Полный текст (8 898 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وإنَّمَا أَناَ قَاسِمٌ وَاللهُ يُعْطِي، وَلَنْ تَزَالَ هذه الأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمرِ اللهِ لَا يَضُرُّهُم مَنْ خَالَفَهُم حَتَّى يَأتِيَ أَمْرُ اللهِ".
(خطيبًا) حالٌ من المفعول؛ لأنَّه أقرَب، ولأن الخطبة تليق بالولاة، لا من الفاعِل.
(يُرِد) من الإرادة، وهي: تخصيص أحد طرَفي الجائز بالوقوع.
وقيل: غير ذلك.
(خيرًا)؛ أي: منفعةً في الدنيا والآخرة، ويُكره التعميم؛ لأنَّه في سِياق الشَّرط، فيعمُّ جميع الخيرات، أو للتعظيم لاقتضاء المقام ذلك كما في قوله:
لَهُ حاجِبٌ في كُلِّ أَمرٍ يشِينُهُ
(يفقهه) من الفقه، وهو في اللُّغة الفهم، وحَملُه عليه أحسَن؛ ليشمل جميع العلوم الدينية، ويحتمل الاصطلاحي على بُعد.
وقال الحسن البصري: الفقيه: هو الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بأمر دِيْنه، المداوم على عبادة ربّه.
(قاسم)؛ أي: أقسِمُ بينكم، فأُوصل كلَّ أحدٍ بما يَليق به، والله يُوفِّق من يشاء لفهمه، والتفكُّر في معناه.
قال التُّورِبِشْتِي: إنَّه ﷺ لم يفضِّل أحدًا على أحد بل عدل في القسمة وسوَّى في البلاغ، وتفاوتهم فيما منح الله من الفهم، فبعض الصحابة كان لا يفهم من الخطاب إلا الظاهر، وبعضهم يستنبط منه
стр. 422
كثيرًا و ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٥٤]، انتهى.
ووجه الحصر بـ (إنما) مع أنَّه ﷺ له صفاتٌ غير كونه قاسِمًا، وهو كونه بشيرًا ونذيرًا؛ إما رَدٌّ على من اعتقد فيه أنَّه يُعطي ويَقسم، فالقصر فيه قصْر إفرادٍ، أو يُعطي ولا يَقسِم، فالقصر فيه قَصْر قَلْب، وكلاهما ليس حقيقيًّا.
(والله يعطي) التقديم عند السَّكَّاكي في مثْله للتَّقْوية.
وقال الزَّمَخْشَري: يحتمل الاختصاص، أي: الله يُعطي لا غيرُه، ثم الجُملة يحتمل أنْ تكون حاليةً، والمعنى: ما أنا قاسمٌ حالَ إِعطاء اللهِ لا في حالٍ غيره، وأما حذْف مفعول أعطى؛ فلجَعْله كاللازم حتى يكون الغَرَض إيجاد الحقيقة لا بَيان المفعول.
(ولن تزال) فعلٌ ناقصٌ ملازِمٌ للنَّفْي، أو معناه بخلاف زالَ يَزول بمعنى: ذهبَ؛ أي: وزَال يزيل بمعنى: مَيَّز.
(على أمر الله)؛ أي: على الدِّين الحقِّ.
(حتى يأتي أمر الله)؛ أي: القيامة، فإنَّه لا تكاليفَ فيها حينئذٍ؛ لأنَّ المراد أنَّهم حينئذٍ على غير أمر الله من حيث مُخالفة الغاية لما قبلَها، أو أن الغاية هنا لتأكيد التأبيد لا لمخالفة ما بعدَها لما قبلَها كما في: ﴿دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود: ١٠٧]، ويحتمل أن يكون غايةً لقوله: (لا يضرهم)؛ لأنَّه أَقْرب، ويكون المعنى: حتى يأتيَ بلاءُ الله فيضرُّهم، أو أنَّه لتأكيد عدم المضرة، كأنَّه قال: لا يضرُّهم مَن خالفَهم لهذا، أو هو مثل: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إلا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦]؛
стр. 423
أي: فلا مَضرةَ يوم القيامة كما لا موتَ، أما الضرُّ بمجيء الدجَّال، فإنْ فسَّروا أمر الله بالبلاء؛ فظاهرٌ، أو بيوم القيامة؛ ففعل الدجال منفعةٌ في الآخرة، فإنَّ الشهادة لا تضره فيها بل من أعظم المنافع.
واعلم أنَّ في (حتى) يأْتيَ تنازُع فعلين.
قلتُ: لو قال: عاملَين كان أجود؛ لأن أحدهما اسمٌ، وهو قائمةً، وأما الغاية في (حتى)، فالفرق بينها وبين (إلى): أن مجرور (حتى) يجب أن يكون آخر جزءٍ من الشيء أو ما يُلاقي آخر جزءٍ منه، وإليه أَشار في "الكشاف" في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ﴾ [الحجرات: ٥].
وفي الحديث حُجة الإجماع.
قيل: ويدل على امتِناع خُلوِّ العصر عن المُجتهد.
قال (ط): وعلى فَضْل العُلماء على سائر الناس؛ أي: ولهذا قال البخاريُّ في موضع: إنَّ الطائفة المذكورة هم أَهل العِلْم، وقال أحمد: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أَدري مَن هم؟.
قال القاضي: أراد أحمد أهلَ السنَّة والجماعة.
قال (ن): إنَّهم مفرَّقون في المؤمنين، منهم فُقهاء، ومنهم مُحدِّثون، ومنهم زُهَّاد إلى غير ذلك.
وفيه: فضل الفقه على سائر العُلوم، وأنَّه ﷺ لم يستأثر عليهم في مال الله، وقد قال: (ما لي مما أَفاء الله عليكم إلا الخمُس، والخمُس مردودٌ فيكُم)، وطيَّب قلوبهم بقوله: (إنما أنا قاسم)، وعلى
стр. 424
أن أُمته خير الأمم، وأن عليها تقوم الساعة.
وأما حديث: "لا تقُومُ السَّاعة إلا علَى شِرار الخَلْق"، وحديث: "حتى لا يقُولَ أَحدٌ: اللهَ الله"، فجواب ذلك: أن العُمومات في مثله أُريد بها خُصوصٌ من حيث إنَّ أهل الحقِّ مُنحازين في موضعٍ، ولهذا جاءتْ روايةٌ في حديث "لا تزال طائفة": قيل: وأين هم، يا رسول الله؟، قيل: ببيْت المقدِس، أو أَكناف بيت المقدِس.
قال (ن): أو أن المراد مِن أمر الله: الريح اللَّيّنة التي تأْتي قرب القيامة، فتأخذ روح كل مؤمن ومؤمنة، والحديثان المتقدمان على ظاهرهما، أو ذاك عند القيامة.
١٤ - بابُ الفَهْمِ فِي العِلْمِ
(باب الفهم في العلم)
بمعنى المعلوم؛ أي: إدراك المعلومات، وإلا فالفهم نفس العلم كما فسَّر به الجَوْهري.
٧٢ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ لِي ابنُ أَبِي نَجيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: صَحِبْتُ ابنَ عُمَرَ إِلَى المَدِينَةِ فَلَم أَسْمَعهُ يُحَدِّثُ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا، قَال: كنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأُتِيَ بِجُمَّارٍ
стр. 425
فَقَالَ: "إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثَلُهَا كمَثَلِ المُسْلِم"، فَأَردتُ أَنْ أقولَ هِيَ النَّخْلَةُ، فَإذَا أَناَ أَصغَرُ القَوْمِ، فَسَكَتُّ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "هِيَ النَّخْلَةُ".
(علي)، قال (ك): في نُسخةٍ: (هو ابن عبْدِ الله)؛ أي: ابن المَدِيْني، والظاهر أنَّ ذلك من قول الفِرَبْرِي، أو راوٍ آخَر من رُواة الصَّحيح.
واعلم أن ما رواه البخاري من العَنْعنة في السَّنَد محمولٌ على أنَّه ثبَت السَّماع؛ لأنَّه لا يكتفي بإِمكانه كما يكتفي به مسلم.
وأما (قال): فإنما تُذكر عند المُذاكرة كما سبَق أن البخاري قال: كلُّ ما قلتُ: قال لي فلانٌ؛ فهو عرْضٌ ومُناولةٌ، فما رُوي عن سُفْيان من قوله: (قال لي ابن أَبي نَجيح) يحتمل أنْ يكون عَرْضًا لسُفْيان أيضًا.
(إلى المدينة)؛ أي: طَيْبة، فاللام للعهد، والظاهر أنَّ مَبْدأ صُحبته إياه كان من مكة.
(إلا حديثًا واحدًا) يريد به الحديث الذي بعدَه متصلًا به؛ وذلك لأن ابن عُمر كان متوقِّيًا الحديثَ عن النبي ﷺ ، وقد كان عَلِمَ قول أبيه: أَقِلُّوا الحديثَ عن رسول الله ﷺ ، وأَنا شَريكُكم.
قلت: كذا قال (ط).
ورد عليه بأن ابن عمر كان من المكثرين، وإنما ذلك لعدم سؤاله
стр. 426
أو لعدم نشاطه أو نحو ذلك.
(فأُتي) بضم الهمزة، (بجمار) بضم الجيم، وتشديد الميم: قَلْب النَّخلة وشَحْمتُها.
(مثلها) بفتح الميم، والثاء: صِفَتها؛ أي: العَجيبة؛ لأنَّه لا يُستعمل إلا كذلك، وإنْ كان لغةً للأعمِّ.
ووجْه الشَّبه سبَق في: (باب قول المحدِّث: حدَّثنا وأخبرَنا).
(أن أقول)؛ أي: في جواب ذلك.
(فسكتُّ) بضم التاء للمتكلم؛ أي: حياءً وتعظيمًا للأكابر كما سبق.
قال (ط): لا يتمُّ العلم إلا بالفَهم.
وكذا قال علي ﵁: ما عِنْدنا إلا كتابُ الله أو فَهمٌ أُعطيَه رجلٌ مؤمنٌ، أي: لأنَّ بالفَهْم تتبيَّن معاني كتاب الله وأحكامه، ولهذا قال عليه الصلاة السلام: "رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لا فقه لَهُ"، وقال [مالك]: ليس العِلْم بكثْرة الرواية، إنما هو نورٌ يضعه الله في القُلوب؛ أي: فهو فهم المعاني؛ فمن أراد الفهم فليُحضِر خاطرَه، ويفرِّغ ذهنه، وينظُر إلى بِسَاط الكلام، وينظر اتصاله بما قبله، وانفصاله، ويسأل ربه أن يُرشده إلى إصابة المعنى، ولا يتمُّ ذلك إلا لمن عرف كلام العرب، ووقف على أَغْراضها في مخاطبتها؛ ألا ترى أن ابن عُمر فَهِم من بِساط الحديث، ونفْس القصة: أنَّ الشجرة هي النخلة بقرينة إتيانه بالجُمَّار،
стр. 427
وقوَّى ذلك عنده قوله تعالى: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤].
* * *
١٥ - بابُ الاِغْتِبَاطِ فِي العِلْمِ وَالحكمَةِ
وَقَالَ عُمَرُ: تَفَقَّهُوا قَبْلَ أَنْ تُسَوَّدُوا.
(باب الاغتباط في العلم والحكمة)
الاغتباط افتعالٌ من الغِبْطة، وهو تمنِّي مِثْل ما للمَغبوط من غير زوالٍ عنه بخلاف الحسَد، فإنَّه مع تمني الزَّوال عنه، والافتِعال يدلُّ على التصرُّف والسَّعي.
والمراد بالحِكْمة معرفة الشَّيء على ما هو عليه، فهو بمعنى العِلْم، وعَطْفُه عليه عطف تفسيريٌّ، إلا أنْ يُفسَّر العلم بالمعنى الأعم من اليقين، أو تفسير الحكمة بما يتناول سَداد الأمر.
(وقال عمر)، قلتُ: أخرجه البيهقي في "المدخل" بسنده، وابنُ أبي شَيبة، وابن عبد البَرِّ، وليس هو من تمام الترجمة إلا أنْ يُقال: الاغتباط في الحكمة على القَضاء لا يكون إلا قبل كَون الغابِط قاضيًا، ويؤوَّل حينئذٍ بمصدرٍ؛ أي: وقولِ: (تفقهوا) في نسخةٍ: (تَفهَّمُوا).
(تُسوَّدوا) بضم التاء وتشديد الواو؛ أي: تعظُموا، وتصيروا سادةً، مِن سَادَ قومَه يسودُهم سيادةً، والمراد: تعلموا العلم صغارًا
стр. 428
قبل أن تصيروا رُؤساءَ منظورًا إليكم، فإنكم حينئذٍ تأْبَوا، فتبقُوا جُهَّالًا، فتحتاجوا أنْ تأْخذوا من الأَصاغر، فيُزْري ذلك بكم، وهو شَبيهٌ بقول ابن المُبارَك: لا يَزال الناس بخيرٍ ما أَخذوا العلم عن أكابرهم، فإذا أَتاهم من أَصاغرهم فقد هلَكُوا.
قال ابن مَعِيْن: مَن عاجل الرئاسة فاتَه عِلْمٌ كثيرٌ.
وقيل: المراد أن السيادة تحصُل بالعلم، وكلَّما زاد العلم زادت السِّيادة، فقصَد عُمر الحثَّ على الزيادة منه قبل السيادة لتعظُم السيادة به.
قال (ك): قال أبو عبد الله؛ أي: البخاري: وبعدَ أنْ تَسُودوا، وقد تعلَّم أصحابُ النبي ﷺ في كِبَر سِنهم.
وأقول: ولا بُدَّ من مقدَّرٍ يتعلق به لفظ: (وبعدَ)، والمناسب أن يقدَّر لفْظ: وتفهَّموا، بمعنى الماضي، فيكون لفظ: (وتسودوا) بفتح التاء ماضيًا كما أنَّه يحتمل أن تكون: تَسودُّوا من التَّسويد الذي هو من السَّواد؛ أي: بعد أنْ تَسْوَدَّ لِحيتُهم مثلًا؛ أي: في كبَرهم، أو بعد زوال السَّواد بالشَّيب، والله أعلم، انتهى.
وكأَنَّ هذه الزيادة وقعتْ له في نسخةٍ، ولا يخلو ما قالَه فيها من نظَرٍ.
* * *
٧٣ - حدثنا الحُمَيْدِيُّ قالَ: حدَّثنا سُفْيانُ قالَ: حدّثنِي إِسْمَاعيلُ
стр. 429
ابنُ أبِي خالِدٍ عَلَى غَيْرِ ما حَدَّثَنَاهُ الزُّهرِيُّ قالَ: سَمعتُ قَيْسَ بنَ أَبِي حازِمٍ قالَ: سَمعتُ عبدَ الله بن مسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الحِكْمَةَ، فَهْوَ يَقْضِي بِها وَيُعَلِّمُها".
(على غير ما حدثناه الزُّهري)؛ أي: أنّه سمع ذلك من إسماعيل على وجْهٍ غير الذي حدَّث به الزُّهري، إما لمُغايرته متْنًا أو سنَدًا، وفائدته التَّقوية بكثْرة الطُّرُق سنَدًا.
قلتُ: وقائل ذلك هو سُفْيان.
قال (ع): إنَّ البخاري أخرجه في (كتاب التوحيد).
(لا حسد) يحتمل أن المراد: لا غِبْطةَ كما أشار إليه بالترجمة.
قلت: ويُؤيده ما رواه البخاري في (باب اغتباط صاحب القرآن) في حديث: "وسَمِعَه جارٌ لَهُ فقال: لَيْتَني أُوتيتُ مِثْلَ ما أُوتيَ".
ويحتمل أنَّ الحسد على حقيقته، ويكون المستثنى مُخرَجًا من الحسَد الحرام كما رُخِّص في نوعٍ من الكذب، فالاستثناء على الأول من غير الجنس، وعلى الثاني منه.
وقال (خ): معنى الحسد هنا شِدة الحِرْص والرغبة، كنَّى بالحسد عنها؛ لأنَّه سبَبه والداعي إليه.
ومعنى الحديث الترغيب في التصدُّق بالمال، وتعليم العِلْم.
وقال عبد الله بن أحمد: أنَّه وجدَه في "المسنَد" بخطِّ أبيه بلفْظ:
стр. 430
(لا تَنافُسَ بَينَكُم إلا في اثنتَينِ)، وعلى هذا فالمراد بـ (لا حسَدَ) نفْي مَشروعيته، أو النَّهي عنه إلا في الخَصلتين المذكورتين، وإلا فقد يُوجد الحسد، فكيف يُنفَى؟
قال (ك): ويحتمل أن يكون ذلك من قَبيل: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إلا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦]، كأنَّه قيل: لا حسَد إلا في هذين، والذي فيها غِبْطة، فلا حسدَ أَصلًا.
(إلا في اثنتين)، قال (ن): فإنْ قيل: الحسَد قد يكون في غيرهما فما وجْه الحَصر؟
قيل: إما لأنَّ القصد: لا حسَدَ جائزٌ في شيءٍ إلا في اثنتين، أو لا رُخصةَ في الحسَد إلا فيهما، أو نحو ذلك.
(رجل) بالجرِّ بدَلٌ من (اثنتين) على حذْف مضافٍ؛ أي: خصلةِ رجلٍ، وبالنَّصب بإضمار: أعني، وبالرفْع بإضمارِ مبتدأ، أي: إحداهما.
(هلكته) بفتح اللام؛ أي: هلاكِه، ففيه مُبالغتان: التَّعبير بالتَّسليط المقتضِي للقِلَّة، وبالهلَكة المشعِر بفَناء الكلِّ.
(في حق) لإخراج التَّبذير، وهو صرف المال فيما لا ينبغي.
(الحكمة) قيل: القرآن، وسيأْتي في (فضائل القرآن): (عَلَّمَه اللهُ القُرآنَ، وهُو يتْلُوهُ آناءَ اللَّيلِ والنَّهارِ).
قلتُ: وربَّما يُطلق على السنَّة كما قاله الشافعي في "الرسالة" في مواضِعَ في نحو قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣].
стр. 431
وإنما نكَّر (مالًا)، وعرَّف: (الحِكْمة)؛ لأنَّ المراد بها معهودٌ، وهو ما جاء الشَّرع به، فهو كمالٌ عِلميٌّ يُفضي إلى الكمال العَمَلي بخلاف المال، فإنَّ المراد العُموم حتى يدخل مَن أنفق أَيَّ قدرٍ كان.
وفي إِيْراد الحكمة أيضًا مبالغة؛ لأنَّها العلْم الدَّقيق، ومبالغةٌ أخرى في قوله: (يَقْضِي بها)، فإنَّ القضاء بين الناس، وتعليمهم من أخلَاق النُّبوَّة.
قال (خ): ففي الحديث: التَّرغيب في التصدُّق، وتعلُّم العِلم.
وقال (ط): وفيه أنَّ الغنيَّ إذا قام بشُروط المال، وفعَل فيه ما يُرضي ربَّه كان أفضَل من الفَقير العاجز عن ذلك.
* * *
١٦ - بابُ مَا ذُكرَ فِي ذَهابِ مُوسَى صَلى اللهُ عَلَيهِ فِي البحْرِ إِلَى الْخَضِرِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف: ٦٦]
(باب ما ذكر في ذهاب موسى في البحر إلى الخضر)، بفتح الخاء، وكسر الضاد، وقد تُسكَّن، وقد تُكسر الخاء مع ذلك كما في نظائره، وهو لقَبٌ له؛ لأنَّه جلَس على فَروةٍ بيضاءَ؛ أي: وجْه الأَرض اليابِس، فاهتزَّتْ من خَلْفه خضراءَ كما سيأتي ذلك في (كتاب الأنبياء) مرفوعًا، أو أنَّه كان إذا صلَّى اخضرَّ ما حولَه.
стр. 432
وكُنيته أبو العبَّاس، وفي اسمه أقوالٌ، أشهرها: بَلْيَا بمُوحَّدةٍ مفتوحةٍ، ولامٍ ساكنةٍ، وياءٍ، ابن مَلْكان بفتح الميم، وسُكون اللام، وبالكاف.
قلتُ: وقيل: إِلْيَاس، واليَسَع، وعامِر، وأحمد فيما حكاه القُشَيري، ووهَّاه ابن دِحْية بأنَّه لم يُسمَّ قبل نبيِّنا ﷺ أحدٌ بأحمد، وقيل غير ذلك.
واختُلف أيضًا في نبوَّته.
قيل: نبيٌّ، وجزم به جمعٌ؛ لقوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢]، ولكونه أعلَم من موسى، والوليُّ لا يكون أعلَم من النبيِّ.
وأجيبَ: بأنَّه يجوز أنْ يكون قد أَوحى الله إلى نبيِّ ذلك العصر أنْ يأتي الخَضِرَ بذلك.
وفي "الكشاف": كان الخَضِرُ في أيامِ أَفْريدُون قبل مُوسى، وكان على مُقدِّمة ذِي القَرنين الأكبر، وبقِيَ إلى أيام موسى.
قال: والمراد بالرَّحمة في قوله تعالى: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الكهف: ٦٥] هي الوَحْي.
وقيل: نبيٌّ مرسَل، وقيل: مَلَكٌ، وقيل: وليٌّ.
واختُلف في حياته، فقال ابن الصلاح: جمهور العلماء والصالحين على أنَّه حيٌّ، والعامة معهم في ذلك.
وكذا قال (ن): أَنَّ الأكثر عليه، واتفاق الصُّوفية، وإجماع كثيرٍ
стр. 433
من الصالحين عليه.
وذكر الثَّعلَبي ثلاثةَ أقوالٍ في أنَّه هل كانَ في زمَن إبراهيم ﵇ أم بعدَه بقليلٍ أم بكثيرٍ؟، وقال: إنَّه نبيٌّ معمَّرٌ على جميع الأقوال محجوبٌ عن الأبصار.
وقيل: لا يموت إلا في آخِر الزمان حين يُرفع القرآن، وفي أَواخر "مسلم" في حديث الدَّجَّال: "أنَّه يَقتُل رجُلًا ثم يُحييهِ"، قال إبراهيم بن سُفْيان صاحبُ مسلم: إنَّه الخَضِر.
ولا إشكالَ في اقتِباس موسى منه؛ لأنَّه إما نبيٌّ مثلُه، فلا امتناعَ من ذلك، وإما بإرادة الله فلا نقْصَ.
(الآية) فيه النصب والرفع والجر.
* * *
٧٤ - حَدَّثَنَي مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صالحٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ حَدَّثَ: أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حصْنٍ الْفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، قَالَ ابْنُ عَبَّاس: هُوَ خَضِرٌ، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي تَمَاريتُ أَناَ وَصَاحِبِي هذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ شَأنهُ؟ قَالَ: نعم، سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "بَيْنَمَا مُوسَى فِي ملإ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، جَاءَهُ
стр. 434
رَجُلٌ فَقَالَ: هلْ تَعلَمُ أَحَدًا أَعلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا، فَأوْحَى اللهُ إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُناَ خَضِرٌ، فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ اللهُ لَهُ الحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقدتَ الحُوتَ فَارجع، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، وَكَانَ يتَّبعُ أثَرَ الحُوتِ فِي البَحرِ، فَقَالَ لِمُوسَى فَتاهُ: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوينَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ، وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ، قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نبغِي، فَارتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأنِهِمَا الَّذِي قَصَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ".
سنَده كله مَدَنيُّون.
(تمارى)؛ أي: تجادلَ واختلَف.
(هو والحر بن قيس) لابن عبَّاسٍ في القصَّة مما رآه مع اثنين مع هذا.
(في صاحب موسى)؛ أي: الذي ذهب إليه، ومع نَوْف البِكالي في موسى: أَهُو ابن عِمْران أو غيرُه؟
(فدعاه) قال السَّفَاقُسي، أي: قامَ إليه؛ فإن ابن عبَّاس: آدب من أنْ يدعو أُبَيَّ بن كعب مع جلالته إليه، وقيل: المراد نادَاه، وهو واضحٌ.
قلتُ: في روايةٍ: (فمَرَّ بهما أُبَيُّ بن كَعْب، فدَعاه ابن عبَّاسٍ، فقال: يا أَبا الطُّفَيْل، هلُمَّ إلينا، فإِنِّي تماريتُ أَناَ وصاحِبي هذا) الحديثَ، وليس في دُعائه أن يجلِسَ عندهما لفَضل الخُصومة ما يُخل بالأَدب.
стр. 435
(لقيه) بضم اللام، وكسر القاف، وتشديد الياء مصدرٌ، يُقال: لقيَه لقاءً، ولُقِيًّا بالتشديد، ولُقًى بوزْن: هُدًى -بالقصر والمد أيضًا-.
(ملأ) -بالقصر-: الجَماعة.
(بني إسرائيل)؛ أي: أولاد يعقوب.
(عبدنا) الأصل أنْ يُقال: عبد الله، ولكنْ هذا على سبيل الحِكاية عن قوله تعالى.
(خضر) وفي بعضها: (الخَضِر). قال (ك): دخلتْ عليه اللام مع أنَّه عَلَمٌ؛ تنْزيلًا له مَنْزلة الجنْس كفرَس، فتأْويله بواحدٍ من الأمة، فتدخلُه اللام والإضافة.
قلتُ: إنما يُعدل لمثْله إذا حسُن التَّكبير كقوله:
علا زَيدُنا يومَ النقاءِ رأْسَ زَيدِكُم
والأحسن أنْ يُقال: دخلت اللام هنا لِلَمْح الأصل كالعبَّاس، وإنما لم يُعطف على كلام موسى؛ لأنَّه من متكلمٍ غير الأول.
(قال موسى)؛ أي: قال: فادلُلْني عليه.
(فجعل الله له الحوت آية)؛ أي: علامةً، وقال له: اطلُبْه على السَّاحل عند الصَّخْرة، قال: كيفَ لي به؟ قال: تأْخُذ حُوتا في مِكْتَل، فحيثُ فقدتَه فهو هنالك.
قيل: فأَخَذ سمكةً مملُوحةً، فقال لفَتاه: إذا فَقدتَ الحوتَ فأخبِرني، فاضطَرب الحوتُ ووقَع في البحر، وقيل: نزل على شاطئ
стр. 436
عينٍ من عين الحياة، فلمَّا أَصابَ السَّمكةَ رَوح الماء وبَرده عاشتْ.
وقيل: توضَّأَ يُوشَع من تلْك العَين، فانتضَح الماءَ على الحُوت، فعاشَ، ووقَع في الماء.
(فتاه)؛ أي: صاحبه يُوشَع، بضم الياء وفتح المعجمة، والعين المهملة، ابن نون، وهو مصروفٌ كنوح، وإنما قيل فتاه؛ لأنَّه كان يخدمه ويتبعه، أو يأخذ العلم عنه.
(نسيت)؛ أي: نسيتُ تفقُّد أمره مما جُعل أمارةً.
(قال ذلك)؛ أي: قال موسى: فُقدان الحوت هو القصْد والبِغْية.
(نبغي)؛ أي: نطلُب، و (نَبْغِ) حُذفت ياؤه تخفيفًا نحو: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ [الفجر: ٤]، وكان ذلك بمَجْمَع البحرين: فارِس والرُّوم مما يلي الشَّرق.
(فارتدا)؛ أي: رجعا.
(قصصًا)؛ أي: يقُصَّان قَصَصًا؛ أي: يتبَعان آثارهما اتباعًا.
(من شأنهما)؛ أي: الخَضِر وموسى، والإشارة إلى قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى﴾ [الكهف: ٦٦] إلى آخر القصة.
قال (ط): في الحديث: جواز التَّماري في العِلْم إذا كان كلٌّ يطلب الحق لا التَّعنُّت، والرُّجوعُ إلى قول أَهل العلم عند التَّنازع، والرغْبة في المزيد من العِلْم، والحِرْص عليه، ولا يقنع بما عنده كما
стр. 437
لم يَكتفِ موسى بعلمه.
وفيه: وجوب التواضُع، فإن الله عاتبَه حين لم يردَّ العلم إليه، وأراه مَنْ هو أعلم منه، وحملُ الزَّاد وإعداده في السَّفَر بخلاف قول الصوفية، وأنَّه لا بأْس على العالم أن يخدمه المفضُول ويقضي حاجتَه، وأنَّه ليس مِن أَخْذ العِوَض على التعليم بل من المروءة وحُسن العشرة.
* * *
١٧ - بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "اللهُمَّ عَلِّمْهُ الكتَابَ "
(باب قول النبي ﷺ : اللهم علمه الكتاب)
اختُلف في نحوه مما صرِّح في الباب بسنَده هل هو تعليقٌ؟
٧٥ - حَدَّثَنَا أَبو مَعمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ضَمَّنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ: "اللَّهُمَّ عَلِّمهُ الكِتَابَ".
رجالُ سنَده أو أكثرُهم بصريُّون.
(ضمني)؛ أي: إلى نفْسه.
(اللهم) ميمه عِوضٌ من حرف النداء، ولا يجتمعان إلا شُذوذًا، وذلك من خصائص هذا الاسم الشريف ليتميز نداؤُه عن نداء غيره، وإنما كانت ميمًا لقُربهما من حروف العِلَّة كالنون في الآخِر، وشُدِّدت
стр. 438
لأنَّها خلَفٌ من حرفين، واختيار سِيْبَوَيْهِ أن لا يوصَف؛ لأن وُقوعَ خَلَفِ حرفٍ بين الموصوف والصفة كوُقوع حرف النداء فيهما.
وقال الكوفيُّون: يا اللهُ أُمَّ، أي: اقصُد بخيرٍ.
(الكتاب)؛ أي: القُرآن إما للعُرف فيه، أو اللام للعهد، أو لأن الجنْس المطلَق يُحمل على الكامِل، والمراد تعليم لفظه باعتبار دلالته على مَعانيه، أي: أحكام الدِّين، وفي: (عَلِّمْه) حذْف المفعول الثاني والثالث؛ لدَلالة السِّياق عليه، ودَعوة النبي ﷺ فقد كان ابن عبَّاس بَحْر العِلْم وحَبْر الأُمة.
وفي الحديث الحثُّ على تعليم القرآن، والدُّعاء إلى الله تعالى في ذلك، ورواه البخاري في (فضائل الصحابة) بلفْظ: (عَلِّمه الحِكْمَةَ)، وفي (الوضوء): (اللَّهمَّ فَقِّهْهُ في الدِّين).
وتأوَّلوا الحِكْمة بالقُرآن في قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩]، وبالسنَّة في قوله تعالى: ﴿ويُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ٤٨]، والكلُّ صحيح، فلقد كان عالمًا بالقرآن والسنَّة.
١٨ - بابٌ مَتَى يَصح سَمَاعُ الصَّغيِر
(باب متى يصح سماع الصغير)
وفي بعضها: (الصَّبيِّ الصَّغير)، ومعنى صِحَّته: أنَّه إذا رواه بعد
стр. 439
البُلوغ يُعمَل به.
* * *
٧٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُويسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالكٌ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارٍ أتانٍ، وَأَناَ يَوْمَئِذٍ قَدْ ناَهزْتُ الاِحتِلَامَ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِمِنًى إِلَى غيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَيْن يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ وَأرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرتعُ، فَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَم يُنْكَرْ ذَلِكَ عَلَيَّ.
(أتان) بالمُثنَّاة؛ أي: أنثى الحمير، ولا يُقال: أَتانَةٌ بخلاف حِمارة، وهو بالجرِّ بدَلٌ من حمار، أو وصفٌ على معنى: أُنثى، وقيل: على معنى: صُلْبٌ قويٌّ، لأن الأتان يُطلق على الحجَر الصُّلب، ويُروى بإضافة (حمارٍ) إلى (أتان)، أي: حمار هذا النوع، وهو الأَتان، وإنما لم يقُل حمارة، ويكتفي عن تعميم حمار، ثم تخصيصه؛ لأن التاء تحتمل الوَحْدة، كذا قال (ك)، وفيه نظَرٌ؛ فإن حمار مفردٌ لا اسم جنْس جمعيٍّ كتَمر.
(ناهزت) بالزاي، أي: قاربتُ.
(الاحتلام)؛ أي: البُلوغ لا خُصوص الحكم، وهو ما يَراه النائم من الماء.
قيل: وفيه دليلٌ للواقدي وغيره: أنَّه حين وفاة النبي ﷺ كان
стр. 440
عمُره ثلاثة عشر سنةً، أو خمسةَ عشرَ كما صوَّبه أحمد، لا عشرة كما هو قول ثالث.
قلتُ: مُناهَزة الاحتلام تصدُق من تَمام التِّسعة، فلا يُرَدُّ بذلك على من قال: عشرة.
(بمنى) بالصَّرف وتركه باعتبار كونه علَم البُقعة، أو المَكان، وظاهر كلام الجَوْهري أنَّه مذكَّر، فيكون مصروفًا فقط.
قال (ك): والأجود صَرْفه، وكتابته بالأَلِف لا بالياء، سُمي مِنَى لما يُمنَى فيه من الدماء، أي: يُراق.
(إلى غير جدار)؛ أي: غير سُترة بالكلِّية، وإنْ كان لا يلزم من كونه إلى غير ذلك أنْ لا يكون سُترةٌ أُخرى، لأن مع السُّترة ليس مَظِنَّة الإنكار، وهو يُريد أنْ يذكر أنَّه لم يُنكروا عليه لصِغَره مع وجود مَظِنَّة الإنكار، وأنَّ المصلِّي إذا لم يجعل سُترةً يجوز المرور بين يدَيه، فقصد ابن عبَّاس الاستدلال على ذلك لعدَم الإنكار عليه.
(بين يدي)؛ أي: قُدَّام.
(بعض الصف) يحتمل الجنْس، أي: بعض الصُّفوف، ويحتمل بعض صفٍّ ولو كان واحدًا.
(ترتع) بضم العين؛ أي: تُسرع في المشي، وقيل: تأكل، مِن رتعت الإبلُ: إذا رَعَتْ، وقيل: تأكُل ما تشاء، وقيل: إنَّه بكسر العين من الرعي.
стр. 441
قال (ش): وصوَّب الأولَ روايةُ البخاري في (الحج): (ثم نَزلْتُ عنها، فرتَعتْ)، وفيه نظَرٌ؛ لجواز وُقوع الأمرَين، فرُوي كلٌّ منهما.
(تنكر) بكسر الكاف، أي: لم يُنكره النبي ﷺ ، وبالفتح على البناء للمفعول، أي: لم يُنكره لا هو ولا غيره.
وإنما أدخل البخاري هذا الحديث في ترجمة (سماع الصبي)، وليس فيه سماعٌ لتَنْزيل عدَم الإنكار بمنزلة قوله: إنَّه جائرٌ، سمعه منه، ومراده في الترجمة بالصِّغر من هو قبْل البلوغ حتى يشمل مناهزة البُلوغ.
ففي الحديث صحة صلاة الصبي، وأنَّ مُرور الحمار لا يقطَع الصلاة، وجواز تلقِّي الصغير وتأديبه بعد البُلوغ، وكذا شهادته فيما تحمَّله قبل البلوغ، والاحتجاج بعدَم إنكار النبي ﷺ على جواز النقل والركوب إلى صلاة الجماعة، وأنَّ الامام يُصلي إلى غير سُترةٍ.
* * *
٧٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أبَو مُسْهِرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنِي الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحمُودِ ابْنِ الرَّبِيعِ قَالَ: عَقَلْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَجَّةً مَجَّها فِي وَجْهِي وَأَناَ ابْنُ خَمسِ سِنِينَ مِنْ دَلْو.
(عقلت)؛ أي: عرَفْتُ.
(مجَّها)؛ أي: رمَى، أي: مع نفخ، وقيل: لا يكوم مَجًّا حتى
стр. 442
يُباعِدَ به، والضمير فيه نصبٌ على أنَّه مفعولٌ مطلقٌ، ويحتمل أنَّه مفعول به.
(من دلو)؛ أي: من ماءِ دَلْوٍ، وذلك كان في بئرٍ من دارهم.
(وأنا ابن) جملةٌ حاليةٌ من التاء في (عقَلْتُ)، أو من الياء في (وَجْهي).
وقد تعقَّب ابنُ أبي صُفْرة على البخاري ذِكْرَ حديث محمود في الترجمة، وإِغْفال حديث ابن الزُّبير: أنَّه رأَى أباه يختلِفُ إلى بني قُريظَة يوم الخنْدق وعمُره أربع سنين.
وأُجيب بأنَّه ليس في ذلك سماع علْمٍ من النبي ﷺ بل مجرَّد تردُّد أبيه بخلاف ابن عبَّاس فإنَّه نقَل عنه سُنَّةً في المرور، ومحمود نقَل مُعجزةً بالمَجَّة التي أفادتْه التَّزكية، وأيضًا فحديث ابن الزُّبير قد لا يكون على شرْط البخاري، وأما قَدح الجواب بأنَّه قال لأبيه: رأَيتُك تختلِفُ، فقال له: يا بُنيَّ، إنَّ رسول الله ﷺ أَمَرني أنْ آتيَه بخبرهم، ففيه نظَرٌ؛ لأنَّه لم يَنقُل عن النبي ﷺ بل عن أبيه، وأيضًا فيحتمل أنَّ ذلك عن أبيه كان بعد البُلوغ.
وفي الحديث إباحة مَجِّ الرِّيق على الوجْه لمصلحةٍ، وطهارتُه، وغير ذلك، وثُبوت صحبته بذلك؛ لأنه مسلم رأَى النبيَّ ﷺ .
وفيه جواز مُداعَبة الصبيِّ.
قلت: إلا أنْ يكون المَجُّ لمعنًى آخَر.
* * *
стр. 443
١٩ - بابٌ الخُرُوجِ فِي طَلَبِ العِلْمِ
وَرَحَلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُنيسٍ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ.
(باب الخروج في طلب العلم)
قال (ك): أخرج فيه حديث موسى والخَضِر، وليس فيه إلا الخُروج إلى البَحْر، والسَّفَر فيه مع كونه خَطِرًا، فالسَّفَر في البَرِّ أَولى، وفيه نظَرٌ، فالخروج أعمُّ.
(في حديث واحد) قال (ط): هو حديث السَّتْر على المُسلم.
قلت: لكنْ ردَّ ذلك بأنَّ ذاك إنما رحَل فيه أبو أيُّوب الأنصاري إلى عُقْبة بن عامِر، أخرج الحاكم أنَّه أَتى إلى عُقبة، فقال: ما جاءَ بكَ؟ فقال: حديثٌ لم يَبْقَ أحدٌ سمعه من رسول الله ﷺ غَيري وغَيرُك في سَتْر المُؤمِن، فقال عُقبة: نعَمْ، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ سَتَر مُؤْمنًا في الدُّنيا سَتَره اللهُ يَومَ القِيامةِ"، وإنما الحديث الذي رحَل فيه جابِر في المظالم والقِصاص، وقد أشار البخاري إليه في "كتاب الرَّد على الجَهْميَّة" في (باب ولا تنْفع الشَّفاعة عنده إلا لمن أَذِنَ له)، فقال: ويُذكر عن جابر عن عبد الله بن أُنَيْس: سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: "يَحشُرُ اللهُ العِبَادَ" الحديثَ، إلا أنَّه هناك بصيغة التَّمريض، وجزَم هنا به.
стр. 444
وفيه رَدٌّ على مَن قال: إنَّ قاعدة البُخاري في التعليق ضَعْف ما هو بصِيغة التَّمريض، وصِحَّة ما هو بالجزم.
قلت: قد يُجاب بأنَّ الذي جزم به الرِّحلة لا الحديث، وقد أَخرج هذا الحديثَ الحارِث بن أبي أُسامة في "مسنده"، وأنَّه سمعه من ابن أُنيسٍ بالشام، والخَطيبُ في كتاب "الرِّحلة"، وأحمد، والطَّبَراني، وأَخرج البخاري في "كتاب الأَدب" عن همَّام، وذكَر جماعةً رحَل كلٌّ في حديثٍ واحدٍ لا نُطوِّل بذِكْرهم.
* * *
٧٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسم خَالِدُ بْنُ خَلِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: قَالَ الأَوْزَاعِيُّ: أخبَرَناَ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ابْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ فِي صَاحِبِ مُوسَى، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كعبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: إِنِّي تَمَاريتُ أَناَ وَصَاحِبِي هذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هلْ سَمِعتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَذْكرُ شَأْنهُ؟ فَقَالَ أُبَيٌّ: نعم، سَمِعتُ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنه يَقُولُ: "بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلإٍ مِنْ بَنِي إِسرَائِيلَ، إِذْ جَاءَهُ رَجل فَقَالَ: أتعلَمُ أَحَدًا أَعلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ مُوسَى: لَا، فَأَوْحَى اللهُ إِلَى مُوسَى: بَلَى، عَبْدُناَ خَضِرٌ، فَسَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، فَجَعَلَ اللهُ لَهُ الحُوتَ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدتَ الحُوتَ فَارْجِع، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ، فَكَانَ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ يَتَّبِعُ أثَرَ
стр. 445
الحُوتِ فِي البَحرِ، فَقَالَ فتى مُوسَى لِمُوسَى: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوينَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ، وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ، قَالَ مُوسَى: ذَلِكَ مَا كنَّا نبغِي، فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا، فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا مَا قَصَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ".
(تمارى والحر) فيه العطْف على الضَّمير المرفوع المتصِل بلا فَصلٍ، والحُرُّ بضم المهملة وتشديد الراء.
(حصن) بكسر المهملة، وسُكون الصاد المهملة.
(الفزاري) بفتح الفاء، وتخفيف الزَّاي، وبعد الأَلف راءٌ، ووقَع بين ما هنا والحديث السابق تفاوُتٌ يسيرٌ سَهْلٌ.
* * *
٢٠ - بابُ فَضْلِ مَنْ عَلِمَ وَعَلّمَ
(باب فضل من علم وعلم)
٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاء، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ مِنَ الهُدَى وَالعِلم كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْها نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ المَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الكَلأَ وَالعُشْبَ الكَثيرَ، وَكَانَتْ مِنها أَجَادِبُ أَمسَكَتِ المَاءَ، فَنَفَعَ اللهُ بِها النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا
стр. 446
وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنها طَائِفَةً أُخْرَى، إنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمسِكُ مَاءً، وَلَا تُنْبِتُ كَلأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقِهَ فِي دِينِ اللهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لم يَرْفَع بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَم يَقْبَلْ هُدَى اللهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ".
قَالَ أبَو عَبْدِ اللهِ: قَالَ إِسْحَاقُ: "وَكَانَ مِنْها طَائِفَةٌ قَيَّلَتِ المَاءَ": قَاعٌ يَعلُوهُ المَاءُ، وَالصَّفْصَفُ: المُسْتَوِي مِنَ الأرضِ.
إسناده كوفيون، وفيه لطيفةٌ: وهي رواية بُريد عن جده، وجده عن أبيه.
(مثل) بفتح المُثلَّثة، أي: الصفة التي تكون عجيبةً كما ذُكر مرارًا.
(الهدى) هو الدلالة المُوصِلة للقَصْد.
(والعلم) هو صفةٌ توجِب تمييزًا لا يحتمِل النَّقيضَ، وعطف على (الهدى) إما لأن العِلْم راجعٌ لنفسه، والهدى راجعٌ للغير، وإما أنَّ الهدى الدلالة، والعلم المدلول، والمراد الطريقة والعمَل.
(الغيث) عبَّر به دُون غيره من أسماء المطر لاضطِرار الخلق كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ [الشورى: ٢٨] فالعِلْم يُحيي القُلوب -لا سيَّما وقد كانتْ ماتتْ قبل المَبْعَث- كما أنَّ الغَيث يُحيي الأرضَ.
(نقية) بنونٍ مفتوحةٍ، وقافٍ، أي: طيِّبةٌ كما عبَّر به في رواية
стр. 447
مسلم، ويُروى: (نفْعة)، وحكى السَّفَاقُسي عن (خ): (ثَغْبَة) بفتح المُثلَّثة، وبغين معجمةٍ ساكنة أو مفتوحة، وهو مُستنقَع الماء في الجبال والصُّخور.
قال في "المطالع": وذلك غلَطٌ من الناقل، وتصحيفٌ، وإحالةٌ للمعنى؛ لأن الطائفة الأُولى جُعلت لما يُنبت، والثَّغبة لا تُنبت.
(قبلت) من القَبول، وفي بعض النُّسَخ: بياء مشددةٍ، أي: أمسَكتْ.
قلت: وهو ما نقلَه البخاري آخرًا عن إسحاق في رواية الأَصِيْلِي.
قال (ع): ورواه غيره بالمُوحَّدة في الموضعَين، ثم رواية الأَصِيْلِي قيل: تصحيفٌ من إسحاق، وقيل: صحيحة، ومعناه شَرِبَتْ من القَيْل، وهو شُرب نصف النَّهار، قال في "الجمهرة": قيَّلَ الماءُ في المكان: إذا اجتَمعَ فيه.
(الكلأ) -بالهمز- رطبًا أو يابسًا.
(والعشب) هو الرَّطْب، فهو من عطف الخاص على العام؛ للاهتمام به وشرَفه، ومثله الخَلا -بالقصر-؛ بخلاف الحَشيش فإنَّه اليابس.
(أجادب) بالجيم والدال المهملة.
قال (خ): الأرض التي تُمسِك الماءَ فلا يُسرع إليها النُّضوب،
стр. 448
أي: لا تُنبت لصلابتها، جمع جَدب على غير قياسٍ، وإنما القياس جمع جَدَب، أو أَجْدَب كما جمعوا حسَنًا على مَحاسِن، وهو قياس مُحسِن، وهو من الجَدْب بمعنى: القَحْط، أي: لقِلَّة المطر ونحوه.
قال: وقال بعضهم: (أَحارِب) بمهملة وراء، وبعضهم بهما والدال، وليس بشيءٍ، وبعضهم (أَجارِد) بجيمٍ، وراءٍ، ودالٍ مهملةٍ، وهو صحيح المعنى إنْ ساعدَتْه الروايةُ، والأَجارِد ما لا يُنبت الكلأَ، معناه: أنَّها جُردٌ لا يَستُرها نباتٌ.
وبعضهم: (إخاذَات) بمعجمتين، وألفٍ بينهما جمع: إِخَاذَة بكسر الهمزة، وهي الغَدير الذي يمسِك الماء، وصوَّبه عبد الغافر الفارِسي، ورُوي: (أَجاذِب) بجيمٍ، ومعجمةٍ، وهي صِلاب الأرض التي تمسِك الماءَ.
قال في "المطالع": وكلُّها مرويةٌ منقولةٌ.
(قيعان) وهو المستوي الواسِع في وِطاءٍ من الأرض.
قلت: وقيل الأرض المَلْساء، وقيل: الأرض التي لا نباتَ فيها، وتُجمع أيضًا على قُوع وقِيْعة.
(سقوا) فيه لُغةٌ: أَسقَى، وقيل: سَقاه: ناوَلَه، وأَسقاه: جعل له سُقْيا.
(وزرعوا) في "مسلم": (ورَعَوا) من الرَّعي، قال (ع): وهو الوجه، (وَزَرعُوا) تصحيفٌ، ورُدَّ بأن المراد: زرعوا به تلك الأرض، فلا إشكال.
стр. 449
(فقه) بضم القاف في الأجود؛ لأنَّه يُراد به الفقه الشَّرعي الذي يصير به سجيَّةً، وروي بالكسر.
(لم يرفع بذلك رأسًا)؛ أي: تكبَّر فلم يَلتفت إليه لتكبُّره.
(هدى الله) اكتفَى به عن ذكر العِلْم كما في مُقابله لاستلزامه إياه.
* تنبيه: لا يخفَى ما اشتمل عليه هذا الحديث من بديع التَّقسيم، وحُسن تشبيه كلِّ قسمٍ من الناس في إجابة النبي ﷺ بقسمٍ من أقسام المطَر إذا نزل بها الغَيث لا أن المصرَّح به في الأرض ثلاثةٌ، وفي الناس قسمان: مَن تحمَّل العلم وتفقَّه فيه شبيهٌ بالأرض الطيِّبة تُنبت، فانتفعت، وانتفع بنباتها الناس، ومَن حملَه ولم يتفقَّه فيه لعدم الأَذْهان الثاقبة، والرُّسوخ في العلْم المؤدي إلى استنباط الأحكام؛ فهذا قد ينفَعُ الناس، فأشبَه الأرض الصُّلبة لم تُنبت، ولكن تمسِك، فيأخذُه الناس وينتفعون به، وهذا القِسْم من الناس هو المتروك في الحديث، وهو في الأرض، مذكورٌ، ومن لم يحمل ولم يتفقَّه فيه كالقِيْعان التي لا تُنبت ولا تُمسِك الماء بل هي سِباخٌ، فالأول لمن نفَع وانتفَع، والثاني لمن نفَع ولم ينتفِع، والثالث لا نَفَعَ ولا انتفَعَ، أو يُقال: ضرَب المثَل في الأول للعُلماء، والثاني للنَّقَلة، والثالث لمن لا عِلْم له ولا نقْلَ.
قال (ن): ولا يخفَى أن دلالة اللفظ على كون الناس ثلاثة أنواعٍ غير ظاهرةٍ.
قال (ح): هذا مثَلٌ ضُرب لمن قبِلَ الهدى، فحصل في أن
стр. 450
المثل ضربٌ لمن قبِل الهدى، فعلم وعلَّم، ولمن لم يقبل الهدى، فلم ينتفع ولم ينفَع، فقصَره على نوعين.
وقال الطِّيْبِي: إن القسمة الثنائية هي المقصودة، وذلك لأنَّ (أصاب منها طائفةً) عطفٌ على (أصابتْ أرضًا)، وكانت الثانية معطوفة على (كانتْ) لا على (أصاب)، ولكن الأُولى قِسمان: نقيَّة وأجادب، والثانية على عكسها، فضمت الواو في (من كانت) وترًا إلى وترٍ، وفي (أصاب) شفعًا إلى شفعٍ كما في: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] الآية، عطفَ الإناثَ على الذُّكور، ثم عطف الإناثَ على القِسمين.
والحاصل أنَّه ذكر في الناس من الطرَفين العالي في الاهتِداء، والعالي في الضلال، وأسقَطَ الوسَط، وهو قسمان: مَن انتفع بالعِلْم في نفسه فحسبُ، أي: وهذا ليس له مشبةٌ في الأرض، وإنْ كان التقسيم العقلي يقتضيه، وهو موجودٌ في الناس، والثاني عكسه أنَّه لم ينتفع بنفْسه ولكن نفَع الغيرَ.
وقرر المُظْهِري "في شرح المصابيح" الحديثَ على أن الأرض فيها ثلاثة أقسامٍ، والناس قسمان؛ لأن القسم الأول والثاني من الأرض كقسمٍ واحدٍ؛ لاشتراكهما في الانتفاع، ومقابله قسمٌ واحدٌ، وهو عدم الانتفاع.
стр. 451
قلت: وهو آيلٌ إلى بعض التَّقارير السابقة.
وقرَّر (ك): أن الناس في الحديث ثلاثة كالأرض باعتبار أن تكون (مَنْ) الموصولة محذوفة قبل لفظة: (نفعه)، والتقدير: ومن نفعه ما بعثني الله به بقرينة سبقها في (من فقه) على حد قول الشاعر:
فمَنْ يَهجو رسولَ الله منكُمْ ... ويمدَحُه وينصُره سَواءُ
أي: ومن يمدحه، فيكون النافع في مقابلة الفقيه والنَّقية، أي: مَن حمل الفقه لا من تفقَّه فيه في مُقابلة الأجادِب على طريق اللف والنشر غير المرتَّب، ومَن لم يرفع به رأْسًا في مقابلة القِيْعان.
قال: وإنما حُذفت (مَن) لأنَّه مع ما قبله كالشيء الواحد كما جعل للنَّقية والأَجادب حكمًا واحدًا حيث لم يُعِد لفْظ: (أصابه) في (الأجادب)، وأعادها في: (قِيْعان)، وكذا أَعاد لفْظ (مثَل) فيه، انتهى.
قلت: حَمْلُ (من فقه) على نَقَلَ ولم يتفقَّه فيهِ = في غاية البُعد، وخلاف اللُّغة والعُرف، ثم هذا التشبيه من تشبيه معقولٍ في محسوسٍ، وفي الثاني محسوسٌ بمحسوسٍ، ويحتمل أن يكون تشبيهًا واحدًا من باب التَّمثيل شبَّه صفة الواصِل للناس من حيث اعتبار النَّفع وعدَمه بالمطَر المصيب أنواعَ الأرض.
стр. 452
وقوله: (فذلك مثَلُ من فقُه) هو تشبيهٌ آخر قرَّر به الأول وبيَّن به القصْد.
(قال أبو عبد الله)؛ أي: البخاري: (قال إسحاق) الأشبه أنَّه ابن راهويه، أي: أنَّه روى عن حمَّاد بن أسامة: (طائفة) بدل (نقيَّة)، ولهذا في بعض النُّسَخ: إسحاق عن أبي أُسامة، وهو حماد بن أُسامة، ويحتمل أنَّه أراد به إسحاق بن راهوَيْهِ، ويحتمل إسحاق بن منْصور؛ لأن البخاري روى عن الثلاثة، ولكن يُؤيد أنَّه ابن راهويه أنَّه رواه في "مسنده" عن أبي أُسامة، وكذا في كتاب "الاتصال" للرَّامَهُرمُزي.
قال الغَسَّاني في "تقييد المهمل": إذا قال البخاري: (حدَّثنا إِسحاق) احتمَل أحد الثَّلاثة، وسبَق أنَّ (قال) أَدْوَنُ مِن حدَّث وأخبر؛ لاحتمال أنَّها عند المذاكرة، على أنَّه يحتمِل التَّعليق أيضًا بأنْ يكون بينه وبينه واسطةٌ، ويقع في بعض النُّسَخ: (ابن إِسحاق)، ولكنَّ هذا لا يُعرف من حديثه.
وفي الحديث جواز ضرب الأَمثال، وفضل العِلم والتَّعليم، والحثُّ عليهما، وعدَم الإِعراض عنهما.
стр. 453
٢١ - بابُ رَفْعِ العِلْمِ، وَظُهُورِ الجَهْلِ
وَقَالَ رَبِيعَةُ: لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ عِنْدَهُ شَيءٌ مِنَ العِلْم أَنْ يُضَيِّعَ نفسَهُ.
(باب رفع العلم وظهور الجهل)
قوله: (وقال ربيعة) هو تعليقٌ بصيغة الجزْم، فهو صحيحٌ.
(يضيع) وفي بعضها: (أنْ يَضَعَ) بأنْ لا يُفيد الناس.
قال التَّيْمِي: ولذلك قال الفُقهاء: إنَّ القَضاء يُندب لمن في البلَد إذا كان إذا ولي القَضاءَ زال خُمولُه، وانتشَر عِلْمه.
وقال (ط): مَن كان له قَبول العلم وفَهمه يَلزمه من طلَب العلم ما لا يَلزم غيرَه، فينبغي له أن يجتهد، ولا يُضيِّعَ نفْسَه حتى لا يرتفع العِلْم، ولا يَظهَر الجهل، أو أنَّ المراد أنْ لا يأتي بعِلْمه أهلَ الدُّنيا، ويَتواضَع لهم.
* * *
٨٠ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، قَالَ: حَدَّثنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ العِلْمُ، وَيَثْبُتَ الجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّناَ".
(أشراط)؛ أي: علامات، واحدها شرَط -بالتحريك-.
стр. 454
(أن يرفع) في محلِّ نصب اسم (إِنَّ)، والمراد بموت العُلماء لا بنزْعه من الصُّدور كما في الحديث الآخر.
(ويثبت) من الثُّبوت.
قال (ن): وفي بعض نُسخ مسلم: (ويُبَثَّ) من البَثِّ، أي: الانتِشار.
وقال (ك): إنَّه في بعض نُسَخ البخاري أيضًا، قال: وفي بعضها: (يَنْبُتَ) من النَّبات.
(ويشرب)؛ أي يفشُوَ شُربه، وإلا فقد كان يُشرب في الأَزْمان، وحذَّر رسول الله ﷺ من شُربه، أو أنَّ مجموع ما ذُكر هو العَلامة.
ويَظهَر، أي: يَفشُو، ويَنتَشِر.
* * *
٨١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنسٍ قَالَ: لأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا لَا يُحَدِّثُكُمْ أَحَدٌ بَعْدِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَقِلَّ العِلْمُ، وَيَظْهَرَ الجَهْلُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا، وَتَكْثُرَ النِّسَاءُ، وَيَقِلَّ الرِّجَالُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأةً القَيِّمُ الوَاحِدُ".
(يحيى) هو القَطَّان.
стр. 455
(لأحدثنكم) بفتح اللام جوابُ قسَمٍ محذوفٍ، أي: واللهِ، ولهذا أُكِّد بالنون.
(حدثنا) قائمٌ مَقام المفعول الثاني، والثالث يحدث.
(لا يحدثكم أحد بعدي) إما لأن النبيَّ ﷺ أعلَم بذلك، أو لم يَبْقَ من الصَّحابة حينئذٍ غيرُه، أو قالَه على ظنِّه لماَ رأَى من التَّغيير، ونقص العلم، وغيره، فحثَّهم بذلك على طلَب العِلْم.
(سمعت) بيانٌ أو بدلٌ لقوله: (لأحدثنَّكم).
(يقل) بكسر القاف، ولا تَنافيَ بينه وبين ما سبَق من الرفع بالكُلِّيَّة، إما لأنَّ القِلَّة فيه يعبَّر بها عن العدَم، وذلك باعتبار ما بين مَبدأ الأَشراط وانتهائها، ولذلك قال هناك: (ويَثبُتَ الجَهْلُ)، وهنا: (ويَظهَر).
(وتكثر النساء)؛ أي: بسبب تلاحُم الفِتَن، وقَتْل الرجال فيها.
(ويقل الرجال) ففي ذلك قلَّة العِلْم، وظهور الجهل، والزِّنا؛ لأنَّهنَّ حبائل الشيطان.
(بخمسين) يحتمل إرادةَ حقيقةِ هذا العدَد، ويحتمل أنَّه مجازٌ عن الكثْرة، ووجْه الخمسين أن الأربعة هي كمال نِصاب الزَّوجات، فلما زِيدَ عليه لأجل الزيادة على الكمال مبالغةً في الكثْرة صار خمسةٌ لكل واحدٍ من ذلك عشرٌ؛ لأنَّها مركَّبةٌ من واحدٍ واثنين وثلاثةٍ وأربعةٍ،
стр. 456
ومن العشَرات تتركَّب المئات، ومن المئات الأُلوف، وأنَّ كلَّ واحدٍ اعتبر بعشرةِ أمثاله تأْكيدًا للكثْرة ومبالغةً كما ذُكر نحو من ذلك في: ﴿خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤].
(القيم)؛ أي: من يقوم بأمرهنَّ، واللام فيه للعهد في كون الرجال قوَّامين على النساء.
واعلم أنَّ للتخصيص بهذه الأمور نُكتةً: وذلك لأنَّها مُشعرةٌ باختلال الضروريات الخمس الواجب رعايتها في جميع الأديان، وبحفْظها صلاحُ المَعاش والمَعاد، فرفع العِلْم مُخِلٌّ بالدِّين، وشُرب الخمر مخلُّ بالعقْل وبالمال أيضًا، وقتْل الرجال مُخلُّ بالنفْس، وظُهور الزنا [مُخِلٌّ] بالنَّسَب.
وإنما كانت هذه الأمور علامةً؛ لأن الخلائق لا يُتركون سُدًى، ولا نبيَّ بعد هذا الزمان، فتعيَّن خَراب العالم، وقُرب القيامة.
* * *
٢٢ - بابُ فَضْلِ العِلْمِ
(باب فضل العلم)
٨٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ
стр. 457
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "بَيْنا أَنَا ناَئِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ حَتَّى إِنِّي لأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ فِي أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ"، قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (العِلْمَ).
(فشربت)؛ أي: من ذلك اللَّبَن.
(حتى إني) بكسر (إِنَّ) لوُقوعها بعد (حتى) الابتدائية. قال (ك): وبالفتْح على تقديرها جارَّةً.
(لأرى) بفتح الهمزة، وذكر بلفظ المضارع؛ لاستحضاره هذه الرُّؤية للسامعين.
(الري) بفتح الراء وكسرها، قالَه الجَوْهَري، وقال غيره: بالكسر الفِعْل، وبالفتح المَصْدر، وجعله مَرئيًّا تنْزيلًا له مَنزلةَ الجِسْم.
(يخرج) الضَّمير إما للَّبَن، وإما للرِّي تجوُّزًا، وهو حالٌ إنْ كانت الرؤية بصريةً، أو مفعولٌ ثانٍ إنْ كانت عِلْميةً.
(من أظفاري)؛ أي: المَبدأُ منها، وفي بعضها: (في أَظْفارِي)، والظُّفُر ظرفٌ.
(ما أولته)؛ أي: عبَّرتَه؛ لأنَّه لغةً التفسير لما يَؤُول إليه الشيء.
(العلم) بالنَّصب، أي: أوَّلتُه العِلْمَ، وبالرفع، أي: المؤوَّل به العِلْمُ.
ووجه ذكر الحديث في الترجمة: أنَّ فَضْلة اللَّبن الذي شَرِبَه ﷺ بمعظمه، ولهذا قال ابن عبَّاس: لا أوثِرُ بنَصيبي منك أحدًا، وكان
стр. 458
زِحام الصَّحابة على وَضوئه، وقد فسَّره بالعِلْم فدلَّ على فَضْله.
واعلم أَنَّ رُؤيا الأنبياء حقٌّ، فالظاهر أنَّ هذا الشُّرب كان حقيقةً على وجْه التَّخييل، والله على كلِّ شيءٍ قديرٌ.
ووجْه تأْويله بالعِلْم اشتراكهما في كثْرةِ النَّفْع، وسبَبِ الصَّلاح: ذاك في الأَبدان، وهذا في الأَرواح، والعِلْمُ فيه صلاح الدُّنيا والآخرة.
قلتُ: وقد سبَق حديث رُؤيا القَميص، وتأْويل ذلك بالدِّين؛ لأنَّ العِلْم باطن، والدِّين ظاهرٌ، ولازمه الباطن.
وفي الحديث منقبةٌ لعمر، وجواز تعبير الرُّؤيا، ورِعاية المُناسَبة بين التَّعبير والمعبَّر عنه.
قال (ك): ولا تغفُل عن الفَرْق بين فَضلة العِلْم وفضيلته؛ إذ الحديث دلَّ على الفَضْلة لا على فَضيلته لكنْ يُقال: فَضْلة الرسول ﷺ متضمِّنةٌ لفَضيلته وشرَفه.
* * *
٢٣ - بابُ الفُتيَا وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الدَّابَّةِ وَغَيْرِهَا
(باب الفتيا) -بضم الفاء-: اسمٌ مِن استَفتاه فأَفتاه، ويُقال فيه: فَتْوَى -بفتح الفاء-.
(وهو واقف) جملةٌ حاليةٌ.
стр. 459
(على الدابة) وفي بعضها: (علَى ظَهْر الدَّابَّة)، وهي لغةً: الماشيَة على الأَرض، وعُرفًا: الخيل، والبِغال، والحمير، وليس المراد: أنَّه كان واقِفًا على الدَّابَّة، بل المراد الركُوب.
* * *
٨٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الوَداعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، فَقَالَ: "اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ"، فَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: "ارْمِ وَلَا حَرَجَ"، فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: "افْعَلْ وَلَا حَرَجَ".
(حجة) بفتْح الحاء وكسرها، والمعروف رواية الفتْح، وقال الجَوْهَري: إنَّه بالكسر المرَّة، وذلك شاذُّ، فإنما قياسه الفتح.
(الوداع) -بالفتح-: اسمٌ مِنْ وَدَّعَ.
قال (ك): ويجوز الكسر مصدرًا للمُفاعَلة.
(بمنى) بالصَّرْف وتركه.
(يسألونه) إما حالٌ من فاعل (وقَف)، أو (من النَّاس)، وإما استئنافٌ بيانًا لعِلَّة الوقْف.
(لم أشعر) بضم العين، أي: لم أَفطَنْ.
стр. 460
(لا حرج)؛ أي: لا إثْمَ، وخبَر (لا) محذوفٌ، أي: لا حرجَ عليكم.
(ذبحت) وفي نسخةٍ: (نَحرتُ)، والذَّبح في الحلْق، والنَّحر في اللَّبَّة بفتح اللام والمُوحَّدة، وهي موضع القِلادة من الصَّدر، والفاء في (فحلقْتُ)، وفي (نحرتُ) سببيةٌ لتسبُّب كلٍّ عن عدَم الشُّعور، وحُذفتْ مفاعيل هذه الأَفعال لقَرينة المَقام.
(عن شيء)؛ أي: مِن أَعمال يوم العِيْد الرَّمي، والنَّحر، والحَلْق، والطَّواف.
(قدم) فيه لا محذوفةٌ، أي: لا قُدِّم ولا أُخِّر؛ لأنَّها لا تكون في الماضي إلا مكرَّرةً على الفَصيح، وحسن ذلك هنا أنَّه في سِياق النَّفي نحو: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩]، ورواية مسلم: (مَا سُئِلَ عنْ شيءٍ قُدِّم أو أُخِّر).
وترتيب هذه الأربعة سُنَّةٌ عند الشافعي، وأحمد.
وقال أبو حنيفة، ومالك: واجبٌ يجبر بالدم، وجعلوا: (لا حرجَ)؛ أي: لا إِثْمَ، وأما الفِدْية فثابتةٌ، ولكنَّ المفهوم الظاهر مِنْ (لا حرجَ): لا شَيءَ عليكم مطلَقًا، وقد صرَّح في بعض الروايات بتقديم الحلْق على الرَّمي.
وفي الحديث: جواز سؤال العالم راكبًا وماشيًا وواقفًا، وأنَّ الجلوس على الدابَّة جائزٌ للضَّرورة أو للحاجة؛ لأنَّه ﷺ فعَل ذلك
следующие страницы →