كَانَ يُجْرِي عَلَيهِ. وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْأَلُ زَينَبَ بِنْتَ جَحْشٍ عَنْ أَمْرِي، فَقَالَ: "يَا زينَبُ! مَا عَلِمْتِ؟ مَا رَأَيْتِ"؟ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، وَاللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إلا خَيْرًا، قَالَتْ: وَهْيَ الَّتي كَانَتْ تُسَامِينِي، فَعَصَمَهَا اللهُ بِالْوَرعِ.
٢٦٦١ / -م - قَالَ: وَحَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ. قَالَ: وَحَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِم بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، مِثْلَهُ.
(باب تَعديل النِّساءِ بعضِهنَّ بعضًا)
(وأفهمني) عدَلَ عن: حدَّثني أو أخبرني؛ للإشعار بأنه فَهَّمه بعض معاني الحديث ومقاصدَهُ لا لفظَه.
(أَحْمد) في بعض النسخ: (أَحْمد بن يونسُ)؛ أي: شيخ الإِسلام.
(طائفة)؛ أي: بعضًا.
(أوعى)؛ أي: أحفَظ وأحسَن إيرادًا، وسَرْدًا للحديث، لا يُقال: بين قَوله أوَّلًا: (كلُّهم حَدَّثني طائفةً)، وثانيًا: (وعَيتُ عن كلٍّ منهم الحديثَ) تَنافٍ؛ لأن المراد بالحديث البعض الذي حدَّثه منه، فإنَّ الحديث يُطلَق على الكُلِّ والبعض.
وهذا الذي فعلَه الزُّهْرِيّ مِن جمْعه الحديثَ عنهم جائزٌ بلا
стр. 3785
كراهةٍ؛ لأنَّ الكلَّ أئمةٌ حفَّاظٌ ثقاتٌ على شَرْط البُخَارِيّ، وقد اتفَقوا على أنَّه لو قال: حدَّثني زيدٌ أو عمرو، وهما ثِقَتان جاز الاحتِجاج به.
(وبعض حديثهم) يُؤَول إلى أنَّ بعض مَن حدَّث يُصدِّق بعضًا، فنسبة التَّصديق للحديث لاستِلزامه ذلك.
(زعموا) سبَقَ مرَّاتٍ أن الزَّعم يُطلَق على القَول المُحقَّق، ونسبة الزَّعم إليهم؛ لأن بعضهم صرَّح بالبعض، وبعضُهم صدَّق الباقي، ولم يقُل صريحًا.
(أقرع) قال أبو عُبَيد: عَمِل بالقُرعة ثلاثةٌ من الأنبياء: يُونس، وزَكريا، ومحمَّد ﷺ ، فلا معنى لقَولِ مَن أبطلَها.
(فأيتهن) هو الوَجْه، ويُروى: (فأَيُّهنَّ).
(الحجاب)؛ أي: آيةُ الحِجَاب.
(هَوْدجَ) هو القُبَّة التي تُحمل فيها المرأة، وهي الخِدْر، وهو بفتح الهاء، والدال، والجيم.
(وقفل): رجَعَ.
(آذن) من الإيذان، أو مِن التَّأْذين، أي: أَعلَم.
(بالرحيل) مَن نَصَبَ، وأسقَط الباء؛ فهو إغراءٌ مَحكيٌّ.
(قضيت شأني)؛ أي: قَضاء الحاجَة، يُكنى بذلك عَمَّا يُستقبَح ذِكرُه.
(الرحل) مَتاع المُسافِر، ومَحِلُّه.
(عِقد) بكسر العَين، أي: قِلادةٌ.
стр. 3786
(جَزْع) بفتح الجيم، وسُكون الزاي: الخَرَز اليَمَاني، وهو الذي فيه سوادٌ وبياضٌ.
(أظفار) كذا الرِّواية بالهمزة، وقال (خ)، وغيره: الصَّواب: ظَفَارِ، بفتح الظاء، وكسر الراء، مبنيٌّ، كحَذَامِ، مدينةٌ باليمَن يُنسب إليها الجَزْع، وكذا ذكَرهُ البُخَارِيّ في (كتاب المَغازي)، فما هنا وَهمٌ.
وبعضهم وجَّه الأوَّل بأنَّ الأَظْفار عُودٌ طيِّبُ الرِّيح، فجاز أن يُجعَل كالخَرَز، فيُتحلَّى به؛ إما لحُسْن لَونه، أو طِيْب ريحه.
وقيل: الظُّفْر نَوعٌ من العِطْر، وقيل: هو ما اطمَأَنَّ من الأرض.
(يَرْحَلون) بفتح الياء، وتخفيف الحاء، قال (ع): رحَلْتُ البعير، مخفَّفًا، شدَدْتُ عليه الرَّحْل، وعند أبي ذَرٍّ: بضمِّ الياء، وتشديد الحاء، وكذا: (فرحلوه) بتشديد الحاء، لكنَّ المعروف التَّخفيف، وفي بعضها: (يَرحَلُون إليَّ)، وفي بعضها: (لي).
(لم يغشهن)؛ أي: لم يكُنَّ سَمينات، وفي روايةٍ في (المغازي): (لم يَهبُلهنَّ اللَّحم) بضم الباء وكسرها، أي: لم تَكثُر شُحومهنَّ عليهنَّ.
(العُلقة) بضم العين: البُلْغة، وأصله شجرٌ يَبقى في الشِّتاء تعلَق الإبلُ، أي: تَجتزئ به حتَّى تُدرِك الرَّبيعَ، ويُقال للعُلْقة أَيضًا: بُلْغةٌ من القُوت.
(فبعثوا)؛ أي: أَقاموه.
стр. 3787
(استمرّ) استَفْعَل مِن مَرَّ، ومنه شجَرٌ مُستمِرٌّ، أي: ذاهِبٌ.
(فأممت) بتشديد الميم، أي: قصَدتُ، وحكى السَّفَاقُسيُّ تخفيفَها.
(فظننت)؛ أي: علِمتُ.
(سيفقدوني) بنونٍ واحدةٍ، إما بحذف نونٍ أُخرى، وإما مشدَّدةٍ، ويُروى بنونيَن مَفكُوكًا.
(صَفوان بن المُعَطّل) بضم الميم، وفتح المهملة، وتشديد الطَّاء المهملة المفتوحة.
(السُلَمي) بضم المهملَة، وفتح اللام.
(الذكواني) بفتح المُعجَمة، كان رجُلًا خَيِّرًا فاضِلًا عَفيفًا، قُتِل في غَزاة أَرمينية شَهيدًا سنةَ تسعَ عشْرةَ.
(سواد)؛ أي: شخصَ.
(فاستيقظت)؛ أي: تنبَّهتُ من نَومي.
(باسترجاعه)؛ أي: بقوله: إنَّا للهِ وإنَّا إليه راجعون، فيحتمل أنَّه شَقَّ عليه ما جَرى عليها، أو يكون عدَّها مُصيبةً لمَا وقَع في نفسه أنَّه لا يَسْلَم من الكلام.
(فوطئ يَدَهَا)؛ أي: وَطِيء صَفوان يدَ الرَّاحلة ليَسهُل الرُّكوب عليها، ولا تحتاج إلى مساعدته إيَّاها.
(مُعرسين)؛ أي: نازِلين، فهو دليلٌ لقَول أبي زَيْدٍ: التَّعْرِيس هو
стр. 3788
النُّزول في أبِي وقْتٍ كان، وإنْ كان المَشهور أنَّه النُّزول آخِرَ اللَّيل.
(نحو الظهيرة)؛ أي: وقْت القائِلة وشِدَّة الحرِّ، والنَّحر: هو الأول والصَّدر، والمعنى: أنَّ الشَّمس إذا بلغَت مُنتهاها من الارتفاع فكأَنَّها وصلَتْ إلى النَّحر، وهو أعلى الصَّدر، والظَّهيرة شِدَّة الحرِّ.
(فهلك)؛ أي: ارتكَب سبَب الهلاك، وهو الإِفْك.
(تولى)؛ أي: تقلَّد، وتَصدَّى.
(أُبَيّ) بضم الهمزة، وفتح الموحَّدة، وتشديد الياء.
(بن) صفةٌ لعبد الله، فيُكتب بلا أَلْفٍ.
(سَلَول) بفتح المُهملة، وخفَّة اللام الأُولى، غير مُنصرِفٍ، علَمٌ لأُم عبد الله.
(يفيضون)؛ أي: يُشيعون الحديثَ، مِن الإفاضَة، وهو التَّكثير، والتَّوسعة، والدَّفْع.
(يَريبني) بفتح الياء وضمّها؛ لأنَّ رابَ وأَرابَ بمعنًى من الشَّكِّ والوَهم.
(اللُطْف) بضم اللام، وسكون الطاء، ويُروى بفتحهما معًا أَيضًا، وهي روايةٌ كما قال ابن الأَثير، ومعناه: البِرُّ والرِّفْق.
(تيكم) إشارةٌ لمؤنَّثٍ، والخِطاب لجمْع مذكَّرٍ، كما في: ذلِكُم، في إشارة المذكَّر، وهذا يدلُّ على لُطْفٍ من حيث سُؤاله عنها، وعلى نَوعِ جَفاءٍ من قوله: (تِيْكُم).
стр. 3789
(نقهت) قيل: بَرَأَتْ وَزْنًا ومعنًى؛ قاله (ع)، وحكى الجَوْهريّ، وابن سِيْده الكَسْرَ أَيضًا، والنَّاقِهُ الذي بَرأَ من المرض، وهو قَريبُ عهدٍ به، لم يَتراجَع إليه كما في صِحَّته.
(أم مِسْطَح) علَمًا: بكسر الميم، وسُكون السِّين، وفتْح الطاء المهملتَين، واسمها: سَلْمَى، وكانتْ من أشدِّ النَّاس على ابنِها مِسْطَح في شَأْن الإِفْك.
(قِبَل) بكسر القاف: جِهَةَ.
(المناصع) بنونٍ، ومُهملتَين: مَواضع خارجَ المدينة يتبرَّزون فيها.
(متبرزهما) اسم المكان، بدَلٌ، أو بيانٌ للمَناصِع.
(الكُنُف) جمع كَنِيْف، والكَنِيْف هو السَّاتِر.
(الأول) بلفْظ المفرَد والجمْع؛ للأَمْر أو للعرَب.
قال ابن الحاجِب: الرِّواية المَشهورة الإفْراد، ومنه قولكَ: الرِّجالُ الأُخَر.
قال: ووجْه رواية الجمْع أن يُقدَّر العرَب اسمَ جمعٍ تحته جُموعٌ، كلُّ واحدٍ عرَبٌ، أو جماعةٌ، فتصير مفردةً بهذا التَّقدير.
(البرية): البَادِيَة.
(التنزه)؛ أي: طلَب النَّزاهة بالخُروج إلى الصَّحراء، تُريد أنَّهم بعدُ لم يتخلَّقوا بأخلاق العجَم.
стр. 3790
(رُهْم) بضم الرَّاء، وسُكون الهاء.
(عَثَرت) بفتح المثلَّثة.
(مِرطها) بكسر الميم: الكِسَاء من الصُّوف.
(تَعَسَ) بفتح العين، كما قال الجَوهَري، وبالكسر، قاله (ع).
ومعناه: العِثَار، أو الهَلاك، وأتعَسَه الله، أي: دعَا عليه أنْ لا يَستقِيل من عَثْرته، وكلام ابن الأَثير يقتضي أنَّ الأعرَف كسْرُ العين.
(يَا هنتاه) بسُكون النُّون (١) على الأشهر، وبفتْحها، قال في "النِّهاية": وبضم الهاء الأخيرة، وتُسكَّن، أي: يَا هذهِ.
قال (خ): وقيل: كأنَّها تنسِبُها إلى البَلَهِ وقِلَّة المعرفة بالشَّرِّ ومكائد النَّاس، يُقال: امرأةٌ هَنْتاه، أي: بَلْهاء، وأصلُه: يَا هَنَةُ، فأُلحق الألف والهاءُ به، وهذه اللَّفظة تختصُّ بالنِّداء.
(إلى أبوي) في بعضها: (آلى أَبوَيَّ).
(وضيئة) بالهمز: حسَنَة، فَعيلةٌ من الوَضاءَة.
(ضرائر) جمع ضَرَّة، وهنَّ زوجات الرَّجل؛ لأنَّ كلَّ واحدةٍ تتضرَّر بالأُخرى.
(أكثرن)؛ أي: عيَّبْنَها، ونقَصْنَها.
(يَرْقأ) بالهمز، أي: يَنقطِع، وَرَقِأَ الدَّمعُ: سكَنَ.
стр. 3791
(اكتحل) المُراد: لا أَنامُ، فاستُعير له ذلك.
(استلبث)؛ أي: لَبِثَ، ولم يَنْزل.
(أهلك) بالرَّفع والنَّصب، وسبق أول (الشَّهادات).
(كثير) فَعِيْلٌ يستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث.
وإنما قال عليٌّ ذلك لمَصلحةٍ، ونصيحةً لرسول الله ﷺ في اعتِقاده؛ لمَا رأى من انزعاجه وقَلَقه، فأراد الأَخْذ بخاطِره، لا عداوةً لعائشة ﵂.
(بَريرة) قيل: هذا وهمٌ؛ لأنَّ بَرِيْرَة إنما اشتَرتْها عائشةُ وأعتقتْها بعد ذلك، ولهذا لمَّا عتَقت واختارتْ نفسَها، جعَل زوجُها يطُوف وراءَها ويَبكي، فقال لها النَّبِيّ ﷺ : "لَو راجَعتيهِ"، فقالت: أَتأْمُرني؟ فقال: "إنَّما أنَا شافِعٌ"، فقال النبيُّ ﷺ : "يَا عبَّاسُ، ألا تَعجَبُ مِن حُبِّ مُغيثٍ بَريرةَ، وبُغضِها له"، والعبَّاس إنما قَدِم المدينةَ بعد الفتْح.
والمَخْلَص مِن هذا الإشكال: أنَّ تفسير الجارية ببَرِيْرَة مُدرَجٌ في الحديث من بعض الرُّواة ظنًّا منه أنَّها هي.
(أغْمِصه) بفتح الهمزة، وسُكون المُعجَمة، وكسر الميم، وإهمال الصَّاد، أي: أَعيبُه.
(الداجن) الشَّاة التي أَلِفَت البُيوت، ولا تخرج إلى الرَّعي، ومعناه: لا عيبَ فيها أصلًا.
стр. 3792
(فاستعذر)؛ أي: طلَبَ مَن يَعذُره منه، أي: يُنصِفُه.
(من يعذرني) قال (خ): يحتمل وجهين: مَن يقُوم بعُذره في ما يأْتي إليَّ منه من المكروه، ومَن يقُوم بعُذري، أي: يُعاتبه على سُوء فعله.
وقال (ن): معناه: مَن يقُوم بعُذري إنْ كافَأْتُه على قُبح فِعاله، ولا يَلومُني على ذلك.
وقيل: معناه: مَن يَنصرُني، والعَذير: النَّاصِر.
(رجلًا)؛ أي: صَفْوان.
(سعد بن مُعاذ) سيِّد الْأَنصار.
قال (ع): هذا مُشْكلٌ؛ لأنَّ هذه القِصَّة كانت في غزوة المُرَيْسِيع -بضم الميم، وفتح الراء وسكون التَّحتانية، وبمهملتين- وهي غزوة بني المُصْطَلِق، وكانت في رمضان سنة ستٍّ، وسعد بن مُعاذ ماتَ في إثْر غَزاة الخنْدق من الرَّمية التي أصابتْه، وذلك سنة أربعٍ مُنصرَف النَّبيِّ ﷺ من بني قُرَيظة بلا خلافٍ.
وكذا قال ابن عبد البَرِّ: إنما راجعَ سعدُ بن عُبادةَ أُسيدَ بن حُضَير، فذكْر سعد بن مُعاذٍ وهمٌ.
وقال ابن إسحاق: إن المُتكلِّم أوَّلًا وآخِرًا هو أُسَيد لا سعد.
قال (ع): فيُجاب بأن موسى بن عُقْبة ذكَر أن المُرَيْسِيع كانت سنة أربعٍ، وهي سنة الخنْدق، فيَحتمل أن المُرَيْسِيع وحديث الإِفْك كانا
стр. 3793
في سنة أربعٍ قبل الخندق.
وقال الوَاقِدي: المُرَيْسِيع كانت سنة خمسٍ، والخندق وقُرَيظة بعدها؛ فلا وهمَ.
(فقامَ سعدُ) بالضم بلا تنوينٍ، ويُروى بالتنوين.
قال أبو ذَرٍّ: هذا هو الصَّحيح، وأما ما وقَع في بعض النُّسخ: (سَعْد بن عُبادة)، فهو خطأٌ؛ لأنَّ سعد بن عُبادة هو الذي قامَ من بني الخَزْرج.
وقال غيره: الذي وقَع في بعض النسخ: (سعد بن عُبَادة) إما عن أُسامة، وإما عن هشام.
(الأوْس) بفتْح الهمزة، وسُكون الواو، ثم مهملة.
(الخَزْرجَ) بفتح المعجمة، وسُكون الزَّاي، وفتح الراء، وبالجيم: قَبيلتان من الْأَنصار.
(احتملته) كذا لأكثرهم، وفي بعض النسخ: (اجتَهلتُه) بالجيم والهاء، وصَوَّبه الوَقْشِي، وصوَّبَهما (ع)، فقال: احتَمل الرَّجلُ: إذا غَضِبَ.
قال يعقوب: فمعنى: احتَملتُه؛ أي: أغضَبتُه، ومعنى اجتَهلتُه: حملتُه على أن يَجهَل، أي: يقول قَول أهل الجَهْل.
(منافقًا)؛ أي: يفعل كفِعْل المُنافق، ولم يُرِد النِّفاقَ الحقيقيَّ.
(هَمُّوا)؛ أي: قصَدوا المُحاربة، وتَناهَضوا للنِّزاع.
стр. 3794
(فَخَفَّضَهُمْ)؛ أي: سَكَّتَهم، وهَوَّن عليهم الأَمرَ، مِن الخَفْض: وهو الدَّعَة والسُّكون.
(ألممت)؛ أي: فَعلْتِ مع أنَّه ليس من عادتِك.
(قَلَصَ) بقافٍ، ولامٍ، ومهملةٍ مفتوحاتٍ: ارتفَع؛ لاستِعظام ما بَغَتَني من الكلام، وتخلَّف بالكُليَّة.
(ووقر)؛ أي: سكَن، وثبَت، مِن الوَقار، وهو الرَّزانَة والحِلْم.
(وقلت لأبي) إلى آخره، جوابُهما بـ: (لا نَدري)، أي: لم يَقِفا في ذلك على حُكم زائدٍ على ما عند رسول الله ﷺ قبْل نُزول الوحي من حُسْن الظنِّ بها.
(إلَّا أَبا يوسف)؛ أي: إلَّا مثْل يَعقُوب، وهو الصَّبْر.
(ما رام)؛ أي: ما بَرِحَ، أي: ما فارَقَ مجلسَه، مِن رامَ، يَرِيمُ، رَيمًا، فأما مَن طلَب الشَّيءَ: فرَامَ، يَرُومُ، رَوْمًا.
(البُرَحاء) بضم الباء، وفتح الرَّاء، ممدودٌ، مِن البَرْح: وهو أشدُّ ما يكون من الكَرْب.
(الجُمَان) بضم الجيم، وتخفيف الميم، جمع جُمانَة: وهو اللُّؤلؤ الصِّغار، وقيل: حبَّةٌ تُعمل من الفِضَّة كالدُّرَّة، شبَّهتْ قطَراتِ عَرَقه ﷺ بحبَّات اللُّؤلُؤ في الصَّفاء والحُسن.
(سُرِّيَ) بكسر الراء المشدَّدة، أي: كُشِفَ وأُزيلَ عنهُ، والتشديد فيه للمُبالغة.
стр. 3795
(والله لا أقوم إليه) قالتْه إِدلالًا عليهم، وعِقابًا؛ لكونهم شَكُّوا في حالها، مع علْمهم بحُسن طريقَتِها، وجميل حالِها، وتنَزُّهها عن هذا الباطل الذي افتَراه الظَّلَمة، لا حُجَّةَ لهم فيه، ولا شُبهة.
(أُثَاثة) بضم الهمزة، ومثلَّثةٍ مكرَّرةٍ، وضبَطه المُهلَّب بفتْحها، ولم يُتابَع عليه.
(لقرابته) وذلك لأنَّ أُم مِسْطَح -سَلْمى- هي بنت خالَة أبي بكر الصِّدِّيق.
(أحمي)؛ أي: أمنعُ من المَأْثَم، فلا أَكَذِبُ فيما سمعتُ وفيما أبصرتُ، فيُعاقبَني الله في سمعي وفي بصري، ولكن أصدُق حمايةً لهما.
(تُسَامِيني)؛ أي: تُنازِعُني الحُظْوة، والمُساماةُ: مفاعلةٌ من السُّمُوِّ، وهو الارتفاع، فهي تُضاهيني بحُسنها ومكانِها عند رسول الله ﷺ .
(الورع) الكَفُّ عن المَحارِم.
(مثله) بالنَّصب.
وفي الحديث من الأحكام وغيرها: روايةُ الحديث الواحِد عن الجَماعة، عن كلِّ واحدٍ قِطعةً مبهمةً منه، والقُرعة بين النِّساء، وسفَر الرَّجل بزَوجته، وغَزوُهنَّ، وخِدْمة الرِّجال لهنَّ في الأَسفار، وخُروج المرأة لقَضاء حاجتها بلا إذْن الزَّوج، ولُبْسهنَّ القَلائدَ، وتأَخُّر بعض الجَيْش ساعةً للحاجة، والتعجُّب بلفْظ التَّسبيح، والتجسُّس عن الأُمور لمَن له بها تعلُّق، وأما غيره فمنهيٌّ عنه، والحَلِف بدُون استِحلاف، واستِحباب الاقتِصاد في الأَكل، وعَون المُنقطِع، وإنقاذ
стр. 3796
الضَّائع، وإكرامُ ذوي الأَقدار، وحُسْن الأَدَب مع الأجنبيَّات، لا سيَّما مع الخَلْوة بهنَّ عند الضَّرورة، والتمشِّي قُدَّامها لا بجنْبِها ولا مِن ورائها، والإيْثار بالرُّكوب، والاستِرجاع عند المَصائب، وتوقُّف ارتحال العسكر على أمر الأمير، وأنَّ من يُركِب المرأة على البعير لا يُكلِّمها إذا لم يكُن مَحرَمًا؛ لسُكوت حَمَلة الهَوْدَج، والإعْلامُ بالارتحال، وأن يُستَر عن الإنسان ما يُقال فيه إذا لم يكُن في ذِكْره فائدةٌ، ومُلاطَفة الرجُل زوجتَه، وحُسْن المُعاشَرة، والتَّقليل من اللُّطف عند العارِض المُقتضي لذلك؛ ليُتفطَّن فيُسأل عن سبَبه فيُزيلَه، والسُّؤال عن المريض، وخُروج المرأة مع رفيقتِها لتأنسَ بها ولا يَتعرَّض لها أحدٌ، ومُشاوَرة الرَّجل بِطانتَه فيما يَنوبُه من الحادِثات، وخُطبة الإِمام النَّاسَ عند نُزول أمرٍ مهمٍّ، واشتِكاؤُه إلى المُسلمين ممن تعرَّضَ له بإيذاءٍ في نفسه أو أهله، واعتِذاره فيما يُريد أن يُؤدِّبَه به، والحثُّ على التَّسوية، وتفويض الكلام إلى الكبار؛ لأنهم أعرف بالمقاصِد؛ واللائقِ بالمَقامات، والاستِشهاد بآياتِ القُرآن، وسَبُّ المتعصِّب للمُبطِل كما سبَّ أُسيدٌ سعدًا، والمبادرة بتَبشير مَن تجدَّدت له نعمةٌ ظاهرةٌ أو اندفعتْ عنه بَلِيَّةٌ، وصِلَة الأرحام وإنْ كانوا مُسيئين، والصَّفْح عنهم، والإنْفاقُ في سبُل الخيرات، والإتْيان بالذي هو خيرٌ مما حلَفَ عليه، وكراهةُ إيصال الخير للإنسان الذي آذى أهل الفَضْل، وحُرمة التشكُّك في تَبْرئة عائشة من الإفْك، والتعصُّب للمُبطِل، وعدَم خُروج المرأة إلى دار أبَوَيها إلَّا بإذنهِ، ووُجوب تعظيم أهل بَدْر والذَّبُّ
стр. 3797
عنهم، والمُبادَرة إلى قَطْع الفِتَن والخُصومات، والتثبُّت في الشَّهادة، والغضَب عند انتِهاك حُرمة أمرٍ مهمٍّ، واهتِمامُهم بدَفْع ذلك، وفَضيلة أبي بكرٍ، وعائشة، وصَفْوان، وسَعْد بن مُعاذ، وأُسَيد بن حُضَير، وزَينب بنت جَحْشٍ ﵃، فهذه خمسون مسألةً، أو أكثر.
قال (ط): اختُلف في تعديل النِّساء، فأجازَه أبو حنيفة لسُؤال النبيِّ ﷺ بَريرةَ، وزَيْنب.
وقال الآخرون: إنما هو إبراءٌ من الشَّرِّ، والتَّعديل المُتنازَع فيه هو فيما يُوجب أخْذ المال ونحوه.
وفيه أَنَّ الاعتِراف بشيءٍ من الباطل لا يَحِلُّ، وأن عاقِبة الصَّبر الجميل فيه الغِبْطة والعِزَّة في الدَّارَين.
وفيه أنَّ الوحي ما كان يَأْتيه حين أراد؛ لبَقائه شهرًا لا يُوحى إليه.
وفيه تَرْك حدٍّ لمَا يُخشى من تفريق الكلِمة، كما تَرَك ﷺ حدَّ ابن سَلُول.
وفيه أنَّ العصبيَّة تنقُل عن الاسم، كما قالت: وكان قبلَ ذلك رجلًا صالحًا.
وفيه أنَّ العفْو عن المُسيء مما يغفره الله من الذُّنوب.
قال (ش): ذكر البُخَارِيّ في (الاعتصام) معلَّقًا أن النَّبِيّ ﷺ حدَّ الرَّامِيْن، وقد أسنَده أبو داود، وهم: حسَّان بن ثابِت، ومِسْطَح، ويقُولون: إنَّ المَرأة: حَمْنَة بنت جَحْش.
* * *
стр. 3798
١٦ - بابٌ إِذَا زَكَّى رَجُلٌ رَجُلًا كَفَاهُ
وَقَالَ أَبُو جَمِيلَةَ: وَجَدْتُ مَنْبُوذًا، فَلَمَّا رَآنِي عُمَرُ قَالَ: عَسَى الْغُويرُ أَبْؤُسًا، كَأَنَّهُ يَتَّهِمُنِي، قَالَ عَرِيفِي: إِنَّهُ رَجُلٌ صالحٌ قَالَ: كَذَاكَ؟ اذْهَبْ وَعَلَيْنَا نَفَقَتُهُ.
(باب: إذا زكَّى رجلٌ رجلًا كَفَاهُ)
سبق بيان الخلاف في (باب: تعديل كم).
والقائلون بالتعدد قالـ[ـوا]: إن السُّؤال من عُمر فيما سيأْتي إنما هو على طَريق الخبَر لا الشَّهادة، ونحن لا نُوجبُه إلَّا إذا كذَّب المَشهودُ له قولَهم، فلا نُسلِّم عدالتَهم.
قال: وكذا في حديث أبي بَكْرة.
(أبو جَميلة) هو بفتح الجيم: سُنَيْن، بضم السين، السُّلَمي، ونونين، وقيل: مَيْسَرة بن يعقوب الطُّهْوي، بضم المهملة، وقيل: بسُكونها، وقد تفتح الطاء، مع سكون الهاء، ففيه ثلاث لُغاتٍ، أدرك النبيَّ ﷺ ، وقيل: إنه شَهِد معه حُنَينًا.
(مَنْبُوذًا)؛ أي: لَقِيطًا.
(فلما رآني عُمر) كذا لبعضهم بنونٍ، والوجْه ما عند الأَصِيْلي: (رأَى)، وفاعله مضمرٌ، وهو عريفي المذكور بعد، وعند الهمداني:
стр. 3799
(فلما رآني قال: عسى الغوير أبؤسًا، كأنه يتهمني، فقال عريفي)، وهذا أبين وأتمّ كلامًا.
(الغُوير) تصغير غار.
(أبؤسًا) هو الداهية، أو جمع بؤس، وأصل المثل: أن ناسًا كانوا في غار فانهار عليهم، أو أتاهم فيه عدو فقتلوهم، فصار مثلًا لكلِّ شيء يخاف أن يأتي منه شر، أو أن ضرب المثل بذلك أنَّه اتهمه أن (١) يكون صاحبه، فقال ذلك؛ أي: عسى أن يكون باطن أمرك رديًّا.
قال الجوهري: هذا تكلمتْ به الزَّبَّاء لما تنكب قصير اللخمي بالأحمال الطريق المنهج، وأخذ على الغوير، وهو جمع بأس، وانتصب على أنَّه خبر عسى، والغُوير: ماءٌ لكلب، وخبر عسى وإن كان شرطه أن يكون مضارعًا، فيقدر هنا: يكون أبؤسًا، أو عسى أن يأتي الغُوير بشر ونحوه.
قال الشَّاعر:
فأُبتُ إلى فهمٍ وما كِدْتُ آيِبَا ... وكَمْ مِثْلِها فَارَقْتُها وهِيَ تَصْفِرُ
وقصته: أنَّه وجد منبوذًا، فجاء به إلى عُمر، فقال: ما حملك على أخذ هذه النسمة؟ فقال: وجدتها ضائعة، فقال: عريفه: يَا أمير المُؤْمنين؛ إنه رجل صالح، فقال: كذلك؟ قال: نعم، فقال: أذهب فهو حر ولك ولاؤه، وعلينا نفقته.
стр. 3800
قال (ط): اتهمه عُمر أن يكون ولده أتاه به للفرض له في بيت المال، ويحتمل أن يكون ظن به أنَّه يريد أن يفرض له ويلي أمرَه ويأخذ ما يفرض له ويصنع ما شاء، فلما قال له عريفه: إنه رجل صالح صَدَّقه، وكان عُمر قسم النَّاس أقسامًا، وجعل على كل ديوان عريفًا ينظر عليهم، فكان الرَّجل النابذ من ديوان الذي زكاهُ عند عُمر.
وفيه أن للإنسان أن يُزكي نفسه، ويخبر بالصلاح إذا احتاج إلى ذلك، وكذا رواه مالك في "الموطأ": فقال: عُمر: أكذلك؟ قال -أي: الرجل-: نعم.
* * *
٢٦٦٢ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أثنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "ويلَكَ! قَطَعْتَ عُنُقَ صاحِبِكَ، قَطَعْتَ عُنَقَ صاحِبِكَ" مِرَارًا، ثُمَّ قَالَ: "مَنْ كانَ مِنْكُمْ مَادِحًا أَخَاهُ لا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ فُلَانًا، وَاللهُ حَسِيبُهُ، وَلَا أُزَكِّي عَلَى اللهِ أَحَدًا، أَحْسِبُهُ كَذَا وَكَذَا، إِنْ كَانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْهُ".
(قطعتَ عنقه) قال (ن): هو استعارة من الهلاك في الدين.
(لا محالة)؛ أي: البتة.
(أحْسبهُ) بفتح السين، وحُكِيَ الكسر. قال الجوهري: وهو شاذ، أي: أظنه، أي: لا تقطع بتزكية من لا تطلع على باطنه، فيُحكم
стр. 3801
بالظاهر، والله متولي السرائر، فالمراد من قوله: (يعلم) أظن، فكثيرًا ما يجيء العلم بمعنى الظن.
و (على الله) فيه معنى الجزم والقطع.
ووجه مطابقة الحديث للترجمة: أنَّه ﷺ أرشد إلى التزكية كيف تكون، فلو لم تكن مفيدة لما أرشد إليها، لكن للمانع أن يقول: إنها مفيدة مع تزكية أُخرى لا بمفردها، وليس في الحديث [دليل] على أحد الطريقين.
* * *
١٧ - بابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الإِطْنَابِ في الْمَدْحِ، وَلْيَقُلْ مَا يَعْلَمُ
(باب ما يُكره من الإطْناب في المَدْح، وليقُل ما يَعلَم)
٢٦٦٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَبَّاحٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ وَيُطْرِيهِ في مَدْحِهِ، فَقَالَ: "أَهْلَكْتُمْ -أَوْ قَطَعْتُمْ- ظَهَرَ الرَّجُلِ".
الحديث فيه كالسَّابق، ولا تَعارُض فيهما؛ لمَا في كثيرِ من الأحاديث الصَّحيحة من المَدْح في الوَجْه، فإنَّ المذموم الإفراطُ فيه، أو على مَن يَخاف فتنةً بإعجابٍ ونحوه، أما مَن لا يخاف ذلك فيه
стр. 3802
لكمالِ تَقْواه ورُسوخ عقْله فلا إذا لم يكُن فيه مُجازفةٌ، بل إن كان يحصل به مصلحة كالازدياد عليه، أو الاقتداء به، كان مستحبًا.
(ويطريه) بضم أوله، من الإطراء: وهو مُجاوزَة الحَدِّ في المَدْح، وإنما قال: (أهلكتم) لئلا يُفتَن الرَّجل به، ويرى أنَّه عند النَّاس بتلك المنْزلة، ويحصل له العجب، ويجد الشيطان إليه سبيلًا، ووجه دلالته على الجزء الأخير من الترجمة: أن المطنب لا بد أن يقول بما لا يعلم، لأنه لا يطلع على سريرته وخلواته، فيقتضي أنَّه لا يطنب.
* * *
١٨ - بابُ بُلُوغِ الصِّبْيَانِ وَشَهَادَتِهِمْ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ .
وَقَالَ مُغِيرَةُ: احْتَلَمْتُ وَأَنَا ابْنُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً.
وَبُلُوغُ النِّسَاءَ في الْحَيْضِ؛ لِقَوْلِهِ : ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ﴾ إِلَى قَوْلهِ ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صالحٍ: أَدْرَكتُ جَارَةً لَنَا جَدَّةً بِنْتَ إِحْدَى وَعِشرِينَ سَنَةً.
(باب بلوغ الصبيان وشهادتهم)
(وبلوغ النساء) في بعض الروايات بالرفع، بأن يكون مبتدأ
стр. 3803
وخبره (في الحيض).
(بنت إحدى وعشرون)؛ أي: بأن حاضت لتسع، وولدت لعشر، وعرض مثل ذلك لبنتها، وأقل ما يكون مثله في تسع عشرة سنة ولحظات.
* * *
٢٦٦٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَرَضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ وَهْوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجزْنِي، ثُمَّ عَرَضَنِي يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ، فَأَجَازَنِي. قَالَ نَافِعٌ: فَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهْوَ خَلِيفَةٌ، فَحَدَّثْتُهُ هَذَا الْحَدِيثَ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَحَدٌّ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، وَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَفْرِضُوا لِمَنْ بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ.
الحديث الأول:
(فلم يجزني)؛ أي: فلم يثبتني في ديوان المقاتلين، ولم يقدِّر لي رزقًا مثل أرزاق الأجناد.
(عرضني) إنما قال هنا ذلك، وفيما سبق عرضه، لكن الأصل وإن كان عرضه، لكن المتكلم به على سبيل الحكاية، نقلًا لكلام ابن عُمر بعينه، فعلى هذا قال أولًا: (عرضه)؛ لأن ابن عُمر جرد من نفسه
стр. 3804
شخصًا وعبر عنه بلفظ الغيبة، وجاء في مثله وجهًا في نحو: أنا الذي ضربت زيدًا، وأنا الذي ضرب زيدًا.
(إن هذا)؛ أي: السن، وهو خمس عشرة سنة؛ نهاية الصغر وبداية البلوغ.
(يفرضوا)؛ أي: تقدر أرزاقهم في ديوان الجند.
* * *
٢٦٦٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ ابْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ".
الحديث الثاني:
(واجب)؛ أي: كالواجب.
(محتلم)؛ أي: بالغ، وسبق في (الجمعة) بيان ذلك.
وفيه أن البلوغ يكون بالاحتلام، أي: الإنزال، وليس في الحديث ذكر الشهادة لتطابق الترجمة، بل استفادتها من القياس على سائر الأحكام من حيث الإجازة للصبي، ولا غُسل عليه، وترجم به ليشعر بأنه لم يجد بشرطه حديثًا يدل عليه، وقال أبو حنيفة: بلوغ الغلام بثمان عشرة سنة، والجارية بسبع عشرة سنة، وقال مالك: أن يبلغ من السن ما يعلم أن مثله قد بلغ.
(إذن يحلف) بالنَّصب، وجُوِّز الرفْع، وسبَق في (باب: الشِّرب).
* * *
٢٠ - بابٌ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ في الأَمْوَالِ وَالْحُدُودِ
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ".
وَقَالَ قُتَيْبَةُ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ: كَلَّمَنِي أَبُو الزِّنَادِ في شَهَادَةِ الشَّاهِدِ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي، فَقُلْتُ: قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ قُلْتُ: إِذَا كَانَ يُكْتَفَى بِشَهَادَةِ شَاهِدٍ وَيَمِينِ الْمُدَّعِي فَمَا تَحْتَاجُ أَنْ تُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى؟ مَا كَانَ يَصْنَعُ بِذِكْرِ هَذِهِ الأُخْرَى؟
(باب اليمين على المدعى عليه)
(وقال النَّبِيّ ﷺ ) هو طرف من حديث الأشعث الآتي قريبًا بهذا اللفظ.
(شاهداك) خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ خبره محذوف، أي: المُثبت، أو الحجة شاهداك، أو شاهداك هو المطلوب، أو لك إقامة شاهديك، أو اطلب يمينه، فحُذف المضاف وأُقيم المضاف إليه
стр. 3807
مقامه، أو فاعل محذوف.
قال سيبويه: ما يثبت لك شاهداك؛ أي: بشهادة شاهديك، فحُذف المضاف وأُقيم المضاف إليه مقامه.
(إذا كان) جواب الشرط.
(فما يحتاج) (فما) نافية، والفعل مبني للمفعول.
(ما كان)، (ما) فيه استفهامية.
(يصنع) مبني للمفعول، أي: إذا اكتفي بشاهد ويمين فلا احتياج إلى تذكير إحداهما الأُخرى، إذ اليمين يقوم مقامهما، وأجاب (ك): بأن فائدته تتميم شاهدٍ، إذ المرأة الواحدة لا اعتبار بها؛ لأن المرأتين كرجل، ولهذا قال بعضهم: المراد بـ (تذكر): أن تجعله ذكرًا، أي: كالذكر، والمقصود منه: أنَّه لا يحتاج إلى يمين، ثم لا يلزم من بيان هذا النوع من البينة فيه أن لا يكون ثَمَّ نوع آخر غايته عدم التعرض له، لا التعرض لعدمه.
* * *
٢٦٦٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: كتَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِالْيَمِينِ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ.
الحديث الأول:
(كتب ابن عباس) عد كثير من المحدثين الكتابة من اتصال
стр. 3808
السند، وفي "مسلم" عن ابن عباس: أنَّه ﷺ قضى بيمين وشاهد.
قال ابن عبد البر: لا مطعن لأحد في إسناده، ولا خلاف بين أهل المعرفة في صحته.
(قضى باليمين)؛ أي: يمين المدعي، وذلك لا بد أن يكون مع شاهد، إذ لم يقل أحد بجواز الحكم على المدعى عليه بمجرد اليمين، [و] لا يقال: هذا زيادة على ما في القرآن، فيكون نسخًا له، وهو خلاف الأصل؛ لأنا نقول: شرط النسخ التعارض، ولا منافاة.
* * *
بابٌ
٢٦٦٩ - و ٢٦٧٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالًا لَقِيَ الله وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ﴾ إِلَى ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ثُمَّ إِنَّ الأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ خَرَجَ إِلَيْنَا فَقَالَ: مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ فَحَدَّثْنَاهُ بِمَا قَالَ، فَقَالَ: صَدَقَ، لَفِيَّ أُنْزِلَتْ؛ كَانَ بَيْني وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ في شَيءٍ، فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ"، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُ إِذًا يَحْلِفُ وَلَا يُبَالِي، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالًا، وَهْوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ الله وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ"، فَأَنْزَلَ اللهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ، ثُمَّ اقْتَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ.
стр. 3809
الحديث الثاني:
(أبو عبد الرَّحْمَن) هو كنية ابن مسعود.
(لفيَّ نزلت) قال ابن مالك: في بعض الروايات: (لفيّ والله نزلت)، وهو شاهد على توسط القَسَم بين جزئي الجواب، وعلى أن اللام يجب وصلها بمعمول الفعل الجوابي المقدم لا بالفعل، وسبق الحديث مرات.
ووجه دلالته على ما في الترجمة من الحدود إطلاق اللفظ.
(يحلف) بالرفع لا غير لعدم تصدير (إذن).
* * *
٢١ - بابٌ إِذَا ادَّعَى أَوْ قَذَفَ فَلَهُ أَنْ يَلْتَمِسَ الْبَيِّنَةَ ويَنطَلِقَ لِطَلَبِ الْبَيِّنَةِ
(باب: إذا ادعى أو قذف ..) إلى آخره.
مقصودة من الترجمة تمكين القاذف من إقامة البينة على زنا المقذوف لدفع الحد عنه، والحديث وإن كان في الزوجين، فالزوج متمكن من الدفع بطريق آخر وهو اللعان؛ لأن هذا قبل نزول آية اللعان، ولا فرق بين الزوج والأجنبي حينئذ في ذلك.
(وينطلق) يحتمل أن المراد بيان أن له حق المهلة فيه، فهو قيد للسابق، وأنه من باب اللَّف والنشر، وخصص هذا بالقسم الثاني
стр. 3810
-أي: القذف- موافقة للفظ الحديث.
فإن قيل: ليس في الحديث إلَّا هذا، فمن أين حكم الادعاء؟
قيل: بالقياس عليه.
* * *
٢٦٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ هِلَالَ بْنَ أمُيَّةَ قَذَفَ امْرَأتهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الْبيِّنَةَ، أَوْ حَدٌّ في ظَهْرِكَ"، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ الْبيِّنَةَ؟ فَجَعَلَ يَقُولُ: "الْبيِّنَةَ، وَإِلَّا حَدٌّ في ظَهْرِكَ". فَذَكَرَ حَدِيثَ اللِّعَانِ.
(شَرِيك) بفتح المعجمة.
(سَحْمَاء) بالمهملتين والمد، وشَرِيك هذا حليف للأنصار، شهد أُحدًا.
(البينة)؛ أي: يجب، أو الواجب عليك بينة، كذا أورد (ك) وأعربه، ثم قال: (البينة) منصوب بفعل مقدر، أي: أحضر البينة، أو أقم، يريد المذكور في آخر الحديث ثانيًا، ومقتضى كلام (ش) أنَّ الكل سواء.
(وإلا)؛ أي: وإن لم تحضر البينة، أو تقمها، فجزاؤك حدّ في
стр. 3811
ظهرك، فحذف ناصب البينة، وفعل الشرط والجزء الأول من الجملة الجزائية والفاء.
(في) هو مثل: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، بمعنى (على).
* * *
٢٢ - بابُ الْيَمِينِ بَعْدَ الْعَصْرِ
(باب اليمين بعد العصر)
٢٦٧٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ثَلَاثةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِطَرِيقٍ يَمْنَعُ مِنْهُ ابْنَ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا لَا يُبَايِعُهُ إلا لِلدُّنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مَا يُرِيدُ وَفَى لَهُ، وإلَّا لَم يَفِ لَهُ، وَرَجُلٌ سَاوَمِ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَحَلَفَ بِاللهِ لَقَدْ أُعْطِيَ بِهِ كَذَا وَكَذَا، فَأَخَذهَا".
(فضل ماءً)؛ أي: ما فضل عن كفاية السابق إليه.
(وَفَى) الرواية بالتخفيف.
قال القرطبي: وهو الصحيح روايةً ومعنى؛ لأنه يقال: وفى
стр. 3812
بالعهد وفاءً، ضد الغدر، وأوفى بمعناه، وأما وفَّى المشددة، بمعنى: توفية الحق، نحو: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧] أي: قام بما كُلِّف به من الأعمال، وحكى الجوهري: أوفاه حقه، فيكون لـ (أوفى) معنيان: الوفاء بالعهد، وتوفية الحق.
(لقد أعطي به)؛ أي: بالمتاع المدلول عليه بذكر السلعة، وفي بعضها: (بها)، وهو ظاهر.
(فأخذها)؛ أي: أخذ الرَّجل الثاني، أي: المشتري السلعة بذلك الثمن اعتمادًا على حلفه، ومرَّ الحديث في (الشرب).
* * *
٢٣ - بابٌ يَحْلِفُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَيْثُمَا وَجَبَتْ عَلَيْه الْيَمِينُ، وَلَا يُصْرَفُ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى غَيْرِهِ
قَضَى مَرْوَانُ بِالْيَمِينِ عَلَى زيدِ بْنِ ثَابِتٍ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: أَحْلِفُ لَهُ مَكَانِي، فَجَعَلَ زيدٌ يَحْلِفُ، وَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَجَعَلَ مَرْوَانُ يَعْجَبُ مِنْهُ.
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ"؛ فَلَمْ يَخُصَّ مَكَانًا دُونَ مَكَانٍ.
стр. 3813
(باب: يحلف المدعى عليه حيث ما وجبت عليه اليمين)
(مروان)؛ أي: ابن الحكم الأُموي كان والي المدينة من جهة معاوية.
(على المنبر) يتعلق بـ: (قضى)، لكن السياق يقتضي تعلقه باليمين.
(أحلف) بلفظ المتكلم، وإن كان المعنى صحيحًا بلفظ الأمر أَيضًا، والبخاري هنا موافق لأبي حنيفة أنَّه لا يستحب الإحلاف عند المنبر بالمدينة، ولا عند المقام بمكة ونحو ذلك، وقال الشَّافعيّ: لو لم يعلم زيد أن اليمين عند المنبر سنَّة لأنكر ذلك على مروان كما أنكر عليه مبايعة الصكوك ونحوها، وهو احتراز عنه تهيبًا وتعظيمًا للمنبر.
قال مالك: ومن أبى أن يحلف عند المنبر، فهو كالناكل عن اليمين.
قال المهلب: وإنما أُمر أن يحلف في أعظم موضع في المسجد ليرتدع أهل الباطل، وهذا مستنبط من قوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ١٠٦]، فعظمته لكونه بعد الصلاة، إذ الصلاة مخصوصة بمكان التعظيم كخصوصه بزمان التعظيم.
* * *
٢٤ - بابٌ إِذَا تَسَارَعَ قَوْمٌ في الْيَمِينِ
(باب: إذا تسارع قوم في اليمين)
٢٦٧٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نصرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا
стр. 3814
مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَرَضَ عَلَى قَوْمٍ الْيَمِينَ، فَأَسْرَعُوا، فَأَمَرَ أَنْ يُسْهَمَ بَيْنَهُمْ في الْيَمِينِ أَيُّهُمْ يَحْلِفُ.
(يسهم) أي: يُقْرِعُ، قال الله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ] [الصافات: ١٤١].
قال (خ): وإنما يفعل ذلك إذا تساوت درجاتهم في أسباب الاستحقاق، مثل أن يكون الشيء في يد اثنين كل واحد منهما يدَّعيه كله، فيريد أحدهما أن يحلف ويستحقه، ويريد الآخر مثل ذلك، فيقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة حلف واستحقه، وكذلك إذا كثر الخصوم ولم يعلم أيهم السابق، فيسهم بينهم.
(أيهم يحلف) هو نظير ما سبق في (الصلاة) في (أيهم يكتبها أول).
* * *
٢٥ - بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾
(باب: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٧٧])
٢٦٧٥ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ أَبُو إِسْمَاعِيلَ السَّكْسَكِيُّ، سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى ﵄ يَقُولُ: أقامَ رَجُلٌ سِلْعَتَهُ، فَحَلَفَ بِاللهِ لَقَدْ أُعْطِيَ بِهَا مَا لَمْ
стр. 3815
يُعْطَهَا، فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، وَقَالَ ابْنُ أَبِي أَوْفَى: النَّاجِشُ آكِلُ رِبًا خَائِنٌ.
الحديث الأول:
(إسحاق) قال الغساني: لم أجده منسوبًا لأحد من شيوخنا، لكن صرح البُخَارِيّ في (باب: شهود الملائكة) بنسبته؛ إذ قال: حَدَّثَنَا إسحاق بن منصور، أخبرني يزيد بن هارون، وسبق الحديث في (باب: ما يكره من الحلف في البيع).
(الناجش) بالنُّون، والجيم، والمعجمة: هو أن يزيد في الثمن ليغر غيره كما سبق بيانه؛ نعم قوله: (فنزلت) استشكل مع الأحاديث الدالة على أنها نزلت في قصة الأشعث في خصومته، وهذا الحديث يدل على أنها نزلت في السلعة، وجوابه: أنَّ الآية لعلها لم تبلغ ابن أبي أوفى إلَّا عند إقامة السلعة، فظن أنها نزلت في ذلك، أو القصتان وقعتا في وقت واحد، فنَزلت الآية بعدها، والأمر عام متناول لهما ولغيرهما.
* * *
٢٦٧٦ - و ٢٦٧٧ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبة، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبًا لِيَقْتَطِعَ مَالَ رَجُلٍ -أَوْ قَالَ: أَخِيهِ- لَقِيَ الله وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ". وَأَنْزَلَ اللهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ في
стр. 3816
الْقُرْآنَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآيَةَ. فَلَقِيَنِي الأَشْعَثُ فَقَالَ: مَا حَدَّثَكُمْ عَبْدُ اللهِ الْيَوْمَ؟ قُلْتُ: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فِيَّ أُنْزِلَتْ.
الحديث الثاني:
عُلِم شرحه مما سبَق.
* * *
٢٦ - بابٌ كَيْفَ يُسْتَحْلَفُ؟ قَالَ تَعَالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ﴾
وَقَوْلُهُ : ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إلا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾، يُقَالُ بِاللهِ وَتَاللهِ وَوَاللهِ.
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَرَجُلٌ حَلَفَ بِاللهِ كَاذِبًا بَعْدَ الْعَصْرِ".
وَلَا يُحْلَفُ بِغَيْرِ اللهِ.
(باب: كيف يستحلف؟)
(ورجل حلف بالله كاذبًا بعد العصر)، هو طرف من الحديث السابق قبل بابين.
* * *
٢٧ - بابُ مَنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بَعْدَ الْيَمِينِ
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ".
وَقَالَ طَاوُسٌ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَشُرَيْحٌ: الْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ أَحَقُّ مِنَ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ.
(باب: من أقام البينة بعد اليمين)
(وقال النَّبِيّ ﷺ )، هو طرف من الحديث الموصول في الباب بمعناه.
(أحق) إن قيل لا شك أن الصدق أقرب إلى الحق (١) من الكذب، بل لا قرب للكذب إليه.
قيل: الغرض أنَّه لو حلف المدعى عليه فأُقيمت البينة بعدها على خلاف ما حلف عليه؛ لأن الاعتبار بالبينة لا باليمين، وكان الحق لصاحب البينة، وإنما ترجحت البينة مع احتمالِهَا كاحتمال اليمين الصدق والكذب؛ لأن كذب شخص واحد أقرب إلى الوقوع من كذب اثنين سيما فيمن يريد جر النفع إلى نفسه أو دفع الضر عنها.
* * *
стр. 3819
٢٦٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ ابْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زينَبَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ، فَلَا يَأْخُذهَا".
(ألحن)؛ أي: أفطن وأقدر على بيان المقصود وأفصح فيه، وسبق الحديث في (كتاب المظالم)، ووجه دلالته: أنَّه لا بد لكل من الخصمين حجة حتَّى يكون بعضهم ألحن بها من بعض وإنما يتصور ذلك إذا جاز إقامة البينة بعد اليمين.
قال (خ): اللحن بتحريك الحاء: الفطنة، وبسكونها: الزيغ عن الإعراب، يقال: لحن الرَّجل -بالكسر- يلحن -بالفتح-: إذا فطن، ولحن يلحن -بالفتح فيهما-: إذا زاغ.
وفيه أن حكم الحاكم لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالًا سواء فيه المال وغيره، وهو محل الدليل على الترجمة، وأن الحاكم إنما يحكم بالظاهر، وأن على من علم من الحاكم أنَّه أخطأ في الحكم فأعطاه شيئًا ليس يستحقه لا يأخذه، وأن البينة مسموعة بعد اليمين.
* * *