(بين نسائي) أراد زَوجتَه وأقاربَه؛ لقوله في الرِّواية الأخرى: (بين الفَواطِم)، إذْ لم يكن لعليٍّ زوجةٌ في حياة رسول الله ﷺ سِوى فاطمة، وقولُ علي: (فرأيت الغضب في وجهه) يدلُّ أنَّ النَّهي للكَراهة، ولو كان للتَّحريم لعَرف من نَهيهِ لا مِنَ الوَجْه.
* * *
٢٨ - بابُ قَبُولِ الْهَدِيَّةِ مِنَ الْمُشْرِكينَ
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ بِسَارَةَ، فَدَخَلَ قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ أَوْ جَبَّارٌ، فَقَالَ: أَعْطُوهَا آجَرَ".
وَأُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ.
وَقَالَ أبو حُمَيْدٍ: أَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَغْلَةً بَيْضَاءَ، وَكَسَاهُ بُرْدًا، وَكتَبَ لَهُ بِبَحْرِهِمْ.
(باب قَبُول الهديَّة)
(وقال (١) أبو هريرة) سيَأْتي مَوصولًا في (أحاديث الأنبياء).
(سارة) بتخفيف الرَّاء، هي زَوجة إبراهيم، أُم إسحاق، ﵈.
стр. 3713
(آجر) بفتحتَين، بوزْن فاعَل، وفي بعضِها: (هَاجَر) قُلبت الهمزة هاءً.
(وأُهديت للنبي ﷺ ) ذكَره مَوصولًا في هذا الباب.
(فيها سم)؛ أي: مَسمُومة، أهدتْه امرأةٌ اسمها زَينب بخَيبر.
(وقال أبو حميد): تقدَّم مُطوَّلًا في (الزَّكاة).
(أيلة): بفتح الهمزة، وسُكون التَّحتانية: بلدةٌ على ساحل البحر، آخرَ الحِجاز وأولَ الشَّام.
(ببحرهم) بباءٍ موحَّدةٍ، أي: كتَب لهم أنَّ حُكومة بلَدهم وأرضهم له، هذا هو الظَّاهر، لا البَحْر الذي هو ضِدُّ البَرِّ.
* * *
٢٦١٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يُونس بنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنسٌ ﵁ قَالَ: أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ ﷺ جُبَّةُ سُنْدُسٍ، وَكَانَ يَنْهَى عَنِ الْحَرِيرِ، فَعَجبَ النَّاسُ مِنْهَا، فَقَالَ: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا".
٢٦١٦ - وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ قتَادَةَ، عَنْ أَنسٍ: إِنَّ أُكيْدِرَ دُومَةَ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ .
стр. 3714
الحديث الأول:
(لمناديل) جمع مِنْدِيل: وهو الذي يُحمَل في اليَدِ، مشتقٌّ من النَّدْل، وهو النَّقْل؛ لأنَّه يُنقَل من يدٍ إلى يدٍ، وقيل: النَّدل: الوَسَخ.
وفي ضَرْب المثَل بها إشارةٌ لمنْزلة سَعْدٍ في الجنَّة، وأن أدنى ثِيابه فيها خيرٌ من هذه الجُبَّة؛ لأنَّ المِنْديل أدنى الثِّياب؛ لأنَّهُ وقايةٌ يُنتدل به (١) لصَون الثياب عن الوسَخ، ويُمسح بها الأيدي، ويُنفَض بها الغُبار، فهي كقوله تعالى: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤].
ووجْه تخصيص سَعْد: أنَّ الوقت اقتضَى استِمالة قَلْب سعدٍ، أو كان مِنْديلُه من جنْس ذلك الثَّوب لَونًا ونحوَه، أو كان اللَّامِسُون المتعجِّبون من الأنصار، فقال: مِنْديلُ سيِّدكم خيرٌ منها، أو كان سعْدٌ يحبُّ جنْسَ هذا الثَّوب.
وفي "الاستِيعاب": نزَل جبريل في جنازته مُعتَجِرًا بعِمامةٍ من إِستبرق.
(سعيد)؛ أي: ابن أبي عَرُوبة، وصَلَه أحمد، وفي بعضها: (شُعبَة).
(أكُيدر) بضم الهمزة، وفتْح الكاف، وسُكون التَّحتانيّة: هو أكُيْدِر بن عبد الملِك الكِنْدي النَّصراني مَلِك (دُوْمَة) الجَنْدَل، بضم الدَّال وفتحها، الجَنْدَل: مدينةٌ بقُرب تَبوك، في أرض نخلٍ وزرعٍ، لها حِصنٌ
стр. 3715
عالي، والجَنْدَل: الحِجارة، والدُّومَة: مُستدارُ الشيءِ ومُخَيَّمُهُ، سُميت بذلك؛ لأن مكانَها مُجتمَع الأحجار.
وفي "مسلم": أهدَى أُكيْدِر إلى رسول الله ﷺ ثَوبَ حريرٍ، فأعطاه عليًّا، فقال: شقَقتُه خُمُرًا بين الفَواطِم.
واختلَفوا، فقيل: بقيَ على نصرانيَّته، وفي "الجامع" ذكَر البَلاذَري: أنَّه لمَّا قَدِم رسولُ الله ﷺ ارتدَّ، فلمَّا سار خالدٌ من العراق إلى الشام قتلَه.
* * *
٢٦١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنس بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ يَهُودِيَّةً أتَتِ النَّبِيَّ ﷺ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ، فَأكلَ مِنْهَا، فَجيءَ بِهَا فَقِيلَ: أَلَا نَقْتُلُهَا؟ قَالَ: "لَا"، فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
الثاني:
(لَهَوَات) بالفتْح، جمع: لَهَاةٍ، في أقصى سقْف الفَم.
قال (ع): هي اللَّحْمة التي بأَعلى الحَنْجَرة من أقصى الفَم.
والمعنى: أنَّ السُّمَّ أثر في لَهَوات النبي ﷺ ، وكانت عائشةُ تُشاهد ذلك الأثَر.
* * *
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٣٢ - بابُ مَا قِيلَ فِي الْعُمْرَي وَالرقْبَى
أَعْمَرْتُهُ الدَّارَ فَهْيَ عُمْرَى: جَعَلْتُهَا لَهُ، ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾؛ جَعَلَكُمْ عُمَّارًا.
(باب ما قِيْلَ في العُمْرَى)
هي أن يقول الرَّجل لصاحبه: أَعمَرتُك داري، أي: جعلْتُها لك مدَّةَ عُمرك، فإذا اتصلَ به القبْضُ كان تمليكًا لرقبتِها، ولذلك سمَّاها رسولُ الله ﷺ هِبَةً، حيث قال: "إنها لمَن وُهبتْ له"، فإذا صارتْ له في حياته فهي لورثتِه مِن بَعده.
قال مالك: هي تمليكُ المنفعة دُون الرَّقَبة حياتَه، فإنْ ماتَ رجعت الرَّقبة للمُعمِر.
ولها أنواعٌ مذكورةٌ في الفقه.
(والرُّقْبَى) أن يقول: أرقبتُك داري، إذا أعطيتَها إياه، وقلتَ: إذا مِتُّ قبلَك فهي لك، وإنْ مِتَّ قبلي فهيَ لي، مشتقةٌ من الرُّقُوب، كان كلَّ واحدٍ منهما يرتقِب موتَ صاحبه.
وحكمها حُكم الهبَة، وهذا الشَّرط -وهو: إنْ متَّ قبلي فهي لي- لغوٌ، وأنكر مالكٌ، وأبو حنيفة الرُّقْبَى، وقالا: لا اعتبارَ بها.
стр. 3723
(عُمَّارًا) بتشديد الميم، مع ضمِّ العين، وفي "الكشاف": استَعمركم، أي: أحلَّكم بالعِمارة، وقيل: استَعمركم مِن العمُر، نحو: استبقاكُم من البقاء، أو استَعمر بمعنى: أعمَر، كاستَهلَك بمعنى: أهلَك، أي: أعمَركم فيها ديارَكم، ثم يَرثُها منكم بعد انقضاء أعمارِكم.
* * *
٢٦٢٥ - حَدَّثَنَا أبو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَضَى النَّبِيّ ﷺ بِالْعُمْرَى أَنَهّاَ لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ.
الحديث الأول:
(قضى بالعُمْرَى أنها لمن وهبت له): (أن) هنا مفتوحةٌ، تقديره: بأنها.
* * *
٢٦٢٦ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قتادَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي النَّضْرُ بْنُ أَنسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: "الْعُمْرَى جَائِزَة".
الثاني:
(النَّضْر) بالمعجمة.
* * *
стр. 3724
٣٣ - بابُ مَنِ اسْتَعَارَ مِنَ النَّاسِ الْفَرَسَ
(باب مَن استَعار)
٢٦٢٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبةُ، عَنْ قتادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنسًا يَقُولُ: كَانَ فَزَعٌ بِالْمَدِينَةِ، فَاسْتَعَارَ النَّبِي فَرَسًا مِنْ أَبِي طَلْحَةَ يُقَالُ لَهُ: الْمَنْدُوبُ، فَرَكِبَ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: "مَا رَأَيْنَا مِنْ شَيْءٍ، وَإِنْ وَجَدْناَ لَبَحْرًا".
(المندوب): المَطلُوب، مرادفُ المَسنُون، مِن النَّدْب، أي: الرَّهن الذي يُجعَل في السِّباق، وقيل: سُمي به لنَدْبٍ كان في جِسْمه، وهو أثَر الجُرح، المنْدوب: اسم فرسِ أبي طَلْحة الأَنْصاري.
(من شيء)؛ أي: من العَدوِّ، وسائرِ موجِبات الفزَع.
(وإن وجدناه لبحرًا)؛ أي: واسعَ الجَرْي.
وفيه تبشير النَّاس بالأمن، وتَشبيه الشَّيء بالشَّيء، والتوسُّع في الكلام، وتَسمية الدَّوابِّ، والعاريَّة، والغَزْو على الفرَس المُستَعار.
قال (ط): (إنْ) هنا نافيةٌ، واللام في: (لبَحْرًا)، بمعنى: إلا، أي: ما وجدناه إلا بحرًا، والعرَب تقول: إنَّ زيدًا لعاقلٌ، أي: ما زيدٌ إلا عاقلٌ، والبَحْر من نُعوت الخَيل، قيل: شبَّهه بالبَحر، لأنَّ جَرْيه لا يَنْفَدُ كما لا يَنْفَد ماءُ البحر، يُقال: فرَس بحرٌ، إذا كان واسِعَ الجَرْي.
* * *
стр. 3725
٣٤ - بابُ الاِسْتِعَارَةِ لِلْعَرُوسِ عِنْدَ الْبِنَاءِ
(باب الاستِعارة للعَرُوس)، وهو نعتٌ يستَوي فيه الرَّجل والمرأة ما داما في عُرسهما.
(عند البناء) هو الزَّفاف، يُقال: بنَى على أهله، أي: زفَّها.
٢٦٢٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، وَعَلَيْهَا دِرْعُ قِطْرٍ ثَمَنُ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ، فَقَالَتِ: ارْفَعْ بَصَرَكَ إِلَى جَاريَتِي، انْظُرْ إِلَيْهَا؛ فَإِنَّهَا تُزْهَى أَنْ تَلْبَسَهُ في الْبَيْتِ، وَقَدْ كَانَ لِي مِنْهُنَّ دِرعٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَمَا كَانَتِ امْرَأةٌ تُقَيَّنُ بِالْمَدِينَةِ إِلَّا أَرْسَلَتْ إِلَيَّ تَسْتَعِيرُهُ.
(درع)؛ أي: قَميص.
(قِطْر) بكسر القاف، وبالرَّاء: ضَرْبٌ من بُرود اليمَن، فيه حُمرةٌ، لها أَعلامٌ، فيها بعض خُشونةٍ، يُقال: بُردٌ قِطْريةٌ.
قال الأَزْهري: وفي أعراض البَحرين قَريةٌ يُقال لها: قطر، وأحسن الثِّياب القطرية، لمَّا نسَبوا إليها كسروا القاف، وخفَّفوا.
ورواية النَّسَفي، والقَابِسِي، وابن السَّكَن: (فطر) بالفاء، والصَّواب: القاف، وفي نُسخة المغاربة: (ثمَن خَمسةٍ).
(انظر) بلفظ الأمر.
стр. 3726
(تُزْهي) بضمِّ أوله، وبفتح الهاء وكسرها: مِن الزَّهْو، وهو الكِبْر، أي: الجارية تتكبَّرْ أن تلبَسه، زَهَى الرَّجل، أي: تكبَّر وأُعجب بنفْسه، وهي مما جاء على وزْن ما لم يُسمَّ فاعلُه، وحكى ابن دُرَيْد: (زهى) مبنيٌّ للفاعل.
(منهن)؛ أي: من الدُّروع، أو من بين النِّساء.
(تقَيَّن) بضم التاء، وفتح القاف، والياء المشدَّدة، أي: تُزيَّن، وقيَّنتُ العَروس زَّينتُها، والمقيِّنة: المَاشِطة، والقَيْنة: الأَمة مُغنِّيةً أو غيرَ مُغنِّية، ورُوي: (تَزْفِن، وتَزِف).
* * *
٣٥ - بابُ فَضْلِ الْمَنِيحَةِ
(باب فضْل المَنِيحة)
٢٦٢٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنادِ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "نِعْمَ الْمَنِيحَةُ اللِّقْحَةُ الصَّفِيُّ مِنْحَةً، وَالشَّاةُ الصَّفِيُّ تَغْدُو بإنَاءٍ وَتَرُوحُ بِإِنَاءٍ". حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ وَإِسْمَاعِيلُ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ: نِعْمَ الصَّدَقَةُ.
стр. 3727
الحديث الأول:
(المَنِيحة) بفتح الميم: عاريَّةٌ من ذَوات اللَّبَن، كالنَّاقة تُعطيها غيرَك مَنِيحةً، فيحتلبُها، ثم يردُّها عليك، والمِنِيحة -بالكسر-: العَطيَّة.
(اللقْحة) بكسر اللام: المَلْقُوح، أي: الحَلُوب من ناقةٍ أو شاةٍ، وبفتحها: المرَّة الواحدة من الحَلْب، وحكَى أبو الفرَج: كسر اللام وفتحها؛ لغتان.
(منحةً) نصب على التَّمييز.
وفيه وقوع التَّمييز بعد فاعل (نِعْمَ) ظاهرًا توكيدًا، كقوله:
فنِعْمَ الزَّاد زادُ أَبيكَ زَادًا
وسِيْبَوَيْهِ يمنعه، ولا يُجيزه إلا إذا أُضمِر الفاعل، كقوله تعالى: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠]، والصَّحيح جوازُه.
والمَنِيْحة: فاعل (نِعْمَ)، واللِّقْحة هي المَخصوصة بالمَدْح.
(والصَّفِي) معطوفٌ على اللِّقْحة، وهي بفتح الصَّاد، وكسر الفاء، وتخفيف الفاء: الكَريمة الغَزيرَةُ اللَّبَن، ويُقال: صَفِيَّة، والجمع صَفايا، والصَّفيُّ صفةُ اللِّقحة، ولم تدخُل التاء عليها؛ لأنَّه إما فَعِيْل أو فَعُولٌ يستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث، ودخل على المَنيحة لنقْل اللَّفظ من الوصفيَّة للاسميَّة، أو لأن استِواء التذكير والتأنيث هو فيما كان مَوصوفه مذكورًا.
الثاني:
(ليس بأيدهم)؛ أي: مالٌ.
(أُم أنس) بدلٌ من: (أُمُّه).
(أُم سُليم) بضم المُهملة، بدلٌ من (أُم أنَس).
(فكانت) تأكيدٌ لـ (كانت) الأُولى، فهي أُمٌّ لهذه الثلاثة، واسمها: سُهَيلة، أو مُلَيكة بنت مِلْحان الأَنْصارية، تقدَّمتْ ترجمتها مبسوطةً.
(عِذقا) بكسر العين المُهملة، ثم دالٌ معجمةٌ: جَمْع عَذْقٍ بالفتح، ككَلْب وكِلاب، وهي النَّخلة نفسها، والجَمْع عُذوقٌ وأَعْذاق.
قيل: لا يُقال للنَّخلة عِذْق إلا إذا كانت بحَمْلها، ولا العُرْجُون عِذْقٌ إلا إذا كان بشَماريخِه وثَمَرِه.
(أم أيمن) ضدُّ الأَيْسَر، هي غير المُتقدِّمة، واسمها بَرَكَة -بالموحَّدة، والرَّاء، والكاف المَفتوحات- كُنِّيتْ به لأنها كانتْ أولًا تحت عُبَيد -مُصغَّر العَبْد- الحبَشي، فولدَتْ له أيمن.
وفي "مسلم": أنها كانت وصيفةً لعبد الله بن عبد المطَّلِب، وكانت من الحبَشة، فلمَّا ولَدت آمنةُ رسولَ الله ﷺ كانت أُم أيمن تحضِنُه، حتى كَبِر ﷺ ، فأعتقَها، وزوَّجَها مولاه زَيدَ بن حارثة، فولدَتْ له أُسامة، واستُشهِد يوم حُنين، وكان رسولُ الله ﷺ يقول: "بَرَكَةُ أُمِّي بعدَ أُمِّي"، وماتتْ بعد رسول الله ﷺ بخمسة أشهر.
стр. 3730
(أحمد بن شَبيب) بفتح المعجمة.
(بهذا)؛ أي: بالإسناد، والمَتْن.
* * *
٢٦٣١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونس، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي كبْشَةَ السَّلُولِيِّ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بنَ عَمْرٍو ﵄ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَرْبَعُونَ خَصْلَةً أَعْلَاهُنَّ مَنِيحَةُ الْعَنْزِ، مَا مِنْ عَامِلٍ يَعْمَلُ بِخَصْلَةٍ مِنْهَا رَجَاءَ ثَوَابِهَا وَتَصْدِيقَ مَوْعُودِهَا إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ بِهَا الْجَنَّةَ". قَالَ حَسَّانُ: فَعَدَدْنَا مَا دُونَ مَنِيحَةِ الْعَنْزِ مِنْ: رَدِّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَإِمَاطَةِ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَنَحْوِهِ، فَمَا استَطَعْنَا أَنْ نبلُغَ خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً.
الثالث:
(أبي كَبشة) بفتح الكاف.
(السَّلُولي) بفتح المُهملَة، وضمِّ اللام الأُولى.
(العنْز) أُنْثى المَعْز.
قال (ط): ولم يَترُك رسول الله ﷺ الأربعينَ خَصلةً إلا لمعنًى هو أنفَعُ لنا من ذِكْرها؛ لخشية أن يكون تعيينُها زُهدًا في غيرها من أبواب الخير، وليس قَول حسَّان مانِعًا أن يستطيعَها غيره.
стр. 3731
وتتبَّعها بعضُهم في الأحاديث فوجدَها أزْيدَ من أربعين خَصلةً؛ منها: أنَّ رجُلًا يسأل رسول الله ﷺ عن عمَلٍ يُدخلُه الجنَّة؟ فذكر له أشياء، ثم قال: "والمَنِيحة، والفَيءُ على ذي الرَّحِم القاطِع، فإنْ لم تُطِق؛ فأطعِمِ الجائِعَ، واسقِ الظَّمْآن"، هذه ثلاث خصال أعلاها: المَنيحة، ليس الفَيء منها؛ لأنه أفضَل من المَنيحة.
وفي الحديث: "مَنْ قال: السَّلام عليكم؛ كُتب له عشْر حسَناتٍ، ومَن زاد: ورحمةُ الله؛ كُتب له عِشْرون، ومَن زاد: وبرَكاتُه؟ كُتب له ثَلاثُون".
وفي الحديث: "ثلاثٌ تُثبِت لك الوِدَّ في صَدْر أخيك: تَشميتُ العاطِس، وإماطَةُ الأذَى عن الطَّريق، وإعانَةُ الصَّانِع، والصَّنيعة للأَخْرق، وإِعْطاء صِلَة الحبْل، وإِعْطاء شِسْع النَّعْل، وأنْ تُؤنِسَ الوَحْشان)، أي: تَلقاه بما يُؤنسه من القَول الجميل، أو تُبلِّغه من أرض الفَلاة إلى مكانِ الأُنْس.
وكشْف الكُربة، قال ﷺ : "مَن كشَف كُربةً عن أخيه كشَف الله عنه كُربةً يومَ القِيامة".
وكون المَرء في حاجة أخيه، وسَتْر المُسلِم؛ لحديث: "واللهُ في عَونِ العَبْد ما دام العَبْد في عَون أخيهِ"، و"مَن ستَر مُسلِمًا ستَره الله يومَ القِيامة".
والتفسُّح في المَجلِس، وإدخالُ السُّرور على المُسلم، ونَصْر
стр. 3732
المَظلوم، والأَخْذ على يد الظَّالم؛ لحديث: "انصُرْ أخاكَ ظالِمًا أو مَظلومًا".
والدَّلالة على الخَير؛ لحديث: "الدَّالُّ على الخَير كفاعلِه".
والأمر بالمَعروف، والإصلاح بين النَّاس، والقَول الطيِّب يردُّ به المِسْكين، قال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [البقرة: ٢٦٣]، وفي الحديث: "اتَّقُوا النَّارَ ولو بشِقِّ تمرةٍ، فإن لم يَجد فبكلمةٍ طيِّبَةٍ".
وأن تُفرِغَ من دَلْوِك في إناء المُستَقي، وغَرْس المسلم زَرعَهُ؛ لحديث: "ما مِن مسلمٍ يَغرِس غَرْسًا، أو يَزرع زَرْعًا، فيأكلُ منه طيرٌ أو إنسانٌ أو بهيمةٌ إلا كان له صدقةٌ".
والهديَّة للجار؛ لحديث: "لا تَحقِرنَّ جارةٌ جارتَها، ولو فِرْسِن شاةٍ".
والشَّفاعة للمُسلم، ورحمةُ عزيزٍ ذَلَّ، وغنيٍّ افتقَر، وعالمٍ بين جُهَّالٍ، قال: "ارحموا ثلاثةً: غنيَّ قومٍ افتقَر، وعزيزَ قَومٍ ذَلَّ، وعالمًا يَلعب به الجُهَّال".
وعِيَادة المريض؛ لحديث: "على مَخارِف الجنَّة".
والردُّ على من يَغتاب؛ لحديث: "مَن حَمى مُؤمنًا من منافقٍ يَغتابُه بعَث الله إليهِ ملَكًا يوم القِيامة يَحمي لَحْمَه من النَّار".
ومُصافَحة المُسلِم؛ لحديث: "لا يُصافح مُسلمٌ مسلمًا، فتَزولَ يدُه من يده حتَّى يُغْفَرُ لهما".
стр. 3733
والتحابُّ في الله، والتَّجالُس في الله، والتَّزاوُر في الله، والتَّباذل في الله، قال ﷺ : "قال الله : وجَبتْ محبَّتي لأصحاب هذه الأَعمال الصَّالحة: عَونُ الرَّجُلِ الرجلَ في دابَّته يحملُه عليها، أو يَرفعُ عليها متاعَه صدَقةٌ"، رُوي عن رسول الله ﷺ .
قال (ك): هذا رجْمٌ بالغَيب، لاحتمال أن يُراد غيرُ المذكورات من أعمال الخير، ومِن أين عُرف أنَّ هذه أدنىَ من المَنيحة؟، لجواز أن تكون مثلَها أو أعلى منها، ثم فيه تحكُّمٌ بجعْله السَّلام منه دُون ردِّ السَّلام، مع أنَّه صرَّح به في الحديث الذي نحن فيه، وكذا جعَل منه الأمر بالمَعروف دُون النَّهي عن المُنكر، وفيه تكرارٌ أيضًا، فتأَمَّلْه.
(وقال حسان) هو ابن عَطيَّة راوي الحديث، وهو موصولٌ بالإسناد المذكور.
* * *
٢٦٣٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: كَانَتْ لِرِجَالٍ مِنَّا فُضُولُ أَرَضِينَ، فَقَالُوا: نُؤَاجِرُهَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَالنِّصْفِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ".
الرابع:
(أرَضين) الأشهر فتح الراء.
الوَتْر، وهو النَّقْص، قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمَّد: ٣٥]، أي: لم يَنقُصكم من أعمالكم، وفي بعضها: (يتَّرك) مضارع الافتعال.
قال البخاري: الرِّواية بالتَّشديد، والصَّواب التَّخفيف من الوَتْر، ومرَّ في (الزكاة).
* * *
٢٦٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَعْلَمُهُمْ بِذَاكَ -يَعْنِي: ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى أَرْضٍ تَهْتَزُّ زَرْعًا، فَقَالَ: "لِمَنْ هَذِهِ"؟ فَقَالُوا: اكتَرَاهَا فُلَانٌ، فَقَالَ: "أَمَا إِنَّهُ لَوْ مَنَحَهَا إِيَّاهُ كَانَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا أَجْرًا مَعْلُومًا".
الخامس:
(تَهْتَز)؛ أي: تتَحرَّك.
(لو منحها)؛ أي: لو أعطاها المالِك فلانًا المُكتري مِنْحةً لكأَنَّ خيرًا للمُكرِي؛ لأنها أكثَر ثَوابًا، ولأنهم كانوا يَتنازعون في كِراء الأرض، أو كَرِهَ الافتِتان بالزِّراعة لئلا يُقعدهم عن الجهاد، ومرَّ في (الحرث).
* * *
стр. 3736
٣٦ - بابٌ إِذَا قَالَ: أَخْدَمْتُكَ هَذِهِ الْجَارِيَةَ عَلَى مَا يَتَعَارَفُ النَّاسُ فَهْوَ جَائِزٌ
وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: هَذِهِ عَارِيَّةٌ. وَإِنْ قَالَ: كَسَوْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ، فَهْوَ هِبَةٌ.
(باب: إِذا قال: أخدمتُكَ هذه على ما يتعارفُه النَّاسُ)؛ أي: على عُرفهم في صُدور هذا القَول منهم، أو على عُرفهم أنَّ الإِخْدام هبةٌ أو عاريَّةٌ، وهو جائزٌ، فيُحمل على المَعروف عندهم.
(بعض الناس) قيل: هم الحنفيَّة؛ لأنهم يقولون: إذا قال: أخدمتُك هذا العبد فهو عاريَّةٌ، وقصَّة هاجَر تدلُّ على أنَّه هِبَةٌ.
(وإن قال: كسوتك) يحتمل أن يكون من تتمَّة قولهم، فيكون المقصود أنهم تحكَّموا حيث قالوا: ذلك عاريَّة، وهذه هِبَة، وأن يكون عَطْفًا على التَّرجمة.
ولا خلافَ بين العُلماء أنَّه إذا قال: أخدمتُك هذه الجارية؛ أنَّه وهبَهُ خدمتَها لا رقَبتها، والإِخْدام عند العرب لا يقتضي تمليك الرَّقَبة، كما أنَّ الإِسْكان لا يقتضي تمليكَ رقَبة الدَّار، وما استدلَّ به البخاري من لفظ: (فأخدمها) لا يدلُّ على الهبَة، وإنما تصحُّ الهِبَة في الحديث مِن لفظ: (فأعطُوها آجَر)، وكانت عطيَّةً تامَّةً.
واختلف ابن القاسم، وأشهب فيما إذا قال: وهبتُك خِدمةَ
стр. 3737
عبدي، فقال ابن القاسِم: ليس هبةً للرَّقبة، وقال أشهَب: هبَةٌ، ولم يختلفوا فيما إذا قال: كسوتُك هذا الثَّوب، أنها هبةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وهذا تمليكٌ اتفاقًا.
* * *
٢٦٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ بِسَارَةَ، فَأَعْطَوْهَا آجَرَ، فَرَجَعَتْ فَقَالَتْ: أَشَعَرْتَ أَنَّ الله كَبَتَ الْكَافِرَ وَأَخْدَمَ وَلِيدَةً"؟ وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ".
(كبت الكافر)؛ أي: صَرَفه، وأذلَّه.
(وأخدم)؛ أي: الكافر، ومرَّ في (البيع).
(وقال ابن سيرين) سيأتي مَوصولًا في أحاديث (الأنبياء).
(سمعت مالكًا)؛ أي: الإِمام المَشهور.
(يسألُ زيد)؛ أي: عن حُكم حمل الرَّجل عن الفرَس.
قال (ط): لا خِلافَ بينهم أن العُمْرَى إذا قبضَها المُعمَر لا رجوعَ فيها، وكذا الصَّدقة، وكذلك الحمْل على الجمَل، فما كان من الحَمْل على الجمَل تمليكًا للمَحمول عليه فكالصَّدقة عليه، وما كان تَحبيسًا في سبيل الله فكالأَوقاف، لا رُجوعَ عند الجُمهور خلافًا لأبي حنيفة،
стр. 3738
فجعَل الحبْس باطلًا فيه.
قال البخاري: قال بعضُ النَّاس: له الرُّجوع فيها؛ لأنَّه حبْسٌ باطلٌ راجعٌ إلى صاحبه، والحديث يرد عليه.
قال: ولا يَخلو أن يكون حبَس الفرس في سبيل الله، أو جعلَه تمليكًا للمَحمول عليه، فإنْ كان حبْسًا فلا يَجوز الاشتِراء، وإنْ كان تمليكًا جاز لمن حمَل ولغَيره، فنهيُه ﷺ عن الاشتِراء تنزيهٌ لا إيجابٌ.
قال (خ): يحتمل أن يكون معناه: أنَّه أخرجَه من ملكه لوجه الله، وكان في نفْسه شيءٌ، فأشفَق ﷺ أن يُفسِد نيتَه ويُبطِل أجرَهُ فنهاه عنه، وشبَّهه بالعَود في الصَّدقة وإنْ كان بثمَنٍ، وهذه كتحريمه على المُهاجرين مُعاوَدة دُورهم بمكة.
قال: وأما إذا تصدَّق بالشَّيء لا على إِحْباسِ أصله بل على سَبيل البرِّ والصِّلَة، فيَجري مَجرى الهِبَة، ولا بأْسَ عليه في ابتياعه من صاحبه.
* * *
٣٧ - بابٌ إِذَا حَمَلَ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ فَهْوَ كَالْعُمْرَى وَالصَّدَقَةِ
(باب: إذا حَمَل رجُلًا)
٢٦٣٦ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا
стр. 3739
يَسْأَلُ زيدَ بْنَ أَسْلَمَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: قَالَ عُمَرُ ﵁: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ في سَبِيلِ اللهِ، فَرَأَيْتُهُ يُبَاعُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "لَا تَشْتَرِ، وَلَا تَعُدْ في صَدَقَتِكَ".
(حملت على فرس) قال الحُمَيْدي: أي: وقَفَه على المُجاهدين، وأنكَره ابن الصَّلاح، وقال: بل تصدَّق به على بعضِهم من غير أن يَقِفَه.
* * *
بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.
(باب: في البَيِّنة على المُدَّعي)
(الشهادة) هي الإخْبار عند الحاكِم بما يعتقِد في حقِّ المُدَّعي، أو المُدَّعَى عليه.
(المدعي) هو ذاكرُ أمرٍ خفِيٍّ، أو إذا تَرَكَ تُرِكَ.
والفَرْق بين الشَّهادة والرِّواية مع اشتراكهما في أنهما خبَران؛ أنَّ المخبَر عنه في الرِّواية أمر عامٌّ لا يختصُّ بمعيَّنٍ، والشهادة بخلاف ذلك.
قال الأصوليون: الرِّواية تقتضي شرعًا عامًّا، والشَّهادة شَرعًا خاصًّا، ثم إنهما على ثلاثة أقسامٍ:
روايةٌ مَحْضةٌ: كالأحاديث النبويَّة.
وشهادةٌ مَحضةٌ: كإخبار الشُّهود عن الحُقوق على معيَّنٍ عند الحُكَّام.
ومركَّبٌ منهما: كالإخبار عن رُؤية رمَضان، فهو -من جِهَة أنَّ الصَّوم لا يختصُّ بشخصٍ معيَّنٍ، بل عامٌّ على مَن دُونَ مسافة القَصْر- روايةٌ، ومِنْ جهة أنَّه مختصٌّ بأهل هذه المَسافةِ، وبهذا العامِ شهادةٌ.
стр. 3743
ووجه استِنباط التَّرجمة من الآية: أنَّه لو كان القَولُ قَولَ المُدَّعي من غير بينةٍ لَمَا احتيج إلى الكتابة، والإملاء، والإشهاد عليه، فلمَّا احتِيج إليه دلَّ على أن البيِّنة على المُدَّعي.
قال (ط): الأمر بالإملاء يدلُّ أنَّ القَول قَول مَن عليه الشَّيء، وأيضًا أنَّه يقتضي تصديقه فيما عليه، فالبيَّنة على مُدعي تكذيبه، وأما الآيةُ الأُخرى فوجه الدَّلالة: أنَّ الله قد أخَذ عليه أن يُقِرَّ بالحقِّ على نفْسه، فالقَول قَول المُدعَى عليه، فإذا كذَّبه، فعليه البيِّنة.
* * *
٢ - بابٌ إِذَا عَدَّلَ رَجُلٌ أَحَدًا فَقَالَ: لَا نَعْلَمُ إلا خَيْرًا، أَوْ قال: مَا عَلِمْتُ إلا خَيْرًا
(باب: إذا عَدَّل رجلٌ أحدًا)، وروي: (رجلًا) بدَل: (أحدًا).
٢٦٣٧ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ النُّمَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا ثَوْبَانُ، وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَني عُرْوَةُ، وَابْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ، وَعُبَيْدُ اللهِ، عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ -وَبَعْضُ حَدِيثهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا- حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإفْكِ، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيًّا وَأُسَامَةَ حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ يَسْتَأْمِرُهُمَا في فِرَاقِ أَهْلِهِ، فَأَمَّا أُسَامَةُ فَقَالَ: أَهْلُكَ، وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا
стр. 3744
خَيْرًا. وَقَالَتْ بَرِيرَةُ: إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا أَغْمِضُهُ أَكثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثةُ السِّنِّ تنامُ عَنْ عَجينِ أَهْلِهَا، فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأَكُلُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ يَعْذِرُنَا مِنْ رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ في أَهْلِ بَيْتِي؟ فَوَاللهِ مَا عَلِمْتُ مِنْ أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيهِ إِلَّا خَيْرًا".
(النُّمَيري) بضم النون.
(أهلك) بالنصب على الإغراء، أو المفعول، أي: أمسِكْ أهلَك أو الْزَمْ، ورُوي بالرَّفع، أي: هم أهلُك، على الابتداء والخبر، أي: أهلُك عفائفُ، أو غير مَطعونٍ فيهم، ونحوه.
(وقال الليث) سيأتي موصولًا في (تفسير سُورة النُّور).
(استلبث) استَفعَل من اللُّبْث، وهو الإبْطاء والتَّأْخير.
(يستأمرها)؛ أي: يُشاورُها.
(إن رأيت)؛ أي: ما رأَيتُ.
(أغْمِصه) بفتح الهمزة، وسُكون المعجمة، وكسر الميم، ثم مهملة: أعيبُها به، مِن أغمصَه فُلانٌ: إذا استَصغَره، ولم يَرَهُ شيئًا.
(الدَّاجن) بالجيم: شاةٌ أَلِفَت البُيوت، واستَأْنستْ بها، ومِن العرب من يقولها بالهاء.
والرَّجل الأول: عبد الله بن أُبَيِّ [ابن] سَلُول، والثاني: صَفْوان ابن المُعَطِّل السُّلَمي، بضم السين.
стр. 3745
(من يعذرنا) للاستِفهام، وسيأتي معناه.
* * *
٣ - بابُ شَهَادَةِ الْمُخْتَبِي
وَأَجَازَهُ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ قَالَ: وَكَذَلِكَ يُفْعَلُ بِالْكَاذِبِ الْفَاجِرِ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَعَطَاءٌ، وَقتادَةُ: السَّمْعُ شَهَادَةٌ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: يَقُولُ: لَمْ يُشْهِدُونِي عَلَى شَيْء، وإِنِّي سَمِعْتُ كَذَا وَكَذَا.
(باب شَهادة المُختَبِئ)
(عمرو بن حُريث) مُصغَّر الحَرْث، أي: الزَّرْع، المَخزُومي، مات رسولُ الله ﷺ وهو ابن ثنتَي عشرة سنةً، وهو أوَّل قرشيٍّ اتخذَ بالكوفة دارًا، وكان له فيها قَدْرٌ وَشَرَفٌ، ومات سنة خمسٍ وثمانين.
(وقال الشعبي) وصَله ابن أبي شَيبة، وهو في "الجَعْدِيَّات".
(وابن سِيرين، وعَطاء، وقَتادة) سيأتي في (باب شهادة الأَعمى).
(شهادة)؛ أي: السَّمع مُطلَقًا يحتمل الشَّهادة.
قال ابن المُنذِر: قال الشَّعبي: السَّمْع شهادةُ المُخْتَبِئ، لا أنَّه ليس بعَدْلٍ حين اختَبأَ ممن يشهَد عليه.
стр. 3746
(وكان الحسن) وصلَه ابن أبي شَيْبة من طريق يونسُ بن عُبَيد، عنه قال: لو أنَّ رجُلًا سَمِعَ مِن قومٍ شيئًا، فإنَّه يأتي القاضي فيقول: لم يُشهِدوني، ولكنْ سَمعتُ كذا وكذا، وهو تفصيلٌ حسَنٌ.
* * *
٢٦٣٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ سَالِمٌ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: انْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأُبَيُّ ابْنُ كَعْبٍ الأَنْصَارِيُّ يَؤُمَّانِ النَّخْلَ الَّتِي فِيهَا ابْنُ صَيَّادٍ، حَتَّى إِذَا دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ طَفِقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ، وَهْوَ يَخْتِلُ أَنْ يَسْمَعَ مِنِ ابْنِ صَيَّادٍ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ، وَابْنُ صَيَّادٍ مُضْطَجعٌ عَلَى فِرَاشِهِ في قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا رَمْرَمَةٌ -أَوْ زَمْزَمَةٌ-، فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ النَّبِيَّ ﷺ وَهْوَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ، فَقَالَتْ لاِبْنِ صَيَّادِ: أَيْ صَافِ! هَذَا مُحَمَّدٌ، فتنَاهَى ابْنُ صَيَّادٍ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ".
الحديث الأول:
(يَخْتِل) بكسر الفَوقانيَّة، أي: يَطلُب مِن حيث لا يَشعُر ابنَ صيَّادٍ مستغفلًا له؛ ليَسمَع شيئًا من كلامه الذي يتكلَّم به في خَلْوته حتى يُظهِر للصَّحابة أنَّه كاهِنٌ، ونحوه.
(قطيفة) كساءٌ له خَملٌ.
(رمرمة) بالرَّاء، وكذا بالزَّاي: الصَّوت الخَفيُّ، وحرَكة الفَمِ
стр. 3747
بالكلام من غير أن يتكلَّم.
(أي) حرف نداءٍ.
(صاف) بالمهملَة، والفاء المَضمومة والمكسورة والسَّاكنة: اسمُ ابن صَيَّاد.
(فتناهى)؛ أي: كَفَّ، وتَناهى الماءُ: إذا وقَف في الغَدير وسكَن.
(لو تركته)؛ أي: أُمّه بحيث لا يَعرِفُ قُدومَ رسول الله ﷺ ، فلم يندَهِشْ عنه؛ بيَّن لكم باختلافِ كلامه ما يُهوِّن عليكم شَأْنَه، مرَّ في (كتاب الجنائز)، في (باب: إذا أسلَم الصبيُّ).
قال المُهلَّب: فيه جَواز الاحتِيال على المُستَسِرِّين بالفِسق، وجُحود حقٍّ حتى يُسمَع منهم ما يَستَسِرُّون به، ويُحكَم عليهم، ولكن بعد أن يفهم عنهم فهمًا بيِّنًا.
* * *
٢٦٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: جَاءَتِ امْرَأةُ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ، فَطَلَّقَنِي فَأَبَتَّ طَلَاقِي، فتزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ، إِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، فَقَالَ: "أتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ".
стр. 3748
وَأَبُو بَكْرٍ جَالِسٌ عِنْدَهُ، وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بِالْبَابِ يَنتظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ! أَلَا تَسْمَعُ إِلَى هَذِهِ مَا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ النَّبِي ﷺ ؟
الثاني:
(رِفاعة) بكسر الراء.
(القُرَظي) بضم القاف، وفتح الرَّاء، ثم معجمة، واسم المرأة: تَميْمَة -بفتح الفَوقانية- بنْت وَهْب.
(فأبتَّ)؛ أي: قطَع لها قَطْعًا كُليًّا يُحصِّل البَينونةَ الكُبرى.
(عبد الرحمن بن الزَّبِير) بفتح الزاي، وكسر الموحَّدة، ابن بَاطَا -بالموحَّدة، والمهملة، بلا مدٍّ، ولا همزٍ- القُرَظي.
(هدبة الثوب) هي ما على أَطرافه من الخَمل، كأنها ادَّعت عليه العُنَّة، وأرادتْ أن متاعه رخْوٌ كطرَف الثَّوب لا يُغني عنها شيئًا.
(ترجعي) في بعضها: (تَرجِعينَ) بالنُّون، وهي لُغة مَن يرفع الفعل بعد: أنْ حَمْلًا على: ما أُختِها، كقراءة مجاهد: (لمن أراد أن يُتمُّ الرضاعة) [البقرة: ٢٣٣] بضمِّ الميم.
قال (ط): كنَّى بالعُسَيْلة عن لَذَّة الجِماع، تصغير العسَل، يُقال: يُؤنَّث العسَل في بعض اللُّغات، ويحتمل أن يكون التأنيث باعتبار الوَقْعة الواحدة التي تَحِلُّ بها للزَّوج الأول.
стр. 3749
قال (ن): قيل: أنَّث العُسَيلة على إرادة النُّطْفة، وضُعِّف؛ لأن الإنْزال لا يُشتَرط؛ وشرَطَه الحسَن البصريُّ، وجعلَه حقيقةَ العُسَيلة.
وقال الجمهور: بدُخول الذَّكر تحصل اللَّذَّة المُرادة من العُسيلة، وقيل: أراد قِطْعةً من العسَل، وصغَّره إشارةً إلى أن العَدد القليل هو أقلُّ ما يحصل به الحِلُّ.
قال المُهلَّب: وفيه جواز الشَّهادة على غير الحاضِر؛ لأنَّ خالدًا سمع قولَها من وراء الباب، وأنكَر عليها ولم يُنكَر عليه، وفيه إنكارُ الهُجر من القَول إلا في حقٍّ لا بُدَّ له من البَيان عند الحاكم.
* * *
٤ - بابٌ إِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ أَوْ شُهُودٌ بشَيْءٍ، فقال آخَرُونَ: مَا عَلِمْنَا ذلِكَ، يُحْكَمُ بِقَوْلِ مَنْ شَهِدَ
قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: هَذَا كمَا أَخْبَرَ بِلَالٌ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى في الْكَعْبَةِ، وَقَالَ الْفَضْلُ: لَمْ يُصَلِّ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِشَهَادَةِ بِلَالٍ.
كَذَلِكَ إِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَشَهِدَ آخَرَانِ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ يُقْضَى بِالزِّيَادِةَ.
(باب: إذا شَهِدَ شاهدٌ)، ثم قال: (يُحكَم بقول مَن شَهِد).
стр. 3750
تقدَّم هذا في (باب: العُشر) من (الزكاة).
(الحُميدي) بضم المُهملة.
(الفضل) بإعجام الضَّاد.
(صلى ولم يصل) لم يَتنافَيا؛ لأنَّ معنى: لم يُصَلِّ: لم يعلَم أنَّه صلَّى، ولعلَّ الفضْل كان مشتغِلًا بالدعاء ونحوه، فلم يَرَه يُصلِّي، ونفاه عمَلًا بظنِّه، وأخذ النَّاس بشهادة بلال؛ لأن فيها زيادةَ عِلْمٍ.
وإطلاق الشهادة على إخباره يجوز، كما مرَّ في (الزكاة)، في (باب: العُشر فيما يُسقى من السَّماء).
(يقضي) من القَضاء، أي: يحكم بالزِّيادة أيضًا؛ لأنَّ عدَم عِلْم الغير لا يُعارض علْمَ من عَلِمَه، وفي بعضها: (يُعطي).
* * *
٢٦٤٠ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ: أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً لأَبِي إِهَابِ بْنِ عَزِيزٍ، فَأَتَتْهُ امْرَأةٌ فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي تَزَوَّجَ، فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي وَلَا أَخْبَرْتِنِي، فَأَرْسَلَ إِلَى آلِ أَبِي إِهَابٍ يَسْأَلهُمْ، فَقَالُوا: مَا عَلِمْنَا أَرْضَعَتْ صاحِبَتَنَا، فَرَكِبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ فَسَأَلهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ"؟ فَفَارَقَهَا، وَنكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ.