Полный текст (8 898 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.
стр. 3606
٢ - بابُ مَنْ رَهَنَ دِرْعَهُ
(باب مَن رهَن دِرْعَه)
٢٥٠٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَالَ: تَذَاكَرْناَ عِنْدَ إِبْراهِيمَ الرَّهْنَ، وَالْقَبِيلَ فِي السَّلَفِ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِي ﷺ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِي طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ.
(القَبِيْل): الكَفِيْل بالنفس أو المال، وتقدَّم في (البيع)، فأراد إبراهيم النَّخَعي أن يستدلَّ بالحديث أنَّ الرَّهن لمَّا جاز في الثَّمَن جاز في المُثَمَّن، وهو السَّلَم.
* * *
٣ - بابٌ رَهْنِ السِّلَاحِ
(باب رَهْن السِّلاح)
٢٥١٠ - حَدثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرو: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ لِكَعْبِ ابْنِ الأَشْرَفِ؛ فَإِنَّهُ آذَى اللهَ وَرَسُولَهُ ﷺ ". فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ
стр. 3607
مَسْلَمَةَ: أَناَ، فَأَتَاهُ، فَقَالَ: أَرَدْناَ أَنْ تُسْلِفَنَا وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ. فَقَالَ: ارْهَنُوني نِسَاءكمْ. قَالُوا: كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِسَاءَناَ، وَأَنْتَ أَجْمَلُ الْعَرَبِ؟ قَالَ: فَارْهَنُوني أَبْنَاءكمْ. قَالُوا: كَيْفَ نَرْهَنُ أَبْنَاءَناَ، فَيُسَبُّ أَحَدُهُمْ، فَيُقَالُ: رُهِنَ بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ؟ هَذَا عَارٌ عَلَيْنَا، وَلَكِنَّا نَرْهَنُكَ اللأْمَةَ -قَالَ سُفْيَانُ: يَعْنِي السِّلَاحَ- فَوَعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ، فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ أتوُا النَّبِيَّ ﷺ ، فَأخْبَرُوه.
(من لكعب بن الأشرف؟)، (مَن) استفهاميةٌ، أي: مَن يتصدَّى لقتله؟؛ لأنَّه كان يُعادي رسول الله ﷺ ويَهجوه.
(محمد بن مَسْلَمة) بفتح الميم، واللام، الأنصاري الذي بعثَه رسول الله ﷺ في جماعة إلى كعْب، فقتَلوه غِيْلةً.
(وَسقًا) بفتح الواو وكسرها: سِتُّون صاعًا.
(أرهنوني) اللغة الفصيحة: رهَن، وأَرْهَنَ قليلةٌ.
(اللأْمَة) بهمزة: الدِّرْع، وعن الزُّهري: السِّلاح كله، وهو يُقوِّي تبويبَ البخاري، جمعها لُؤَمٌ على غير قياس.
قال (ط): ليس يدلُّ رهنك اللأْمَة على جواز رهن الحربيِّ السِّلاح، بل هو من مَعاريض الكلام المباح في الحَرْب وغيره، ولم يكن كعب في عهد رسول الله ﷺ ، بل كان ممتنِعًا بقوَّته في حِصْنه، ولو كان له عَهْد نقضَه بالأَذى، فمَن لامَ النبيَّ ﷺ في ذلك فقد كذَّب الله في قوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات: ٥٤].
стр. 3608
وقال المَازَرِيُّ: قتَله لنقْضه العَهْد، ومجيئه مع أهل الحرب مُعينًا عليه، ولم يُؤمِّنْه ابن مَسْلَمة، بل آنسَه بالبيع والشراء، فتمكَّن منه من غير عَهْدٍ ولا أمانٍ، وقد قتَل عليٌّ من قال في مجلسه: كان قتَلَه غَدْرًا، وأمَر بضَرْب عنُقه، لأن الغَدْر إنما يُتصوَّر بعد أمانٍ صحيحٍ، وكان كعب ناقِضًا للعهد.
* * *
٤ - باب الرهْنُ مَرْكوبٌ وَمَحْلُوبٌ
وَقَالَ مُغِيرَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: تُرْكَبُ الضَّالَّةُ بِقَدْرِ عَلَفِهَا، وَتُحْلَبُ بِقَدْرِ عَلَفِهَا، وَالرَّهْنُ مِثْلُهُ.
٢٥١١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا زكرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "الرَّهْنُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ، وَيُشْرَبُ لَبَنُ الدَّرِّ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا".
٢٥١٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا زكرِيَّاءُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الرَّهْنُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ ويشْرَبُ النَّفَقَةُ".
стр. 3609
(باب الرَّهْن مَركُوبٌ ومحلوبٌ)
ذكَره في الترجمة؛ لأنه ليس على شرطه، وأسنَده الحاكم عن أبي هريرة: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ ومَحْلُوبٌ"، وقال: صحيح على شرط الشَّيخين، ولم يُخرجاه؛ لإجماع الثَّوري وشُعبة على وقفه على الأَعْمَش، عن أبي هريرة.
قال الشَّافعي: يُشبِه قول أبي هريرة: مَن منَع ذاتَ دَر وظَهْر؛ لم يَمنعَ الرَّهنَ دَرُّها وظَهرها؛ لأنَّ له رقبَتَها.
قال الطَّحَاوي: الحديث مُجْمل لم يُبيَّن فيه الذي يرَكب وَيشرب، فمِن أين جاز جعْلُه للرَّاهن دون المرتهن؟، ولا يُحمل على أحدهما إلا بدليلٍ.
قال (ك): وهو الحقُّ.
قال أحمد: للمُرتهِن أن يَنتفِع بالحَلْب والركوب دون غيرهما بقَدْر النَّفَقة.
ودلَّ الحديثُ بمنْطُوقه على إباحة الانتفاع في مُقابَلة الإنفاق، وسبَب الإباحة مِلْك الرَّقَبة لا الإنْفاق، وبمفهومه على جَواز الانتفاع مَقْصورًا على هذَين النَّوعَين، وانتفاعُ الرَّاهن غير مقصورٍ عليهما، وأُجيب بنَسْخه بآية الرِّبا؛ لأنه يُؤدِّي لانتفاع المرتهن بدَينه، وكلُّ قَرْضٍ جرَّ منفعةً رِبًا، والجواب الأَولى: ليس الباء في: (بنفقته) للبدَليَّة، بل للمَعيَّة، والمعنى: الظَّهر يُركب، ويُنفَق عليه، ومثلُ هذا المفهوم لا يُعتبر.
* * *
стр. 3610
٥ - بابُ الرَّهْنِ عِنْدَ الْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ
٢٥١٣ - حَدَّثنَا قتيْبةُ، حَدَّثَنَا جَرِير، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتِ: اشْتَرَى رَسُولُ الله ﷺ مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا، وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ.
وأسقَط (ك): (باب الرَّهن عند اليَهودِ وغيرهم)
* * *
٦ - بابٌ إِذَا اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ وَنَحوُهُ فَالْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ
(باب: إذا اختلَف الرَّاهِنُ والمُرتهِن)
(المدعي) هو الذي يَذْكُر أمرًا خفيًّا خلافَ الظَّاهر، أو مَن إذا تَرَكَ تُرِك، والمدَّعى عليه مُقابله.
٢٥١٤ - حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ناَفِعُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: كتَبْتُ إِلَى ابنِ عَبَّاسٍ، فَكَتَبَ إِلي: أَنَّ النَّبِي ﷺ قَضَى: أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
стр. 3611
الحديث الأول:
(كتب إلي أن النبي ﷺ ) يجوز كسرُ (إنَّ) وفتحها.
* * *
٢٥١٥ - و ٢٥١٦ - حَدَّثَنَا قتيْبةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِير، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ ﵁: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِين، يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالًا، وَهْوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ الله وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ، فَأنْزَلَ اللهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، فَقَرَأَ إلَى: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، ثُمَّ إِنَّ الأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ خَرَجَ إِلَيْنَا، فَقَالَ: مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: فَحَدَّثْنَاهُ، قَالَ: فَقَالَ: صَدَقَ لَفِيَّ وَاللهِ أُنْزِلَتْ، كَانَتْ بَيْني وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي بِئْرٍ، فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ الله: "شَاهِدُكَ أَوْ يَمِينُهُ؟ " قُلْتُ: إِنَّهُ إِذًا يَحْلِفُ وَلَا يُبَالِي. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالًا، هُوَ فِيهَا فَاجِر، لَقِيَ اللهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ،، فَأنْزَلَ اللهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ، ثُمَّ اقْتَرَأَ هَذِهَ الآيَةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إلَى: ﴿ولهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
الثاني:
(فاجر) كاذبٌ، من الكناية؛ إذ الفُجور لازمٌ للكذِب، وإطلاق الغضَب على الله مجازٌ، والمراد لازِمُهُ وهو إرادة إيصالِ العَذاب.
стр. 3612
(شاهداك)؛ أي: لك ما يَشْهَد به شاهداك، ومرَّ في (الشرب)، فى (باب: الخُصومة).
ودلالة التَّرجمة من لفظ: (شاهداك أو يمينُه).
стр. 3613
٤٩ - كتاب العِتق
стр. 3614
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٤٩ - كتاب العِتق
١ - باب فِي الْعِتقِ وَفَضْلِهِ
وَقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾.
(كتاب العِتْق)
هو الحريَّة، أي: تخلُّص الرَّقَبة، عَتَق يعتِق -بالكسر- عِتْقًا، وعِتاقًا، وعَتاقةً بالفتح، مشتقٌّ من عَتَق الفَرَس: إذا سبَق، وعَتَق الفَرْخ: طارَ؛ لأنَّ العبد يخلُص بالعِتْق، ويذهب حيث شاءَ، وخصَّ الرَّقَبة بالعِتْق دون الأعضاء مع أن العِتْق يتناول الجميعَ؛ لأنَّ حكم السيِّد عليه كحبْلٍ في رقبة العَبْد، وكالغُلِّ المانِع من الحركة، فإذا أُعتِق كأنَّ رقبتَه أُعتقت.
* * *
٢٥١٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونس، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ،
стр. 3615
قَالَ: حَدَّثَنِي وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ مَرْجَانة صَاحِبُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، قَالَ: قَالَ لِي أبُو هُرَيْرَةَ ﵁: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أيما رَجُلٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا استنْقَذَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ".
قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَرْجَانة: فَانْطَلَقْتُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، فَعَمَدَ عَلِيُّ ابْنُ حُسَيْنٍ ﵄ إِلَى عَبْدٍ لَهُ قَدْ أَعْطَاهُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَم، أَوْ ألفَ دِينَارٍ، فَاَعْتَقَهُ.
(أيُّما رجل) بخفض اللام، وبالرفع بدَلٌ.
وفيه فضْل العِتْق، وأنَّ الله يُنجي به من النار، وأنَّ المُجازاة من جنس العمَل، وأن يقوَّم باقي العبد لمن أعتَق شِقْصًا منه؛ لاستِكمال تمام عتْق النَّفْس، وأنَّ للمرأة حُكمَ الرجل قياسًا، أو لقوله: "حُكْمي على الواحِدِ حُكْمي على الجَمَاعة".
قال (خ): وإذا كان أعضاء العَتيق فِداءً لأعضاء المعتِق، فيكون العتيق سالمَ الأعضاء من شلَلٍ، وعَوَرٍ، ونحوها؛ ليحصل الثَّواب كاملًا، وربَّما زاد الثمَن بنقص بعض الأعضاء كالخِصَاء؛ لصَلاحيته لمَا لا يصلُح له غيره من حفْظ الحُرَم ونحوه.
* * *
стр. 3616
٢ - بابٌ أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ ؟
(باب: أيُّ الرِّقاب أفْضَل؟)
٢٥١٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُرَاوحٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ : أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "إِيمَانٌ بِاللهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ". قُلْتُ: فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "أَغْلَاهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا". قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: "تُعِينُ صَانِعًا، أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ". قَالَ: فَإنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: "تَدَعُ النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ".
(مُراوح) بضم الميم، وكسر الواو، ثم مهملة، وقيل: اسمه سَعْد الغَسَّاني.
(وجهاد)؛ لأنَّه كان لتكُون كلمة الله هي العليا، فكان ذلك الوقْت أفضلَ الأعمال.
(أغلاهما) بالمعجمة، ورُوي بالمهملة؛ لقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢].
(فإن لم أفعل)؛ أي: لم أقدِرْ على فعله، أُطلق الفعل وأُريد القُدرة عليه.
(صانعًا) بالمهملة، كذا رواها هشام في البخاري، وصوَّبه الدَّارَقُطْني؛ لمقابلته الأخرق، وهو الذي لا يُحسِن صنعةً، وكأنَّ
стр. 3617
الزُّهْري يقول: صحَّف هشامٌ، إنَّما هو: (ضائِع) بالمعجمة.
(لأخرق)؛ أي: جاهِلٍ لمَا يجب تعلُّمه، ليس له صنعةٌ يكتسب بها.
قال (ط): ضائعًا، أي: فَقيرًا، والخَرَق لا يكون إلا في اليدَين.
(تصدقُ) بحذف إحدى التاءَين، فترْك الشَّرِّ خيرٌ موجِبٌ للثَّواب، والانكِفاف عن الشَّرِّ أقلُّ مراتب المؤمن، وإعتاق رقبتَين غير نفيسَتين خيرٌ من إعتاق رقبةٍ واحدةٍ نفيسة بخلاف الأُضحية، فالتَّضحية بشاةٍ سمينة أفضَل من شاتَين دونها؛ لأنَّ المقصود من الأُضحية اللَّحم، ولحم السَّمين أطيب، ومن العِتْق التَّخليص من الرِّقِّ، وتخليصان أفضل.
* * *
٣ - بابُ مَا يُسْتَحبُّ مِنَ الْعَتَاقَة فِي الْكسُوف والآيَاتِ
(باب ما يُستَحبُّ من العَتاقَة)
٢٥١٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄، قَالَتْ: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْعَتَاقَةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ.
تَابَعَهُ عَلِيٌّ، عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، عَنْ هِشَامٍ.
٢٥٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا عَثَّامٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄، قَالَتْ: كُنَّا
стр. 3618
نُؤْمَرُ عِنْدَ الْخُسُوفِ بِالْعَتَاقَةِ.
(زائدة) من الزِّيادة.
(ابن قُدامة) بضم القاف.
(بالعَتاقة) بفتح العين، أي: بالإعتاق، فهو كنايةٌ للُزوم العَتاقة الإعتاقَ.
ودلَّ الحديث على استحباب العَتاقة؛ للآيات قياسًا على الكُسوف؛ لأنه آيةٌ أيضًا، وعطف الآيات عليه عامٌّ على خاصٍ.
والعطف بـ (أو) في التَّرجمة بمعنى الواو، أو: بل.
(الدَّرَاوَرْدي) بفتح الدال، وتخفيف الراء، وفتح الواو، هو عبد العَزيز.
(عَثَّام) بفتح المهملة، وشدَّة المثلَّثة: ابن عليٍّ العامِري، وأُمر بالعَتاقة في الخُسوف والكسوف؛ لأنَّ به عتْقًا من النار، وهما من آيات الله، قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إلا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩].
* * *
٤ - بابٌ إِذَا أَعْتَق عَبْدًا بَينَ اثْنَينِ، أَوْ أَمَةً بَينَ الشُّرَكاءِ
(بابٌ: إذا أعتَق عبْدًا بين اثنَين)
خصَّ العبد بالاثنين، والأَمةَ بالشُّركاء محافظةً على لفْظ الحديث،
стр. 3619
ولفْظ (اثنين) تمثيلٌ؛ إذ حكم الثلاثة، والأربعة، وهلُمَّ جرا كذلك.
٢٥٢١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرو، عَنْ سَالِم، عَنْ أَبِيهِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَإِنْ كانَ مُوسِرًا قُوِّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُعْتَقُ".
الحديث الأول:
(موسرًا) هو المالكُ فاضِلَ ما يترك للمُفلِس، وهو دِسْتُ ثَوبٍ، وسكَنٌ، وقُوت مؤنته يومًا واحدًا.
* * *
٢٥٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ، قُوِّمَ الْعَبْدُ قِيمَةَ عَدْلٍ، فَأعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ، وإلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ".
الثاني:
(ما يبلغ) في بعضها: (مالٌ بلَغ).
(قيمة عدل)؛ أي: بلا زيادةٍ ولا نُقصانٍ فيه.
(وإلا)؛ أي: وإنْ لم يكُن مُوسِرًا.
(فأعطى) مبنيٌّ للمفعول.
(شركاؤه) بالرفع نائبٌ عن الفاعل، هذا مشهور الرِّواية، ومنهم
стр. 3620
من بنى (أعطى) للفاعل، ونصَب (شركاءه) على المفعولية.
(فقد عَتق) بفتح العين، والتاء، ولا يُبنى للمفعول إلا بهمزةِ التَّعدية.
(ما عتق)؛ أي: ما أعتقَه، ويُستعمل: عتَق بمعنى: أعتَق.
* * *
٢٥٢٣ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ، فَعَلَيْهِ عِتْقُهُ كُلِّهِ، إِنْ كَانَ لَهُ مَال يَبْلُغُ ثَمَنَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ، فَأُعْتِقَ مِنْهُ مَا أَعْتَقَ".
الثالث:
(عُبيد) مصغَّرٌ: ضِدُّ الحُرِّ.
(فَعلَيْهِ عِتْقُه كُلِّه) بالجر: تأْكيدًا للضَّمير المضاف، أي: عتق العبد كلِّه.
(يُقَوَّمُ) صفة (مالٌ) لا غير، إذِ الجَزاء هو (فأُعتِق).
* * *
٢٥٢٣ / -م - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، اخْتَصَرَهُ.
٢٥٢٤ - حَدَّثَنَا أبو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّاد، عَنْ أيوبَ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ أَوْ
стр. 3621
شرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، وَكَانَ لَهُ مِنَ الْمَالِ مَا يبلُغُ قِيمَتَهُ بِقِيمَةِ الْعَدْلِ، فَهْوَ عَتِيقٌ". قَالَ ناَفِع: وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ. قَالَ أيُّوبُ: لَا أَدْرِي أَشَيْء قَالَهُ ناَفِعٌ، أَوْ شَيْء فِي الْحَدِيثِ؟
الرابع:
(بِشْر) بكسر الموحَّدة، ثم معجمة.
(اختصره)؛ أي: اختصَر مُسَدَّد الحديثَ، فذكَر المقصودَ فقط.
(مملوك) في بعضها: (مملوكه) بالإضافة للضمير.
(وإلا فقد أعتق منه ما أعتق) قال القاضي: ظاهره أنَّه من الحديث؛ لأنه رواه مالك وعُبَيد الله عن نافِع، فوصَلاه بكلام رسول الله ﷺ ، وهما في نافع أثبَتُ من أيوب.
قال: وهذا يردُّ على مَن قال بالاستِسعاء.
* * *
٢٥٢٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مِقْدَام، حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبةَ، أَخْبَرَني ناَفِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي فِي الْعَبْدِ أَوِ الأَمَةِ يَكُونُ بَيْنَ شُرَكَاءَ، فَيُعْتِقُ أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ مِنْهُ، يَقُولُ: قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ عِتْقُهُ كلِّهِ، إِذَا كَانَ لِلَّذِي أَعْتَقَ مِنَ الْمَالِ مَا يَبْلُغُ، يُقَوَّمُ مِنْ مَالِهِ قِيمَةَ الْعَدْلِ، وُيدْفَعُ إِلَى الشّرَكَاءَ أَنْصِبَاؤُهُمْ، ويُخَلَّى سَبِيلُ الْمُعْتَقِ. يُخْبِرُ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
стр. 3622
وَرَوَاهُ اللَّيْثُ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، وَابْنُ إِسْحَاقَ، وَجُويرِيَةُ، وَيَحْيَى ابْنُ سَعِيدٍ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُخْتَصَرًا.
الخامس:
(ما يبلغ) مفعوله محذوفٌ، أي: ثمنَه.
(العتق)؛ أي: العَتيق.
(ورواه الليث) وصلَها مسلم.
(وابن أبي ذئب) وصلَها أبو نُعيم.
(وابن إسحاق) وصلَها أبو عَوَانة.
(وجويرية) وصلَها في (الشركة).
(ويحيى وإسماعيل) وصلَها مسلم.
* * *
٥ - بابٌ إذَا أَعْتَقَ نَصِيبًا فِي عَبْدٍ، وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ، اسْتُسْعِيَ الْعَبْدُ غَيْرَ مَشْقوقٍ عَلَيْهِ، عَلَى نَحوِ الْكتَابَةِ
(بابٌ: إذا أعتَق نَصيبًا في عَبْدٍ استُسعِيَ)
أي: يكلَّف العبد الاكتِساب حتى يحصِّل قيمةَ نصيب الشَّريك،
стр. 3623
وقيل: أنْ يخدم سيِّدَه الذي لم يُعتقه بقدْر ما له فيه من الرِّقِّ.
(غير مشقوق)؛ أي: لا يُكلَّف ما يَشقُّ عليه.
(نحو الكتابة)؛ أي: مِثْل الكتابة، أي: يكون العبد في زمانِ الاستِسعاء كالمُكاتَب.
* * *
٢٥٢٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيد، عَنْ قتادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نهِيكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا أَوْ شَقِيصًا فِي مَمْلُوكٍ، فَخَلَاصُهُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وإلَّا قُوِّمَ عَلَيْهِ، فَاسْتُسْعِيَ بِهِ غيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ".
تَابَعَهُ حَجَّاجُ بْنُ حَجَّاجٍ، وَأَبَانُ، وَمُوسَى بْنُ خَلَفٍ، عَنْ قتادَةَ.
اخْتَصَرَهُ شُعْبةُ.
(فاسْتُسْعِيَ)؛ أي: اكتَسبَ بلا تشديد، واستُخدم بلا تكليف ما لا يُطاق.
قال الأَصِيْلي، وابن القَصَّار، وغيرهما: مَن أسقَط السِّعاية من الحديث أَولى ممن ذكرها؛ لأنها ليست في الأحاديث الأُخَر عن ابن عُمر، ورَوى الحديثَ شُعبةُ، وهمَّام، عن قَتادة، ولم يَذكر الاستِسعاء، وفَصَلَ هَمَّام الاستِسعاء من الحديث، وجعله من رأْي قَتَادة، وحديث عِمْران بن حُصَين في الأَعبُد الستَّة: فأسْهَمَ النبيُّ ﷺ -
стр. 3624
بينهم، فأعتَق اثنين، وأرقَّ أربعةً، ولم يُلزمهم الاستِسعاءَ.
قال (ن): الجمهور أنَّه يعتق بنفس الإعتاق، ويُقَوَّم عليه، ووَلاءُ الجميع للمعتِق، وليس للشَّريك إلا المطالبةُ بقيمة نَصيبه، وقال مالك: يعتِق بدفع القيمة، ومذهب أبي حنيفة: للشَّريك الخِيار بين أن يَستَسعيَ العبدَ، وأن يُعتق نصيبَه والوَلاء بينهما، وبين أن يُقَوَّم نصيبُه على شريكه المعتِق، ثم يَرجع المعتِقُ بالواقع على العبد باستِسعائه وجميعُ الوَلاء للمعتِق، وإنْ كان مُعْسِرًا فالجمهور يتقيَّد العتْق في نصيب المعتِق فقط، ويبقى نصيب الشَّريك رقيقًا، وقال أبو حنيفة: يُستسعى العبد في حِصَّة الشَّريك، وهو في مُدَّة السِّعاية كالمكاتب.
أما إذا ملَك عبْدًا بكماله وأعتَق بعضَه؛ فيَعتق الكلُّ في الحال عند الثلاثة، وقال أبو حنيفة: يُستَسعى في بقيَّته لمولاه.
(أبان) بالصَّرف أكثر.
* * *
٦ - بابُ الْخَطَأ وَالنِّسْيَانِ فِي الْعَتَاقَةِ وَالطلَاقِ وَنَحوِهِ، وَلَا عَتَاقَةَ إِلا لِوَجْهِ الله
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نوى"، وَلَا نيةَ لِلنَّاسِي وَالْمُخْطِئ.
(باب الخَطَأ)، قد يُمَدُّ، والمراد هنا: نقيض العَمْد.
стр. 3625
قال أبو عُبَيد: خطَأ وأخطَأَ لُغتان بمعنى واحدٍ، وقال الأُمَوِي: المُخْطِئ: مَن أراد الصَّوابَ فصار لغيره، والخاطئ: المتعمِّد لمَا لا يَنبغي.
(لوجه الله)؛ أي: لذاته، أو لجِهَة رِضاه.
(لكل امرئٍ ما نوى) طرفٌ من حديثٍ مرَّ أوَّلَ الكتاب، قال فيه: (وإنَّما لكلّ امرئ ما نَوَى)، وفي آخِر (الإيمان) بلفْظ: (ولكلِّ امرِئ ما نَوَى)، و (إنما) مقدَّرةٌ.
* * *
٢٥٢٨ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ قتادَةَ، عَنْ زُرَارة بْنِ أَوْفَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (إِنَّ الله تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتى مَا وَسْوَسَتْ بِهِ صُدُورُهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ".
٢٥٢٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كثِيرٍ، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلاِمْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرتهُ إِلَى الله وَرَسُولهِ، فَهِجْرتهُ إِلَى الله وَرَسُولهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرتهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرتهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ".
стр. 3626
الحديث الأول، والثاني:
(تجاوَزَ لي)؛ أي: لأَجْلي.
(ما وسوست به صُدورهما) بالضمِّ، ورواه الأَصِيْلي بالفتح، ووسْوَسَت على هذا بمعنى: حدَّثَتْ، فهو كالرِّواية الأُخرى: (ما حدَّثَتْ به أنفُسَها) بالنَّصب، مفعول، أي: قُلُوبَها، ويدلُّ عليه قوله: (إنَّ أحَدَنا يُحدِّثُ نفْسَه)، وأهل اللُّغة يقولون: أنْفسُها، برفع السين، يُريدون بغير اختيارٍ، كقوله تعالى: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦].
(ما لم تعمل)؛ أي: في العمَليَّات.
(أو تتكلم) في القَوليَّات، وعزْمُ القَلْب على المعصية، وسائرُ أعمال القُلوب كالحسَد مؤاخَذ عليه وإنْ لم يَعمل، ويُؤاخذ باتِّباعه الفاحشَةَ إذا وطَّن نفْسَه عليه، والذي في الحديث هو ما لم يُوطن عليه نفْسَه، إنما يمرُّ بفِكْره دون استِقْرارٍ، ويُسمَّى هذا همًّا لا عزْمًا، ويجب حَمْل: (ما لم تعمَلْ) على غير الموطَّن في الصَّدْر جَمْعًا بينه وبين ما يدلُّ على المُؤاخَذة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ [النور: ١٩]، وأيضًا لفْظ: (الوَسوسَة) لا يُستعمل إلا عند التردُّد والتزلزُل.
ووجه تعلُّق الحديث بالتَّرجمة القِياس على الوَسْوسة، فكما لا يُعتبر عند عدَم التَّوطين، فكذا العمَل والتكلُّم، والنَّاسي والمُخطِئ لا تَوطينَ لهما.
* * *
стр. 3627
٧ - بابٌ إذَا قَالَ رَجُلٌ لِعَبْدِهِ: هُوَ لله، وَنوَى الْعِتْقَ، وَالإِشْهَادِ فِي الْعِتْقِ
(باب: إذا قالَ لعبده: هو للهِ، ونَوى العِتْقَ)
(والإشهاد) بجرِّ الإشهاد، أي: وباب الإشهاد، فيَنبغي حذْف التَّنوين مِن: باب؛ ليَصحَّ عطف المضاف عليه.
٢٥٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أنَّهُ لَمَّا أَقْبَلَ يُرِيدُ الإسْلَامَ وَمَعَهُ غُلَامُهُ، ضَلَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، فَأَقْبَلَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأبو هُرَيرَةَ جَالِسٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ : "يَا أبا هُرَيْرَةَ هَذَا غُلَامُكَ قَدْ أتاكَ". فَقَالَ: أَمَا إِنِّي أُشْهِدُكَ أنَّهُ حُرٌّ. قَالَ: فَهُوَ حِينَ يَقُولُ:
يَا لَيْلَةً مِنْ طُولهَا وَعَنَائِهَا ... عَلَى أَنَّهَا مِنْ دارَةِ الْكُفْرِ نَجَّتِ
٢٥٣١ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: لَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قُلْتُ فِي الطَّرِيقِ:
يَا لَيْلَةً مِنْ طُولهَا وَعَنَائِهَا ... عَلَى أَنَّهَا مِنْ دارَةِ الْكُفْرِ نَجَّتِ
قَالَ: وَأَبقَ مِنِّي غُلَامٌ لِي فِي الطَّرِيقِ، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بايَعْتُهُ، فَبَيْنَا أَناَ عِنْدَهُ إِذْ طَلَعَ الْغُلَامُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ :
стр. 3628
"يَا أَبَا هُرَيْرَةَ هَذَا غلَامُكَ". فَقُلْتُ: هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللهِ. فَأعْتَقْتُهُ.
لَمْ يَقُلْ أَبُو كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ: حُرٌّ.
الحديث الأول، والثاني:
(ابن نُمير) مُصغَّرُ نَمِر بلفْظ الحيَوان.
(بشْر) بكسر الموحَّدة، ثم معجمة.
(ابن حازم) بالمهملة، والزاي.
(ضلّ)؛ أي: ضاعَ، وغابَ.
(عناءها) بفتح المهملة، والمدِّ: التَّعَب، والنَّصَب.
(دارة الكفر) أخصُّ من دار، وفي بعضها: (داره) بالإضافة للضَّمير، فيكون الكفْر بدَلًا منه بدلَ كل مِن كل، ولا بُدَّ من زيادة واوٍ أو فاءٍ أوَّلَ البيت؛ ليكون مَوزُونًا.
قال (ط): وفيه العِتْق عند بُلوغ الأمَل، والنَّجاة من الخَوف، كما فعل أبو هريرة حين نَجَّاه الله من دار الكُفْر، ومِن ضلالهِ عن الطَّريق ليلًا.
(أبق) بفتح الموحَّدة، وحَكى ابنُ القَطَّاع كسْرَها.
* * *
٢٥٣٢ - حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، قَالَ: لَمَّا أَقْبَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﷺ ومَعَهُ غلَامُهُ، وَهْوَ
стр. 3629
يَطْلُبُ الإسْلَامَ، فَضَلَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، بِهَذَا، وَقَالَ: أَمَا إِنَي أُشْهِدُكَ أنَّهُ لله.
(صاحبه) أصله: ضلَّ مِن صاحبه، فحذف (مِن) الخافِضة، كقوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ [الأعراف: ١٥٥]، وقد جاء متعدِّيًا بنفْسه في الأشياء الثابتة، يُقال: ضلَلْتُ المسجِدَ والدَّار، إذا لم تَعرف موضعهما.
* * *
٨ - بابُ أُم الولَدِ
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِي ﷺ : "مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّهَا".
(باب أُمِّ الولَد)
(وقال أبو هريرة) تقدَّم موصولًا في (الإيمان) بمعناه.
(ربَّها)؛ أي: مالكَها وسيِّدَها.
* * *
٢٥٣٣ - حَدَّثَنَا أبو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: إِنَّ عُتْبةَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنْ يَقْبِضَ إِلَيْهِ ابْنَ وَليدَةِ زَمْعَةَ، قَالَ عُتْبةُ: إِنَّهُ ابنِي. فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زَمَنَ الْفَتْح،
стр. 3630
أَخَذَ سَعْدٌ ابْنَ وَليدَةِ زَمْعَةَ. فَأقْبَلَ بِهِ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، وَأَقْبَلَ مَعَهُ بِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ. فَقَالَ سَعْد: يَا رَسُولَ الله هَذَا ابْنُ أَخِي، عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ. فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: يَا رَسُولَ الله هَذَا أَخِي، ابْنُ وَليدَةِ زَمْعَةَ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ. فَنَظَرَ رَسُولُ الله ﷺ إِلَى ابْنِ وَليدَةِ زَمْعَةَ، فَإِذَا هُوَ أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بنَ زَمْعَةَ"؛ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِيهِ، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "احْتَجبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ"؛ مِمَّا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبةَ. وَكانَتْ سَوْدَةُ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ .
(أخذ سعد) بالتَّنوين.
(ابنَ) بالنَّصب؛ لأنه المَأْخُوذ، ويُكتب بالألف.
قال (ط): القِصَّة مُشْكلةٌ؛ لأنَّ عبدا ادَّعى على أبيه ولدًا بقوله: (أخي)، ولم يأْتِ ببيِّنةٍ على إقرار أبيه، فكيف يقبل دعواه؟، فذهب مالكٌ، والشَّافعي: أنَّ الأَمَةَ إذا وطِئَها مولاها لَزِمه كلُّ ولدٍ تجيء به بعد ذلك، ادَّعاه أم لا.
قال الكوفيُّون: لا يلزم مولاها إلا أن يُقِرَّ به، ولذلك قال: (هو لَكَ)، ولم يقل: هو أخوك، فالمراد: هو مملوكك بحقِّ ما لكَ عليه من اليَدِ، ولهذا أمرَ سَوْدةَ بالاحتِجاب منه، فلو جعلَهُ ﷺ ابن زمعَة لمَا احتجَبت منه أختُه، وقيل: معناه: هو أخوك كما ادَّعيتَ، فقضَى بعِلْمه؛ لأنَّ زمعَة كان صِهْره، فألحق ولدَها به؛ لمَا عَلِمَه من فِراشه،
стр. 3631
لا أنَّه قضى بذلك لاستِلْحاق عبدٍ له.
قال الطَّحَاوي: هو لكَ، أي: يَدُكَ عليه، لا أنَّك تملِكُه، بل لتمنعَ عنه سواك، كما قال في اللُّقَطة: "هي لكَ" تدفَع عنها غيرك حتى يجيء صاحبُها، ولمّا كانت سَوْدَة أختَ عبدٍ شريكتَه، ولم يَعلم تصديقَها على ذلك؛ ألزَم ﷺ عبْدًا ما أقرَّ به على نفسه، ولم يجعل ذلك حُجَّةً على أُخته، فأمرَها بالاحتجاب.
قال الشَّافعي: رُؤْية ابن زمْعَة لسَودة مباحة، لكن كَرِهَه للشَّبَه، وأمرها بالسَّتْر اختيارًا، وزاد في بعض النُّسَخ بعد تمام الحديث: سمَّى النبيُّ ﷺ أُمَّ وَلد زمْعَة أَمَةً ووَليْدَةً؛ لأنَّ الخَصْمَين أطلَقا الأَمَةَ والوَليدة عليها، وأقرَّهما النبيُّ ﷺ على إطلاق ذلك، فكان كالتَّسمية، وقيل: غرَض البخاري: أنَّ بعض الحنفية لا يقولون: الولَد للفِراش في الأَمَة؛ إذ لا يُلحقون الولَد بالسَّيِّد إلا بإقْراره، بل يخصُّونه بفِراش الحُرَّة، وأَوَّلُوا حديث: (الوَلَد للفِرَاش) بأنَّ أُمَّ الولَد المتنازَع فيه كانت حرَّةً؛ للآية، فإنَّ الخِطَاب في قوله تعالى: ﴿إلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] للمؤمنين، وزمْعَة لم يكن مؤمنًا، فليس له مِلْك اليَمين، فيكون ما في يَدِه حرَّةً لا مِلْكًا له.
(يا سودة بنت) برفع: (سَوْدة) و (بنت) ونصبهما.
* * *
стр. 3632
٩ - بابُ بَيع الْمُدَبَّرِ
(باب بَيْع المُدَبَّر)
٢٥٣٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبةُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو ابْنُ دِينَارٍ، سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄، قَالَ: أَعْتَقَ رَجُل مِنَّا عَبْدًا لَهُ عَنْ دبرٍ، فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ بِهِ، فَبَاعَهُ. قَالَ جَابِر: مَاتَ الْغُلَامُ عَامَ أَوَّلَ.
(دبُر) بضمِّ الموحَّدة وسكونها.
(عبدًا) اسمه: يَعْقُوب، والمُعتِق: أبو مَذْكور، والمشتري: نُعَيْم النَّحَّام، والثَّمَن: ثمان مائةِ درهمٍ.
(عام أوّل) نصب (عام) على الظَّرف، و (أوَّل) مضافٌ إليه مجرور بالفتحة؛ لأنه غير منصرفٍ؛ لوَزْن: أَفْعَل، ويجوز الصَّرف؛ لأنَّ وَزْنه فَوْعَل، ويجوز بناؤه على الضَّمِّ، وهذا من إضافة الموصوف لصفته، أصله: عامًا أوَّلَ.
* * *
١٠ - بابُ بَيْع الْوَلَاءِ وَهِبَتِهِ
(باب بيْع الوَلاءِ)
بفتح الواو، والمدِّ: هو حقُّ إرْثِ المعتِق من المعتَق، نهى
стр. 3633
عن بيعه؛ لأنه لُحْمَةٌ كلُحْمَة النَّسَب.
* * *
٢٥٣٥ - حَدَّثَنَا أَبو الْوَليدِ، حَدَّثَنَا شُعْبة، قَالَ: أَخْبَرَني عَبْدُ اللهِ ابْنُ دِينَارٍ، سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄، يَقُولُ: نهى رَسُولُ الله ﷺ عَنْ بَيع الْوَلَاءِ، وَعَنْ هِبَتِهِ.
٢٥٣٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبة، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتِ: اشْتَرَيْتُ بَرِيرَةَ، فَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا وَلَاءَهَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "أَعْتِقِيهَا؛ فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْطَى الْوَرِقَ". فَأعْتَقْتُهَا، فَدَعَاهَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَخَيَّرَهَا مِنْ زَوْجِهَا، فَقَالَتْ: لَوْ أَعْطَانِي كَذَا وَكَذَا مَا ثَبَتُّ عِنْدَهُ، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا.
(بَريرة) بفتح الموحَّدة.
(الوَرِق) بكسر الراء: الدَّراهم المضروبة، خيَّرها؛ لأنَّ زوجها كان عبْدًا.
وللحديث فوائد كثيرةٌ، ذكر (ن) في "شرح مسلم" منها ثلاثين فائدةً، وصنَّف ابن خُزَيمة فيه تصنيفًا، تقدم بعضها في (باب: إذا شرط في البيع شُروطًا).
قال (خ): والنَّهي عن بيْع الرجل ولاءَ عَتيقه بمالٍ يأْخذه، كانت
стр. 3634
العرب تفعله، ويبيع الرجل لصاحبه نسمَةً بشرط أن يُعتقَها، ويكونَ ولاؤُها للبائع، فيضَع لأجل ذلك من الثَّمَن، فيكون من بيع الوَلاء، على ما مرَّ في قِصَّة بَريرة.
وكان عبَّاس أُسِر يوم بدْرٍ فيمَن أُسِر، ففاداهم النبي ﷺ وأطلقَهم، فأراد الأنصار أن يتبرَّعوا له بالفِدْية إكرامًا لرسول الله ﷺ ، ولقرابتهم من العبَّاس، إذ كانتْ جدَّتُه من بني النجَّار، تزوَّجها هَاشِم بن عبد مَنَاف، وولدَت له عبد المُطَّلِب، قالوا: ابن أُختنا، فلم يُجبهم رسول الله ﷺ إلى ذلك، فاستُوفيت منه، وصُرفت للغانمين.
ودلَّت القِصة أنَّ الأخ لا يعتِق على أخيه؛ لأنَّ عليًّا كان له حقٌّ في الغَنيمة، فلم يَعتِق عليه عَقِيْلٌ، والسَّبْي يُوجب الرِّقَّ، لكنَّ النبيَّ ﷺ كان مخيرًا بين أن يقتُل البالغين، أو يُفاديهم، أو يمنَّ عليهم إنْ لم يسترقَّهم.
* * *
١١ - بابٌ إِذَا أُسِرَ أَخُو الرَّجُل أَوْ عَمُّهُ هَلْ يُفَادَي إِذَا كانَ مُشْرِكًا ؟
وَقَالَ أَنسٌ: قَالَ الْعَبَّاسُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : فَاديتُ نَفْسِي، وَفَاديتُ عَقِيلًا. وَكَانَ عَلِيٌّ لَهُ نَصِيبٌ فِي تِلْكَ الْغَنِيمَةِ الَّتِي أَصَابَ مِنْ أَخِيهِ عَقِيلٍ وَعَمِّهِ عَبَّاسٍ.
стр. 3635
(باب: إذا أُسِرَ أخو الرَّجُل أو عمُّه)
استنبط البخاري منه أنَّ العمَّ، وابن العَمِّ، ونحوهما من ذوي رَحِمهما [لا] يَعْتِقان على مَن مَلَكَهُما مِن ذوي رحمهما، لأنَّ النبيَّ ﷺ ملَك من عمه العبَّاس ومن ابن عمِّه عَقِيْل بالغنيمة التي له فيها نصيبٌ، وكذا ملك عليٌّ من عمِّه ومن أخيه ولم يَعتقا عليهما، وهو حُجَّةٌ على أبي حنيفة في أنَّ مَن ملَك ذا رحمٍ مَحرمٍ عتَق عليه.
(وقال أنس) هو طرَفٌ من حديثٍ تقدَّم في (باب القِسْمة وتعليق القِنْو في المسجد) في (الصلاة).
* * *
٢٥٣٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ عُقْبَةَ، عَنْ مُوسَى، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَنسٌ ﵁: أَنَّ رِجَالًا مِنَ الأَنْصَارِ اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ الله ﵁، فَقَالُوا: ائْذَنْ، فَلْنترُكْ لاِبْنِ أختِنَا عَبَّاسٍ فِدَاءَهُ، فَقَالَ: "لَا تَدَعُونَ مِنْهُ دِرْهَمًا".
(لابن أُخْتنا) بضم الهمزة، وإسكان الخاء؛ لأنَّ الأنصار أخوالُه.
* * *
стр. 3636
١٢ - بابُ عِتْقِ الْمُشْرِكِ
(باب عِتْق المُشرِك)
٢٥٣٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أبو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، أَخْبَرني أَبِي: أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَاِم ﵁ أَعْتَقَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِائَةَ رَقَبةٍ، وَحَمَلَ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ، فَلَمَّا أَسْلمَ حَمَلَ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ، وَأَعْتَقَ مِائَةَ رَقَبةٍ، قَالَ: فَسَألتُ رَسُولَ الله ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله أَرَأَيْتَ أَشْيَاءَ كُنْتُ أَصْنَعُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، كُنْتُ أتحَنَّثُ بِهَا؟ يَعْنِي: أتبَرَّرُ بِهَا، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ لَكَ مِنْ خَيْرٍ".
(حَكيم) بفتح المهملَة (ابن حِزام) بكسر المهملَة.
(على مائة بعير)؛ أي: في الحجِّ، لما رُوي أنَّه حجَّ في الإسلام ومعه مائة بَدَنةٍ قد جعلَها بالحِيْرة، ووقَف بمائة رقبةٍ وفي أعناقهم أطواقُ الفِضَّة.
(أتحنث) بثاءٍ مثلَّثةٍ على الصواب.
(أتبرر) براءين، هو من تفسير البخاري من البِرِّ، أي: يطلب البِرَّ بها، ويروى: (أتقَرَّب).
(أسلمت على ما سلف لك من خير) هذا أصلٌ لقولهم: الخَيْر عادةٌ.
* * *
стр. 3637
١٣ - بابُ مَنْ مَلَكَ مِنَ الْعَرَبِ رَقِيقًا فَوَهَبَ وباعَ وَجَامَعَ وَفَدَى وَسَبَى الذُّرِّيَّة
وَقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
(باب مَن ملَك من العَرَب)
(سَبَى) عطفٌ على (ملَك).
(الذرية) نسْل الثَّقَلين، ذرأَ الله الخَلْقَ، أي: خلَقهم.
(لا يقدر على شيء) استُدلَّ به على أن العبد لا يملِك المالَ.
* * *
٢٥٣٩ - و ٢٥٤٠ - حَدثَنَا ابنُ أَبِي مَريمَ، قَالَ: أَخْبَرَني اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَاب، ذَكَرَ عُرْوَةُ: أَنَّ مَرْوَانَ، وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَاهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ، فَسَألوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ: "إِنَّ مَعِي مَنْ تَرَوْنَ، وَأَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ، فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ؛ إِمَّا الْمَالَ، وَامَّا السَّبْيَ، وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأنيتُ بِهِمْ". وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ انتظَرَهُم بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَة حِينَ قَفَلَ مِنَ الطَّائِفِ، فَلَمَّا تَبينَ لَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ غيْرُ رَادٍّ
стр. 3638
إِلَيْهِمْ إِلَّا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، قَالُوا: فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْينا. فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فِي النَّاسِ، فَأثنَى عَلَى الله بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ إِخْوَانكُمْ جَاؤوناَ تَائِبِينَ، وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ". فَقَالَ النَّاسُ: طَيَّبْنَا ذَلِكَ. قَالَ: "إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ مِمَّنْ لَمْ يَأذَنْ، فَارْجِعُوا حَتى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ". فَرَجَعَ النَّاسُ، فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأخْبَرُوهُ: أَنَّهُم طَيَّبُوا، وَأَذِنُوا، فَهَذَا الَّذِي بَلَغَنَا عَنْ سَبْيِ هَوَازِنَ.
وَقَالَ أَنَسٌ، قَالَ عَبَّاس لِلنَّبِيِّ ﷺ : فَاديتُ نفسِي، وَفَاديتُ عَقِيلًا.
الحديث الأول:
(المِسْور) بكسر الميم.
(هَوَازن) بفتح الهاء، وخِفَّة الواو: قَبيلة.
(الطائفة) من السَّبْي: قِطعةٌ منه.
(استأنيت) به: انتظرتُه.
(يفِيءُ)؛ أي: يرجع الله إلينا من مال الكفَّار، ويُعطيناه خَراجًا أو عَنْوةً.
стр. 3639
(العَريف): النَّقيب، وهو دون الرَّئيس.
(فهذا الذي بلغنا) من قول الزُّهْري، وكانت هذه الواقعة في سنة ثمانٍ، ومرَّ الحديث في (الوكالة).
(فاديتُ) هذا كان في غَزوة بَدْر.
* * *
٢٥٤١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ، قَالَ: كتَبْتُ إِلَى ناَفِعٍ، فَكَتَبَ إِلَيَّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَغَارَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ، وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى الْمَاءَ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَى ذَرَارَّيهُمْ، وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُويرِيَةَ. حَدَّثَنِي بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْجَيْشِ.
(بنو المُصْطَلِق) بضم الميم، وكسر اللام: حيٌّ من خُزاعة، وهذه الغزوة كانت سنة ستٍّ.
(وهم غارُّون) بتشديد الراء، أي: غافلون، مِن الغِرَّة -بالكسر-.
(مقاتلتهم) الطَّائفة البالِغون الذين بصدَد القِتال.
(ذراريهم) يجوز في الياء التَّشديد والتَّخفيف.
(جُويرية) بضمِّ الجيم مصغَّرٌ: سبَاها النبيُّ ﷺ .
* * *
стр. 3640
٢٥٤٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ، قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ ﵁، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَأَصَبْنَا سَبْيًا مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ، فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ، فَاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ، وَأَحْبَبْنَا الْعَزْلَ، فَسَألْنَا رَسُولَ الله ﷺ ، فَقَالَ: "مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا، مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا وَهْيَ كائِنةٌ".
الرابع:
(يحيى بن حَبَّان) بفتح المهملة، والموحَّدة.
(العزل) نَزْع الذَّكَر من الفَرْج عند الإنزال، وفي بعضها: (الفِداء).
(نَسَمة) بالتَّحريك، أي: إنسان، أي: ما من نفْسٍ كائنةٍ في عِلْم الله.
(إلا وهي كائنة)؛ أي: لا بُدَّ من إخراجها من العَدَم إلى الوجود.
* * *
٢٥٤٣ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: لَا أَزَالُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ.
وَحَدَّثَنِي ابْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنِ الْمُغِيرَةِ،
стр. 3641
عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَعَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: مَا زِلْتُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيم مُنْذُ ثَلَاث سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ يَقُولُ فِيهِمْ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِي عَلَى الدَّجَّالِ"، قَالَ: وَجَاءَتْ صَدَقَاتُهُم، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِنَا"، وَكَانَتْ سَبِيَّةٌ مِنْهُمْ عِنْدَ عَائِشَةَ، فَقَالَ: "أَعْتِقِيهَا؛ فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ".
الخامس:
(عُمارة) بضم المهملة.
السادس:
(عن الحارث) بن يَزيد، لم يذكره البخاري إلا مَقْرونًا.
(أبي زرعة) اسمه: هَرِم.
وفي الحديث دليلٌ على جواز استرقاق العرب وتملُّكهم كسائر فِرَق العجَم، لكنَّ عِتْقَهم أفضل.
قال (ط): وتميم كانوا يختارون إخراج أفضل ما عندَهم في الصَّدَقة، فأُعجب النبيُّ ﷺ ، وقال هذا القَولَ مبالغة في النُّصح لله ولرسوله في جُودة الاختيار للصدَقة، وأنَّ العَزْل غير مكروهٍ؛ لأنه ﷺ لمَّا أخبَروه لم يَنههم عنه، وقال: (إذا قدَّر الله الولَد لم يمنعْه عَزْلٌ، وأَوصَل إلى الرَّحِم ما يكون الولَد منه، وإنْ قلَّ)، وفيه إثبات قِدَم العِلْم وقُدْرَة الله، فلا يكون في مُلْكِه إلا ما يشاء،
стр. 3642
له الخلْق والأمر.
* * *
١٤ - بابُ فَضْلِ مَنْ أَدَّبَ جَاريتَهُ وَعَلَّمَهَا
٢٥٤٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ فُضَيْل، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ فَعَالَهَا، فَأحْسَنَ إِلَيْهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، كَانَ لَهُ أَجْرَانِ".
(باب فَضْل من أدَّبَ جاريتَه فعلَّمَها)
هو الصواب، ويُروى لأبي زَيد: (فَعَالَهَا)، أي: أنفَق عليها.
ففيه: أنّ الله ضاعَف أجره بالتعليم والنكاح، فجعلَه كأجْر العِتْق، وفيه الحَضُّ على نكاح العَتيقة، وتَرْك العلوِّ في أمر الدُّنيا، ومَن تواضَع لله في مَنْكَحِه وهو يقدِر على الشَّريفة يُرجى له جزيل الثَّواب.
* * *
١٥ - بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "الْعَبِيدُ إِخْوَانُكمْ، فَأطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأكلُونَ "
وَقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا
стр. 3643
وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾.
ذِي الْقُرْبَى: الْقَرِيبُ، وَالْجُنُبُ: الْغَرِيبُ، الْجَارُ الْجُنُبُ؛ يَعْنِي: الصَّاحِبَ فِي السَّفَرِ.
(باب قَولِ النبيِّ ﷺ : "العَبيْدُ إخوانُكم")
* * *
٢٥٤٥ - حَدَّثَنَا آدمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبةُ، حَدَّثَنَا وَاصِل الأَحْدَبُ، قَالَ: سَمِعْتُ الْمَعْرُورَ بْنَ سُوَيْدٍ، قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا ذَرٍّ الْغِفَارِيَّ ﵁ وَعَلَيْهِ حُلَّة، وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي سَابَبتُ رَجُلًا، فَشَكَانِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟! " ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ إِخْوَانكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ الله تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يأكل، وَلْيُلْبِسْةُ مِمَّا يَلْبَس، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَأَعِينُوهُمْ".
(ساببت رجلًا) هو بِلال.
(خَوَلَكُم) بالتحريك، أي: خدَمكم وأتباعُكم، جمع خائِل.
(أعيَّرته بأُمه) الأفصح تعديتُه بنفْسه.
стр. 3644
(لا تُكَلِّفُوهم) بتشديد اللام، نهي عن التَّكليف ثم عقَّبه بقوله: (فإن كلفتموهم)؛ لأنَّ النهي للتَّنْزيه.
وفيه جواز تكليف ما فيه مشقَّةٌ، فإن غلبت وجَب العَون عليها.
* * *
١٦ - بابُ الْعَبْدِ إِذَا أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ، وَنَصَحَ سَيِّدَهُ
(باب العَبْد إذا أحسَن عبادةَ ربِّه ونصَحَ)
النَّصيحة: كلمةٌ جامعةٌ لحِيازة الحَظِّ للمَنصوح له، وإرادةِ صلاح حالِه، وتخليصه من الخلَل، وتصفيته من الغِشِّ.
٢٥٤٦ - حَدَّئَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "الْعَبْدُ إِذَا نَصَحَ سَيِّدَهُ وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ، كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ".
٢٥٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ صَالحٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَيُّمَا رَجُلٍ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ، فَأدَّبَهَا، فَأَحْسَنَ تأدِيبَهَا، وَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَأَيُّمَا عَبْدٍ أَدَّى حَقَّ الله
стр. 3645
وَحَقَّ مَوَالِيهِ، فَلَهُ أَجْرَانِ".
٢٥٤٨ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله، أَخْبَرَنَا يُونس، عَنِ الزُّهْرِيِّ، سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، يَقُولُ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لِلْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ الصَّالح أَجْرَانِ". وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا الْجهَادُ فِي سَبِيلِ الله وَالْحَجُّ وَبِرُّ أُمِّي، لأَحْبَبْتُ أَنْ أَمُوتَ وَأَناَ مَمْلُوك.
الحديث الأول، الثاني، والثالث:
(الصالح) في عبادة ربِّه، ونُصح سيِّده.
(والذي نفسي بيده) هذا مدْرَجٌ في الحديث من قَول أبي هريرة؛ لقَوله: (وبِرِّ أُمِّي)، وكلام (خ) يدلُّ على أنه مرفوعٌ، وقال: لله أنْ يمتحِن أنبياءَه وأصفِياءَه بالرِّقِّ كما امتُحن يوسُف ﵇.
قال (ط): ودانْيَال سبَاهُ بُخْتَنَصَّر، والخَضِر حين سُئِل بوجه الله، فقال: لا أملِك إلا رقَبتي، فبِعْني، وانتفعْ بثمَني.
(وبر أُمِّي) ماتتْ أمُّه ﷺ وهو طِفْلٌ، فالمراد تعليم الأُمَّة، أو على سَبيل فرْض حياتها، أو المراد حَليْمة السَّعْدية أمُّ الرَّضاعة.
وبِرُّ الوالدين السَّعيُ عليهما بالنفَقة والكِسْوة، وكسْب العبد لمولاه، بخلاف خَفْض الجَناح، ولِيْن القَول ونحوهما، فإنه لازمٌ للعبد كما على الحرِّ، وللعبد في عبادة ربِّه أجرٌ، كما في نُصح السيِّد أجرٌ، ولا يتساويان؛ لأنَّ طاعة الله أوجَب من طاعته، وفيه أنَّه ليس
следующие страницы →