أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ ويُثِيبُ عَلَيْهَا. لَمْ يَذْكُرْ وَكيعٌ، وَمُحَاضِرٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ.
(يثيب)؛ أي: يُكافئ عليها بأنْ يُعطيَ صاحبَها العِوَضَ.
(مُحاضر) بضم الميم، مِن المُحاضَرة ضد المُغايَبة، ابن المُورِّع بتشديد الراء المكسورة، ولم يُسند إلى هشام، عن أبيه، عن عائشة، بل أَرسلاه.
والهدية على ضَربين: هديَّة مُكافأةٍ، وهديَّة صِلَةٍ، فالمُكافأة فيه عِوَض المُهدي كالبيع، والصِّلَة بلا عِوَض.
قال مالك فيمَن وهَب هبَةً يَطلُب ثَوابها: يُنظَر؛ فإن كان يَطلُب ثوابَها من الموهوب له، فله ذلك، كالفقير للغني، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦]، وقيل: لا تَنعقد الهبَة للثَّواب؛ لأنها بيعٌ بثمَنٍ مجهولٍ، ومَوضع الهبة التَّبرُّع، فلو أَوجبنا فيها العِوَضَ بطَل معنى التَّبرُّع.
* * *
١٢ - بابُ الهبة للولد
وَإِذَا أَعْطَى بَعْضَ وَلَدِهِ شَيْئًا لَمْ يَجُزْ، حَتَّى يَعْدِلَ بَيْنَهُمْ وَيُعْطِيَ
стр. 3684
الآخَرِينَ مِثْلَهُ، وَلَا يُشْهَدُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي الْعَطِيَّةِ".
وَهَلْ لِلْوَالِدِ أَنْ يَرجِعَ فِي عطيَّته؟
وَمَا يأكل مِنْ مَالِ وَلَدِهِ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يتعَدَّى.
وَاشْتَرَى النَّبِيُّ ﷺ مِنْ عُمَرَ بَعِيرًا، ثُمَّ أَعْطَاهُ ابْنَ عُمَرَ وَقَالَ: "اصْنع بِهِ مَا شِئْتَ".
(باب الهِبة للوَلَد)
(ولا يُشْهَد عليه) بضمِّ أوله، وفتح ثالثه، عطفٌ على قوله: (لم يَجُز)، أي: لا يجوز للشُّهود أن يشهَدوا عليه؛ لامتناع النبيِّ ﷺ ، وفي بعضها: (يَشهَد) بدون كلمة (لا)، والأُولى هي المناسِبة لحديث عَمْرة.
(وقال النبي ﷺ ) أخرجه الطَّحاوي، ويَأتي موصولًا في الباب الذي بعدَه.
(وما يأكل من مال ولده) مناسبة هذه الزِّيادة للحديث جَواز الرُّجوع له، فهو كأكله من ماله بالمَعروف، لأنه إذا تبرَّع بما يأْكله من ماله الأصلي ولم يَتقدَّم له فيه ملْكٌ فلأَنْ يتبرَّعَ بحقِّه السَّابِق أَولى.
(واشترى النبي ﷺ من عُمر بعيرًا وأعطاهُ ابن عُمر) فيه تأكيدٌ للتَّسوية بين الأولاد في الهبَة، لأنه ﷺ لو سأَل عُمر أن يَهبَهُ لابنه عبد الله لم يكُن عدلًا بين بني عُمر، فلذلك اشتَراه ووهبَه.
* * *
стр. 3685
٢٥٨٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَمُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ: أنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ: أَنَّ أَبَاهُ أتى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا، فَقَالَ: "أكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَهُ"؟ قَالَ: لَا، قَالَ: "فَارْجِعْهُ".
(نحلت): وهبتُ.
(فارجعه) صريحٌ في أنَّ الوالد له الرجوع في هبة ولَده، ويدلُّ على قبْضٍ متقدِّمٍ، وليس في حديث النُّعمان دلالةٌ على أكل الرَّجل أو ولَده، لكن إذا جاز للوالِد انتزاع ما وهبَه لولده دون حاجةٍ؛ فلأَنْ يجوز أكلُه من ماله عند الحاجة أَولى.
* * *
١٣ - بابُ الإِشْهَادِ فِي الْهِبَةِ
(باب الإشْهاد في الهبة)
٢٥٨٧ - حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانة، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ﵄ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: أَعْطَانِي أَبِي عَطِيَّةً، فَقَالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَأتى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي أَعْطَيْتُ ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ
стр. 3686
بِنْتِ رَوَاحَةَ عَطِيَّةً، فأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "أَعْطَيْتَ سَائِرَ وَلَدِكَ مِثْلَ هَذَا"؟ قَالَ: لَا، قَالَ: "فَاتَّقُوا اللهَ، وَاعْدِلُوا بَيْنَ أوْلَادِكُمْ"، قَالَ: فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ.
(حُصين) بمهملتين، مصغَّرٌ.
(فأمرتني) يدلُّ أنَّ الأمر لا يستلزم العلُوَّ، ولا الاستِعلاء.
وفيه التسوية في الهبة بين الأولاد الذُّكور والإناث، فلو وهَب بعضَهم دون بعضٍ صحَّت الهبَة مع الكَراهة، وقال أحمد: حرامٌ وظلمٌ؛ لرواية: "لا أَشْهَدُ على جَوْرٍ"، وأُجيب: الجَوْر: المَيْل عن الاعتدال، فالمكروه جَورٌ أيضًا، وعارضَه: "أشهِدْ عليه غَيري"، وقد نحلَ الصِّدِّيقُ عائشةَ، وعُمرُ عاصِمًا دون أولادهما.
* * *
١٤ - بابُ هِبَة الرَّجُلِ لاِمْرَأَتِهِ وَالْمَرْأةِ لِزَوْجِهَا
قَالَ إبْرَاهِيمُ: جَائِزَةٌ.
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لَا يَرْجِعَانِ.
وَاسْتَأذَنَ النبي ﷺ نِسَاءَهُ فِي أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيتِ عَائِشَةَ.
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئهِ".
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِيمَنْ قَالَ لاِمْرَأَتِهِ: هَبِي لِي بَعْضَ صَدَاقِكِ أَوْ
عَائِشَةُ، فَقَالَ لِي: وَهَلْ تَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ تُسَمِّ عَائِشَةُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: هُوَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
الحديث الأول:
(مَعْمَر) بفتح الميمين.
(رجل آخر) لم تسمِّه عائشة، وسمَّت العبَّاس لمُلازمته للنبي ﷺ في جميع أزمنَة خُروجه، لا أنها تركتْه لعداوةٍ، حاشاها عن ذلك.
* * *
٢٥٨٩ - حَدثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِي ﷺ : "الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ، ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئهِ".
الثاني:
(في مبيته): مُقتضى القياس أن يُقال: العائِد إليها، وهو المُراد، كما يُقال: تعاود القَوم في الحرب، أي: عادَ كلُّ فريق إلى صاحبه فيها، قال الله تعالى: ﴿أوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨]، أي: لتعودُنَّ إلينا في الملَّة.
وهذا ظاهرٌ في تحريم الرُّجوع في الهبة؛ لاتصاف الراجِع بصفةٍ ذميمةٍ يُساهمه فيها أنجَس الحيوانات في أخسِّ الحالات، ويُشارك الكلب في رجوعه في قَيئه الأسَد والسِّنَّور، وهو عامٌّ في كل واهبٍ، لكنْ
(عُفْرَة إبطيه) بضم العين وفتحها، والفاء ساكنةٌ، وفي بعض الأُصول فتحها، والعُفْرَةُ: بياضٌ ليس بالنَّاصِع يَعلوه حُمرةٌ.
(هل بلغت)؛ أي: قد بلَّغتُ، أو هو استفهامٌ تقريريٌّ.
وفيه أنَّ هَدايا العمال يجب أن تُجعل في بيت المال، ليس لهم فيها شيءٌ إلا أنْ يَستأذنوا الإمامَ.
* * *
١٨ - بابٌ إِذَا وَهَبَ هِبَةً أَوْ وَعَدَ ثمَّ مَاتَ قبْلَ أَنْ تَصِلَ إِلَيْهِ
وَقَالَ عَبِيدَةُ: إِنْ مَاتَ وَكَانَتْ فُصِلَتِ الْهَدِيَّةُ وَالْمُهْدَى لَهُ حَيٌّ فَهْيَ لِوَرثتهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فُصِلَتْ فَهْيَ لِوَرثةِ الَّذِي أَهْدَى.
وَقَالَ الْحَسَنُ: أيُّهُمَا مَاتَ قَبْلُ فَهْيَ لِوَرثَةِ الْمُهْدَى لَهُ إِذَا قَبَضَهَا الرَّسُولُ.
(باب: إذا وَهَب هبةً)
قال الإِسْماعِيْلي: ترجمة الباب لا تَدخل الهبة بحالٍ، بل عِدَةٌ على وَصْفٍ إذا وُجد صحَّ الوعدُ، لكن لمَّا كان وَعْد النبيِّ ﷺ لا يُخلَف؛ جعل وعدَه بمنزلة الضَّمان في الصحة فَرْقًا بينه وبين غيره من الأُمة ممن يجوز أن يَفي وأن لا يَفي.
стр. 3696
(وقال عَبِيْدة) بفتح المهملَة السَّلْمَاني، ومعنى قول عَبِيْدة حديثٌ رواه أحمد، والطَّبَراني عن أُمّ كُلْثُوم.
(إن ماتا)؛ أي: المُهدي، والمُهدَى له.
(فصلت الهدية) من الفَصْل، وفي بعضها: (وصلَت) بالواو، ومعناهما القبض، فالواصِل بالنَّظَر للمُهدَى له، والفَصْل بالنَّظَر للمُهدي؛ لأنَّ حقيقة الإقْباض لا بُدَّ لها من فَصْل الموهوب عن الواهِب، ووصلِه للمُتَّهِب.
قال مالك وأحمد: تتمُّ الهبَة بالكلام دون القَبض كالبيع، والشَّافعي، وأبو حنيفة: لا تتمُّ إلا بالقَبْض.
* * *
٢٥٩٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُنْكَدِرِ، سَمِعْتُ جَابِرًا ﵁ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : "لَوْ جَاءَ مَالُ الْبَحْرَيْنِ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا، ثَلَاثًا"، فَلَمْ يَقْدَمْ حَتَّى تُوُفِّي النَّبِيُّ ﷺ ، فَأمَرَ أَبُو بَكْرٍ مُنَادِيًا فَنَادَى: مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ عِدَةٌ أَوْ دينٌ فَلْيَأْتِنَا، فَأتَيْتُهُ فَقُلْتُ: إِنَّ النَّبِي ﷺ وَعَدَنِي، فَحَثَى لِي ثَلَاثًا.
(ثلاثًا)؛ أي: ثلاثَ حَثَياتٍ، وسبق في (الكفالة) أنَّ كلَّ حثْيةٍ كانت خمس مائةٍ، وفعْل الصِّدِّيق كان تطوُّعًا ليس بلازمٍ لرسول الله ﷺ ، ولا قضَى أبو بكر شيئًا منها، بل فعلَه اقتداءً برسول الله ﷺ ، ومتابعةً لفعله؛ إذْ كان أوفَى الناس بعدَه، وأصدقَهم بوعده.
стр. 3697
١٩ - بابٌ كَيْفَ يُقْبَضُ الْعَبْدُ وَالْمَتَاعُ ؟
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: كُنْتُ عَلَى بَكْرٍ صَعْبٍ، فَاشْتَرَاهُ النَّبِي ﷺ وَقَالَ:
"هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللهِ".
(باب: كيف يقبض العبد؟)
(قال ابن عمر) تقدَّم في (البيوع).
(صعب) أصعَبَ البَعيرُ فهو صَعْبٌ؛ إذا تركتَه فلم تَرْكبْه، حتى صار صَعْبًا.
(فاشتراه)؛ أي: من عمر، لا من ابنه، ويأتي قريبًا.
* * *
٢٥٩٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ﵄ قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَقْبِيَةً، وَلَمْ يُعْطِ مَخْرَمَةَ مِنْهَا شَيْئًا، فَقَالَ مَخْرَمَةُ: يَا بُنَيَّ! انْطَلِقْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَقَالَ: ادْخُلْ فَادْعُهُ لِي، قَالَ: فَدَعَوْتُهُ لَهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ، وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْهَا، فَقَالَ: "خَبَأْناَ هَذَا لَكَ"، قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: رَضِيَ مَخْرَمَةُ.
(مَخْرَمة) بفتح الميم، والراء، وسُكون المعجمة بينهما.
(فانطلقت معه) فيه ردٌّ على مَن قال: لم يَروِ المِسْور عن رسول الله ﷺ -
(ابن كعب) يحتمل أن يكون عبد الرحمن، أو عبد الله؛ لأنَّ الزُّهْري يَروي عنهما، والظاهر أنَّه عبد الله؛ لأنه يروي عن جابر.
(يحللوا)؛ أي: يجعلوه في حِلٍّ بإبراءِ ذِمَّته.
(ثمر حائطي) بالمثلَّثة، وفي بعضها: (تمر) بالمثنَّاة.
(ولم يكسره)؛ أي: لم يَكسِر التَّمر من النَّخل لهم، أي: لم يُعيِّن لهم، ولم يَقسم عليهم.
(بذلك)؛ أي: بقضاء الحُقوق، وبَقاء الزِّيادة، وظُهور بركة دُعاء رسول الله ﷺ ، كأنَّه عَلَمٌ من أعلام مُعجِزاته، ومرَّ في (القَرض).
(ألا يكون) بتخفيف اللام، وفي بعضها بتشديدها، والمقصود تأكيدُ عِلْم عُمر، وضمُّ حُجَّةِ أُخرى لحُجَجه السَّالفة.
* * *
٢٢ - بابُ هِبَة الْوَاحِدِ لِلْجَمَاعَةِ
وَقَالَتْ أَسْمَاءُ لِلْقَاسِم بْنِ مُحَمَّدٍ وَابْنِ أَبِي عَتِيقٍ: وَرِثْتُ عَنْ أُخْتِي عَائِشَةَ بِالْغَابَةِ، وَقَدْ أَعْطَانِي بِهِ مُعَاوِيَةُ مِائَةَ ألفٍ، فَهُوَ لَكُمَا.
(باب هِبَة الواحِد للجَماعة)
قال الإسماعيلي: ليس في حديثه هِبَةٌ للجَماعة ولا للواحد، بل هو شَرابٌ شَرِب منه النبيُّ ﷺ ثم سقَى على وجه الإباحة والنَّفْع، كما
стр. 3702
لو قدَّم للضَّيف طَعامًا، وقوله للغُلام: (أتأذَن؟) ليس للإباحة، بل لسُنَّةِ الابتداء بالأَيمن، وللأَشياخ حقُّ السِّنِّ.
قال (ش): ويُؤخَذ منه تقدُّم الفَضيلة المتعلِّقة بالذَّات على المتعلِّقة بالمكان، قال: ويحتمِل خلافَه.
(وابن أبي عَتيق) هو عبد الله بن أبي عَتيْق، محمد بن عبد الرَّحمن بن أبي بَكْر.
(الغابة) بغين معجمةٍ، وبالموحَّدة: هي الأجَمَة، موضِعٌ بالحِجاز، أعطاها مُعاوية في ثلُثها مائةَ ألف وما باعتْها منه.
* * *
٢٦٠٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قزَعَةَ، حَدَّثَنَا مَالِك، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ، وَعَنْ يَمِينهِ غلَامٌ وَعَنْ يَسَارِه الأَشْيَاخُ، فَقَالَ لِلْغُلَامِ: "إِنْ أَذِنْت لِي أَعْطَيْتُ هَؤُلَاءَ"، فَقَالَ: مَا كُنْت لأُؤثرَ بِنَصِيبِي مِنْكَ يَا رَسُولَ اللهِ أَحَدًا، فتلَّهُ فِي يَدِهِ.
(ابن قَزَعة) بفتح القاف، والزَّاي.
(تَلَّهُ) بتشديد اللام، أي: دفَعَه إليه، ومرَّ الحديث في (الشُّرب).
والمقصود منه الرَّدُّ على الحنَفية في إبطالهم هِبَة المُشَاع؛ لأنَّ
стр. 3703
النبيَّ ﷺ سأل الغُلام أن يهَب نصيبَه من اللَّبَن للأشياخ وكان مُشاعًا.
* * *
٢٣ - بابُ الْهِبَة الْمَقْبُوضةِ وَغَيْرِ الْمَقْبُوضةِ، وَالْمَقْسُومَة وَغَيْرِ الْمَقْسُومَةِ
وَقَدْ وَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ أصحَابُهُ لِهَوَازِنَ مَا غَنِمُوا مِنْهُم وَهْوَ غيْرُ مَقْسُومٍ.
(باب الهِبةِ المَقبوضَة)
(وقد وهب النبي ﷺ ) سيأْتي موصولًا في الباب الذي يَليه بأتمَّ منه.
(وأصحابه) بالرفع والنصب.
(لِهَوَازن) قَبيلةٌ معروفةٌ، أي: وهبَهم ما غَنِم منهم.
(غير مقسوم) يَلزم منه أنْ يكون غيرَ مقبوضٍ أيضًا؛ لأن قبْض الجُزء الشَّائع بقبْض الجميع، ولم يُقبض الجميعَ للجميع.
* * *
٢٦٠٣ - وَقَالَ ثَابتٌ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ مُحَارِب، عَنْ جَابِر ﵁: أتيْتُ النَّبِي ﷺ فِي الْمَسْجدِ، فَقَضَانِي وَزَادني.
стр. 3704
٢٦٠٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا غنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبةُ، عَنْ مُحَارِبٍ، سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ يَقُولُ: بِعْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بَعِيرًا فِي سَفَرٍ، فَلَمَّا أتيْنَا الْمَدِينَةَ قَالَ: "ائْتِ الْمَسْجدَ فَصَلِّ ركعَتَيْنِ"، فَوَزَنَ. قَالَ شُعْبةُ: أُرَاهُ فَوَزَنَ لِي فَأرْجَحَ، فَمَا زَالَ مِنْهَا شَيْءٌ حَتَّى أَصَابَهَا أَهْلُ الشَّأْمِ يَوْمَ الْحَرَّةِ.
الحديث الأول:
(مِسْعَر) بكسر الميم.
(يوم الحَرة)؛ أي: يومَ الوَقْعة التي كانت حَوالي المدينة عند حَرَّتها من جهة يَزيد بن مُعاوية، وبين أهل المدينة سنة ثلاثٍ وستين.
والهِبَة غيرُ المقسومة هي هبة المُشاع، قال أبو حنيفة: إن كان المُشاع مما يُقسَم لم تجُزْ هبَته، وجوَّزها الجمهور؛ لأنه ﷺ وهَب حقَّه المُشَاع من غنائم حُنَين لهوازِن، ووهَب الفضْل من السِّن في القرض مُشاعًا، ووهب الرُّجْحان على ثمن البعير مُشاعًا، واستَوهب نصيب الشُّرب من الغُلام كذلك.
* * *
٢٦٠٥ - حَدَّثَنَا قتيْبة، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْد ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُتِيَ بِشَرَابٍ، وَعَنْ يَمِينهِ غُلَامٌ وَعَنْ يَسَارِه أَشْيَاخٌ، فَقَالَ لِلْغُلَامِ: "أتأذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءَ"؟ فَقَالَ
(بين نسائي) أراد زَوجتَه وأقاربَه؛ لقوله في الرِّواية الأخرى: (بين الفَواطِم)، إذْ لم يكن لعليٍّ زوجةٌ في حياة رسول الله ﷺ سِوى فاطمة، وقولُ علي: (فرأيت الغضب في وجهه) يدلُّ أنَّ النَّهي للكَراهة، ولو كان للتَّحريم لعَرف من نَهيهِ لا مِنَ الوَجْه.
* * *
٢٨ - بابُ قَبُولِ الْهَدِيَّةِ مِنَ الْمُشْرِكينَ
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ بِسَارَةَ، فَدَخَلَ قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ أَوْ جَبَّارٌ، فَقَالَ: أَعْطُوهَا آجَرَ".
وَأُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ.
وَقَالَ أبو حُمَيْدٍ: أَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَغْلَةً بَيْضَاءَ، وَكَسَاهُ بُرْدًا، وَكتَبَ لَهُ بِبَحْرِهِمْ.
(باب قَبُول الهديَّة)
(وقال (١) أبو هريرة) سيَأْتي مَوصولًا في (أحاديث الأنبياء).
(سارة) بتخفيف الرَّاء، هي زَوجة إبراهيم، أُم إسحاق، ﵈.
стр. 3713
(آجر) بفتحتَين، بوزْن فاعَل، وفي بعضِها: (هَاجَر) قُلبت الهمزة هاءً.
(وأُهديت للنبي ﷺ ) ذكَره مَوصولًا في هذا الباب.
(فيها سم)؛ أي: مَسمُومة، أهدتْه امرأةٌ اسمها زَينب بخَيبر.
(وقال أبو حميد): تقدَّم مُطوَّلًا في (الزَّكاة).
(أيلة): بفتح الهمزة، وسُكون التَّحتانية: بلدةٌ على ساحل البحر، آخرَ الحِجاز وأولَ الشَّام.
(ببحرهم) بباءٍ موحَّدةٍ، أي: كتَب لهم أنَّ حُكومة بلَدهم وأرضهم له، هذا هو الظَّاهر، لا البَحْر الذي هو ضِدُّ البَرِّ.
* * *
٢٦١٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يُونس بنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنسٌ ﵁ قَالَ: أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ ﷺ جُبَّةُ سُنْدُسٍ، وَكَانَ يَنْهَى عَنِ الْحَرِيرِ، فَعَجبَ النَّاسُ مِنْهَا، فَقَالَ: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا".
٢٦١٦ - وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قتَادَةَ، عَنْ أَنسٍ: إِنَّ أُكيْدِرَ دُومَةَ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ .
стр. 3714
الحديث الأول:
(لمناديل) جمع مِنْدِيل: وهو الذي يُحمَل في اليَدِ، مشتقٌّ من النَّدْل، وهو النَّقْل؛ لأنَّه يُنقَل من يدٍ إلى يدٍ، وقيل: النَّدل: الوَسَخ.
وفي ضَرْب المثَل بها إشارةٌ لمنْزلة سَعْدٍ في الجنَّة، وأن أدنى ثِيابه فيها خيرٌ من هذه الجُبَّة؛ لأنَّ المِنْديل أدنى الثِّياب؛ لأنَّهُ وقايةٌ يُنتدل به (١) لصَون الثياب عن الوسَخ، ويُمسح بها الأيدي، ويُنفَض بها الغُبار، فهي كقوله تعالى: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤].
ووجْه تخصيص سَعْد: أنَّ الوقت اقتضَى استِمالة قَلْب سعدٍ، أو كان مِنْديلُه من جنْس ذلك الثَّوب لَونًا ونحوَه، أو كان اللَّامِسُون المتعجِّبون من الأنصار، فقال: مِنْديلُ سيِّدكم خيرٌ منها، أو كان سعْدٌ يحبُّ جنْسَ هذا الثَّوب.
وفي "الاستِيعاب": نزَل جبريل في جنازته مُعتَجِرًا بعِمامةٍ من إِستبرق.
(سعيد)؛ أي: ابن أبي عَرُوبة، وصَلَه أحمد، وفي بعضها: (شُعبَة).
(أكُيدر) بضم الهمزة، وفتْح الكاف، وسُكون التَّحتانيّة: هو أكُيْدِر بن عبد الملِك الكِنْدي النَّصراني مَلِك (دُوْمَة) الجَنْدَل، بضم الدَّال وفتحها، الجَنْدَل: مدينةٌ بقُرب تَبوك، في أرض نخلٍ وزرعٍ، لها حِصنٌ
стр. 3715
عالي، والجَنْدَل: الحِجارة، والدُّومَة: مُستدارُ الشيءِ ومُخَيَّمُهُ، سُميت بذلك؛ لأن مكانَها مُجتمَع الأحجار.
وفي "مسلم": أهدَى أُكيْدِر إلى رسول الله ﷺ ثَوبَ حريرٍ، فأعطاه عليًّا، فقال: شقَقتُه خُمُرًا بين الفَواطِم.
واختلَفوا، فقيل: بقيَ على نصرانيَّته، وفي "الجامع" ذكَر البَلاذَري: أنَّه لمَّا قَدِم رسولُ الله ﷺ ارتدَّ، فلمَّا سار خالدٌ من العراق إلى الشام قتلَه.
* * *
٢٦١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنس بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ يَهُودِيَّةً أتَتِ النَّبِيَّ ﷺ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ، فَأكلَ مِنْهَا، فَجيءَ بِهَا فَقِيلَ: أَلَا نَقْتُلُهَا؟ قَالَ: "لَا"، فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
الثاني:
(لَهَوَات) بالفتْح، جمع: لَهَاةٍ، في أقصى سقْف الفَم.
قال (ع): هي اللَّحْمة التي بأَعلى الحَنْجَرة من أقصى الفَم.
والمعنى: أنَّ السُّمَّ أثر في لَهَوات النبي ﷺ ، وكانت عائشةُ تُشاهد ذلك الأثَر.
* * *