
(ابن نهَيك) بفتح النون.
(فعليه)؛ أي: يُكلَّف العبد بتحصيل قيمة نصيب الشَّريك الآخر، [و] قيمة الباقي من ماله؛ ليتخلَّص من الرِّقِّ.
(اسْتُسْعِيَ) بضم التاء، أي: استكسِب غير مشدَّدٍ عليه في الاكتساب، فإذا دفَعه عتَق.
(غير مشقوق عليه) بنصب (غير) على الحال، وصاحب الحال العبد، والعامل فيها: استُسعي، والعبد مُرفَّهًا أو مُسَاعَدًا، والشَّافعية لا تقول بالتَّقويم والاستِسعاء، وأجاب الدَّارَقُطْني: أنَّ الحديث رواه شُعبة، وهشام، عن قَتادة، وهما أثبَتُ، فلم يُذكَر الاستِسعاء.
قال ابن عبد البَرِّ: مَن لم يذكُر السِّعاية أثبَتُ ممن ذكَرها.
قال (خ): بيَّن همَّام أنَّ ذِكْر السِّعاية إنَّما هو من قول قَتادة، وقال ابن المُنْذِر: الكلام من فَتْوى قَتادة لا من نفس الحديث.
والجواب الآخر: المعنى: يستخدمه سيِّده الذي لم يُعتق بقَدْر
стр. 3585
ما له فيه من الرِّقِّ، وسيأتي في (العتق).
* * *
٦ - بابٌ هَلْ يُقْرَعُ فِي الْقِسْمةِ وَالاِستهِام فِيهِ ؟
(باب: هل يُقرَع في القِسْمة والاستِهام؟)
الاستِهام: أخْذ سَهْم النَّصيب، والضمير عائد للقَسْمِ، والمالِ الذي دلَّ عليهما القِسْمة.
٢٤٩٣ - حَدَّثَنَا أَبُو نعيم، حَدَّثَنَا زكريَّاءُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَامِرًا، يَقُولُ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بن بَشِيرٍ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "مَثَلُ الْقَائِم عَلَى حُدُودِ الله وَالْوَاقِعِ فِيهَا كمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأصاب بَعْضُهُم أَعْلَاهَا، وَبَعْضُهُم أَسفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاء مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبنا خَرْقًا، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا. فَإنْ يترُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا، هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ، نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا".
(عامر) هو الشَّعبي.
(القائم على حدود الله)؛ أي: الآمِر بالمعروف، والنَّاهي عن المُنكَر.
(الواقع فيها)؛ أي: التَّارِك المعروف، المرتكِب للمنكر.
стр. 3586
(استهموا)؛ أي: أخَذَ كلُّ واحد منهم سهمًا، أي: نصيبًا من السَّفينة بالقُرعة.
(أخذوا على أيديهم)؛ أي: منَعوهم من الخَرْق.
(نجوا)؛ أي: الآخِذون.
(ونجوا)؛ أي: المأْخُوذون، وهكذا إن أُقيمت الحُدود تحصُل النَّجاة، وإلا هلَك العاصي بالمعصية، وغيرُهم بترك الإقامة.
قال (ط): اتفَق العُلماء على القول بالقُرعة إلا الكوفيين، فقالوا: لا معنى لها؛ لأنها تُشبه الأَزْلام، والحديث يدلُّ على جوازها؛ لإقْرار النبي ﷺ المستهمين، وضرْب المثَل بهم.
وفيه تعذيب العامة بذُنوب الخاصَّة، واستحقاق العُقوبة بالأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، وأنَّ الجار يَصبر على أذى جاره خوفًا مما هو أشدُّ.
* * *
٧ - بابُ شركة الْيَتِيمِ وَأهْلِ الْمِيراثِ
(باب شركة اليتيم)
٢٤٩٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بن عَبْدِ الله الْعَامِرِيُّ الأُويسِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بن سَعْدٍ، عَنْ صَالح، عَنِ ابن شِهَابٍ، أَخْبَرني عُرْوَةُ: أنَّهُ
(ابن أُختي)؛ لأنَّ عُروة ابن أسماء أُخت عائشة.
(حَجر) بفتح الحاء وكسرها.
(اليتامى) يُقال للإناث كما يُقال للذُّكور، جمع: يتيمة -على القَلْب-، والأصل: يتائِم.
(مَثنى) ونحوها غير منصرِفِ؛ للعَدْل والوَصْف، قال الزَّمَخْشَري: فيه عَدْلان: عَدْلها عن صِيغتها، وعَدْلها عن تكرُّرها.
* * *
٨ - بابُ الشَّرِكةِ فِي الأَرَضِينَ وَغَيْرِهَا
(باب الشِّرْكة في الأرَضِين) بفتح الراء.
٢٤٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بن مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَام، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبي سَلَمَةَ، عَنْ جَابرِ بن عَبْدِ الله ﵄، قَالَ: إِنَّمَا جَعَلَ النَّبي ﷺ الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرقُ، فَلَا شُفْعَةَ.
(كل ما لم يقسم)؛ أي: في كل مشترك من الأرض ونحوها، ومرَّ الحديث في (الشُّفعة).
* * *
стр. 3589
٩ - بابٌ إِذَا اقْتسَمَ الشُّرَكاءُ الدُّورَ أَوْ غَيرَهَا، فَلَيْسَ لَهمْ رُجُوعٌ، وَلَا شُفْعَةٌ
(بابٌ: إذا اقتَسَم) في بعضها (اقتَسمُوا)، نحو: أكلُوني البَراغيثُ.
(وغيرها) غير الدُّور من نحو البَساتين، وسائر العَقار.
(فليس لهم رجوع)؛ لأنَّ القِسْمة عقْدٌ لازمٌ.
(ولا شفعة) إذ الشُّفعة في المشتركة لا في المَقْسومة.
* * *
١٠ - بابُ الاِشْتِرَاكِ فِي الذهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَمَا يكون فِهِهِ الصرف
(باب الاشتِراك في الذَّهب والفِضَّة وما يكون فيه الصَّرْف)
الصَّرْف: بيع الذَّهب بالفِضة، وبالعكس، سُمي به لصرفه عن مقتضى البياعات من جَواز التفاضُل فيه، وقيل: من صَريفهما، وهو تَصويتهما في الميزان.
قال (ط): أجمعوا أنَّ الشَّركة بالدَّراهم والدَّنانير جائزةٌ، واختلَفوا في الدَّنانير بأحدهما، والدراهم بأحدهما، فالجمهور لا يجوز؛ لأنه صرْفٌ.
стр. 3590
٢٤٩٧ - و ٢٤٩٨ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بن عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصمٍ، عَنْ عُثْمَانَ؛ يَعْنِي: ابن الأَسْوَدِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بن أَبي مُسْلِمٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْمِنْهَالِ عَنِ الصَّرْفِ يَدًا بِيَدٍ، فَقَالَ: اشْتَرَيْتُ أَناَ وَشَرِيك لِي شَيْئًا يَدًا بِيَد وَنَسِيئَة، فَجَاءَناَ الْبَرَاءُ بن عَازِبٍ، فَسَألْنَاهُ، فَقالَ: فَعَلْت أَناَ وَشَرِيكِي زَيْدُ بن أَرْقمَ، وَسَألْنَا النَّبيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: "مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَخُذُوهُ، وَمَا كَانَ نسَيئَةً فَذَرُوهم".
(وما كان نسيئة فردوه) ورُوي: (فذَرُوه)، ورُوي: (رُدُّوه) بحذف الفاء؛ لأنَّ الاسم الموصول بالفِعْل المتضمن لمعنى الشَّرط يصحُّ في خبَره دُخول الفاء وحذفُها.
* * *
١١ - باب مُشَارَكةِ الذمِّي وَالْمُشْرِكينَ فِي الْمُزَارَعَةِ
٢٤٩٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُويرِيَةُ بن أَسْمَاء، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ الله ﵁، فَالَ: أَعْطَى رَسُولُ الله ﷺ خَيْبَرَ الْيَهُودَ أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا، وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا.
(باب مُشاركةِ الذِّميِّ والمُشركين)
تعميمٌ بعد تخصيصٍ؛ لأن الذّميَّ أيضًا مشركٌ.
стр. 3591
مرَّ الحديث في (كتاب الحَرْث)، وهذه المشاركة معناها الأُجْرة، واستئجار أهل الذمة جائزٌ، أما مُشاركة الذِّمي؛ فقال مالك: لا تجوز إلا أن يتصرَّف الذِّمي بحضرة المسلم، فالذي يتولَّى البيع والشراء هو المسلم؛ لأنَّ الذِّمي يتَّجر في الرِّبا والخمر وغيرهما مما لا يحلُّ للمسلم الاتجار فيه، وأما أخذ أموالهم في الجِزْية فللضَّرورة؛ إذ لا مالَ لهم غيره.
* * *
١٢ - بابُ قِسْمَةِ الْغَنَمِ وَالْعَدْلِ فِيهَا
(باب قِسْمة الغنَم)
٢٥٠٠ - حَدَّثَنَا قتيْبةُ بن سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بن أَبي حَبيبٍ، عَنْ أَبي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبةَ بن عَامِر ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَعْطَاهُ غَنَمًا يَقْسِمُهَا عَلَى صَحَابتهِ ضَحَايَا، فَبقيَ عَتُودٌ، فَذَكَرَهُ لِرَسُولِ الله ﷺ ، فَقَالَ: "ضَحِّ بِهِ أَنْتَ".
(عَتود) بفتح المهملة: مِن المَعْز: ما بلَغ الرَّعي، وقَوِيَ، وبلَغ حولًا، مرَّ في (الوكالَة).
وهذه القِسْمة يجوز فيها من المُسامَحة ما لا يجوز في القِسْمة
стр. 3592
التي (١) هي تمييز الحُقوق.
* * *
١٣ - باب الشَّرِكة فِي الطعَام وَغَيْرِهِ
وَيُذْكَرُ أَنَّ رَجُلًا سَاوَمَ شَيْئًا، فَغَمَزَهُ آخَرُ، فَرَأَى عُمَرُ: أَنَّ لَهُ شَرِكة.
(باب الشركة في الطَّعام)
(ابن عُمر) في بعضها: (عُمَر) بحذف: ابن، وهو الأصح؛ لمَا رواه سُفيان، عن هشام بن حُجَين، عن إيَاس بن مُعاوية قال: بلَغني أنَّ عُمر بن الخطَّاب قضَى في رجلَين حَضَرا سِلْعة فسَامَ بها أحدُهما، وأراد صاحبُه أن يَزيد، فغمَزه بيَده فاشتَرى، فقال: أنا شَريكك، فأبى أن يُشْرِكه، فقضَى له عُمر بالشِّرْكة.
قال (ط): أجاز ابن عُمر الشركة للذي غمَزَ صاحبَه.
قال ابن حَبيب في الذي يشتري الشَّيء للتجارة فيقِفُ به الرَّجل لا يقولُ له شيئًا حتى إذا فرغِ استَشْركَه: رأَى مالكٌ له الشركة لازمة، وأنْ يُقضَى بها له؛ لأنَّه أرفق بالنَّاس من إفساد بعضهم على بعض، ووجَّهه أنَّ المشتري انتفَع بترك الزِّيادة عليه، فوجبَت الشركة لينتفع
стр. 3593
الشَّريك أيضًا بذلك، وكذا إذا غمَزه وسكَتَ، فسُكوته رضًا بالشركة؛ لأنَّه يمكنه أن يقول له: لا أُشرِكُك، فيَزيد عليه.
* * *
٢٥٠١ - و ٢٥٠٢ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بن الْفَرَجِ، قَالَ: أَخْبَرني عَبْدُ الله ابن وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرني سَعِيد، عَنْ زُهْرَةَ بن مَعْبَدٍ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ الله ابن هِشَامٍ، وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ النَّبيَّ ﷺ ، وَذَهَبَتْ بِهِ أُمُّهُ زَيْنَبُ بنتُ حُمَيْدٍ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله بَايِعْهُ. فَقَالَ: "هُوَ صَغِير"، فَمَسَحَ رَأْسَهُ، وَدَعَا لَهُ، وَعَنْ زُهْرَةَ بن مَعْبَدٍ: أنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ بِهِ جَدُّهُ عبد الله بن هِشَامٍ إِلَى السُّوقِ، فَيَشْتَرِي الطَّعَامَ، فَيَلْقَاهُ ابن عُمَرَ وَابن الزُّبَيْرِ ﷺ ، فَيقُولَانِ لَهُ: أَشرِكْنَا، فَإِنَّ النَّبيَّ ﷺ قَدْ دَعَا لَكَ بِالْبَرَكَةِ، فَيَشْرَكهُمْ، فَرُبَّمَا أَصَابَ الرَّاحِلَةَ كمَا هِيَ، فَيَبْعَثُ بِهَا إِلَى الْمَنْزِلِ.
(أَصْبَغ) بفتح الهمزة، والموحَّدة، ثم معجمة.
(زُهْرة) بضم الزاي.
(يَشْرَكهُم) بفتح الياء، والراء، أي: فيما اشتَراه.
قال الفُقهاء: إذا أُطلق لفْظَ: (أشركتُكَ) كان شرَيكًا في النِّصف.
(أصاب)؛ أي: عند الله من الرِّبْح.
(كما هي)؛ أي: بتمامها.
* * *
стр. 3594
١٤ - بابُ الشَّرِكة فِي الرَّقِيقِ
(باب الشِّرْكة في الرَّقيق)
٢٥٠٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا جُويرِيَةُ بن أَسمَاءَ، عَنْ ناَفع، عَنِ ابن عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْتِقَ كلَّهُ، إِنْ كَانَ لَهُ مَال قَدْرَ ثَمَنِهِ، يُقَامُ قِيمَةَ عَدْلٍ، وَيُعْطَى شُرَكَاؤُهُ حِصَّتَهُمْ، وَيُخَلَّى سَبيلُ الْمُعْتَقِ".
الحديث الأول:
(شِرْكًا) بكسر الشين، أي: نَصيبًا.
(وجب عليه أن يُعتق)؛ أي: وجَب عليه أن يُؤدِّي قيمةَ الباقي، فلا يحتاج إلى عِتْقه؛ لأن الكلَّ يعتِق بنفْس إعتاق البعض.
* * *
٢٥٠٤ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بن حَازِمٍ، عَنْ قتادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بن أَنسٍ، عَنْ بَشِيرِ بن نَهِيكٍ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ، أُعْتِقَ كُلُّهُ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَإِلَّا يُسْتَسْعَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ".
الثاني:
(بَشير) بفتح الموحَّدة.
جُعْشُمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله هِيَ لنا أَوْ لِلأبدِ؟ فَقَالَ: "لَا، بَلْ للأبد".
قَالَ: وَجَاءَ عَلِيُّ بن أَبي طَالِبٍ -فَقَالَ أَحَدُهُمَا: يَقُولُ: لَبَّيْكَ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ الله ﷺ . وَقَالَ: وَقَالَ الآخَرُ: لَبّيكَ بِحَجَّةِ رَسُولِ الله ﷺ فَأَمَرَ النَّبي ﷺ أَنْ يُقِيمَ عَلَى إِحْرَامِهِ، وَأَشْرَكَهُ فِي الْهَدْيِ.
(وعن طاوس) عطفٌ على عَطاء؛ لأنَّ ابن جُرَيْج سمع منهما.
(مُهِلُّون) خبر مبتدأ محذوف، أي: وهم، وجُمع باعتبار أنَّ قُدوم النبي ﷺ يستلزم قُدوم أصحابه معه، وفي بعضها: (مُهلِّين)؛ أي: مُحرِمين.
(لا يخلطهم شيء)؛ أي: من العُمْرة، وفي بعضها: (لا يخلطُه شيء).
(قدمنا)؛ أي: مكة.
(أمَرَنا) بفتحات، أي: رسولُ الله ﷺ بفسخ الحجِّ إلى العُمْرَة، فجعلنا الحجَّ عُمْرَةً، وصِرْنا مُتَمَتِّعِين.
(المَقَالة)؛ أي: مقالةُ الناس؛ لاعتقادهم أنَّ العُمْرَة لا تصحُّ في أشهر الحجِّ، ويَرونها فُجورًا.
(يَقْطُر) لقُرب العَهْد بالوطء.
(قال جابر بكفِّه)؛ أي: أشار بيده إلى هيئة التقطُّر.
(لو استقبلت)؛ أي: لو عرفتُ من أوَّل الحال ما عرفتُ آخِرًا من جَواز العُمْرة في أشهر الحجِّ.
стр. 3597
(ما أهديت)؛ أي: لكنتُ متمتِّعًا؛ لمُخالفة أهل الجاهلية، ولأحللتُ من الإحرام، لكن امتنعَ الإهلال لصاحب الهَدْي -وهو المُفرِد والقارِن- حتى يَبلغ الهَدْيُ مَحِله في أيام النَّحر لا قبلها.
(سُرَاقة) بضم المهملة.
(ابن جُعشُم) بضم الجيم، والشِّين.
(هي)؛ أي: العُمْرَة في أشهر الحج، أو المُتْعة.
(وجاء علي)؛ أي: من اليمَن.
(وقال أحدهما)؛ أي: أحد الرَّاويين عن عَطاء وطاوُس، وأُبهم بلفظ (أحدهما)؛ إذ لم يكن الرَّاوي عالمًا بالتَّعيين، لكنْ روى عن عطاء، عن جابرٍ، في (باب: تَقضي الحائضُ المناسِك): أنه قال: أهلَلْنا بما أهلَّ به النبيُّ ﷺ .
(وأشركه في الهدي)؛ أي: أشرَكَ رسول الله ﷺ عليًّا، قال (ع): التي جاءت معه من المدينة، وأعطى عليًّا البُدْن التي جاءَ بها من اليمَن.
وقال المُهَلَّب: ليس في الحديث ما تَرجَم به من الاشتِراك في الهَدْي بعدَما أُهدي، بل لا يجوز بعد الإهداء بيعُه ولا هبَتُه، فمُراده: ما أَهدى عليٌّ من الهَدْي الذي كان معه عن رسول الله ﷺ ، وجعَل ثوابَه له، فيحتمل أنْ لا يُفرده بثواب الهدي كلِّه، فهو شريكٌ له في هديه؛ لأنَّه أهدى عنه ﷺ متطوِّعًا من ماله، أو أنْ يُشركه في هدْيٍ واحدٍ يكون بينهما إذا كان تطوُّعًا.
(أَرِن) قال (ن): بفتح الهمزة، وكسر الراء، وإسكان النون، بوَزْن: أَقِمْ، ورواية البخاري بفتح الهمزة، وسكون الراء، وكسر النون.
قال (خ): صوابه أَأْرِن، بوزن أَعْجِل، وهو بمعناه، من أَرِنَ يأرَن: إذا نشَط وخَفَّ، أي: أعجَل ذبحَها لئلا تموتَ خَنْقًا؛ لأن الذابح بغير حديد يحتاج لخِفَّةِ يد وسرعة، أو أَرِنْ بوزْن: أَطِعْ، أي: أهلِكْها ذَبْحًا، من قولهم: أَران القَومُ: إذا هلَكتْ مواشيهم، أو بوزْن: أَعْطِ بمعنى: أَدِم القَطْعَ، ولا تَفتُر، مِن قولهم: رنَوْتُ؛ إذا أدَمْتَ النظَر، والصَّحيح أنَّه بمعنى: أعجلْ، أو أنَّه شكٌّ من الراوي، هل قال: أعْجِلْ، أو أَرِنْ؟.
قال التَّيْمِي: أي: كلمةٌ تُستعمل في الاستعجال وطلَب الخِفَّة، وأصل الكلمة كسر الراء، ومنهم من يُسكِّنها، ومنهم من يحذِف ياءَ الإضافة؛ لأنَّ كسْرةَ النُّون تدلُّ عليها.
قال (ك): كونها ياءَ إضافةٍ مُشْكلٌ، والظاهر أنها ياءُ الإشْباع.
* * *
стр. 3600
اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح
تأليف
الإمام شمس الدين البرماوي أبي عبد الله محمد بن موسى النعيمي العسقلاني المصري الشافعي
(المولود في مصر سنة ٧٦٣ هـ والمتوفى في القدس سنة ٨٣٧ هـ) رحمه الله تعالى
تحقيق ودراسة
لجنة مختصة من المحققين
بإشراف
نور الدين طالب
[المجلد الثامن]
مَسْلَمَةَ: أَناَ، فَأَتَاهُ، فَقَالَ: أَرَدْناَ أَنْ تُسْلِفَنَا وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ. فَقَالَ: ارْهَنُوني نِسَاءكمْ. قَالُوا: كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِسَاءَناَ، وَأَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ؟ قَالَ: فَارْهَنُوني أَبْنَاءكمْ. قَالُوا: كَيْفَ نَرْهَنُ أَبْنَاءَناَ، فَيُسَبُّ أَحَدُهُمْ، فَيُقَالُ: رُهِنَ بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ؟ هَذَا عَارٌ عَلَيْنَا، وَلَكِنَّا نَرْهَنُكَ اللأْمَةَ -قَالَ سُفْيَانُ: يَعْنِي السِّلَاحَ- فَوَعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ، فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ أتوُا النَّبِيَّ ﷺ ، فَأخْبَرُوه.
(من لكعب بن الأشرف؟)، (مَن) استفهاميةٌ، أي: مَن يتصدَّى لقتله؟؛ لأنَّه كان يُعادي رسول الله ﷺ ويَهجوه.
(محمد بن مَسْلَمة) بفتح الميم، واللام، الأنصاري الذي بعثَه رسول الله ﷺ في جماعة إلى كعْب، فقتَلوه غِيْلةً.
(وَسقًا) بفتح الواو وكسرها: سِتُّون صاعًا.
(أرهنوني) اللغة الفصيحة: رهَن، وأَرْهَنَ قليلةٌ.
(اللأْمَة) بهمزة: الدِّرْع، وعن الزُّهري: السِّلاح كله، وهو يُقوِّي تبويبَ البخاري، جمعها لُؤَمٌ على غير قياس.
قال (ط): ليس يدلُّ رهنك اللأْمَة على جواز رهن الحربيِّ السِّلاح، بل هو من مَعاريض الكلام المباح في الحَرْب وغيره، ولم يكن كعب في عهد رسول الله ﷺ ، بل كان ممتنِعًا بقوَّته في حِصْنه، ولو كان له عَهْد نقضَه بالأَذى، فمَن لامَ النبيَّ ﷺ في ذلك فقد كذَّب الله في قوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات: ٥٤].
стр. 3608
وقال المَازَرِيُّ: قتَله لنقْضه العَهْد، ومجيئه مع أهل الحرب مُعينًا عليه، ولم يُؤمِّنْه ابن مَسْلَمة، بل آنسَه بالبيع والشراء، فتمكَّن منه من غير عَهْدٍ ولا أمانٍ، وقد قتَل عليٌّ من قال في مجلسه: كان قتَلَه غَدْرًا، وأمَر بضَرْب عنُقه، لأن الغَدْر إنما يُتصوَّر بعد أمانٍ صحيحٍ، وكان كعب ناقِضًا للعهد.
* * *
٤ - باب الرهْنُ مَرْكوبٌ وَمَحْلُوبٌ
وَقَالَ مُغِيرَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: تُرْكَبُ الضَّالَّةُ بِقَدْرِ عَلَفِهَا، وَتُحْلَبُ بِقَدْرِ عَلَفِهَا، وَالرَّهْنُ مِثْلُهُ.
٢٥١١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا زكرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "الرَّهْنُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ، وَيُشْرَبُ لَبَنُ الدَّرِّ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا".
٢٥١٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا زكرِيَّاءُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الرَّهْنُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ ويشْرَبُ النَّفَقَةُ".
стр. 3609
(باب الرَّهْن مَركُوبٌ ومحلوبٌ)
ذكَره في الترجمة؛ لأنه ليس على شرطه، وأسنَده الحاكم عن أبي هريرة: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ ومَحْلُوبٌ"، وقال: صحيح على شرط الشَّيخين، ولم يُخرجاه؛ لإجماع الثَّوري وشُعبة على وقفه على الأَعْمَش، عن أبي هريرة.
قال الشَّافعي: يُشبِه قول أبي هريرة: مَن منَع ذاتَ دَر وظَهْر؛ لم يَمنعَ الرَّهنَ دَرُّها وظَهرها؛ لأنَّ له رقبَتَها.
قال الطَّحَاوي: الحديث مُجْمل لم يُبيَّن فيه الذي يرَكب وَيشرب، فمِن أين جاز جعْلُه للرَّاهن دون المرتهن؟، ولا يُحمل على أحدهما إلا بدليلٍ.
قال (ك): وهو الحقُّ.
قال أحمد: للمُرتهِن أن يَنتفِع بالحَلْب والركوب دون غيرهما بقَدْر النَّفَقة.
ودلَّ الحديثُ بمنْطُوقه على إباحة الانتفاع في مُقابَلة الإنفاق، وسبَب الإباحة مِلْك الرَّقَبة لا الإنْفاق، وبمفهومه على جَواز الانتفاع مَقْصورًا على هذَين النَّوعَين، وانتفاعُ الرَّاهن غير مقصورٍ عليهما، وأُجيب بنَسْخه بآية الرِّبا؛ لأنه يُؤدِّي لانتفاع المرتهن بدَينه، وكلُّ قَرْضٍ جرَّ منفعةً رِبًا، والجواب الأَولى: ليس الباء في: (بنفقته) للبدَليَّة، بل للمَعيَّة، والمعنى: الظَّهر يُركب، ويُنفَق عليه، ومثلُ هذا المفهوم لا يُعتبر.
* * *