٢٧ - بابُ مَنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ بَعْدَ الْيَمِينِ
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ".
وَقَالَ طَاوُسٌ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَشُرَيْحٌ: الْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ أَحَقُّ مِنَ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ.
(باب: من أقام البينة بعد اليمين)
(وقال النَّبِيّ ﷺ )، هو طرف من الحديث الموصول في الباب بمعناه.
(أحق) إن قيل لا شك أن الصدق أقرب إلى الحق (١) من الكذب، بل لا قرب للكذب إليه.
قيل: الغرض أنَّه لو حلف المدعى عليه فأُقيمت البينة بعدها على خلاف ما حلف عليه؛ لأن الاعتبار بالبينة لا باليمين، وكان الحق لصاحب البينة، وإنما ترجحت البينة مع احتمالِهَا كاحتمال اليمين الصدق والكذب؛ لأن كذب شخص واحد أقرب إلى الوقوع من كذب اثنين سيما فيمن يريد جر النفع إلى نفسه أو دفع الضر عنها.
* * *
стр. 3819
٢٦٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ ابْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زينَبَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ، فَلَا يَأْخُذهَا".
(ألحن)؛ أي: أفطن وأقدر على بيان المقصود وأفصح فيه، وسبق الحديث في (كتاب المظالم)، ووجه دلالته: أنَّه لا بد لكل من الخصمين حجة حتَّى يكون بعضهم ألحن بها من بعض وإنما يتصور ذلك إذا جاز إقامة البينة بعد اليمين.
قال (خ): اللحن بتحريك الحاء: الفطنة، وبسكونها: الزيغ عن الإعراب، يقال: لحن الرَّجل -بالكسر- يلحن -بالفتح-: إذا فطن، ولحن يلحن -بالفتح فيهما-: إذا زاغ.
وفيه أن حكم الحاكم لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالًا سواء فيه المال وغيره، وهو محل الدليل على الترجمة، وأن الحاكم إنما يحكم بالظاهر، وأن على من علم من الحاكم أنَّه أخطأ في الحكم فأعطاه شيئًا ليس يستحقه لا يأخذه، وأن البينة مسموعة بعد اليمين.
* * *
(على نبيه)؛ أي: نبي الله محمد ﷺ .
(الأخبار) بلفظ الجمع، وبلفظ المصدر.
(لم يشب) مبني للمفعول من الشَّوب، وهو الخلط، أي: لم يخلط، ولم يبدل، ولم يحرف بحمد الله.
(بدلوا) قال الله تعالى في اليهود: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ الآية [البقرة: ٧٩].
(ولا والله)، (لا) فيه إما زائدة، أو تأكيد بمعنى ما قبله، أو ما بعده، أي: هم لا يسألونكم فأنتم بطريق الأولى أن لا تسألوهم.
* * *
٣٠ - باب الْقُرْعَةِ فِي الْمُشْكلَاتِ
وَقَوْلهِ : ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اقْتَرَعُوا، فَجَرَتِ الأَقْلَامُ مَعَ الْجرْيَةِ، وَعَالَ قَلَمُ زَكَريَّاءَ الْجِرْيَةَ، فَكَفَلَهَا زَكَرِيَّاءُ.
وَقَوْله: ﴿فَسَاهَمَ﴾ -أَقْرَعَ- ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾: مِنَ الْمَسْهُومِينَ.
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: عَرَضَ النَّبِي ﷺ عَلَى قَوْمٍ الْيَمِينَ، فَأسْرَعُوا، فَأَمَرَ أَنْ يُسْهِمَ بَيْنَهُمْ أَيُّهُمْ يَحْلِفُ.
стр. 3826
(باب القُرعة في المُشكِلات)
(اقترعوا) هو تفسيرٌ لقضية التنازع في كفالة مريم، وكانوا إذا أرادوا الاقتراع يلقون الأقلام في النهر فمن علا قَلَمَهُ -أي: ارتفع- كان الحظ له.
(الجِرْيَة) بكسر الجيم.
(المُدْحَضين) المغلوبين، وأصل الدَّحض: الزلق عن مقام الظَّفر والغلبة.
(وقال أبو هريرة) موصول قبل قريبًا.
* * *
٢٦٨٧ - (١) حَدَّثَنَا أبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ الأَنْصَارِيّ: أَنَّ أُمَّ الْعَلَاءِ - امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِمْ، قَدْ بَايَعَتِ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ طَارَ لَهُ سَهْمُهُ فِي السُّكْنَى حِينَ أَقْرَعَتِ الأَنْصَارُ سُكْنَى الْمُهَاجِرِينَ، قَالَتْ أُمّ الْعَلَاءِ: فَسَكَنَ عِنْدَناَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، فَاشْتَكَى، فَمَرَّضْنَاهُ، حَتَّى إِذَا تُوُفِّي وَجَعَلْنَاهُ فِي ثِيَابِهِ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ، فَشَهَادتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أكرَمَكَ اللهُ، فَقَالَ لِي
стр. 3827
النَّبِيُّ ﷺ : "وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللهَ أكرَمَهُ"؟ فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي، بِأبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَمَّا عُثْمَانُ فَقَدْ جَاءَهُ -وَاللهِ- الْيقِينُ، وَإِنِّي لأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ، وَاللهِ مَا أَدْرِي وَأَناَ رَسُولُ اللهِ مَا يُفْعَلُ بِهِ"؟ قَالَتْ: فَوَاللهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا، وَأَحْزَننَي ذَلِكَ، قَالَتْ: فَنِمْتُ، فَأُرِيتُ لِعُثْمَانَ عَيْنًا تَجْرِي، فَجئْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: "ذَلِكَ عَمَلُهُ".
الحديث الأول:
(أُم العلاء) قال الترمذي: هي أُم خارجة.
(مَظْعُون) بسكون المعجمة وضم المهملة.
(اشتكى)؛ أي: مرض.
(أبا السائب) هو كنية عثمان.
(بأبي أنت)؛ أي: مُفدَّى بأبي.
(ما يفعل به)؛ أي: بعُثمان أو برسول الله ﷺ ، وسبق أول (الجنائز).
(ذاك عمله): إنما عبر [عن] الماء بالعمل وجريانه لأن كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطًا فإن عمله ينمو إلى يوم القيامة.
* * *
قال السَّكاكي: وللتعلق بين الصارف عن فعل الشيء، والداعي إلى تركه يحتمل أن (منعك) بمعنى (دَعاكَ)، وإنما خالف الأمر لعلمه بالقرائن أن ذلك ليس للوجوب، وسبق الحديث في (باب: من دخل ليؤم الناس).
* * *
٢٦٩١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي: أَنَّ أَنَسًا ﵁ قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : لَوْ أتيْتَ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ النَّبِيُ ﷺ وَرَكبَ حِمَارًا، فَانْطَلَقَ الْمُسْلِمُونَ يَمْشُونَ مَعَهُ، وَهْيَ أَرْضٌ سَبِخَةٌ، فَلَمَّا أتاهُ النَّبِيّ ﷺ فَقَالَ: إِلَيْكَ عَنِّي، وَاللهِ لَقَدْ آذَانِي نتنُ حِمَارِكَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ مِنْهُمْ: وَاللهِ لَحِمَارُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَطْيَبُ رِيحًا مِنْكَ. فَغَضِبَ لِعَبْدِ اللهِ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَشَتَمَا، فَغَضِبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصْحَابُهُ، فَكَانَ بَيْنَهُمَا ضَرْبٌ بِالْجَرِيدِ وَالأَيْدِي وَالنِّعَالِ، فَبَلَغَنَا أَنَّهَا أُنْزِلَتْ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾.
الحديث الثاني:
(سَبِخَة) بكسر الموحدة، أي: ذات سباخ.
(إليك عني)؛ أي: تنحَّ عني.
(بالجريد) هو الغصن الذي جُرِّد عن الخُوص، هذه رواية
стр. 3834
الأكثر، ورواية أبي زيد: (بالحريد) بالمهملة والدال، والأول هو الصحيح.
(نزلت) قال (ط): يستحيل نزولها في قصة ابن أُبي؛ لأن أصحابه لم يكونوا مؤمنين، ورواية البخاري في (باب الاستِئذان) بلفظ: (في مجلس فيه أخلاط من المشركين والمسلمين وعبدة الأوثان واليهود، وفيهم عبد الله بن أُبي) يدل أن الآية لم تنزل فيه وإنما نزلت في قوم من الأوس والخزرج اختلفوا في حقٍّ فاقتتلوا بالعصي والنعال.
* * *
٢ - بابٌ لَيْسَ الْكَاذِبُ الذي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ
(باب: ليس الكاذب الذي يُصلح بين الناس)
٢٦٩٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أُمَّهُ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، فَيَنْمِي خَيْرًا، أَوْ يَقُولُ خَيْرًا".
(أُمه)؛ أي: أُم حُميد.
(فينمي)؛ أي: يرفع الحديث ويبلغه على وجه الإصلاح، فيقال: نماه، وإن كان على وجه الإفساد يقال: أنماه؛ قاله (خ).
стр. 3835
قال: وفي الحديث الرخصة أن يقول الرجل في الإصلاح ما لم يسمعه من القول، وقال البيضاوي: أي: خير ما يسمعه، ويدع شره، يقال: نميت الحديث -مخففًا- في الإصلاح، ومثقلًا في الإفساد، وكان الأول من النماء، لأنه رفع لما يبلغه، والثاني من النميمة، وقال الحربي: هي مشددة، وأكثر المحدثين يخففها، وهذا لا يجوز، ورسول الله ﷺ لم يكن يلحن، ومن خففه لزمه أن يقول: (خيرٌ).
قال أبو السعادات: وهذا ليس بشيء، فإنه ينتصب بـ (نمى) كما ينتصب بـ (قال) وكلاهما على زعمه لازمان، وإنما نمى متعدٍّ، يقال: نميت الحديث، أي: رفعته، وإنما نفى من المصلح كونه كذابًا باعتبار القصد دون القول، وقد رُخِّصَ في بعض الأحوال من الفساد القليل الذي يريد به الإصلاح الكثير، انتهى.
نعم، نَفْي الكذَّاب بصيغة المبالغة لا يلزم منه نفي أصل الكذب إلا إن حمل كذاب على النسبة، أي: ذو كذب كما قرر بذلك ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] أي: ليس بذي ظلم، أو أن التكثير باعتبار كثرة الناس فيكثر الكذب، أو لأن الصلح لابد له من كثرة الكلام، فلو كان كلامًا كذبًا لكان كذابًا، وأما كون الذي للإصلاح وهو خلاف الواقع لا يسمى كذبًا، فالمراد به نفي الإثم فيه لا نفي وجود حقيقته، وفي الكلام فيما يظهر قَلْبٌ.
* * *
عَلَى ابْنِكَ الرَّجْمُ، فَفَدَيْتُ ابْني مِنْهُ بِمِائَةٍ مِنَ الْغَنَم وَوَليدَةٍ، ثُمَّ سَألتُ أَهْلَ الْعِلْم، فَقَالُوا: إِنَّمَا عَلَى ابنكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ؛ أَمَّا الْوَليدَةُ وَالْغَنَمُ فَرَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابنكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَأَمَّا أَنْتَ يَا أُنيسُ -لِرَجُلٍ- فَاغْدُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَارْجُمْهَا"، فَنَدَا عَلَيْهَا أُنيسٌ فَرَجَمَهَا.
(عَسِيفًا)؛ أي: أجيرًا.
(على هذا) فيه الإشارة إلى أنه أجير ثابت الأُجرة عليه، وإنما يكون ذلك إذا أتم العمل، ولو قيل لهذا باللام لم يلزم ذلك.
(كتاب الله)؛ أي: بحكمه إذ ليس في القرآن الرجم، أو أن ذلك كان قبل نسخ آية الرجم لفظًا، وأمَّا قول الخصمين: اقض بكتاب الله، فالمعنى: بحكم الله وهما وإن كانا يعلمان أنه لا يحكم إلا بذلك ليفصل ما بينهما بالحكم الصرف لا بالصلح، إذ للحاكم أن يفعل ذلك لكن برضاهُما.
(أُنيس) تصغير أنس.
قال ابن عبد البر: هو ابن مَرْثَد الغَنَوي بالمعجمة والنون المفتوحتين وبالواو.
قال: وقد يقال: هو ابن الضحاك الأسلمي.
قال ابن الأثير: الثاني أشبه بالصحة لكثرة الناقلين، ولأنه ﷺ كان يقصد أن لا يُؤمر في القبيلة إلا رجلًا منها لنفورهم من حكم غيرهم، وكأن المرأة أسلمية.
стр. 3839
(فرجمها)؛ أي: بعد أن ثبت باعترافها، ورواه مالك: (وأمر أُنيسًا الأسلمي أن يأتي امرأته)، وبعثُه لها إنما هو لإعلامها أن أبا العَسِيف قذفها بابنه، فعليه الحد، فتطالب به أو تعفو وتعترف بالزِّنا فترجم، لأنها محصنة.
وفيه أن الصلح الفاسد منتقض، وأن المقترض في المفاسد يجب رده، وجواز الإفتاء في زمنه ﷺ ، وفيه التغريب خلافًا للحنفية.
* * *
٦ - بابٌ كَيْفَ يُكْتَبُ "هَذَا مَا صَالَحَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ وَفُلَانُ بْنُ فُلَانٍ" وَإِنْ لَمْ يَنْسُبْهُ إِلَى قَبِيلَتِهِ أَوْ نَسَبِهِ ؟
(باب: كيف يكتب: هذا ما صالح فلانٌ؟)
(أو نسبه) بلفظ المصدر، أو يكتفي في أول الوثائق بالاسم، ولا يلزم ذكر الحد والنسب والبلد ونحوه.
٢٦٩٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بن عَازِبٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا صَالَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَهْلَ الْحُدَيبِيَةِ كتَبَ عَلِيٌّ بَيْنَهُم كِتَابًا، فَكَتَبَ: مُحَمَّدٌ
стр. 3840
رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: لَا تَكْتُبْ: مُحَمَّدٌ رَسولُ اللهِ، لَوْ كُنْتَ رَسُولًا لَمْ نُقَاتِلْكَ، فَقَالَ لِعَلِيٍّ: "امْحُهُ"، فَقَالَ عَلِيٌّ: مَا أَناَ بِالَّذِي أَمْحَاهُ، فَمَحَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدهِ، وَصَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ يَدْخُلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ، وَلَا يَدْخُلُوهَا إِلَّا بِجُلُبَّانِ السِّلَاحِ، فَسَألوهُ: مَا جُلُبَّانُ السِّلَاح؟ فَقَالَ: الْقِرَابُ بِمَا فِيهِ.
الحديث الأول:
(اُمحه) بفتح الحاء وضمها، يقال: محوت الشيء أمحوه وأمحاه، وإنما خالف عليّ، لأنه علم بالقرينة أن الأمر ليس للإيجاب.
(الجُلُبَّان) بضم الجيم واللام وشدة الموحدة.
قال أبو الفرج: إنهم أجازوا كسرها، واللام مضمومة عند الأكثرين مع تشديد الباء، وصوبه ابن قتيبة، وقال (خ): يحتمل أن تكون ساكنة اللام غير مشددة الباء جمع جلب كما رواه مُؤمل عن سُفيان: (إلا بجُلبِّ السلاح)، وكذا ذكره الهروي وصوبه هو وثابت، وبالوجهين ذكره أبو حنيفة في الثياب، وقيل: المعروف جربّان بالرَّاء، جربان السيف والقميص وليس بشيء، وعادة العرب أن لا يفارقوا السلاح في السلم والحرب.
(والقراب) غلاف السيف من جلد، ويضع الراكب فيه أداته، وإنما شرطوا ذلك؛ لأنه للسلم، أي: حتى لا يُظن أنهم دخلوا قهرًا.
* * *
الحديث الثاني:
(القَعْدة) بفتح القاف وسكون العين.
(يَدَعُوه)؛ أي: يتركوه.
(قَاضَى)؛ أي: فاصل وأمضى أمرهما عليه، وهو معنى صالح، ومنه قضى القاضي: إذا فصل الحكم وأمضاه.
(بها)؛ أي: بالرسالة.
(فلو نعلم) الإتيان بالمضارع، فإن (لو) للماضي للدلالة على الاستمرار كما في: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ [الحجرات: ٧].
(فكتب)؛ أي: مع أنه أُمّي بنص القرآن، لأن الأمي من لا يحسن الكتابة لا من لا يكتب، أو الإسناد مجازي بمعنى أمر بالكتابة، أو كتب خارقًا للعادة معجزة له.
(هذا) اسم إشارة لما في الذهن.
(ما قاضَى) خبره مفسر له.
(لا يدخل) تفسير للتفسير.
(دخلها)؛ أي: في العَامِ المُقْبِل.
(ومضى الأجل)؛ أي: قرب انقضاؤه نحو قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤] ولا بد من هذا التأويل لئلا يلزم عدم الوفاء بالشرط.
(يا عمي) فيه إضمار أو تجوّز، لأن عليًّا ابن عمها لا عمها.
стр. 3843
(دونك) اسم فعل بمعنى: خذيها، وفيه مجاز أيضًا لأنها ابنة عم أبيها.
(احمليها) وفي بعض: (احتمليها)، وفي بعض: (حملتها)، بلفظ الماضي، ولعل الفاء منه محذوفة.
(ابن أخي) لأنه ﷺ آخى بين حمزة وزيد، لا أن المراد أخوة نسب ولا رضاع.
(بمنزلة الأُمّ)؛ أي: والأُمّ أولى لأنها أحنى على الولد وأهدى إلى ما يصلحه، وعلي الإطلاق النساء أولى بالحضانة من الرجال.
(أنت مني)؛ أي: أنت متصل بي، و (من) هذه تُسمّى اتصالية؛ كقوله: "لا أنا من الدُّد ولا الدد مني".
(أخونا)؛ أي: أخوة الإسلام، أو باعتبار الأخوّة المذكورة، فطيّب ﷺ قلب الكل بنوع من التشريف على ما يليق بالحال، ووجه الدلالة على الترجمة من ذلك السياق، وكذا لفظ المقاضاة.
* * *
٧ - بابُ الصُّلْحِ مَع الْمُشْرِكينَ
فِيهِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ. وَقَالَ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "ثُمَّ تَكُونُ هُدْنةٌ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الأَصْفَرِ".
وَفِيهِ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَأَسْمَاءُ، وَالْمِسْوَرُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
стр. 3844
(باب: الصلح مع المشركين)
(عن أبي سُفيان) يشير به إلى حديث هِرَقْل الموصول في أول "الجامع".
(وقال عوف) موصول في (الجزية).
(تكون هُدْنة) بضم الهاء، أي: صلح.
(بني الأصفر)؛ أي: الروم.
قال ابن الأنباري: سموا بذلك لأن جيشًا من الحبشة غلب على بلادهم في وقت، فوطئ نساءهم فولدن أولادًا صفرًا بين سواد الحبشة وبياض الروم.
قال عوف: أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك، فقال: "اعدد ستًّا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المَقْدِس، ثم موتان، ثم استفاضة المال، ثم فتنة لا تُبقي بيتًا من العرب إلا دخلته، ثم هُدْنَة تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيغدرون".
(وفيه سهل) موصول في (الاعتصام).
(وأسماء)؛ أي: بنت أبي بكر، موصول في (الأدب).
(والمِسْور) موصول في أول (الشروط).
* * *
٢٧٠٠ - وَقَالَ مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: صَالَحَ النَّبِيُّ ﷺ -
стр. 3845
الْمُشْرِكينَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: عَلَى أَنَّ مَنْ أتاهُ مِنَ الْمُشْرِكينَ رَدَّهُ إِلَيْهِمْ، وَمَنْ أتاهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَرُدُّوهُ، وَعَلَى أَنْ يَدْخُلَهَا مِنْ قَابِلٍ ويقِيمَ بِهَا ثَلَاثَةَ أيَّامٍ، وَلَا يَدْخُلَهَا إِلَّا بِجُلُبَّانِ السِّلَاحِ السَّيْفِ وَالْقَوْسِ وَنَحْوِه. فَجَاءَ أبو جَنْدَلٍ يَحْجُلُ فِي قُيُودِهِ، فَرَدَّهُ إِلَيْهِمْ. قَالَ: لَمْ يَذْكُرْ مُؤَمَّلٌ، عَنْ سُفْيَانَ أَبَا جَنْدَلٍ، وَقَالَ: إِلَّا بِجُلُبِّ السِّلَاح.
(وقال موسى) وصله أبو نُعيم في "المستخرج"، وأبو عَوانة في "صحيحه".
(بِجُلُبَّان السِّلاح) إلى آخره، كذا فسره هنا، لكن سبق: (فسألوه ما جُلُبَّان السِّلاح؟ فقال: القراب بما فيه) وهو الأصوب، وقال الزُّهْري: الجُلُبَّان يشبه الجراب من الأدم، فيضع فيه الراكب سيفه مغمودًا وسوطه وأداتَه، ويعلقه من آخر الرجل أو وسطه، وقال ابن قتيبة: لا أراه (١) سُمي بذلك إلا لخفائه.
(يَحجُل) بفتح الياء ومهملة ثم جيم مضمومة: هو أن يرفع رِجلًا ويقف على الأُخرى من الفرح، وقد يكون بالرجلين كمشي المقعد.
(أبو جندل) بفتح الجيم وسكون النون وبدال مهملة اسمه العاصي بن سُهيل بن عمرو، أسلم بمكة فحبسوه، فهرب يوم الحُديبية إلى رسول الله ﷺ ورُدَّ إليهم بسبب العهد، وإنما ردَّهُ، لأنه كان يأمن عليه القتل.
стр. 3846
(لم يذكر مؤمل)؛ أي: بفتح الميم، وروايته وصلها أحمد.
(بِجُلُبِّ) بضم الجيم واللام وتشديد الموحدة جمع، قال (ع): ولعله بفتح اللام جمع جلبة وهي الجلدة تغشى القتب.
قال (ك): وبكسر الجيم وسكون اللام.
* * *
٢٧٠١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا سُرَيْجُ بْنُ النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ مُعْتَمِرًا، فَحَالَ كفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَنَحَرَ هَدْيَهُ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَقَاضَاهُمْ عَلَى أَنْ يَعْتَمِرَ الْعَامَ الْمُقْبِلَ، وَلَا يَحْمِلَ سِلَاحًا عَلَيْهِمْ إِلَّا سُيُوفًا، وَلَا يُقِيمَ بِهَا إِلَّا مَا أَحَبُّوا، فَاعْتَمَرَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، فَدَخَلَهَا كَمَا كَانَ صَالَحَهُمْ، فَلَمَّا أَقَامَ بِهَا ثَلَاثًا أَمَرُوهُ أَنْ يَخْرُجَ، فَخَرَجَ.
الحديث الأول:
(الحُديبية) بتخفيف الياء الثانية وتشديدها.
قال العلماء: في شرطه رد من جاءهم ومنع من ذهب إليهم، فقد بين حكمته في رواية أُخرى بقوله: "من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم يجعل الله له فرجًا ومخرجًا"، وأما المصلحة في هذا الصلح فهو ما ظهر من ثمراته كفتح مكة، ودخول الناس في دين الله أفواجًا، لأنهم قبله لم يكونوا يختلطون بالمسلمين، ولا يعلمون
стр. 3847
طريقتهم، فلما حصل الصلح، واختلطوا بهم وعرفوا أحواله ﷺ من المعجزات الباهرة، وحسن السيرة، وجميل الطريقة مالت نفوسهم إلى الإيمان، فأسلم قبل الفتح كثير، ويوم الفتح كلهم، وكان العرب في البوادي ينتظرون إسلام أهل مكة، فلما أسلموا أسلمت العرب كلهم، والحمد لله رب العالمين.
* * *
٢٧٠٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، قَالَ: انْطَلَقَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةُ ابْنُ مَسْعُودِ بْنِ زيدٍ إِلَى خَيبر، وَهْيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ.
الحديث الثاني:
(ابن مسعود بن زيد) كذا وقع للبخاري، ولعله الصحيح عنده، وإلا فابن عبد البر، وابن الأثير وغيرهما لم يذكروا إلا مسعود بن كعب.
* * *
٨ - بابُ الصُّلْحِ فِي الدِّيَةِ
(باب: الصُّلْح في الدِّية)
٢٧٠٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ:
стр. 3848
أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ: أَنَّ الرُّبَيِّعَ -وَهْيَ ابْنَةُ النَّضْرِ- كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ، فَطَلَبُوا الأَرْشَ وَطَلَبُوا الْعَفْوَ، فَأَبَوْا، فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ ، فَأمَرَهُمْ بِالْقِصَاصِ، فَقَالَ أَنسُ بْنُ النَّضْرِ: أتكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ لَا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ! لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا، فَقَالَ: "يَا أَنسُ! كِتَابُ اللهِ الْقِصَاصُ"، فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَعَفَوْا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّه". زَادَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنسٍ: فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَقَبِلُوا الأَرْشَ.
(ثنية)؛ أي: سن.
(جارية) هي الشابة، لا أن المراد أمَة، وإلا لما كان بينهما قصاص.
(فطلبوا)؛ أي: قوم الربيع من أهل الجارية العفو على الأرش.
(لا تُكْسَر) إما أنه قاله قبل أن يعرف أن كتاب الله القصاص على التعيين، وظن التخيير بين القصاص والدية، أو المراد الاستشفاع من رسول الله ﷺ إليهم، أو لم يرد به الإنكار والرد، بل توقعًا ورجاءً من فضل الله أن يرضى ويلقي في قلوبهم أن يعفو عنها، وقال الطيبي: ليس ردًّا للحكم، بل نفي لوقوعه بلفظ: (لا تُكْسَر) إخبار عن عدم الوقوع، ولذلك لِمَا كان له من الله من القرب والثقة بفضل الله ولطفه في حقه أنه لا يحنّثه، بل يلهمهم العفو، ولذلك قال ﷺ : "إن من عباد الله من لو
стр. 3849
أقسم على الله لأبرّه"، حيث جعله من زمرة عباده المخلصين.
(كتاب الله القصاص) مرفوعان على الابتداء والخبر، ويجوز نصبهما إما لما وضع فيه المصدر موضع الفعل؛ أي: كتاب الله القصاص بقوله تعالى ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وإما على الإغراء، ويكون القصاص بدلًا أو منصوبًا بفعل، أو هو مرفوع خبر مبتدأ محذوف، ولا يجوز ذلك في الآية، إذ يمتنع أن يكون (كتاب) نصب بـ (عليكم) المتأخر عنه، أي: حكم كتاب الله القصاص، فهو على حذف مضاف، وذلك إشارة إلى قوله تعالى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]، أو ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥]، بأنا متعبدون بشرع من قبلنا، أو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ الآية [النحل: ١٢٦] أو الكتاب بمعنى الفرض والإيجاب، وفيه جواز الحلف فيما يظن وقوعه، والثناء على من لا يخاف الفتنة بذلك، واستحباب العفو عن القصاص، والشفاعة في العفو، وأن الخيرة في القصاص والدية إلى مستحقه لا إلى المستحق عليه، وإثبات القصاص بين النساء، وفي الأسنان، والكسر بمعنى القلع ليتصور فيه القصاص.
قلت: أو كان مضبوطًا وأمكن، وفضيلة أنس، وهذا من الثلاثيات.
* * *
وَكَذَا، وَيَطْلُبُ إِلَيْكَ وَيَسْألكَ، قَالَ: فَمَنْ لِي بِهَذَا؟ قَالَا: نَحْنُ لَكَ بِهِ، فَمَا سَألهُمَا شَيْئًا إِلَّا قَالَا: نَحْنُ لَكَ بِهِ، فَصَالَحَهُ، فَقَالَ الْحَسَنُ: وَلَقَدْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ يَقُولُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إلَى جَنْبِهِ، وَهْوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً وَعَلَيْهِ أُخْرَى وَيَقُولُ: "إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ". قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ: إِنَّمَا ثَبَتَ لَنَا سَمَاعُ الْحَسَنِ مِنْ أَبِي بَكْرَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ.
(بكتائب) بمثناة جمع كتيبة وهي الجيش.
(تولى) من التولية وهي الإدبار.
(خير الرجلين)؛ أي: مُعاوية خير من عمرو بن العاص.
(أي عمرو) (أي) حرف نداء، و (عمرو) منادى مبني على الضم.
(بِضَيْعَتِهِم) بفتح الضاد المعجمة، أي: عيالهم.
(عبد الرحمن) هو وما عطف عليه بالنصب بدل من المفعول، وهو (رجلين)، ويجوز قطعهما بالرفع.
(كُرَيز) بضم أوله وبزاي في آخره.
(فقال: اذهبا) دليل على أن مُعاوية كان الراغب في الصلح، وأنه عرض على الحسن المال رغبة في حقن الدماء، ورفع سيف الفتنة، قالوا: وفيه أن الصلح على الانخلاع من الخلافة، والعهد بها على أخذ مال جائز دفعة واحدة.
стр. 3852
(واطلبا إليه) أي: يكون مطلوبكما مفوضًا إليه أو منتهيًا إليه، أي: الزَما مطالبَهُ.
(أصبنا)؛ أي: نزلنا من هذا المال وصرفا في جهة منه.
(عاثت)؛ أي: اتسعت في الفساد، يقال: عاث وعثًا، ومنه: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: ٦٠].
(قال الحسن) البصري.
(عظيمتين) وصفهما بالعظم لأن المسلمين كانوا يومئذ فرقتين عظيمتين فرقة معه وفرقة مع مُعاوية، وكان الحسن يومئذ أحق الناس بهذا الأمر، فدعاه وَرَعُهُ إلى ترك الملك والدنيا رغبة فيما عند الله، ولم يكن ذلك لقلةٍ ولا ذلةٍ له ولا لعلةٍ، فقد بايعه على الموت أربعون ألفًا، فصالحهُ رعايةً لدينه، ومصلحة للأُمة، وكفى بذلك شرفًا وفضلًا، فلا أسوَد ممن سماه رسول الله ﷺ : سيدًا.
(علي)؛ أي: ابن المديني.
(من أبي بكرة)؛ أي: نُفيع الثقفي.
* * *
١٠ - بابٌ هَلْ يُشِيرُ الإِمَامُ بِالصُّلْحِ ؟
(باب: هل يشير الإمام بالصُّلْح)
٢٧٠٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُويسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ
стр. 3853
سُلَيْمَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي الرِّجَالِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أُمَّهُ عَمْرَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: سَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَوْتَ خُصُومٍ بِالْبَابِ عَالِيةٍ أَصْوَاتُهُمَا، وَإِذَا أَحَدُهُمَا يَسْتَوْضعُ الآخَرَ، ويسترْفِقُهُ فِي شَيْءٍ وَهْوَ يَقُولُ: وَاللهِ لَا أَفْعَلُ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "أَيْنَ الْمُتَأَلِّي عَلَى اللهِ لَا يَفْعَلُ الْمَعْرُوفَ"؟ فَقَالَ: أَناَ يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَهُ أَيُّ ذَلِكَ أَحَبَّ.
(أخي)؛ أي: عبد الحميد.
(عالية) بالجر صفة، وبالنصب حال.
(أصواتهما) قال (ك): هذا على قول من يقول أن أقل الجمع اثنان.
قلت: فيه نظر! إذ نحو ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، ليس من محل النزاع، وسبق الحديث في (باب: التقاضي في المسجد وغيره).
* * *
١١ - بابُ فَضْلِ الإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ وَالْعَدْلِ بَيْنَهُمْ
(باب: فضل الإصلاح بين الناس)
٢٧٠٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ
стр. 3854
هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ؛ يَعْدِلُ بَيْنَ النَّاسِ صَدَقَةٌ".
(سُلامَى) بضم المهملة وخفة اللام وفتح الميم مقصور: المِفْصل.
قال الجوهري: السلامات عظام الأصابع، والسلامى في الأصل عظم يكون في فِرْسن البعير، واحدُهُ وجمعُهُ سواء، وقد يجمع على سلاميات، وقيل: على الأنملة، وقيل: كل عظم مجوف من صغار العظام، أي: على كل أحد بعدد كل مفصل في أعضائه صدقة شكرًا لله تعالى بأن جعل عظامه مفاصل بها يقدِر على القبض والبسط، وتخصيصها من بين سائر الأعضاء لما في أعمالها من دقائق الصنائع التي تتحير الأوهام فيها.
قال ابن مالك: حق الراجع إلى كل المضاف للنكرة أن يجيء على وفق المضاف إليه كقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [العنكبوت: ٥٧]، وقد جاء على وفق (كل) كما في هذا الحديث.
(كل يوم) بالنصب ظرف لما قبله، وبالرفع مبتدأ والجملة بعده خبر، والعائد يجوز حذفه.
(يعدل) الضمير فيه للشخص أو للمكلف وهو مبتدأ على تأويله بمصدر كما في: تسمع بالمُعَيدي، وكذا قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ [الرعد: ١٢].
ووجه دلالة الحديث على الترجمة: أن الإصلاح نوع من
стр. 3855
العدل، وعطف العدل عليه عطف عام على خاص، وقيل: لأن القصد بالحكم بالعدل فصل الخصومة، والصلح فيه فصل الخصومة، أو أن الناس ليس كلهم حكامًا، فالعدل من الحكام الحكمُ، ومن غيرهم الإصلاحُ بين الناس.
* * *
١٢ - بابٌ إِذَا أَشَارَ الإِمَامُ بِالصلْح، فَأَبَى، حَكَمَ عَلَيْهِ بِالْحُكْمِ الْبَيِّنِ
(باب: إذا أشار الإمام بالصُّلْح فأبى حكم عليه)
٢٧٠٨ - حَدَّثَنَا أَبو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرني عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيرِ: أَنَّ الزُّبَيرَ كَانَ يُحَدِّثُ: أنَّهُ خَاصَمَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي شِرَاجٍ مِنَ الْحَرَّةِ كَاناَ يَسْقِيَانِ بِهِ كِلَاهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلزُّبَيْرِ: "اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَى جَارِكَ" فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! آنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟ فتلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: "اسْقِ، ثُمَّ احْبِسْ حَتَّى يَبْلُغَ الْجَدْرَ". فَاسْتَوْعَى رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَئِذٍ حَقَّهُ لِلزُّبَيْرِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبْلَ ذَلِكَ أَشَارَ عَلَى الزُّبَيْرِ بِرَأْيٍ سَعَةٍ لَهُ وَللأنْصَارِيِّ، فَلَمَّا أَحْفَظَ الأَنْصَارِيُّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَوْعَى لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيح الْحُكْم.