Полный текст (8 898 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.
стр. 3956
وَقَالَ: لِلْمَرْدُودَةِ مِنْ بَنَاتِهِ أَنْ تَسْكُنَ غَيْرَ مُضِرَّةٍ وَلَا مُضَرٍّ بِهَا، فَإِنِ اسْتَغْنَتْ بِزَوْجٍ فَلَيْسَ لَهَا حَقٌّ.
وَجَعَلَ ابْنُ عُمَرَ نصَيبَهُ مِنْ دارِ عُمَرَ سُكْنَى لِذَوِي الْحَاجَةِ مِنْ آلِ عَبْدِ اللهِ.
(باب: إذا وقف أرضًا أو بئرًا أو اشترط)
التعبير بـ (أو) يُشعر بأن كُلًّا يصلح للترجمة، وبالواو بمعنى: وقف واشترط.
(للمردودة)؛ أي: المطلقة.
(من بناته) يروى: (من نسائه)، وهو أصوب.
* * *
٢٧٧٨ - وَقَالَ عَبْدَانُ: أَخْبَرَني أَبِي، عَنْ شُعْبةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ حَيْثُ حُوصِرَ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ؛ وَلَا أَنْشُدُ إِلَّا أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ ، ألسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَفَرَ رُومَةَ فَلَهُ الْجَنَّةُ"؟ فَحَفَرْتُهَا، ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ قَالَ: "مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ فَلَهُ الْجَنَّةُ"؟ فَجَهَّزْتُهُمْ، قَالَ: فَصَدَّقُوهُ بِمَا قَالَ.
وَقَالَ عُمَرُ فِي وَقْفِهِ: لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ أَنْ يأكُلَ، وَقَدْ يَلِيهِ الْوَاقِفُ وَغَيْرُهُ، فَهْوَ وَاسِعٌ لِكُلٍّ.
стр. 3957
(أن تسكن) بفتح الهمزة.
(أنشدكم) يقال: نشدت فلانًا أنشده: إذا قلت له: نشدتك الله، أي: سألتك بالله، كأنك ذكَّرته إياهُ.
(رُوْمة) بضم الراء وسكون الواو: كانت ركية ليهودي يبيع المسلمين ماءَها، فاشتراها منه عُثمان بعشرين ألف درهم.
(جهز) هو تهيئة جهاز السفر.
(جيش العُسْرة) جيش غزوة تبوك جهزه بتسع مئة وخمسين بعيرًا وأتم الألف بخمسين فرسًا، ودلالته على الترجمة هو من بقية القصة، وهو: (دلوي فيها كدلاء المسلمين).
* * *
٣٤ - بابٌ إِذَا قَالَ الْوَاقِفُ: لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلا إِلى اللهِ، فَهْوَ جَائزٌ
٢٧٧٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنسٍ ﵁، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا بَنِي النَّجَّارِ! ثَامِنُوني بِحَائِطِكُمْ"، قَالُوا: لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إلَّا إِلَى اللهِ.
(باب: إذا قال الواقف: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله)
سبق شرح الحديث فيه قريبًا.
* * *
стр. 3958
٣٥ - بابُ قولِ الله تَعالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾
٢٧٨٠ - وَقَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِم، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: خَرَجَ رَجلٌ مِنْ بَنِي سَهْم مَعَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَعَدِيِّ بْنِ بَدَّاءَ، فَمَاتَ السَّهْمِيُّ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مُسْلِم، فَلَمَّا قَدِمَا بِتَرِكتِهِ فَقَدُوا جَامًا مِنْ فِضَّةٍ مُخَوَّصًا مِنْ ذَهَبٍ، فَأَحْلَفَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ وُجِدَ الْجَامُ بِمَكَّةَ، فَقَالُوا: ابْتَعْنَاهُ مِنْ تَمِيمِ وَعَدِيٍّ، فَقَامَ رَجُلَانِ مِنْ أَوْليَائِهِ، فَحَلَفَا ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾، وإنَّ الْجَامَ لِصَاحِبِهِمْ، قَالَ: وَفِيهِمْ نزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾.
стр. 3959
(باب: قول الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦])
(تَميم الداري) نسبة الدار بطن من لخم، ويقال: الداري للعطار ولرب النعم، كان نصرانيًّا فأسلم سنة تسع، وسكن المدينة، وبعد قصة عمار انتقل إلى الشام، وكان يختم القرآن في ركعة، وروى الشعبي عن فاطمة بنت قيس: أنها سمعت النبي ﷺ في خطبة خطبها، وقال فيها: (حدثني تَميم)، فذكر خبر الجسَّاسة في قصة الدجال.
(ابن بدَّاء) بتشديد الدال تأنيث الأبد.
(مخوصًا) أي: عليه صفائح الذهب طوال رقاق كالخُوص، وفي الحديث: "مَثل المرأة الصالحة مثل التاج المُخَوَّص بالذهب".
(لشهادتنا)؛ أي: اليمين، وتحقيقه في علم التفسير.
قال في "الكشاف": وزن الخاتم المنقوش بالذهب ثلاث مائة مثقال، واسم الرجل السهمي بُدَيل -بضم الموحدة وفتح المهملة- ابن أبي مريم مولى عمرو بن العاص.
قال الفِرَبْري: قال أبو عبد الله: لا أعرف لهذا الإسناد حسنًا، وإنما أدخلته في الباب لأخرّج الحديث، وقال: محمد بن أبي القاسم لا أعرفه كما اشتهر.
قلت له: رواه غير محمد بن أبي القاسم؟
قال: لا، وكان علي بن عبد الله يستحسن هذا الحديث حديث محمد بن أبي القاسم، روى عنه أبو أُسامة إلا أنه ليس بمشهور.
* * *
стр. 3960
٣٦ - بابُ قَضاءِ الْوَصيِّ دُيُونَ الْمَيِّتِ بِغَيْرِ مَحضَرِ مِنَ الْوَرَثَةِ
(باب: قضاء الوصي ديون الميت)
٢٧٨١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ، أَوِ الْفَضْلُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْهُ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ فِرَاسٍ، قَالَ: قَالَ الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ ﵄: أَنَّ أَبَاهُ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ سِتَّ بَنَاتٍ، وَتَرَكَ عَلَيْهِ دينًا، فَلَمَّا حَضَرَ جِدَادُ النَّخْلِ أتيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ وَالِدِي اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ عَلَيْهِ دينًا كثِيرًا، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ الْغُرَمَاءُ، قَالَ: "اذْهَبْ، فَبَيْدِرْ كُلَّ تَمْرٍ عَلَى ناَحِيَتهِ"، فَفَعَلْتُ ثُمَّ دَعَوْتُ، فَلَمَّا نظرُوا إِلَيْهِ أُغْرُوا بِي تِلْكَ السَّاعَةَ، فَلَمَّا رَأَى مَا يَصْنَعُونَ أَطَافَ حَوْلَ أَعْظَمِهَا بَيْدَرًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "ادْعُ أَصْحَابَكَ"، فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ حَتَّى أَدَّى اللهُ أَمَانَةَ وَالِدِي، وَأَناَ وَاللهِ رَاضٍ أَنْ يُؤَدِّيَ اللهُ أَمَانة وَالِدِي وَلَا أَرْجِعَ إِلَى أَخَوَاتِي بِتَمْرَةٍ، فَسَلِمَ وَاللهِ الْبَيَادِرُ كُلُّهَا حَتَّى أني أَنْظُرُ إِلَى الْبَيْدَرِ الَّذِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَأَنَّهُ لَم يَنْقُصْ تَمْرَةً وَاحِدَةً.
(بَيْدِر) فعل أمر، أي: اجمع في موضع واحد، والبيدر: المكان الذي يجمع فيه الذي يداس فيه الطعام.
стр. 3961
(أغروا) من الإغراء مبني للمفعول، أي: لهجوا، يقال: أُغري بكذا: إذا لهج به وأولع.
(جلس عليه) ذكر في (الاستقراض): فجَدَّه بعدما رجع النبي ﷺ ، فأوفاه ثلاثين وسقًا وفضل سبعة عشر، ووجه الجمع: أنه لعله ﷺ جلس حتى أدى الديون، ثم ذهب إلى منزله فجدَّ الفاضل على الدين بعد رجوعه، وسبق في آخر (باب: الصلح) جواب اختلافات وقعت فيه.
(لم ينقص تمرة) بالنصب على التمييز، و (تنقص) بالمثناة أو بياء، ويروى: (فكأنها)، وأن الضمير للبيدر، إلا أنه باعتبار التمر الذي فيه، ومن رواه (تنقص) -بالمثناة- رَفَعَ (تمرة) فاعلة (تنقص)، ويصح نصبها على التمييز أيضًا.
* * *
стр. 3962
٥٦ - كتاب الجهاد
стр. 3963
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٥٦ - كتاب الجهاد
١ - بابٌ فَضْلُ الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ
وَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ إِلَى قَوْلهِ ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، قَالَ ابْنُ عَبَّاس: الْحُدُودُ الطَّاعَةُ.
(كتاب الجهاد)
(فضل الجهاد والسير)
هو مصدر جاهدت العدو قاتلته، لأن كلًّا منهما يبذل جهده -أي: طاقته- في دفع صاحبه.
وفي الشرع: قتال الكفار لإقامة الدِّين.
و (السِّير) بكسر السين جمع سيرة، وهي الطريقة؛ مِنْ سار يسير، وترجموه بها، لأن الأحكام فيه متلقاة من سير رسول الله ﷺ في غزواته.
* * *
стр. 3964
٢٧٨٢ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَابِقٍ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْوَليدَ بْنَ الْعَيْزَارِ، ذَكَرَ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁: سَألتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "الصَّلَاةُ عَلَى مِيقَاتِهَا"، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ"، قُلْتُ: ثُمَّ أَي؟ قَالَ: "الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ"، فَسَكَتُّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي.
الحديث الأول:
سبق في (مواقيت الصلاة)، نعم سبق في (الإيمان) في سؤال: (أي: الإسلام خير؟ قال: تطعم الطعام)، وفي: (أي: الإسلام أفضل؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده)، ونحو ذلك، ووجه الجمع: أنه أجاب كُلًّا بما يليق به بحيث الحال، أو الوقت، أو نحو ذلك.
* * *
٢٧٨٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا هجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْح، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا".
الحديث الثاني:
(لا هجرة)؛ أي: من مكة إلى المدينة، لأنها بالفتح صارت دار
стр. 3965
إسلام، وأما الهجرة من بلاد الكفار إلى بلاد الإسلام فحكمها بأن إجماعًا.
قال (خ): كانت الهجرة على معنيين: من أسلم في قومه ويخشى على دينه فيجب أن يهاجر ليأمن، والهجرة من مكة إلى المدينة لضعف أهل الإسلام يومئذ فيقووا بمن يهاجر، فلما فتحت زال حكم الثاني؛ لكن يكون المسلمون فيها على نية الجهاد مستعدين لأَنْ ينفروا إذا قيل لهم انفروا، فلذلك استدرك بقوله:
(لكن) ووجه المضادة بين ما بعدها وما قبلها -كما قال الطيبي- لأن مفارقة الأوطان المطلقة انقطعت بالمفارقة للجهاد أو بنية خالصة لله تعالى كطلب العلم، والفرار بدينه ونحو ذلك.
(بعد الفتح) والمراد: الذي لم يهاجر قبل ذلك بدليل: يقيم المهاجر ثلاثًا بعد قضاء الحج، وقال (ن): طلب الخير بالهجرة انقطع بالفتح؛ لكن طلب الخير بالنية الصالحة، وإذا طلبهم الإمام للخروج للجهاد نفروا له، وفي معناه استنفارهم لطلب العلم ونحوه.
* * *
٢٧٨٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! تُرَى الْجِهَادَ أَفْضَلَ الْعَمَلِ، أَفَلَا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: "لَكِنَّ أَفْضَلَ الْجهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ".
стр. 3966
الحديث الثالث:
(نرى) بنون، ويروى بالياء.
(مبرور) سبق في (الحج) تفسيره، فإن قيل: الحج فرض عين، فيكون أفضل من الجهاد مطلقًا للرجال والنساء؟ فكيف هذا التفضيل؟ قيل: الجهاد قد يتعين، أو هو أفضل باعتبار تعدي نفعه، فقد قال إمام الحرمين، وقبله الأستاذ، ثم أبو الإمام: إن فرض الكفاية أفضل من العين لذلك.
قلت: لم يقولوا إلا أهم، ولا يلزم منه أن يكون أفضل كما حررت ذلك في "شرح ألفية الأصول".
* * *
٢٧٨٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ، قَالَ: أَخْبَرَني أَبُو حَصِينٍ: أَنَّ ذَكْوَانَ حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، حَدَّثَهُ قَالَ: جَاءَ رَجلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يَعْدِلُ الْجِهَادَ، قَالَ: "لَا أَجِدُهُ -قَالَ:- هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ الْمُجَاهِدُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ، فَتَقُومَ وَلَا تَفْتُرَ، وَتَصُومَ وَلَا تُفْطِرَ"؟ قَالَ: وَمَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: إِنَّ فَرَسَ الْمُجَاهِدِ لَيَسْتَنُّ فِي طِوَلِهِ، فَيُكْتَبُ لَهُ حَسَنَاتٍ.
الحديث الرابع:
(إسحاق) قال الغساني: لعله ابن منصور، أو ابن راهويه.
стр. 3967
(ليستن) من الاستنان وهو العَدْو، وقال الجوهري: هو أن يرفع يديه ويطرحهما معًا.
(طِوَله) بكسر الطاء وفتح الواو: الحبل الذي يطوّل للدابة فترعى فيه.
(حسنات) بالنصب.
* * *
٢ - بابٌ أَفْضَلُ النَّاسِ مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
(باب: أفضل الناس مؤمن مجاهد)
٢٧٨٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁، حَدَّثَهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ"، قَالُوا: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "مُؤْمِنٌ فِي
стр. 3968
شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَتَّقِي اللهَ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ".
الحديث الأول:
(في شعب) هو الطريق في الجبل، وفيه أن الانقطاع أولى من الاختلاط بالناس؛ نعم المراد من أفضل الناس، لا أنه أفضل مُطلقًا، فالعلماء أفضل، وكذا الصدِّيقون.
* * *
٢٧٨٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنَي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ -وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ- كمَثَلِ الصَّائِم الْقَائِم، وَتَوَكَّلَ اللهُ لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ بِأَنْ يَتَوَفَّاهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ سَالِمًا مَعَ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ".
الثاني:
(والله أعلم) جملة معترضة.
(توكل الله) أي: تكفل كما هو في رواية، أي: تكفل الله بملابسة التوفي إدخال الجنة وبملابسة عدم التوفي الرجوع بالأجر والغنيمة أن لا يخلوا من الشهادة أو السلامة، فعلى الأول يدخل الجنة بعد الشهادة في الحال، وعلى الثاني لا ينفك عن أجر أو غنيمة مع جواز الجمع بينهما، فهي قضية مانعة الخلو لا مانعة الجمع.
стр. 3969
(يَرجعه) بفتح أوله ثلاثي.
(أو غنيمة) قيل: (أو) بمعنى الواو، وكذا رواه أبو داود، وقيل للتقسيم، أي: فله الأجر إن فاتته الغنيمة، وإن حصلت فلا، وهو ضعيف، ففي الصحيح: "ما من غازية تغزو فتصيب وتغنم إلا تعجلوا ثلثي أجرهم، ويبقى لهم الثلث"، فهذا تصريح ببقاء بعض الأجر مع حصول الغنيمة، ومرَّ في (باب الجهاد) من (الإيمان) بيانُ ذلك.
* * *
٣ - بابُ الدُّعَاءِ بالْجِهَادِ وَالشَّهَادَةِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ
وَقَالَ عُمَرُ: ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي بَلَدِ رَسُولِكَ.
(باب: الدعاء بالجهاد والشهادة)
٢٧٨٨ - و ٢٧٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ، فَتُطْعِمُهُ، وَكَانَتْ أُمُّ حَرَامٍ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَأَطْعَمَتْهُ وَجَعَلتْ تَفْلِي رَأْسَهُ، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "نَاسٌ مِنْ
стр. 3970
أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ، مُلُوكًا عَلَى الأَسِرَّةِ، أَوْ مِثْلُ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ" شَكَّ إِسْحَاقُ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُم، فَدَعَا لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقُلْتُ: وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللهِ"، كمَا قَالَ فِي الأَوَّلِ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: "أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ"، فَرَكبَتِ الْبَحْرَ فِي زَمَانِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ، فَهَلَكَتْ.
حديث أُم حرام سبق في (باب: علامات الإيمان) وغيره.
(تَفْلِي) بفتح المثناة وإسكان الفاء وكسر اللام.
(ثَبَج) بمثلثة ثم موحدة مفتوحتين ثم جيم: الظهر والوسط.
(ملوكًا) هو صفة لهم في الدنيا، أي: يركبون مراكب الملوك لسعة حالهم، واستقامة أمرهم، وكثرة عددهم.
(من الأولى) دليل أنه عرض فيها عليه غير الطائفة الأولى.
قال (ن): والاتفاق أن أُم حرام كانت محرمًا لرسول الله ﷺ ،
فقال ابن عبد البر: كانت إحدى خالاته من الرضاعة، وقيل: كانت خالة لأبيه أو لجده، لأن عبد المطلب كانت أُمه من بني النجار.
стр. 3971
وقال الحافظ الدمياطي: الصواب لا محرمية بينهما، بل ذلك من خواصه ﷺ جواز الخلوة بالأجنبية لأنه معصوم؛ ذكره في جزء أفرده في المسألة.
وفيه جواز فلي الرأس، قيل: وقيل القمل مستحب، وجواز ملامسة الرأس للمحرم، والخلوة بها، والنوم عندها، وأكل الضيف عند المرأة المزوجة مما قدمته له، وجواز ركوب البحر للنساء، وكرهه مالك، والضحك عند الفرح، لأنه ﷺ ضحك فرحًا وسرورًا لكون أُمته تبقى بعده متظاهرة، وأمور الإسلام قائمة بالجهاد حتى في البحر، ومعجزات إخباره ﷺ ببقاء أُمته بعد أصحاب الشوكة، وأنهم يغزون، وأنهم يركبون البحر، وأن أُم حرام تعيش إلى ذلك الزمان، وأنها تكون معهم، وقد وجد ذلك كله.
أما الغزوة التي توفيت فيها أُم حرام، فقال البخاري ومسلم: أنها كانت في زمن مُعاوية، وقال (ع): أكثر أهل السير أنها في خلافة عُثمان، قال الزبير بن بكار: كان ركوب معاوية في خلافة عثمان، قيل: سنة ثمان وعشرين، فعلى هذا يكون قولهما في زمن معاوية، أي: زمن غَزوِهِ في البحر لا زمن خلافته.
قال ابن عبد البر: إنَّ مُعاوية غزا تلك الغزوة بنفسه.
* * *
стр. 3972
٤ - بابُ دَرَجَاتِ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ، يُقَالُ: هَذِهِ سَبِيلِي، وَهَذَا سَبِيلِي
(باب: درجات المجاهد في سبيل الله)
(هذه) يريد: أن السبيل يذكَّر ويؤنث.
٢٧٩٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالح، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ هِلَالِ ابْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاء بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَامَ رَمَضَانَ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا"، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أفَلَا نبُشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللهَ فَاسْألوهُ الْفِرْدَوْسَ؛ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ، أُرَاهُ فَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ". قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، عَنْ أَبِيهِ: "وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ".
الحديث الأول:
(حقًّا)؟ أي: كالحق.
(من آمن) هذا مجرده مدخل للجنة، فذكَرَ الصلاة والصيام للاهتمام بشأنهما، وبيان شرفهما كذكر جبريل وميكائيل بعد
стр. 3973
الملائكة، وعدم ذكر الزكاة والحج لعدم وجوبها حينئذ، أو لم يَجِبا على السامع.
(الفردوس) قيل: البستان بلغة الروم.
(أوسط الجنة وأعلى) لا تنافي بينهما، فإن المراد بالأوسط الأفضل كما قال تعالى: ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، أي: خيارًا، أو أنه أراد بأحدهما الحسّي وبالآخر المعنوي، وقيل: لمَّا ساوى بين الجهاد وعدمه في دخول الجنة، ورأى استبشار السامع بذلك لسقوط مشاق الجهاد عنه استدرك بقوله: إن في الجنة مائة درجة كذا وكذا، وأما الجواب به فهو من أسلوب الحكيم، أي: بشرهم بدخولهم الجنة بالإيمان، ولم يكتف بذلك، بل زاد عليها بشارة أُخرى وهي الفوز بدرجات الشهداء، بل وبشرهم أيضًا بالفردوس، وفيه الحث على ما يحصل به أقصى درجات الجنان من المجاهدة مع النفس قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨].
قال (ع): يجوز أن تجرى الدرجات على ظاهرها محسوسًا، وأن تجرى على المعنى، والمراد كثرة النعم، وعظم الإحسان.
(وفوقه) قيده الأَصيلي بضم القاف، أي: أعلاه، والجمهور على النصب على الظرفية، وجعل ضم القاف وَهْمًا على الأَصِيلي، والضمير في (فوقهم) يوهم عوده للفردوس، وقال السفاقُسي: راجع للجنة كلها.
* * *
стр. 3974
٢٧٩١ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ سَمُرَةَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أتيَانِي، فَصَعِدَا بِي الشَّجَرَةَ، فَأدْخَلَانِي دارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ، لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا، قَالَا: أَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءَ".
٥ - بابُ الْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ
٢٧٩٢ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنس بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَغَدْوٌ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا".
٢٧٩٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِي، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَقَابُ قَوْسٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَتَغْرُبُ"، وَقَالَ: الَغَدْوَةٌ أَوْ رَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِمَّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَتَغْرُبُ".
الحديث الثاني:
(صعدا بي)؛ أي: أصْعدَاني، وسبق شرح الحديث في (الجنائز).
(قاب)؛ أي: قدر، والقاف ما بين المقبض والسِّيْه -يعني الطرف- وقيل: ما بين الوتر والقوس، ولكل قوس قابان.
стр. 3975
(من الدنيا) وجه التفضيل مع أن الدنيا من حيث هي لا ثواب فيها، أو المراد أفضل من صرف ما في الدنيا كلها، وقيل: المعنى أن ثواب أيهما كان خير من نعيم الدنيا كلها لو ملكها إنسان، لأن نعيم الدنيا زائل ونعيم الآخرة باق.
الثالث: علم شرحه مما سبق.
* * *
٢٧٩٤ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الرَّوْحَةُ وَالْغَدْوَةُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَفْضَلُ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا".
* * *
٦ - بابُ الْحُورِ الْعِينِ وَصِفَتِهِنَّ يُحَارُ فِيهَا الطَّرْفُ، شَديدَةُ سَوَادِ الْعَيْنِ شَدِيدَةُ بَيَاضِ الْعَيْنِ. ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ﴾: أَنْكْحنَاهُمْ
(باب: الحور العين وصفتهن)
حور جمع حوراء، ويجمع عليه أيضًا أحور، وكذا عِين.
قال الجوهري: الحور -بفتح الواو-: شدة بياض العين في شدة سوادها، ورجل أعين: واسع العين، والجمع عين.
стр. 3976
(أنكحناهم بحور عين) هذا خلاف المشهور عند المفسرين بمعنى: قرناهم، فإن (زوج) لا يتعدى بالباء على الأفصح.
قال في "المحكم": يقال: تزوج امرأةً وبامرأة، وإن بعضهم يعدِّيه بالباء، وقال: ليس من كلام العرب.
* * *
٢٧٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ حُمَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنس بْنَ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ لَهُ عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ، يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، وَأَنَّ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، إِلَّا الشَّهِيدَ؛ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى".
(خير)؛ أي: ثواب، والجملة صفة لـ (عبد).
(وأن له) بفتح (أن) عطف على (أن يرجع)، وبالكسر على أنها جملة حالية.
* * *
٢٧٩٦ - وَسَمِعْتُ أَنس بْنَ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "لَرَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ غَدْوَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكمْ مِنَ الْجَنَّةِ أَوْ مَوْضِعُ قِيدٍ -يَعْنِي: سَوْطَهُ- خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ لأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا،
стр. 3977
وَلَمَلأتهُ رِيحًا، وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا".
(قِيد) بكسر القاف، أي: قدر.
قال بعضهم: ووقع في النسخ: (قيده)، وإنما هو (قده) بكسر القاف وشدة الدال لا غير، وهو السوط المتخذ من الجلد الذي لم يدبغ، ومن رواه: (قيده) بزيادة الياء -أي: مقداره- فقد صحَّف.
قال (ك): لا تصحيف؛ إذ معنى الكلمة صحيح، ولا ضرورة إليه، سلَّمنا أن المراد القدر، غاية ما في الباب أن يقال: قلب إحدى الدالين ياء، وذلك كثير، وفي بعضها: (قيد) بلا إضافة للضمير بل منون تنوين عوض عن المضاف إليه.
(ريحًا)؛ أي: عطرًا طيبًا.
(وَلنَصِيْفها) بفتح النون وكسر الصاد وسكون الياء وبالفاء، أي: خمارها.
* * *
٧ - بابُ تَمَنِّي الشَّهَادَةِ
(باب: تمني الشهادة)
٢٧٩٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَني سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ
стр. 3978
النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَوْلَا أَنَّ رِجَالًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالَّذِي نفسِي بِيَدِهِ! لَوَدِدْتُ أنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ".
الحديث الأول:
(سرية)؛ أي: قطعة من الجيش، سبق في (باب: الجهاد من الإيمان).
(لوددت) قيل: قاله قبل نزول: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، وقيل بعده، والخبر على معنى التغالي في فضل الجهاد، والقتل فيه، وهذا أشبه.
* * *
٢٧٩٨ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الصَّفَّارُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَنس بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "أَخَذَ الرايَةَ زَيدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَليدِ عَنْ غيْرِ إِمْرَةٍ فَفُتِحَ لَهُ، وَقَالَ: مَا يَسُرُّناَ أنهُمْ عِنْدَناَ". قَالَ أيُّوبُ: أَوْ قَالَ: "مَا يَسُرُّهُمْ أَنَّهمْ عِندَناَ"، وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ.
стр. 3979
الثاني:
سبق في (الجنائز) في (باب: الرجل ينعى).
(إمرة) بكسر الهمزة، أي: بغير أن يجعله أحد أميرًا لهم.
(تَذْرِفَان) بكسر الراء، أي: تسيلان دمعًا، وفيه معجزة ظاهرة للنبي ﷺ .
* * *
٨ - بابُ فَضْل مَنْ يُصْرَع فِي سَبِيل اللهِ، فَمَاتَ، فَهُوَ مِنْهُمْ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، ﴿وَقَعَ﴾: وَجَبَ.
(باب: فضل من يصرع في سبيل الله)
٢٧٩٩ - و ٢٨٠٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ أَنس بْنِ مَالِكٍ، عَنْ خَالَتِهِ أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ، قَالَتْ: ناَمَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا قَرِيبًا مِنِّي، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يتبسَّمُ، فَقُلْتُ: مَا أَضْحَكَكَ؟ قَالَ: "أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ يَرْكبُونَ هَذَا الْبَحْرَ الأَخْضَرَ، كَالْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ"، قَالَتْ: فَادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا، ثُمَّ نَامَ الثَّانِيةَ،
стр. 3980
فَفَعَلَ مِثْلَهَا، فَقَالَتْ مِثْلَ قَوْلهَا، فَأَجَابَهَا مِثْلَهَا، فَقَالَتِ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: "أَنْتِ مِنَ الأَوَّلينَ". فَخَرَجَتْ مَعَ زَوْجِهَا عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ غَازِيًا أَوَّلَ مَا ركبَ الْمُسْلِمُونَ الْبَحْرَ مَعَ مُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا مِنْ غَزْوِهِمْ قَافِلِينَ فَنَزَلُوا الشَّأْمَ، فَقُرِّبَتْ إِلَيْهَا دابَّةٌ لِتَرْكبَهَا، فَصَرَعَتْهَا، فَمَاتَتْ.
(الأخضر) صفة لازمة للبحر لا مخصِّصة؛ إذ كل البحار خضر، والماء وإن قالوا لا لون له، لكن يتوهم منه الخضرة من انعكاس الهواء وسائر مقابلاته إليه، وقيل: المراد بالأخضر الأسود.
(مثلها)؛ أي: من التبسم، فسألَتْ عن موجبه فأجابها بالغرض.
(لتركبها فصرعت) يقتضي أن ذلك قبل ذلك، والذي سبق في (باب: الدعاء بالجهاد): (فصرعت عن دابتها)، ويجمع بينهما بأن هنا الفاء فصيحة، أي: فركبت فصرعتها، ومعنى: (عن دابتها)، أي: بسببها وجهتها.
* * *
٩ - بابُ مَنْ يُنْكبُ فِي سَبِيلِ اللهِ
(باب: من يُنْكب في سبيل الله)
٢٨٠١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْحَوْضِيُّ، حَدَّثَنَا همَّامٌ، عَنْ
стр. 3981
إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ أقْوَامًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ إِلَى بَنِي عَامِرٍ فِي سَبْعِينَ، فَلَمَّا قَدِمُوا، قَالَ لَهُمْ خَالِي: أتقَدَّمُكُمْ، فَإِنْ أَمَّنُوني حَتَّى أُبَلِّغَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَإِلَّا كُنْتُمْ مِنِّي قَرِيبًا، فتقَدَّمَ، فَأَمَّنُوهُ، فَبَيْنَمَا يُحَدِّثُهُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إذْ أَوْمَؤُا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَطَعَنَهُ فَأنْفَذَهُ، فَقَالَ: اللهُ أكبَرُ، فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبةِ. ثمَّ مَالُوا عَلَى بَقِيَّةِ أَصْحَابِهِ فَقَتَلُوهُمْ، إِلَّا رَجُلٌ أَعْرَجُ صَعِدَ الْجَبَلَ، قَالَ هَمَّامٌ: فَأرَاهُ آخَرَ مَعَهُ، فَأَخْبَرَ جِبْرِيلُ ﵇ النَّبِيَّ ﷺ أنَّهُمْ قَدْ لَقُوا رَبَّهُمْ، فَرَضِيَ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ، فَكُنَّا نَقْرَأُ: أَنْ بَلِّغُوا قَوْمَنَا أَنْ قَدْ لَقِينَا رَبَّنَا، فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَاناَ، ثُمَّ نسُخَ بَعْدُ، فَدَعَا عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَبَنِي لِحْيَانَ وَبَنِي عُصَيَّةَ الَّذِينَ عَصَوُا اللهَ وَرَسُولَهُ ﷺ .
الحديث الأول:
(من بني سُليم) بضم المهملة.
قال الدمياطي: هو وهم، لأن بني سليم هم الذين قتلوا السبعين، ففي حديث ثابت عن أنس جاء ناس إلى النبي ﷺ فقالوا: ابعث معنا رجالًا يعلمونها القرآن أو السنة، فبعث إليهم سبعين، يقال لهم القُرَّاء منهم خالي حرام.
قال (ك): لأن رِعْلًا هو ابن مالك بن عوف بن امرئ القيس بن بُهْثة -بضم الموحدة وسكون الهاء وبالمثلثة- بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة -بمعجمة ثم مهملة وفاء مفتوحات-، وذكوان هو
стр. 3982
ابن ثعلبة بن بُهثة، وَعُصَيَّة هو ابن خُفاف -بضم المعجمة وخفة الفاء الأولى- ابن امرئ القيس بن بُهثة، وقال الجوهري: رِعْل وذَكْوان قبيلتان من بني سُليم، وَعُصَيَّة بطن من سُليم، وسيأتي أواخر (الجهاد) في (باب: دعاء الإمام): أنه ﷺ دعا على أحياء من بني سُليم حيثُ قتلوا القُرَّاء السبعين.
قال التُّوْرِبِشْتي: المبعوثون كانوا من أورع الناس ينزلون الصفة يتعلمون القرآن، وكانوا رِدْءًا للمسلمين إذا نزلت بهم نازلة بعثهم ﷺ إلى أهل نجد يدعوهم إلى الإسلام، فلما نزلوا بئر مَعونة -بفتح الميم وبالنون- قصدهم عامر بن الطُفيل -بضم المهملة- في أحياء من بني سُليم وهم رِعْلٌ وذَكْوان وعصية فقتلوهم.
قال (ك): والطُفيل هو ابن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة، فهوازن هو أخو سُليم، وأما بنو عامر فهم أولاد عامر بن صعصعة بمهملات، وحينئذ فلا وهم في كلام البخاري لصحة أن يقال: (أقوامًا) منصوب بنزع الخافض، أي: إلى أقوام من بني سليم منضمين إلى بني عامر، وأما مفعول (بعث) فقد اكتفى عنه بصيغة المفعول عن المفعول، أي: بعث بعثًا أو طائفة من جملة سبعين، أو أن لفظ (في) زائدة و (سبعين) هو المفعول، ومثله:
وفي الرحمن للضعفاء كافٍ
стр. 3983
وقال تعالى: ﴿كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وأهل المعاني يسمونها بـ (في) التجريدية، وقد يجاب أيضًا بأن (من) ليست بيانية بل ابتدائية، أي: بعث من جهتهم، أو بعث بعثًا فيساويه بنو سُليم.
قلت: هذا تأويل بتعسف.
(خالي) هو حرام بن مِلحان بكسر الميم وإهمال الحاء.
(وأن لا)؛ أي: وأن لا تؤمنوني.
(ما نفذه) بالفاء والمعجمة.
(فُزت) بضم الفاء من الفوز، أي: نجوت.
(ثم نسخ)؛ أي: تلاوته، وقال الداودي: سكت عن ذكره لتقادم عهده إلا أن يذكره بمعنى الرواية ليس النسخ بمعنى التبديل، لأن الخبر لا يدخله نسخ، وهذا ضعيف.
(رجلًا) بالنصب، وفي بعضها كتابته بلا ألف على لغة ربيعة.
(يقرأ)؛ أي: في جملة القرآن.
(رِعْل) بكسر الراء وسكون المهملة.
(وَذَكْوان) بفتح المعجمة وإسكان الكاف.
(وَعُصَيَّة) بضم المهملة الأولى وفتح الثانية وشدة الياء.
(لِحْيان) بكسر اللام وسكون المهملة وبياء ثم نون وبفتح اللام أيضًا ابن هذيل بن مدركة ابن إلياس بن مضر، فاختلف فيهم هل شاركوا القبيلتين في قتل القُراء أو دعا عليهم رسول الله ﷺ لجهة أُخرى؟، ولفظ: (على رِعْل) بدل من (عليهم) بإعادة العامل كقوله
стр. 3984
تعالى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٥].
* * *
٢٨٠٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانة، عَنِ الأَسْوَدِ ابْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدُبِ بْنِ سُفْيَانَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ فِي بَعْضِ الْمَشَاهِدِ وَقَدْ دَمِيَتْ إِصْبَعُهُ، فَقَالَ: "هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ، وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتِ".
الحديث الثاني:
(المشاهد)؛ أي: المغازي لأنها مواضع الشهادة.
(إصبع) فيه عشر لغات.
(دَميت) بفتح الدال صفة للأصبع، والمستثنى منه عام الصفة، أي: ما أنت بأصبع موصوفة بشي إلا بأن دميت، كأنها لمَّا توجعت خاطبها على سبيل الاستعارة والحقيقة معجزة مسليًّا لها، أي: بشيء، فإنك ما ابتليت بشيء من الهلاك والقطع سوى أنك دميت، ولم يكن ذلك أيضًا هدرًا بل كان في سبيل الله ورضاه.
(ما لقيت)، (ما) موصولة، أي: الذي لقيته، وهنا ثلاثة أمور:
أحدها: قيل كان ذلك في غزوة أحد، وفي "مسلم": كان النبي ﷺ في غار فنكبت أصبعه.
قال (ع): قال أبو الوليد: لعله (غازيًا) مصحف كما قال في
стр. 3985
الرواية الأُخرى: (في بعض المشاهد): وكما في رواية للبخاري: (يمشي إذ أصابه حجر).
فقال (ع): قد يراد بالغار الجمع والجيش لا الكهف، ومنه قول علي: ما ظنك بامرئ جمع بين هذين الغارين، أي: العسكرين.
ثانيها: قوله ﷺ هذا الشعر، واللهُ تعالى ينفي عنه أن يكون شاعرًا بقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ [يس: ٦٩] فجوابه؛ إما أنه رَجَز والرجز ليس بشعر كما قال الأخفش، وإنما يقال لصانعه: الراجز لا الشاعر، وإما أن شرط الشعر القصد، وما يقع اتفاقًا بلا قصد فليس بشعر كما في: ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣]، والبيت الواحد لا يسمى شعرًا، أو أن قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ [يس: ٦٩] ردٌّ على المشركين في قولهم ﴿بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ [الأنبياء: ٥]، أي: إنما يقع على سبيل الندرة لا يلزمه هذا الاسم إنما الشاعر هو الذي ينشد الشعر فيشبِّب ويمدح ويذم ويتصرف في الأفانين، وهو ما برَّأ الله رسوله ﷺ منه.
قال (ع): قال بعضهم: هو بغير مدٍّ استغنى عن الاعتذار، وهو غفلة منه، لأن الراوية بالمد، وقال (ن): الرواية المعروفة بكسر التاء، وبعضهم أسكنها.
ثالثها: اختلف في قائل هذا لشعر، فذكر الواقدي أن الوليد بن الوليد بن المغيرة لمَّا كان رفيق أبي بصير في صلح الحديبية على ساحل البحر في محاربة قريش، وتوفي أبو بصير رجع الوليد إلى المدينة فعثر بحرتها فانقطعت أصبعه فأنشده، وفي "محاسبة النفس"
стр. 3986
لابن أبي الدنيا: أن جعفر لما قتل بمؤتة دعا الناس بابن رواحة فأقبل وقاتل فأصيب أصبعه فارتجز فقال:
هل أنت إلا أصبعٌ دميتِ ... وفي سبيل الله ما لقيت
يا نفسُ إلا تُقتلي تموتي ... هذا حِياضُ الموتِ قد صَلِيت
وما تمنَّيتِ فقد لقيت ... إنْ تفعلي فعلَهما هُدِيت
* * *
١٠ - باب مَنْ يُجْرَحُ فِي سَبِيلِ اللهِ
(باب: من يجرح في سبيل الله
٢٨٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّناَدِ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "وَالَّذِي نفسِي بِيَدِهِ! لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللهِ -وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ- إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ".
(يُكْلم)؛ أي: يجرح.
(والله أعلم) جملة اعتراضية.
* * *
стр. 3987
١١ - باب قَوْلِ الله تَعالَى: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾، وَالْحرْبُ سِجَالٌ
(باب: قول الله ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إلا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢]؛ أي: الظَّفر أو الشهادة.
٢٨٠٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدثَنِي يُونس، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ كَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاه؟ فَزَعَمْتَ أَنَّ الْحَرْبَ سِجَالٌ وَدُوَلٌ، فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ؛ تُبْتَلَى، ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ الْعَاقِبةُ.
(سِجال) بكسر السين: المساواة في الأمر، إما مِنْ جمع سجل وهو الدَّلو، أو المساجلة، أي: يفعل أحد الخصمين مثل ما يفعله الآخر، أي: له مرة وللخصم مرة.
(ودول) بضم الدال جمع دولة بالضم، وبكسرها جمع دولة بالفتح.
قال (ش): دول مثلث الدال حكاه القزاز جمع دولة، وروي: (دولًا) بالنصب، وسبق الحديث في (قصة هرقل) أول "الجامع".
* * *
стр. 3988
١٢ - باب قَوْلِ اللهِ تَعالَى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾
(باب: قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾ [الأحزاب: ٢٣])
٢٨٠٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْخُزَاعي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ حُمَيْدٍ، قَالَ: سَألتُ أَنسًا. حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، حَدَّثَنَا زِيَادٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ، عَنْ أَنسٍ ﵁، قَالَ: غَابَ عَمِّي أَنسُ بْنُ النَّضْرِ عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! غبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ الْمُشْرِكينَ، لَئِنِ اللهُ أَشْهَدَنِي قِتَالَ الْمُشْرِكينَ لَيَرَيَنَّ اللهُ مَا أَصْنَعُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ وَانْكَشَفَ الْمُسْلِمُونَ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ؛ يَعْنِي: أَصْحَابَهُ، وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ؛ يَعْنِي: الْمُشْرِكينَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ، فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَقَالَ: يَا سَعْدُ بْنَ مُعَاذٍ! الْجَنَّةَ، وَرَبِّ النَّضْرِ! إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ، قالَ سَعْد: فَمَا استطَعْتُ يَا رَسُولَ اللهِ مَا صَنَعَ. قَالَ أَنسٌ: فَوَجَدْناَ بِهِ بِضْعًا وَثَمَانِينَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ أَوْ رَمْيةً بِسَهْمٍ، وَوَجَدْناَهُ قَدْ قُتِلَ وَقَدْ مَثَّلَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ، فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إِلَّا أختُهُ بِبَنَانِهِ. قَالَ أَنسٌ: كنَّا نُرَى -أَوْ نظُنُّ- أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَشْبَاهِهِ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ.
стр. 3989
٢٨٠٦ - وَقَالَ: إِنَّ أُخْتَهُ -وَهْيَ تُسَمَّى الرُّبيِّعَ- كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ امْرَأَةٍ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْقِصَاصِ، فَقَالَ أَنسٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا، فَرَضُوا بِالأَرْشِ وَتَرَكوا الْقِصَاصَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ".
الحديث الأول:
(أشهدني)؛ أي: أحضرني.
(لترينَّ) بتشديد النون للتأكيد جواب القسم المقدر، وجواب الشرط محذوف على قاعدة اجتماع الشرط مع قسم سابق، وفي بعضها: (ليراني الله).
(يوم أحد)؛ أي: يوم قتال أحد، أو أطلق اليوم وأريد الوقعة، فهو إما إضمار، وإما مجاز.
(انكشف)؛ أي: انهزم، وفيه حسن العبارة حيث لم يعبر في المسلمين بالانهزام.
(اعتذر)؛ أي: من فرار المسلمين.
(وأبرأ)؛ أي: من قتال المشركين رسول الله ﷺ .
(سعد بن مُعاذ) فإنه ثبت مع رسول الله ﷺ يوم أحد.
(الجنة) بالنصب، أي: أريد الجنة، وبالرفع، أي: مطلوبي.
(دون)؛ أي: عند.
стр. 3990
(لما استطعت)؛ أي: ما قدرت على مثل ما صنع، أي: مع أني شجاع كامل القوة.
(بِضع) بكسر الموحدة أو فتحها: ما بين الثلاث إلى التسع.
(مَثَل) بفتح المثلثة، أي: جَدع من المُثلة وهي قطع الأعضاء، وجدع الأنف والأذن.
(الرُبَيِّع) بتشديد الياء، بنت النَّضْر بسكون المعجمة، أخت أنس ابن النَّضْر.
(لأبره)؛ أي: أبر قسمه، وسبق في (باب: الصلح في الدية).
* * *
٢٨٠٧ - حَدَّثَنَا أبو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، أُرَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زيدٍ: أَنَّ زيدَ بْنَ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: نَسَخْتُ الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ، فَفَقَدْتُ آيَةً مِنْ سُورَةِ الأَحْزَابِ، كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا، فَلَمْ أَجِدْهَا إِلَّا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ، الَّذِي جَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَهَادَتَهُ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ، وَهْوَ قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾.
الحديث الثاني:
(بشهادة رجلين) هو من خصائص خُزيمة، فيخص بحديثه عموم
стр. 3991
﴿شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وأما ثبوت الآية بقول واحد أو اثنين، وشرط القرآن التواتر، فليس الثبوت مجرد هذا الخبر فقط، بل كان ذلك متواترًا عندهم، ولهذا قال: كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها لكنه لم يجدها مكتوبة في المصحف إلا عنده، أو نقول: التواتر وعدمه إنما يتصور فيما بعد الصحابة، لأنهم إذا سمعوا من الرسول ﷺ أنه قرآن علموا قطعًا قرآنيته.
* * *
١٣ - بابٌ عَمَلٌ صَالِحٌ قَبْلَ الْقِتَالِ
وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: إِنَّمَا تُقَاتِلُونَ بِأعْمَالِكُمْ.
وَقَوْلُهُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾.
(باب: عمل صالح قبل القتال)
(بأعمالكم)؛ أي: متلبسين بأعمالكم.
(مرصوص)؛ أي: كأنهم في مراصتهم بنيان رص بعضه إلى بعض، والقصد من ذكر هذه الآية لفظ (صفًّا)، أي: صافين أنفسهم أو مصفوفين، إذ هو عمل صالح قبل القتال، وقيل: يحتمل إرادة استواء
стр. 3992
نياتهم في الثبات حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان، وقيل: مفهومه مدح الذين قالوا وعزموا وقاتلوا، والقول فيه والعزم عملان صالحان.
* * *
٢٨٠٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيم، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ الْفَزَارِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ ﵁ يَقُولُ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ مُقَنَّعٌ بِالْحَدِيدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أُقَاتِلُ وَأُسْلِمُ، قَالَ: "أَسْلِمْ ثُمَّ قَاتِلْ"، فَأَسْلَمَ ثُمَّ قَاتَلَ، فَقُتِلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "عَمِلَ قَلِيلًا وَأُجِرَ كَثِيرًا".
(مقنّع)؛ أي: مغشى بالحديد.
(أجر) مبني للمفعول.
* * *
١٤ - بابُ مَنْ أَتَاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَقَتَلَهُ
(باب: من أتاه سهم غرب)
أي: لا يعرف راميه، فيه أربعة أوجه: فتح الراء وإسكانها بالإضافة وعدمها: على الصفة للسهم، وقيل: هو بالسكون: إذا أتاه من حيث لا يدري، وبالفتح: إذا رماه فأصاب غيره.
* * *
стр. 3993
٢٨٠٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قتادَةَ، حَدَّثَنَا أَنسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ بِنْتَ الْبَرَاءِ، وَهْيَ أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ، أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا نبَيَّ اللهِ! أَلَا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ، وَكانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ، فَإِنْ كانَ فِي الْجَنَّةِ صَبَرْتُ، وَإِنْ كانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ؟ قَالَ: "يَا أُمَّ حَارِثَةَ! إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الأَعْلَى".
(ابن عبد الله) نسبه لجده فإنه محمد بن يحيى بن عبد الله الذُّهْلي.
(أُمُ الرُّبَيِّع) بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد الياء المكسورة.
(بنت البراء) بالتخفيف والمد.
(وهي أُم حارثة) بمهملة ومثلثة.
(ابن سُراقة) بضم المهملة وخفة الراء وبالقاف الأنصاري؛ ووهَّمُوا البخاري فيه في موضعين؛ لأن أُم حارثة هي الرُبَيِّع لا أُمها، والرُبَيِّع هي بنت النَّضْر عمة أنس بن مالك بن النَّضر، وأخت أنس بن النَّضْر لا أنها بنت البراء كما قاله ابن الأثير في "جامع الأصول" وغيره، ونقل (ش) هذا التوهيم عن الدمياطي.
قال: وقد رواه على الصواب عن شعبة عن قتادة، ورواه الترمذي في (التفسير) عن عبد بن حُميد، عن رَوْح بن عبادة، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس: أن الرُبيِّع بنت النَّضْر أتت النبي ﷺ وكان
стр. 3994
ابنها حارثة أُصيب يوم بدر، الحديث.
قال (ك): لا وهم للبخاري إذ ليست في رواية النسفي إلا على الصواب، وكأنَّه في رواية الفِرَبْري حاشية غير صحيحة لبعض الرواة، فألحقت بالمتن، وعلى تقدير صحة ذلك عن البخاري، فيحتمل أن يكون للرُّبَيِّع ولد يُسمّى الربيع كأمه من زوج آخر غير سُراقة اسمه البراء، ويحتمل أن تكون (بنت البراء) خبرًا لـ (أن)، وضمير هي راجع إلى الرُّبَيِّع، وأن تكون (بنت) صفة لأُم الرُّبَيِّع، وهي المخاطبة لرسول الله ﷺ فأطلق الأُم على الجدة تجوزًا، أو أن تكون إضافة الأم إلى الرُّبَيِّع للبيان، أي: الأُم التي هي للرُّبَيِّع، وبنت هو تصحيف عمه إذ الرُّبَيِّع هي عمة البراء بن مالك، وبالجملة فارتكاب هذه التكلفات أولى من توهيم الثقات.
(إنها) ضمير مبهم يفسره ما بعده نحو: هي العرب تقول ما تشاء.
(الفردوس) بستان يجمع كل ما في البساتين من شجر وزهر ونبات، قيل: رومية.
* * *
١٥ - بابُ مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا
(باب: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا)
٢٨١٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو،
стр. 3995
عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: "مَنْ قَاتَلَ لِتكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ".
(مكانه)؛ أي: مرتبته في الشجاعة.
(كلمة الله) هي كلمة التوحيد، فهو المقاتل في سبيل الله لا طالب الغنيمة والشهرة، ولا مظهر الشجاعة، وسبق في (كتاب العلم)، وقيل في الفرق بين الثاني والثالث: أن الثاني للسمعة، والثالث للرياء، أي: من الغُزاة من سمّع ومنهم من راءى، والأولى أن يقال: لترى منزلته في سبيل الله، وعندَ رسول الله ﷺ بقوله عنه: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا) إحمادًا عليه وشكرًا لصنيعه، وإلا كان يكفي في الجواب أن يقول: من يقاتل ليرى مكانه.
* * *
١٦ - بابُ مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللهِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ إِلَى قَوْلهِ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
(باب: من اغبرت قدماه في سبيل الله)
٢٨١١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا
следующие страницы →