(وكان الحسن) وصلَه ابن أبي شَيْبة من طريق يونسُ بن عُبَيد، عنه قال: لو أنَّ رجُلًا سَمِعَ مِن قومٍ شيئًا، فإنَّه يأتي القاضي فيقول: لم يُشهِدوني، ولكنْ سَمعتُ كذا وكذا، وهو تفصيلٌ حسَنٌ.
* * *
٢٦٣٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ سَالِمٌ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: انْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأُبَيُّ ابْنُ كَعْبٍ الأَنْصَارِيُّ يَؤُمَّانِ النَّخْلَ الَّتِي فِيهَا ابْنُ صَيَّادٍ، حَتَّى إِذَا دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ طَفِقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ، وَهْوَ يَخْتِلُ أَنْ يَسْمَعَ مِنِ ابْنِ صَيَّادٍ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ، وَابْنُ صَيَّادٍ مُضْطَجعٌ عَلَى فِرَاشِهِ في قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا رَمْرَمَةٌ -أَوْ زَمْزَمَةٌ-، فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ النَّبِيَّ ﷺ وَهْوَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ، فَقَالَتْ لاِبْنِ صَيَّادِ: أَيْ صَافِ! هَذَا مُحَمَّدٌ، فتنَاهَى ابْنُ صَيَّادٍ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ".
الحديث الأول:
(يَخْتِل) بكسر الفَوقانيَّة، أي: يَطلُب مِن حيث لا يَشعُر ابنَ صيَّادٍ مستغفلًا له؛ ليَسمَع شيئًا من كلامه الذي يتكلَّم به في خَلْوته حتى يُظهِر للصَّحابة أنَّه كاهِنٌ، ونحوه.
(قطيفة) كساءٌ له خَملٌ.
(رمرمة) بالرَّاء، وكذا بالزَّاي: الصَّوت الخَفيُّ، وحرَكة الفَمِ
стр. 3747
بالكلام من غير أن يتكلَّم.
(أي) حرف نداءٍ.
(صاف) بالمهملَة، والفاء المَضمومة والمكسورة والسَّاكنة: اسمُ ابن صَيَّاد.
(فتناهى)؛ أي: كَفَّ، وتَناهى الماءُ: إذا وقَف في الغَدير وسكَن.
(لو تركته)؛ أي: أُمّه بحيث لا يَعرِفُ قُدومَ رسول الله ﷺ ، فلم يندَهِشْ عنه؛ بيَّن لكم باختلافِ كلامه ما يُهوِّن عليكم شَأْنَه، مرَّ في (كتاب الجنائز)، في (باب: إذا أسلَم الصبيُّ).
قال المُهلَّب: فيه جَواز الاحتِيال على المُستَسِرِّين بالفِسق، وجُحود حقٍّ حتى يُسمَع منهم ما يَستَسِرُّون به، ويُحكَم عليهم، ولكن بعد أن يفهم عنهم فهمًا بيِّنًا.
* * *
٢٦٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: جَاءَتِ امْرَأةُ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ، فَطَلَّقَنِي فَأَبَتَّ طَلَاقِي، فتزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ، إِنَّمَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، فَقَالَ: "أتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ".
стр. 3748
وَأَبُو بَكْرٍ جَالِسٌ عِنْدَهُ، وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بِالْبَابِ يَنتظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ! أَلَا تَسْمَعُ إِلَى هَذِهِ مَا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ النَّبِي ﷺ ؟
الثاني:
(رِفاعة) بكسر الراء.
(القُرَظي) بضم القاف، وفتح الرَّاء، ثم معجمة، واسم المرأة: تَميْمَة -بفتح الفَوقانية- بنْت وَهْب.
(فأبتَّ)؛ أي: قطَع لها قَطْعًا كُليًّا يُحصِّل البَينونةَ الكُبرى.
(عبد الرحمن بن الزَّبِير) بفتح الزاي، وكسر الموحَّدة، ابن بَاطَا -بالموحَّدة، والمهملة، بلا مدٍّ، ولا همزٍ- القُرَظي.
(هدبة الثوب) هي ما على أَطرافه من الخَمل، كأنها ادَّعت عليه العُنَّة، وأرادتْ أن متاعه رخْوٌ كطرَف الثَّوب لا يُغني عنها شيئًا.
(ترجعي) في بعضها: (تَرجِعينَ) بالنُّون، وهي لُغة مَن يرفع الفعل بعد: أنْ حَمْلًا على: ما أُختِها، كقراءة مجاهد: (لمن أراد أن يُتمُّ الرضاعة) [البقرة: ٢٣٣] بضمِّ الميم.
قال (ط): كنَّى بالعُسَيْلة عن لَذَّة الجِماع، تصغير العسَل، يُقال: يُؤنَّث العسَل في بعض اللُّغات، ويحتمل أن يكون التأنيث باعتبار الوَقْعة الواحدة التي تَحِلُّ بها للزَّوج الأول.
стр. 3749
قال (ن): قيل: أنَّث العُسَيلة على إرادة النُّطْفة، وضُعِّف؛ لأن الإنْزال لا يُشتَرط؛ وشرَطَه الحسَن البصريُّ، وجعلَه حقيقةَ العُسَيلة.
وقال الجمهور: بدُخول الذَّكر تحصل اللَّذَّة المُرادة من العُسيلة، وقيل: أراد قِطْعةً من العسَل، وصغَّره إشارةً إلى أن العَدد القليل هو أقلُّ ما يحصل به الحِلُّ.
قال المُهلَّب: وفيه جواز الشَّهادة على غير الحاضِر؛ لأنَّ خالدًا سمع قولَها من وراء الباب، وأنكَر عليها ولم يُنكَر عليه، وفيه إنكارُ الهُجر من القَول إلا في حقٍّ لا بُدَّ له من البَيان عند الحاكم.
* * *
٤ - بابٌ إِذَا شَهِدَ شَاهِدٌ أَوْ شُهُودٌ بشَيْءٍ، فقال آخَرُونَ: مَا عَلِمْنَا ذلِكَ، يُحْكَمُ بِقَوْلِ مَنْ شَهِدَ
قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: هَذَا كمَا أَخْبَرَ بِلَالٌ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى في الْكَعْبَةِ، وَقَالَ الْفَضْلُ: لَمْ يُصَلِّ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِشَهَادَةِ بِلَالٍ.
كَذَلِكَ إِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَشَهِدَ آخَرَانِ بِأَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ يُقْضَى بِالزِّيَادِةَ.
(باب: إذا شَهِدَ شاهدٌ)، ثم قال: (يُحكَم بقول مَن شَهِد).
стр. 3750
تقدَّم هذا في (باب: العُشر) من (الزكاة).
(الحُميدي) بضم المُهملة.
(الفضل) بإعجام الضَّاد.
(صلى ولم يصل) لم يَتنافَيا؛ لأنَّ معنى: لم يُصَلِّ: لم يعلَم أنَّه صلَّى، ولعلَّ الفضْل كان مشتغِلًا بالدعاء ونحوه، فلم يَرَه يُصلِّي، ونفاه عمَلًا بظنِّه، وأخذ النَّاس بشهادة بلال؛ لأن فيها زيادةَ عِلْمٍ.
وإطلاق الشهادة على إخباره يجوز، كما مرَّ في (الزكاة)، في (باب: العُشر فيما يُسقى من السَّماء).
(يقضي) من القَضاء، أي: يحكم بالزِّيادة أيضًا؛ لأنَّ عدَم عِلْم الغير لا يُعارض علْمَ من عَلِمَه، وفي بعضها: (يُعطي).
* * *
٢٦٤٠ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ: أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً لأَبِي إِهَابِ بْنِ عَزِيزٍ، فَأَتَتْهُ امْرَأةٌ فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي تَزَوَّجَ، فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي وَلَا أَخْبَرْتِنِي، فَأَرْسَلَ إِلَى آلِ أَبِي إِهَابٍ يَسْأَلهُمْ، فَقَالُوا: مَا عَلِمْنَا أَرْضَعَتْ صاحِبَتَنَا، فَرَكِبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ فَسَأَلهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ"؟ فَفَارَقَهَا، وَنكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ.
стр. 3751
(حِبَّان) بكسر المهملَة، وشدَّة الموحَّدة.
(عُقْبة) بضم المُهملَة، وسُكون القاف.
(إهاب) بكسر الهمزة.
وجه مُطابقة حديثِه للتَّرجمة: أنَّه ﷺ رتَّب على قَول المثبتةِ للرَّضاع إرشادَه للفِراق، وإلزامَه بالورَع، ولولا ذلك لأبقَى النِّكاحَ على ما كان تغليبًا لقَول النَّافي، وجوَّز أحمد الحُكْم في الرَّضاع بشَهادة المُرضِعة وحدها.
(ابن عزيز) بضم العين المهملة، وزايَين معجمتين، وهو الصَّواب، وممن قيَّده الأمير أبو علي الغَسَّاني، بخلاف ما ضبَطه أبو ذَرٍّ عن الحمُّوِي، والمُستَمْلِي.
* * *
٥ - بابُ الشُّهَدَاءِ الْعُدُولِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وَ ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾.
(باب الشُّهَداء العُدول)
٢٦٤١ - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُتْبَةَ
стр. 3752
قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ: إِنَّ أُنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بِالْوَحْيِ في عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وإِنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، وإِنَّمَا نَأْخُذُكُمُ الآنَ بِمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْرًا أَمِنَّاهُ وَقَرَّبْنَاهُ، وَلَيْسَ إِلَيْنَا مِنْ سَرِيرَيهِ شَيْءٌ، اللهُ يُحَاسِبُهُ في سَرِيرَتهِ، وَمَنْ أَظْهَرَ لَنَا سُوأً لَمْ نَأْمَنْهُ وَلَمْ نُصَدِّقْهُ، وَإِنْ قَالَ: إِنَّ سَرِيرَتَهُ حَسَنةٌ.
(بالوحي) يعني: كان الوحي يكشِف عن سَرائر الناس في بعض الأوقات.
(أمِناه) بهمزةٍ مقصورةٍ، وميمٍ مكسورةٍ، أي: جعلناه آمنًا من الشَّرِّ، مُشتَقٌّ من الأَمان.
(قربناه)؛ أي: عظَّمناه وكرَّمناه.
(سريرته) السِّرِّ الذي يُكتَم، أي: نحن نحكُم بالظَّاهر.
(سوءًا)، في بعضها: (شرًّا).
* * *
٦ - بابُ تَعْدِيلِ كَمْ يَجُوزُ
(باب: تَعديلُ كَم يَجُوز؟)
قال (ط): اختلفوا في عدد المعدِّلين، فمالكٌ والشَّافعي لا يقبل في الجَرْح والتعديل أقلَّ من رجلَين، وأبو حنيفة يَقبل تعديلَ الواحد
стр. 3753
في جَرحهِ، وقال في الحديث السابق: المَرفوع منه الإخبار عما كان الناس يأخُذون به على عَهْد رسول الله ﷺ ، وبقيَّة الخبر بَيانُ ما يَستعمله النَّاس بعد انقِطاع الوَحي بوَفاته.
وفيه أنَّ مَن أظهَر الخَيْر فهو العدل الذي يجب قَبول شَهادته.
قال: واتفق مالكٌ، والشَّافعي، والكوفيون على أنَّ الشُّهود اليوم على الجَرح حتى تثبُتَ العَدالة، بخلاف عَهْد رسول الله ﷺ ، وقال أبو حنيفة: إلا شُهود النِّكاح، فإنَّهم على العَدالة.
قال: وهو تحكُّمٌ.
* * *
٢٦٤٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ ثَابِثٍ، عَنْ أَنسٍ ﵁، قَالَ: مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِجَنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ: "وَجَبَتْ"، ثُمَّ مُرَّ بِأُخرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا -أَوْ قَالَ غير ذَلِكَ- فَقَالَ: "وَجَبَتْ"، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! قُلْتَ لِهَذَا: وَجَبَتْ، وَلِهَذَا: وَجَبَتْ؟ قَالَ: "شَهَادَةُ الْقَوْمِ، الْمُؤْمِنُونَ شُهَدَاءُ اللهِ في الأَرْضِ".
الحديث الأول:
(عليها شرًّا) الثَّناء: هو الذِّكر بالخَير، فاستِعماله في الشَّرِّ لتَجانُس الكلام مُشاكلةً.
стр. 3754
(لهذا)؛ أي: للثَّناء بالخَيْر وجبَتْ له الجنَّة، وللثَّناء بالشرِّ وجبَت النار.
(شهادة القوم المؤمنين) ضبطه بعضهم: (شهادةُ) بالرَّفْع، خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هي، ثم استأنفُ فقال: شُهداءُ الله في الأرض، وضبَطه بعضُهم: (شهادةُ القَومِ) على الإضافة، وكذا الأَصِيْلِي، فالمُؤمنون: رفعٌ بالابتداء، شهادةُ: خبَره، والقَوم: خفْضٌ بالإضافة، و (شَهادةُ) على هذا: خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: سبَبُ قَول هذا شَهادةُ القَوم، ورواه بعضُهم: (المُؤمنون)، نعتٌ للقَوم، ويكون: شُهداء على هذا خبر مبتدأ محذوفٍ، أي: هم شُهداء اللهِ، ويصحُّ نصب شهادة بمعنى: مِن أجْل شَهادةِ القَوم، ومَن رَوى: (القَومُ) مرفوعًا كان مبتدأً، فالمؤمنون وصفهم، هذا كلام (ع).
قال السُّهَيلي: إنْ كانت الرِّواية بتَنوين الشَّهادة، فهو على إضمار المبتدأ، أي: هي شَهادةٌ، و (القَومُ) رفع بالابتداء، و (المؤمنون) نعتٌ له، أو بدَلٌ، وما بعده خبرٌ، وضُعِّف؛ بأن المَعهود من كلام النبوَّة حَذْف المَنعوت نحو: "المُؤمنون تَتكافَأُ دِماؤُهم"، و"المُؤمنون هيِّنُون ليِّنُون"، و"المُؤمنُ غِرٌّ كريمٌ"؛ لأن الحُكم يتعلَّق بالصِّفة، فلا معنَى للمَوصوف.
قال: ويحتمل وجْهًا آخَر: أنْ يَرتفع القَوم بالشَّهادة؛ لأنها مصدرٌ، ويَرتفعَ المؤمنون بالابتداء؛ إذ قد أجازوا إعمال المصدر عمَل الفعل، فلا بُعد في عمله هنا في القوم منونًا، كما تقول: يُعجبني ضربُ زيدٍ عَمرًا.
(خيرًا) بالنَّصب صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أو منصوبٌ بنَزْع الخافِض.
* * *
٧ - بابُ الشَّهَادَة عَلَى الأَنسَابِ، وَالرَّضَاعِ الْمُسْتَفِيضِ، وَالْمَوْتِ الْقَدِيمِ
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ".
وَالتَّثبُّتِ فِيهِ.
(باب الشَّهادة على الأَنْساب)
(الرَّضاع) بفتح الراء.
(القديم)؛ أي: العَتيق الذي تَطاول الزَّمان عليه.
(وقال النبي ﷺ ) هو طرَفٌ من حديثٍ وصَلَه في (الرَّضاع)، من حديث أُم حَبِيْبة بنت أبي سُفيان.
(أبا سَلَمَة) بفتح اللام: ابن عبْدِ الأَسَد المَخْزُومي، أسلَم وهاجر مع زوجته أُم سَلَمَة، ومات سنة أربع، فتزوَّجها رسول الله ﷺ .
(ثُويبة) بالمثلَّثة، ثم موحَّدة، مصغَّر: مولاةُ أبي لَهَب، أرضعَتْ أولًا حمزة، وثانيًا رسولَ الله ﷺ ، وثالثًا أبا سلَمَة.
* * *
стр. 3757
٢٦٤٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا الْحَكَمُ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ أَفْلَحُ، فَلَمْ آذَنْ لَهُ، فَقَالَ: أتحْتَجِبِينَ مِنِّي وَأَنَا عَمُّكِ؟ فَقُلْتُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: أَرْضَعَتْكِ امْرَأةُ أَخِي بِلَبَنِ أَخِي، فَقَالَتْ: سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "صَدَقَ أَفْلَحُ، ائْذَنِي لَهُ".
الحديث الأول:
(الحكم) بفتح الكاف: ابن عُتَيبة، مصغَّر العتَبة، فِناء الدَّار.
(عِرَاك) بكسر المهملة، وخفَّة الرَّاء، وبالكاف، الغِفَاري، مرَّ في (الصلاة).
(أفْلَح) بفتح الهمزة، وسُكون الفاء، وفتح اللام، وبالمُهملة: أبو الجَعْد، أخو أَبي القُعَيْس، بضم القاف، وفتح المُهملة، وآخره مهملةٌ.
وفيه إثبات التَّحريم بلَبَن الفَحْل، وأنَّ زَوج المُرضِعة بمنْزلة الوالد للرَّضيع، وأخاه بمنزلة العَمِّ.
قال (ط): اللَّفظ عامٌّ، ومعناه خاصٌّ، وتفصيله: أنَّ الرَّضاع يَجري عُمومه في تحريم نكاح المرضِعة وذوي أرحامها على الرَّضيع مَجرى النَّسَب، ولا يجري في الرَّضيع وذوي أرحامه مَجراه، وذلك أنَّه إذا أرضعتْه صارتْ أُمًّا له، يحرم عليه نكاحها، ونكاح مَحارمها، وهي لا تحرم على أبيه، ولا على ذوي أنْسابه غيرِ أولاده، فيجري
وزِيَاد ليس له صُحبةٌ ولا روايةٌ، وكان من دُهاةِ العرَب وفُصحائهم، مات سنة ثلاثٍ وخمسين.
(بعض الناس)؛ أي: الحنفيَّة، وغرَضه بَيان تَناقُض قولهم، فلم يُجوِّزوا شَهادة القاذِف، وصحَّحوا النكاح بشهادته، والتحكُّم حيث جوَّزوا شَهادة المَحدود، ولم يُجوِّزوا شهادة العبد، مع أنَّهما عندهم ناقِصان، وحيث خصَّصوا شَهادة الهلال من بين سائِر الشَّهادات.
قال (ط): ذَكَر قولَ أبي حنفية ليُلزمَه التَّناقُضَ في إجازته النكاح بشهادة مَحدودَين.
قال: وقال أبو حنيفة: لا تُقبَل شهادة القاذف أبدًا وإنْ تابَ، وأما المَحدود بالزِّنا، والسَّرِقة، والخمر؛ فإذا تابوا قُبلتْ شهادتهم، وقال: الاستِثناء في قوله تعالى: ﴿إلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٥] راجعٌ إلى الفِسق خاصةً، وقال الشَّافعي: راجعٌ إلى قَبول الشَّهادة أيضًا، والخلاف معروفٌ في الأصول.
ثم إنَّ القياس على الزَّاني والقاتِل والشَّارب، بل على الكافر يقتضي القَبول؛ إذ التَّوبة تَمحو الكُفر، فما دُونه أَولى.
ثم إن عمرَ جلد القاذِفِين للمُغِيرة واستتَابهم، وقال: مَن تاب قُبلتْ شهادتُه، وأقرَّه الصَّحابة، ولو كان تأْويل الآية كما أوَّلَه الكوفيون لم يَسكتُوا، ولقالوا لعُمر: لا تَجوز شَهادة القاذِف.
(وكيف تعرف توبته) عطفٌ على المُترجَم عليه، وكثيرًا ما يفعل
стр. 3763
البُخاريُّ مثلَه، يُرْدِف ترجمةً على ترجمةٍ وإنْ بَعُدَ ما بينهما، فهو من جُملة التَّرجمة كترجمةٍ على شيءٍ آخر.
ثم بيَّن كيفية المعرفة بالتَّوبة بتغريبِ مَن يُغرَّب مدةً معلومةً، وبهجران الشَّخص مدةً معلومةً حتى تتحقَّق التوبة ويحسُن الحال، وهو معنى قول أصحابنا: لا بُدَّ مِن مدةِ الاستِبراء.
وقيل: أشار بذلك إلى أن التَّوبة تُعرف بالقَرَائن، وفي قصَّة كعبٍ دليل عليه؛ فإنه لم تُعرف توبتُه إلا بعد مدَّةٍ.
وأما مناسبة حديث السَّارقة فبقولها: (وحسُنَتْ توبتُها)، وحديث الزاني بقوله ﷺ في مَاعِزٍ: (التَّوبَة حصلتْ بالحَدِّ)، وهذا مثلُه.
(ونفي)؛ أي: غُربةٌ عن البلَد، هو طرَفٌ من حديث العَسِيْف، وهو في (النِّكاح)، وفي (الحُدود)، وغيرهما.
(ونهى) هو طرَفٌ من قصَّة تَوبة كعب في (المَغازي).
(وصاحبيه)؛ أي: مُرارَة بن الرَّبِيع، وهِلال بن أُميَّة؛ الثلاثةُ الذين خُلِّفوا في غزوة تَبوك، فالتخلُّف بغير إذْنه معصيةٌ كالسَّرِقة.
* * *
٢٦٤٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونس.
وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَني عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ في غَزْوَةِ الْفَتْح، فَأُتِيَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ
стр. 3764
أَمَرَ فَقُطِعَتْ يَدُهَا. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا وَتَزَوَّجَتْ، وَكَانَتْ تَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ .
(وقال الليث) وصَلَه أبو داود.
قال (ط): استدلَّ البخاري على أنَّه لا حاجةَ في التَّوبة إلى إكْذاب نفْسه، بأنه لم يشرط ذلك على الزَّاني في مدَّة التَّغريب، ولا على كعبٍ وصاحبيه في الخَمْسين، وبحديث عائشة على أنَّ السَّارق إذا تابَ وحسُن حالُه قُبلتْ شهادتُه، وبحديث زيد أنَّه لم يشترط على الزَّاني بعد الجلد والتَّغريب أن لا تُقبَل شهادته، ولو كان ذلك شَرطًا لذكَره.
* * *
٢٦٤٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ زيدِ بْنِ خَالِدٍ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : أَنَّهُ أَمَرَ فِيمَنْ زَنىَ وَلَمْ يُحْصِنْ بِجَلْدِ مئةٍ وتغريبِ عامٍ.
(لم يُحَصن) بفتح الصاد وكسرها.
وفيه أن التَّغريب لازمٌ شرعًا.
* * *
стр. 3765
٩ - بابٌ لَا يَشْهَدُ عَلَى شَهَادَةِ جَوْرٍ إِذَا أُشْهِدَ
٢٦٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵄ قَالَ: سَأَلتْ أُمِّي أَبِي بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ لِي مِنْ مَالِهِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَوَهَبَهَا لِي، فَقَالَتْ: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ النَّبِيَّ ﷺ . فَأَخَذَ بِيَدِي وَأَنَا غُلَامٌ، فَأَتَى بِيَ النَّبِي ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أُمَّهُ بِنْتَ رَوَاحَةَ سَأَلتْنِي بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ لِهَذَا، قَالَ: "أَلَكَ وَلَدٌ سِوَاهُ"؟ قَالَ: نعمْ، قَالَ: فَأُرَاهُ قَالَ: "لَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ". وَقَالَ أَبُو حَرِيزٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: "لَا أَشْهَدُ عَلَى جَورٍ".
(باب: لا يَشهَد على جَوْرٍ)
الحديث الأول:
(بدا)؛ أي: ظهَر، أي: نَدِمَ مما كان منَعه أولًا.
(بنت رَوَاحة) بفتح الراء، وخفَّة الواو، وبمهملةٍ، اسمها: عَمْرَة، وسبق الحديث في (باب: ما لا يُردُّ من الهديَّة).
(جور)؛ أي: مَيْل عن الاعتِدال، والمَكروه جَورٌ أيضًا، فلا يُؤخذ منه أنَّه حرامٌ، فقد قال الجُمهور بالجَواز.
* * *
стр. 3766
٢٦٥١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ زَهْدَمَ بْنَ مُضَرِّبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "خَيْرُكُمْ قَرْني، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونهمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونهمْ". قَالَ عِمْرَانُ: لَا أَدْرِي أَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدُ قَرْنينِ أَوْ ثَلَاثَةً؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ".
الثاني:
(جمرة) بالجيم، وبالراء، وفي الحديث: "إنَّ خير الأُمة الصَّحابة، ثُمَّ التابِعون، ثُمَّ تبَعُ التَّابعين".
(بعد قرنه) في بعضها: (بعدُ) مبنيًّا على الضمِّ على نيَّة الإضافة.
والقَرْنُ: أهل زمانٍ واحدٍ، أي: أهل عصر متقاربةٌ أسنانُهم، مشتقٌّ من الأقران في الأمر الذي يجمعُهم، وقيل: لا يكون قَرنًا حتى يكون في زمانٍ، أو رئيسٍ يجمعُهم على ملَّةٍ أو رأْيٍ، [أو مذهبٍ، قيل: سبعون سنةً، أو ثمانون سنةً، أو مائةٌ، أو مائةٌ وعشرون] (١)، والمُراد هنا الصَّحابة.
(قومًا) في بعضها: (قوم)، فيحتمل أنَّه منصوبٌ كُتب بلا ألفٍ بناءً على لُغة ربيعة، أو اسم إنَّ ضمير الشَّأْن محذوفٌ على ضَعْف.
стр. 3767
(ولا يؤتمنون)؛ أي: لا يثِق النَّاسُ بهم، ولا يَعتقدونَهم أُمَناء، أي: تكون لهم خِيانةٌ ظاهرةٌ بحيث لا يبقَى للناس اعتمادٌ عليهم.
(ويشهدون) يحتمل: يتحمَّلون بلا تحمُّلٍ، أو يُؤدُّون بلا طلَبٍ.
وشَهادة الحِسْبة وإنْ جاز تأديتُها بلا طلَبٍ لكنَّ المَذموم هنا المُراد عُموم شهادتهم في هذا وفي غيره، وقد جُمع بين هذا وبين حديث: "خَيْرُ الشُّهَداء الذي يَأْتي لشَهادتهِ قَبْل أن يُسألها"، فإنَّ ذاك في حُقوق اللهِ تعالى، وللذَّمِّ فيما كان في حُقوق الآدميين، وقيل: المَذموم الشَّهادة على الغَيب في أمرِ الخلْق، فيشهد لقَومٍ أنهم من أهل النَّار، ولغَيرهم بغير ذلك.
(وَيَنْذرُون) بفتح الباء، وكسر الذال المُعجمة وضمها، مِن النَّذْر الحامِل على نفْسك تبرُّعًا من عبادةٍ أو صدقةٍ.
ولا يُعارِض هذا حديثَ النَّهي عن النَّذْر، بل هو تأكيدٌ لأمره، وتحذيرٌ من التَّهاوُن به بعد إيجابه.
* * *
٢٦٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونهمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونهمْ، ثُمَّ يَجيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ".
قَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَكَانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ.
стр. 3768
الثالث:
(السمن) أي: يحبُّون التوسُّع في المآكل والمشارب، وهي أسباب السِّمَن، وفي الحديث: "يَكُونُ في آخِرِ الزَّمانِ قَومٌ يسمنون"، أي: يتكثَّرون بما ليس فيهم، ويدَّعون ما ليس لهم من الشَّرَف، وقيل: جمعهم الأموال، وقال المُهلَّب: معناه ليس لهم إلا كثْرة الأكل، ولا رغبةً لهم في الآخرة؛ لغلَبة شهَوات الدُّنيا عليهم.
قال: والشَّهادة المَذمومة أن يقول في اليَمين: أُشهِدُكما.
(وقال إبراهيم) النَّخَعي: (كانوا يضربوننَا على الشَّهادة)، أي: قَولِ الرَّجل: أشهَدُ بالله ما كان كذا، على معنى الحَلِف، فكُرِه ذلك كما كُرِه الحَلِف والإكثار منه؛ وإنْ كان صادقًا فيها، واليمين قد تُسَمَّى شهادةً، كما قال تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ﴾ [النور: ٦]، وقال إبراهيم: وكانوا يَنهوننَا ونحن غِلْمان أن نحلِف بالشَّهادة والعَهْد.
(تسبق) وجه تقدُّم الشَّهادة على اليمين وبالعكس أنَّه على حالَين، حتى لا يَلزم دَورٌ، أي: أنهم يحرِصون على الشَّهادة مَشغُوفين بترويجها، يحلِفُون على ما يَشهدون به، فتارةً يحلفون قبل أن يَأْتُوا بالشَّهادة، وتارةً بالعكس.
ويحتمل أن يكون مثلًا في سُرعة اليَمين والشَّهادة، وحِرْص الرجل عليها حتى لا يَدري بأيِّهما يَبتدئ، فكأنه يَسبِق أحدُهما الآخر من قِلَّة مبالاته بالدِّيْن.
стр. 3769
واحتجَّ به المالكيَّة في رَدِّ شَهادةِ مَن حلَف معها.
* * *
١٠ - بابُ مَا قِيلَ في شَهَادَةِ الزُّورِ
لِقَوْلِ اللهِ : ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾.
وَكِتْمَانِ الشَّهَادَةِ: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾.
﴿تَلْوُوا﴾ ألْسِنَتَكُمْ بِالشَّهَادَةِ.
(باب ما قِيْل في شَهادة الزُّور)
وهو وصفُ الشَّيء بخلافِ صِفَته، فهو تَمويهُ الباطِل بما يُوهِم أنَّه حقٌّ، والمراد به هنا الكَذِب.
(تلووا) من اللَّيِّ، وهو إشارةٌ إلى قوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [البقرة: ١٣٥] الآية، أي: إن تَلْوُوا ألسنتَكم بالشَّهادة، أو تُعرضوا عن أدائها؛ فإنَّ الله يُجازيكم عليه.
ولو فصَل البخاريُّ بين لفظ: (تلووا)، ولفظ: (ألسنتكم)، بمثل: أي، أو يعني؛ لتَمييز القُرآن عن كلامه = كان أَولى.
* * *
стр. 3770
٢٦٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ وَهْبَ بْنَ جَرِيرٍ، وَعَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ إِبْرَاهِيمَ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنسٍ، عَنْ أَنسٍ ﵁، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيّ ﷺ عَنِ الْكَبَائِرِ، قَالَ: "الإشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ".
تَابَعَهُ غُنْدَرٌ، وَأَبُو عَامِرٍ، وَبَهْزٌ، وَعَبْدُ الصَّمَدِ، عَنْ شُعْبَةَ.
الحديث الأول:
(العقوق) من العَقِّ، وهو القَطْع، ومعناه: كلُّ ما تأَذَّى به الوالدان، وليس فعلُه واجبًا، فطاعتُهما واجبةٌ فيما ليس بمعصيةٍ، ومخالفةُ أمرهما فيه عُقوقٌ.
أما تعريف الكبيرة فقد سبَق الخِلاف فيه في (باب: الاستِبراء من البَول)، وما ورد من الأعداد فيها، فلا تعارُض فيه لعدَم اعتِبار مفهوم العدَد، وإنما خصَّص هذه الأربعة بالذِّكر هنا؛ لأنها أكبرُها، للحديث الآتي، ولأن الله تعالى أوْعَدَ على القتْل بما أوْعَدَ على الشِّرك حيث قال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] الآية.
(تابعه غُنْدَر) موصولٌ في (الأدب).
(وأبو عامر)؛ أي: عبد الملك العَقَدي، وصَلَه ابن مَنْدَه في كتاب "الإيمان".
(وبهز) وصلَه أحمد.
(عبد الصمد) موصولٌ في (الدِّيَات).
* * *
стр. 3771
٢٦٥٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ"؟ ثَلَاثًا. قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "الإشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ"، وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ: "أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ"، قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ. وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ.
الحديث الثاني:
(جلس)؛ أي: للاهتمام بهذا الأمر، وهو يُفيد تأكيد تَحريمه، وعظم قُبْحه.
(ليته) إنَّما تمنَّوا ذلك خَوفًا على النبيِّ ﷺ ، وكراهةً لمَا يُزعجه.
وكون غيرِ الشِّرك من الأمرَين الأخيرَين من أكبر الكبائر؛ لأنهما يُشبهانه من حيث إنَّ الأب سبَبُ وجود الولَد ظاهرًا، وهو يُرَبِّيه، ومن حيث إنَّ الزُّور يُثبت الحقَّ لغير مستحِقِّه، ولذلك ذكرهما الله تعالى في سِلْكه حيث قال: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠].
أما كِتْمان الشَّهادة المذكور في التَّرجمة فليس صَريحًا في هذَين الحديثَين، لكن عُلم من القياس عليه؛ لأنَّ تحريم شَهادة الزُّور لإبطال الحقِّ، والكِتْمان يُبطله أيضًا.
(وقال إسماعيل) موصولٌ في (باب: استِتابة المرتدِّين).
* * *
(تجوز فيه) مبنيٌّ للمفعول، أي: خُفِّف فيه، ومراده: يُسامح في شَهادة الأعمى في بعض الأشياء التي تَليق بالمسامحة والتَّخفيف.
(أكنت ترده)؛ أي: لا تردُّه، مع [أن] ابن عبَّاس كان أعمى، وكان ابن عبَّاس يَبعث رجلًا يتفحَّص عن غَيبوبة الشَّمس، فإذا أخبره بها أفطر.
ووجه تعلُّق هذا بالتَّرجمة: بَيان قَبول الأعمى قَولَ الغَير في الغُروب والطُّلوع، أو بيان أمْرِ الأعمى غيرَه.
(فإنك مملوك ما بقي عليك شيء)؛ أي: من مال الكِتابة، وقد استُشكل هذا بأنَّه كان مُكاتبًا لميمونة لا لعائشة؛ فيُؤوَّل إما أنَّ: (على) في: (استأذنت على عائشة)؛ بمعنى: (مِن)، أي: استأذنتُ منها، أي: استفتيتُها في الدُّخول على مَيمونة فقالت ذلك، أو كان من مذهب عائشة أن النَّظَر إلى العبد الأجنبيِّ حلالٌ، أو يُمنَع كونه مُكاتبًا لغير عائشة.
(منتقبة) من الانتِقاب، وفي بعضها: مِن التَّنقُّب، أي: ذات نِقاب.
* * *
٢٦٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونس، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: سَمعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَقْرَأُ فِي الْمَسْجدِ فَقَالَ: "﵀، لَقَدْ أَذْكَرَنِي
стр. 3774
كَذَا وَكَذَا آيَةً، أَسْقَطْتُهُنَّ مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا".
وَزَادَ عَبَّادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَائِشَةَ: تَهَجَّدَ النَّبِيُّ ﷺ في بَيْتِي، فَسَمِعَ صَوْتَ عَبَّادٍ يُصَلِّي في الْمَسْجدِ، فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ" أَصَوْتُ عَبَّادٍ هَذَا"؟ قُلْتُ: نعمْ، قَالَ: "اللهُمَّ ارْحَمْ عَبَّادًا".
الحديث الأول:
(وزاد عَبَّاد) وصَلَه أبو يَعلى في "مسنده" وهو ابن عبد الله بن الزُّبَير بن العوَّام، التَّابعي، وهو غير عَبَّاد بن بِشْر الأَنْصاري الصَّحابي، وإنْ أوهَم كلامُ البُخَارِيّ أنهما واحدٌ.
وفي بعض النُّسخ: (فسَمِعَ صوتَ عَبَّاد بن تميم) وهو سهوٌ.
وفيه جواز رَفْع الصَّوت في المَسجِد بالقراءة في اللَّيل، والدُّعاء لمن أصابَ الإنسانُ من جهته خيرًا وإنْ لم يقصِدْه ذلك الإنسانُ، وجواز النِّسيان عليه ﷺ فيما قد بلَّغَه للأُمة.
* * *
٢٦٥٦ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَالِم بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ، أَوْ قَالَ: حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ". وَكَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ رَجُلًا أَعْمَى، لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَقُولَ لَهُ النَّاسُ: أَصبَحْتَ.
٢٦٥٩ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ. وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ، أَوْ سَمِعْتُهُ مِنْهُ: أنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إِهَابٍ، قَالَ: فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَأَعْرَضَ عَنِّي، قَالَ: فتنَحَّيْتُ، فَذَكرْتُ ذَلِكَ لَهُ، قَالَ: "وَكَيْفَ وَقَدْ زَعَمَتْ أَنْ قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا"؟ فَنَهَاهُ عَنْهَا.
(أَمة سوداء) قال الإِسْمَاعيلي في "مُستخرَجه" بعد أن روى الحديث مِن حديث عُمر بن سَعيد، عن ابن أبي مُلَيْكَة: حَدَّثني عُقْبة ابن الحارِث قال: تَزوَّجتُ ابنةَ أبي إهابٍ، فلمَّا كانت صَبيحة ملْكِها جاءتْ مولاةٌ لأهل مكَّة فقالتْ: إنِّي قد أَرضعتُكما، قال عُقبة: فركبتُ إلى النَّبيِّ ﷺ وهو بالمَدينة، فذكرتُ ذلك له، وقلتُ: وسألتُ أهل الجَارية فأَنكَروا، فقال: "كَيفَ وقَدْ قِيْل؟ "، ففارقَها، ونكَحت غيرَه.
قال: فمِن حيث صحَّح البُخَارِيّ حديثَ ابن جُرَيج عن ابن أبي مُلَيْكة، فقد صحَّ حديث عُمَر بن سَعيد عنه، وهو يروي: (مولاةً لأهل مكة)، وقد يُدْعى بهذا الاسم مَن كانت حرَّةً، وعليها الوَلاء؛ لأنه يُريد تَحقيرها وتَصغيرها.
(فتحينت)؛ أي: انتظَرتُ حين الكلام ووقتَه طالبًا للفُرصَة، وفي بعضها: (تنَحَّيْتُ).
стр. 3778
(فنهاه)؛ أي: نهيَ تنْزيهٍ.
* * *
١٤ - بابُ شَهَادَةِ الْمُرْضِعَةِ
(باب شَهادة المُرضِعة)
٢٦٦٠ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "وَكيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟ دَعْهَا عَنْكَ"، أَوْ نَحْوَهُ.
(دعها)؛ أي: اترُكْها بعيدةً متجاوزةً.
(عنك) ومرَّ الحديث في (باب: الرِّحلة في طلَب العِلْم).
(حديث الإفك) أصل معناه الكَذِب، والمراد الكَذِب على عائشة ﵂، وكانت قصَّتُها في غَزوة المُريسِيع، قيل: في رمضان سنة ستٍّ، وسيأتي في ذلك إشكالٌ في ذكر سَعْد بن مُعاذ فيه.
* * *
١٥ - بابُ تَعْدِيلِ النِّسَاءِ بَعْضِهِنَّ بَعْضًا
٢٦٦١ - حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، وَأَفْهَمَنِي بَعْضَهُ
كَانَ يُجْرِي عَلَيهِ. وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْأَلُ زَينَبَ بِنْتَ جَحْشٍ عَنْ أَمْرِي، فَقَالَ: "يَا زينَبُ! مَا عَلِمْتِ؟ مَا رَأَيْتِ"؟ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، وَاللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إلا خَيْرًا، قَالَتْ: وَهْيَ الَّتي كَانَتْ تُسَامِينِي، فَعَصَمَهَا اللهُ بِالْوَرعِ.
٢٦٦١ / -م - قَالَ: وَحَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِم بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، مِثْلَهُ.
(باب تَعديل النِّساءِ بعضِهنَّ بعضًا)
(وأفهمني) عدَلَ عن: حدَّثني أو أخبرني؛ للإشعار بأنه فَهَّمه بعض معاني الحديث ومقاصدَهُ لا لفظَه.
(أَحْمد) في بعض النسخ: (أَحْمد بن يونسُ)؛ أي: شيخ الإِسلام.
(طائفة)؛ أي: بعضًا.
(أوعى)؛ أي: أحفَظ وأحسَن إيرادًا، وسَرْدًا للحديث، لا يُقال: بين قَوله أوَّلًا: (كلُّهم حَدَّثني طائفةً)، وثانيًا: (وعَيتُ عن كلٍّ منهم الحديثَ) تَنافٍ؛ لأن المراد بالحديث البعض الذي حدَّثه منه، فإنَّ الحديث يُطلَق على الكُلِّ والبعض.
وهذا الذي فعلَه الزُّهْرِيّ مِن جمْعه الحديثَ عنهم جائزٌ بلا
стр. 3785
كراهةٍ؛ لأنَّ الكلَّ أئمةٌ حفَّاظٌ ثقاتٌ على شَرْط البُخَارِيّ، وقد اتفَقوا على أنَّه لو قال: حدَّثني زيدٌ أو عمرو، وهما ثِقَتان جاز الاحتِجاج به.
(وبعض حديثهم) يُؤَول إلى أنَّ بعض مَن حدَّث يُصدِّق بعضًا، فنسبة التَّصديق للحديث لاستِلزامه ذلك.
(زعموا) سبَقَ مرَّاتٍ أن الزَّعم يُطلَق على القَول المُحقَّق، ونسبة الزَّعم إليهم؛ لأن بعضهم صرَّح بالبعض، وبعضُهم صدَّق الباقي، ولم يقُل صريحًا.
(أقرع) قال أبو عُبَيد: عَمِل بالقُرعة ثلاثةٌ من الأنبياء: يُونس، وزَكريا، ومحمَّد ﷺ ، فلا معنى لقَولِ مَن أبطلَها.
(فأيتهن) هو الوَجْه، ويُروى: (فأَيُّهنَّ).
(الحجاب)؛ أي: آيةُ الحِجَاب.
(هَوْدجَ) هو القُبَّة التي تُحمل فيها المرأة، وهي الخِدْر، وهو بفتح الهاء، والدال، والجيم.
(وقفل): رجَعَ.
(آذن) من الإيذان، أو مِن التَّأْذين، أي: أَعلَم.
(بالرحيل) مَن نَصَبَ، وأسقَط الباء؛ فهو إغراءٌ مَحكيٌّ.
(قضيت شأني)؛ أي: قَضاء الحاجَة، يُكنى بذلك عَمَّا يُستقبَح ذِكرُه.
(الرحل) مَتاع المُسافِر، ومَحِلُّه.
(عِقد) بكسر العَين، أي: قِلادةٌ.