﴿شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وأما ثبوت الآية بقول واحد أو اثنين، وشرط القرآن التواتر، فليس الثبوت مجرد هذا الخبر فقط، بل كان ذلك متواترًا عندهم، ولهذا قال: كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها لكنه لم يجدها مكتوبة في المصحف إلا عنده، أو نقول: التواتر وعدمه إنما يتصور فيما بعد الصحابة، لأنهم إذا سمعوا من الرسول ﷺ أنه قرآن علموا قطعًا قرآنيته.
* * *
١٣ - بابٌ عَمَلٌ صَالِحٌ قَبْلَ الْقِتَالِ
وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: إِنَّمَا تُقَاتِلُونَ بِأعْمَالِكُمْ.
وَقَوْلُهُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾.
(باب: عمل صالح قبل القتال)
(بأعمالكم)؛ أي: متلبسين بأعمالكم.
(مرصوص)؛ أي: كأنهم في مراصتهم بنيان رص بعضه إلى بعض، والقصد من ذكر هذه الآية لفظ (صفًّا)، أي: صافين أنفسهم أو مصفوفين، إذ هو عمل صالح قبل القتال، وقيل: يحتمل إرادة استواء
стр. 3992
نياتهم في الثبات حتى يكونوا في اجتماع الكلمة كالبنيان، وقيل: مفهومه مدح الذين قالوا وعزموا وقاتلوا، والقول فيه والعزم عملان صالحان.
* * *
٢٨٠٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيم، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ الْفَزَارِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ ﵁ يَقُولُ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ مُقَنَّعٌ بِالْحَدِيدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أُقَاتِلُ وَأُسْلِمُ، قَالَ: "أَسْلِمْ ثُمَّ قَاتِلْ"، فَأَسْلَمَ ثُمَّ قَاتَلَ، فَقُتِلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "عَمِلَ قَلِيلًا وَأُجِرَ كَثِيرًا".
(مقنّع)؛ أي: مغشى بالحديد.
(أجر) مبني للمفعول.
* * *
١٤ - بابُ مَنْ أَتَاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَقَتَلَهُ
(باب: من أتاه سهم غرب)
أي: لا يعرف راميه، فيه أربعة أوجه: فتح الراء وإسكانها بالإضافة وعدمها: على الصفة للسهم، وقيل: هو بالسكون: إذا أتاه من حيث لا يدري، وبالفتح: إذا رماه فأصاب غيره.
* * *
стр. 3993
٢٨٠٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قتادَةَ، حَدَّثَنَا أَنسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ أُمَّ الرُّبَيِّعِ بِنْتَ الْبَرَاءِ، وَهْيَ أُمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ، أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا نبَيَّ اللهِ! أَلَا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ، وَكانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ، فَإِنْ كانَ فِي الْجَنَّةِ صَبَرْتُ، وَإِنْ كانَ غَيْرَ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ؟ قَالَ: "يَا أُمَّ حَارِثَةَ! إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الأَعْلَى".
(ابن عبد الله) نسبه لجده فإنه محمد بن يحيى بن عبد الله الذُّهْلي.
(أُمُ الرُّبَيِّع) بضم الراء وفتح الموحدة وتشديد الياء المكسورة.
(بنت البراء) بالتخفيف والمد.
(وهي أُم حارثة) بمهملة ومثلثة.
(ابن سُراقة) بضم المهملة وخفة الراء وبالقاف الأنصاري؛ ووهَّمُوا البخاري فيه في موضعين؛ لأن أُم حارثة هي الرُبَيِّع لا أُمها، والرُبَيِّع هي بنت النَّضْر عمة أنس بن مالك بن النَّضر، وأخت أنس بن النَّضْر لا أنها بنت البراء كما قاله ابن الأثير في "جامع الأصول" وغيره، ونقل (ش) هذا التوهيم عن الدمياطي.
قال: وقد رواه على الصواب عن شعبة عن قتادة، ورواه الترمذي في (التفسير) عن عبد بن حُميد، عن رَوْح بن عبادة، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس: أن الرُبيِّع بنت النَّضْر أتت النبي ﷺ وكان
стр. 3994
ابنها حارثة أُصيب يوم بدر، الحديث.
قال (ك): لا وهم للبخاري إذ ليست في رواية النسفي إلا على الصواب، وكأنَّه في رواية الفِرَبْري حاشية غير صحيحة لبعض الرواة، فألحقت بالمتن، وعلى تقدير صحة ذلك عن البخاري، فيحتمل أن يكون للرُّبَيِّع ولد يُسمّى الربيع كأمه من زوج آخر غير سُراقة اسمه البراء، ويحتمل أن تكون (بنت البراء) خبرًا لـ (أن)، وضمير هي راجع إلى الرُّبَيِّع، وأن تكون (بنت) صفة لأُم الرُّبَيِّع، وهي المخاطبة لرسول الله ﷺ فأطلق الأُم على الجدة تجوزًا، أو أن تكون إضافة الأم إلى الرُّبَيِّع للبيان، أي: الأُم التي هي للرُّبَيِّع، وبنت هو تصحيف عمه إذ الرُّبَيِّع هي عمة البراء بن مالك، وبالجملة فارتكاب هذه التكلفات أولى من توهيم الثقات.
(إنها) ضمير مبهم يفسره ما بعده نحو: هي العرب تقول ما تشاء.
(الفردوس) بستان يجمع كل ما في البساتين من شجر وزهر ونبات، قيل: رومية.
* * *
١٥ - بابُ مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا
(باب: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا)
٢٨١٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو،
стр. 3995
عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: "مَنْ قَاتَلَ لِتكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ".
(مكانه)؛ أي: مرتبته في الشجاعة.
(كلمة الله) هي كلمة التوحيد، فهو المقاتل في سبيل الله لا طالب الغنيمة والشهرة، ولا مظهر الشجاعة، وسبق في (كتاب العلم)، وقيل في الفرق بين الثاني والثالث: أن الثاني للسمعة، والثالث للرياء، أي: من الغُزاة من سمّع ومنهم من راءى، والأولى أن يقال: لترى منزلته في سبيل الله، وعندَ رسول الله ﷺ بقوله عنه: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا) إحمادًا عليه وشكرًا لصنيعه، وإلا كان يكفي في الجواب أن يقول: من يقاتل ليرى مكانه.
* * *
١٦ - بابُ مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللهِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ إِلَى قَوْلهِ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.
(باب: من اغبرت قدماه في سبيل الله)
٢٨١١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا
стр. 3996
يَحْيَى ابْنُ حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا عَبَايَةُ بْنُ رَافِعِ ابْنِ خَدِيجٍ، قَالَ: أَخْبَرَني أَبُو عَبْسٍ، هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جَبْرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَا اغْبَرَّتْ قَدَمَا عَبْدٍ فِي سَبِيلِ اللهِ فتمَسَّهُ النَّارُ".
(إسحاق) قال الكلاباذي: هو ابن منصور.
(فتمسَّه) بالنصب، أي: أن الإغبرار المرتب على المشي منتف بانتفاء المشي فقط وقد تقدمت مباحثه في (الجنائز) في: (لا يموت لمسلم ثلاثة فيلج النار)، قيل: ومطابقة الآية للترجمة مضمون: ﴿وَلَا يَطَئُونَ﴾ [التوبة: ١٢٠]، لأن ذلك يتضمن المشي المؤثر في تغبير الأقدام لا سيما في ذلك الزمان.
* * *
١٧ - بابُ مَسْحِ الْغُبَارِ عَنِ النَّاس فِي السَّبِيلِ
(باب: مسح الغبار عن الناس في سبيل الله)
٢٨١٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ لَهُ وَلعَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ: ائْتِيَا أَبَا سَعِيدٍ فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ، فَأَتَيْنَاهُ، وَهُوَ وَأَخُوهُ فِي حَائِطٍ لَهُمَا
стр. 3997
يَسْقِيَانِهِ، فَلَمَّا رَآناَ جَاءَ فَاحْتَبَى وَجَلَسَ، فَقَالَ: كُنَّا ننقُلُ لَبِنَ الْمَسْجدِ لَبِنَةً لَبِنَةً، وَكَانَ عَمَّارٌ يَنْقُلُ لَبِنتَيْنِ لَبِنتَيْنِ، فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَمَسَحَ عَنْ رَأْسِهِ الْغُبَارَ، وَقَالَ: "وَيْحَ عَمَّارٍ! تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ؛ عَمَّارٌ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ، وَيَدْعُونه إِلَى النَّارِ".
(وأخوه) قال الدمياطي: هو وهم لأن أبا سعيد لم يكن له أخ بالنسب سوى قتادة ابن النعمان الظفري، فإنه كان أخاه لأُمه، ومات قتادة في عهد عُمر، وكان عمر أبي سعيد حين بنى المسجد نحو عشرين سنة أو دونها.
قال (ك): لعله أخوه من الرضاعة ولا أقل من أخي الإسلام.
قلت: الرضاعة تحتاج لنقل، وأخوة الإسلام لا تنحصر في هذا؛ فالإشكال باقٍ.
(لَبِنة) بفتح اللام وكسر الباء، وبكسر أو فتح، فيكون على القاعدة في (فعل).
(فاحتبى) الاحتباء: أن يجمع ظهره وساقية بعمامة أو نحوها، وقد يحتبي بيديه.
(عن رأسه) في بعضها: (على رأسه)، فيكون متعلقًا بالغبار، أي: الغبار الذي على رأسه.
(ويح) كلمة رحمة منصوب بإضمار فعل.
стр. 3998
(يدعوهم)؛ أي: في الزمان المستقبل، وقد وقع ذلك في يوم صفين يدعو الفئة الباغية إلى الحق، ويدعونه إلى البغي، فهو معجزة للنبي ﷺ ، وسبق في (باب: التعاون في بناء المساجد).
* * *
١٨ - بابُ الْغَسْلِ بَعْدَ الْحَرْبِ وَالْغبَارِ
(باب: الغسل بعد الحرب)
٢٨١٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا رَجَعَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَوَضَعَ السِّلَاحَ وَاغْتَسَلَ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ وَقَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ الْغُبَارُ، فَقَالَ: وَضَعْتَ السِّلَاحَ؟ فَوَاللهِ مَا وَضَعْتُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَأَيْنَ"؟ قَالَ: هَا هُنَا، وَأَوْمَأَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، قَالَتْ: فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
(الخندق)؛ أي: المحفور بالمدينة في غزوة الأحزاب.
(عصب)؛ أي: ركب وصار كالعصابة.
(قُريظة) بضم القاف وإعجام الظاء: قبيلة من اليهود.
* * *
٢٤ - بابُ الشَّجَاعَةِ فِي الْكَرْبِ وَالْجُبْنِ
(باب: الشجاعة في الحرب)
٢٨٢٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ وَاقِدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنسٍ ﵁، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ وَأَشْجَعَ النَّاسِ وَأَجْوَدَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ سَبَقَهُمْ عَلَى فَرَسٍ، وَقَالَ: "وَجَدْناَهُ بَحْرًا".
الحديث الأول:
(بحرًا)؟ أي: كالبحر واسع الجري.
(أحسن الناس) قال حكماء الإسلام: للإنسان قوى ثلاثة: عقلية وكمالها الحكمة، وشهوية وكمالها الجود، وغضبية وكمالها الشجاعة، فأشير إلى الثلاث في الحديث؛ لأن أحسن الناس إشارة إلى حسن الصورة، وحسنها تابع لاعتدال المزاج، واعتدال المزاج مستتبع لصفاء النفس الذي به جودة القريحة، وهذه الثلاث هي أُمهات الأخلاق.
* * *
٢٨٢١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرني عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ: أَخْبَرني جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ: أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَمَعَهُ النَّاسُ، مَقْفَلَهُ مِنْ حُنيْنٍ، فَعَلِقَهُ النَّاسُ يَسْألونَهُ حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى
стр. 4006
سَمُرَةٍ، فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ، فَوَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "أَعْطُونِي رِدَائِي، لَوْ كَانَ لِي عَدَدُ هَذِهِ الْعِضَاهِ نعمًا لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لَا تَجدُونِي بَخِيلًا وَلَا كَذُوبًا وَلَا جَبَانًا".
الحديث الثاني:
(مقفله)؛ أي: زمان رجوعه.
(حُنَين) بضم المهملة وفتح النون: وادٍ بين مكة والطائف.
(فعلقت)؛ أي: طفقت.
(اضطروه)؛ أي: ألجؤوه.
(سَمُرة) بضم الميم من شجر الطَّلْح.
(فخطفت)؛ أي: الأعراب أو السَّمُرة مجازًا.
(العِضَاه) بكسر المهملة وخفة المعجمة والهاء وصلًا ووقفًا: كل شجر عظيم له شوك، وواحدة العضاه: عضهة، وقيل: عضية، وقيل: عضاهة.
(نِعَم) واحد الأنعام وهي المال الراعية، وأكثر ما يقع على الإبل، وأورده (ش): (نعمًا) بالنصب، وقال: إنه خبر (كان) أو تمييز، وإنه رواه أبو داود بالرفع اسم (كان) و (عدد) خبرها.
(ولا كذوبًا) بمعنى: ذا كذب، وإلا فالنفي في صيغ المبالغة لا يلزم منه انتفاء الأصلي، وكذا في نفي بخيل وجبان اللذين هما صفة مشبهة الثبوت لا يلزم من نفيهما نفي الباخلية ولا الجبن الأصلي لأنه قد
стр. 4007
يلحظ فيها أصل الفعل لا تقييد الثبوت بالقرينة كما هنا، فإن المقام يقتضي نفي ذلك بالكلية، وكذا قالوا في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧]: أنه يجوز أن تكون بمعنى: ذي قرب، وحاصله أن باب: ذي كذب لا يختص الفاعل والفعل، وأما فائدة ذكر الكذوب والجبان هنا: أنه لمَّا نفى البخل الذي هو مقتضى المقام قال: ولا أكذب في نفي البخل عني، ثم هذا النفي ليس من خوفي منكم، وهذا من جوامع الكلم إذ أصول الأخلاق: الحكمة، والشجاعة، والكرم، فأشار بعدم الكذب إلى كمال القوة العقلية، أي: الحكم، وبعدم الجبن إلى كمال القوة الغضبية، أي: الشجاعة، وبعدم البخل إلى كمال القوة الشهوية، أي: الجود، وهذه الثلاث هي أُمهات فواضل الأخلاق، والأول: مرتبة الصديقين، والثاني: الشهداء، والثالث: الصالحين.
* * *
٢٥ - بابُ مَا يُتَعَوَّذُ مِنَ الْجُبْنِ
(باب: ما يتعوذ من الجبن)
٢٨٢٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أبُو عَوَانةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ، سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ الأَوْدِيَّ، قَالَ: كَانَ سَعْدٌ يُعَلِّمُ بَنِيهِ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ كمَا يُعَلِّمُ الْمُعَلِّمُ الْغِلْمَانَ الْكِتَابَةَ، وَيَقُولُ: إِنَّ
قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ وَقَوْلهِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ إلَى قَوْلِهِ ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. يُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاس: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾: سَرَايَا مُتَفَرِّقِينَ، يُقَالُ: أَحَدُ الثُّبَاتِ: ثُبَةٌ.
* * *
٢٨٢٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ الْفَتْح: "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْح، وَلَكِنْ جِهَاد وَنِيَّةٌ، وإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا".
(باب: وجوب النفير)
(انفروا ثبات) وقع في رواية القابسي: (ثباتًا) بالألف.
قال (ش): ولا وجه له.
قلت: بل هي لغة في معتل اللام من الجمع بالألف والتاء.
(ثُبَة) بضم المثلثة وخفة الموحدة: الفرقة.
وسبق الحديث أول (الجهاد).
* * *
стр. 4011
٢٨ - بابُ الْكَافِرِ يَقْتُلُ الْمُسْلِمَ، ثُمَّ يُسْلِمُ، فَيُسَدِّدُ بَعْدُ وَيُقْتَلُ
(باب: الكافر يقتل المسلم فيسلم)
٢٨٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يَضْحَكُ اللهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ يَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ؛ يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ عَلَى الْقَاتِلِ فَيُسْتَشْهَدُ".
الحديث الأول:
(يضحك) إسناده إلى الله مجازي، مراد به لازم الضحك وهو الرضا.
قال (خ): من المعلوم دلالة الضحك على الرضا، وقبول الوسيلة وإنجاح الطِّلبة كما قال:
غمر الرداء إذا تبسم ضاحكًا ... عتقت بضحكته رقاب المال
فهو مثل ضرب لصنيعهما الذي هو مكان التعجب عند البشر، فالله يجزل العطاء لهما.
(إلى رجلين) عُديَ بـ (إلى) لتضمنه معنى الإقبال، يقال: ضحكت إلى فلان: إذا توجهت إليه بوجه طلق، وأنت عنه راض.
стр. 4012
(فيقتل) مبني للمفعول.
(على القاتل)؛ أي: فيسلم، وما أحسن تقديره هذا الحديث على قصة أبي هريرة، وهو:
* * *
٢٨٢٧ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيّ، قَالَ: أَخْبَرَني عَنْبَسَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: أتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهْوَ بِخَيْبَرَ بَعْدَمَا افْتَتَحُوهَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَسْهِمْ لِي، فَقَالَ بَعْضُ بَنِي سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ: لَا تُسْهِمْ لَهُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ: هَذَا قَاتِلُ ابْنِ قَوْقَلٍ، فَقَالَ ابْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ: وَاعَجَبًا لِوَبْرٍ تَدَلَّى عَلَيْنَا مِنْ قَدُومِ ضَأنٍ، يَنْعَى عَلَيَّ قَتْلَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ أكرَمَهُ اللهُ عَلَى يَدَيَّ، وَلَمْ يُهِنِّي عَلَى يَدَيْهِ! قَالَ: فَلَا أَدْرِي أَسْهَمَ لَهُ أَمْ لَمْ يُسْهِمْ لَهُ؟ قَالَ سُفْيَانُ: وَحَدَّثَنِيهِ السَّعِيدِيُّ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ السَّعِيدِيُّ: عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ.
الحديث الثاني:
(قَوْقَل) بفتح القافين وسكون الواو بينهما وباللام: هو النعمان ابن مالك بن ثَعْلبة بفتح المثلثة وسكون المهملة بعدها، أي: المسمى بقَوْقَل الأنصاري، قيل: لأنه يقول للخائف قَوْقل حيث شئتَ فإنك آمن، وكان قد قَتَله يومَ أحد أبانُ بن سعيد بن العاص، فهو المراد من
стр. 4013
قوله: (فقال ابن سعيد)، وقد سماه أبو داود في روايته، فقتله قبل أن يسلم، وإسلامه بين الحُديبية وخيبر، وهو الذي أجار عثمان يوم الحُديبية حيث بعثه النبي ﷺ رسولًا إلى مكة، وقال أبو الفرج: لا أدري من يعني بابن قَوْقَل إلا أن النعمان المذكور قتل بأُحد شهيدًا قتله صفوان بن أُمية، وقتل معه يومئذ من القَواقِلة العباس بن عبادة، وهذا المقتول النعمان هو الذي قال يوم أُحد -وقد كان أعرج-: أقسمت عليك يا رب العزة لا تغيب الشمس حتى أطأ بعرجتي هذه خضر الجنة، فقال رسول الله ﷺ : "إن النعمان ظن بالله ظنًّا فوجده عند ظنه، فلقد رأيته يطأ في خضرها ما به عرج".
(واعجبًا) بالتنوين، وفي بعضها بدونه، فإن نون كان اسم فعل بمعنى أعجب، ومثله: واها، ووي، وجيء بعده تعجبًا توكيدًا، وإذا لم ينون فالأصل فيه: وأعجبني، فأبدلت الكسرة فتحة والياء ألفًا كما فعل في: يا أسفا، ويا حزنا، وفيه شاهد على استعمال (وا) في منادى غير مندوب.
(لوبْر) بسكون الباء: دويبة تشبه السنَّور، والجمع وبار، شبهه في قومه بهذه الدويبة في تدَلّيه من موضعه، وروي: (وبَرة) بفتح الباء، أي: وبَر الإبل، شبَّهه بما يعلق بوبر الشاة، أي: ملتصق في قريش، وليس منهم، وكل ذلك تحقير من أبان لأبي هريرة لمَّا قال: لا تقسم له.
(تدلى)؛ أي: انحدر، وقد روي كذلك، ويروى: (تردى)، وكلها بمعنى.
(من قَدوم ضان)؛ أي: طرف جبل، وضان: اسم جبل في
стр. 4014
أرض دَوس، وقَدوم -بفتح القاف- ثنيّة به، وكذا لأبي ذرٍّ، وضبطه الأَصِيلي بضم القاف، وقال: وكذا ضبطه أبو زيد في كتابه، أي: كان قدومه من هذا الموضع؛ نعم في (باب: غزوة خيبر) رواية: (ضال) مخفف اللام، وكذا لابن السكن، والقاضي، والهمذاني، وزاد في رواية السهيلي: (والضال: السدر)، فلا يناسب (قدوم) مصدرًا، لكن قال (ع): ذكر أنه وهم، وأن ما تقدم من تفسير الحربي أولى، وقال (خ): هو في أكثر الروايات بلام، وقيل: يقال بالنون وباللام، وكأنها بدل من اللام كما قالوا: فرس رِفَلٌّ ورِفَن، إذا كان طويل الذنب، وتأوله بعضهم أنه الضأن من الغنم، فتكون ألفه همزة، وأن وبرًا الذي أُضيف له بفتح الباء، أي: شعر رؤوسها، قال (ع): وهو تكلف وتحريف، وفي "شرح الإلمام" لابن دقيق العيد: أن الناس رووه عن البخاري بالنون إلا الهمذاني فباللام وهو الصواب، والضال: السدر البري، وأما إضافة هذه النسبة إلى الضأن فلا أعلم لها معنى. قال: وفي ضبط القدوم بالتشديد والتخفيف خلاف.
قال (ش): هذا إنما في حديث الختان.
(ينعى عليَّ)؛ أي: يعيب، يقال: نعيتُ على الرجل فعله: إذا وبَّختَه عليه وعِبتَه به.
(قتلَ) مفعول (ينعى)، أي: يعيب عليَّ أني قتلت رجلًا أكرمه الله على يديَّ حيث صار شهيدًا بواسطتي، ولم يقتل بالعكس إذ لو صرت مقتولًا بيده لكنت مُهانًا من أهل النار إذ لم أكن حينئذ مُسلمًا.
стр. 4015
(فلا أدري) روى أبو داود: أنه ﷺ لم يقسم له.
(السعيدي) هو عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاصي.
* * *
٢٩ - بابُ مَنِ اخْتَارَ الْغَزْوَ عَلَى الصَّوْمِ
٢٨٢٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبةُ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنس بْنَ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ لَا يَصُومُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَجْلِ الْغَزْوِ، فَلَمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ لَمْ أَرَهُ مُفْطِرًا، إِلَّا يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى.
(باب: من اختار الغزو على الصوم)
ذكر فيه مَنْقَبة لأبي طَلْحة.
* * *
٣٠ - بابٌ الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَي الْقَتلِ
(باب: الشَّهادة سبْع)
قال الإسماعيلي: أصل الترجمة مخالفة للحديث.
стр. 4016
قال (ش): بل أشار بها إلى أن الحديث بالسبع قد ورد، لكن ليس على شرطه.
* * *
٢٨٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالح، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِقُ: وَصَاحِبُ الْهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللهِ".
(المطعون) من مات في الطاعون، وقال الجوهري: الموت من الوباء.
(والمبطون): العليل بالبطن.
(والغَرِق) بكسر الراء، أي: الغريق.
(وصاحب الهَدْم) باسكان الدال؛ أما بكسرها: فالذي يموت تحت الهدم، وبفتحها: ما انهدم من جوانب البناء، وذكر أربع سوى الشهيد في سبيل الله، وقد ترجم بأنها سبع للتنبيه على أن الشهادة لا تنحصر في القتل في الجهاد كما سبق إلى الأذهان، فنبه بالخمسة على ما سواها، أو أن مالكًا رواه سبع ولكنها ليست على شرط البخاري، أو أن بعض الرواة نسي الباقي، ومعنى كون غير القتيل في معركة الكفار شهيدًا في الثواب لا في ترتب أحكام من ترك الغسل، والصلاة، وشق في (باب: فضل التهجير في الظهر): أن الشهداء ثلاثة أقسام.
الحديث الثاني:
(يملها)؛ أي: يميلها، ويحتمل أن تكون ياؤه مقلوبة من إحدى اللامين.
(لو أستطيع)؛ أي: لو استطعت، فعدل للمضارع لقصد الاستمرار، أو لغرض الاستحضار.
(تُرض)؛ أي: تدق، والرض: الدق الجريش.
(سُرِّيَ) بالتشديد والتخفيف، أي: كُشف وأُزيل.
* * *
٣٢ - بابُ الصَّبْرِ عِنْدَ الْقِتَالِ
(باب الصَّبر عند القِتال)
٢٨٣٣ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِم أَبِي النَّضْرِ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى كتَبَ، فَقَرَأْتُهُ: إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا".
(فاصبروا) يحتمل أن يُراد الصبر عند إرادة القِتال والشُّروع فيه،
стр. 4019
أو الصبر حالَ المُقاتَلة والثَّبات عليه.
* * *
٣٣ - بابُ التَّحْرِيضِ عَلَى الْقِتَالِ، وَقَوِلِهِ تَعَالَى: ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾
(باب التَّحريض على القِتال)
٢٨٣٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ حُمَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁، يَقُولُ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْخَنْدَقِ، فَإِذَا الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَبِيدٌ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ لَهُمْ، فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنَ النَّصَبِ وَالْجُوعِ قَالَ: "اللَّهُمَّ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَة، فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ"، فَقَالُوا مُجيبِينَ لَهُ:
نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا ... عَلَى الْجهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدَا
(ما بهم)؛ أي: الأمر المتلبِّس بهم.
(اللهم) قال الدَّاوُدي: إنما قال ابن رَواحة: (لاهُمَّ) بلا ألف ولام، فأتى به بعض الرواة على المعنى، وبما ذكره يتَّزِن الشِّعر.
(إن العيش)؛ أي: العيش الباقي، أو المعتبَر.
(بايعوا) في بعضها: (بايعنا).
стр. 4020
(على الجهاد) ورَد في نُسخةٍ: (على الإسلام)، وليس بموزونٍ، فالصواب الأول، وقد سبق: أن رسول الله ﷺ كان يجيبهم، وقال ثانيًا: هم كانوا يجيبونه، ولا منافاة، فكان هذا تارة، وهذا أُخرى.
* * *
٣٤ - بابُ حَفْرِ الْخَنْدَقِ
(باب: حفر الخندق)
٢٨٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنسٍ ﵁، قَالَ: جَعَلَ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ، وَيَنْقُلُونَ التُّرَابَ عَلَى مُتُونِهِمْ وَيَقُولُونَ:
نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدا ... عَلَى الإسْلَامِ مَا بَقِينَا أَبَدا
وَالنَّبِيُّ ﷺ يُجيبُهُمْ وَيَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنَّهُ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الآخِرَهْ، فَبَارِكْ فِي الأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ".
٢٨٣٦ - حَدَّثَنَا أبُو الْوَليدِ، حَدَّثَنَا شُعْبةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، سَمِعْتُ الْبَرَاءَ ﵁: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْقُلُ وَيَقُولُ: "لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا".
٢٨٣٧ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ،
стр. 4021
عَنِ الْبَرَاءِ ﵁، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمَ الأَحْزَابِ يَنْقُلُ التُّرَابَ، وَقَدْ وَارَى التُّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: "لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا، وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا، فَأَنْزِلِ السَّكِينَةَ عَلَيْنَا، وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا، إِنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا، إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا".
الحديث الأول، والثاني، والثالث:
(أُنزلن) بنون التوكيد الخفيفة.
(سكينة)؛ أي: وقارًا، وفي بعضها: (السكينة) مع حذف النون من أنزلن.
(الأُلى) من الألفاظ الموصولة لا اسم إشارة؛ جمعًا للمذكر.
(بغوا علينا)؛ أي: ظلموا.
قال (ش): ليس هكذا يتزن، وإنما هو: إن الأُلى هم قد بغوا علينا، فأسقط (هو) لأن وزنه: مستفعلن مستفعلن فعول، ويروى: إن الأعادي بغوا علينا، وهو لا يتزن إلا بزيادة (هم) أو (قد)، وهذا كله على رواية (الأُلى) بالقصر، أما على إرادة مؤنث الأول، أي: الجماعة السابقة، أو على أنها تكون موصولة بمعنى: الذين، ويكون خبر (إن) محذوفًا تقديره: إن الذين بغوا علينا ظالمون، وقد قيل: إن صوابه (أولًا) ممدود (التي) لإشارة الجماعة، وبه يصح المعنى والوزن.
(أبينا) من الإباء، وسبق قريبًا الكلام على مثل هذا شعر أم لا، وكيف نطق به ﷺ في:
стр. 4022
هل أنت إلا إصبع دميت
* * *
٣٥ - بابُ مَنْ حَبَسَهُ الْعُذْرُ عَنِ الْغَزْوِ
(باب: من حبسه العذر عن الغزو)
العذر: وصف يقوم بالمكلف يناسب التسهيل عليه.
٢٨٣٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ: أَنَّ أَنسًا حَدَّثَهُمْ قَالَ: رَجَعْنَا مِنْ غَزْوَةِ تبوكَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ .
٢٨٣٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ -هُوَ ابْنُ زَيْدٍ-، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي غَزَاةٍ فَقَالَ: "إِنَّ أَقْوَامًا بِالْمَدِينَةِ خَلْفَنَا، مَا سَلَكْنَا شِعْبًا وَلَا وَادِيًا إِلَّا وَهُمْ مَعَنَا فِيهِ، حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ". وَقَالَ مُوسَى: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ مُوسَى ابْنِ أَنسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ النَّبِيّ ﷺ . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الأَوَّلُ أَصَحُّ.
(خلْفنا)؛ أي: وراءنا، وفي بعضها: (خَلَّفنا)، بلفظ الفعل من التخليف.
(فيه)؛ أي: في ثوابه، أي: شركاؤنا فيه.
(الأول)؛ أي: الذي بلا واسطة: موسى بن إسماعيل أصح من
стр. 4023
رواية واسطته، وقد رواها كذلك أبو داود.
* * *
٣٦ - بابُ فَضْلِ الصَّوْمِ فِي سَبِيلِ اللهِ
(باب: فضل الصوم في سبيل الله)
٢٨٤٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَني يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَسُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالحٍ: أَنَّهُمَا سَمِعَا النُّعْمَانَ بْنَ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ بَعَّدَ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا".
(صام) قد سبق في (باب: اختيار الغزو على الصوم): أن أبا طلحة كان يفضل الإفطار، ولا منافاة؛ لأن هذا من الأمور النسبية، فالقوي الصوم له أفضل، والضعيف بالعكس.
(وجهه)؛ أي: ذاته أو عضوه المخصوص، لكنه كناية عن الكل.
(سبعين خريفًا) ذكر السبعين للمبالغة على نحو: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود: ١٠٧]، والخريف السنة، لأنها تستلزم الخريف.
* * *
стр. 4024
٣٧ - بابُ فَضْلِ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ
(باب: فضل النفقة في سبيل الله)
٢٨٤١ - حَدَّثَني سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللهِ دَعَاهُ خَزَنةُ الْجَنَّةِ، كُلُّ خَزَنَةِ بَابٍ: أَيْ فُلُ! هَلُمَّ"، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ! ذَاكَ الَّذِي لَا تَوَى عَلَيْهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ".
الحديث الأول:
(زوجين) الزوج خلاف الفرد، وكل منهما يسمى زوجًا، والمراد: أن يشفع ما ينفقه من دينار أو درهم أو سلاح أو غيره.
قال الداودي: ويقع الزوج على الواحد والاثنين، وهو هنا على الواحد.
(كل خزنة باب) لعله من باب القَلْب، وأصله: خزنة كلِّ بابٍ.
(أي: فلُ) روي بضم اللام وفتحها، ولفظ: (فُلان) كنايةٌ عن اسمٍ سُمِّي به المُحدَّث عنه، ويقال في النداء فتحذف منه الألف والنون لا ترخيمًا وإلا لقالوا: (يا فلاه) عند الجمهور.
قال (ش): لأنه لا يقال إلا بسكون اللام، ولو كان ترخيمًا لفتحوها أو ضموها.
стр. 4025
قلت: هو مضموم بلا شك.
قال سيبويه: ليست ترخيمًا، إنما هي صيغة ارتجلت في النداء، وقد جاءت في النداء نحو: أمسك فلانًا عن فل؛ بكسر اللام الثانية، وكذا قال الأزهري.
قال: فبنُو أسد يوقِعُونها على الواحد والاثنين والجمع والمؤنث بلفظ واحد، وغيرهم يثني ويجمع ويؤنث، وقال قوم: هو ترخيم (فلان)، فحذفت النون للترخيم والألف لسكونها، وتفتح اللام وتضم على مذهبي الترخيم، وحينئذ فيحصل في لام (فلان) السكون والضم والفتح.
(هلم)؛ أي: تعال، يستوي فيه الواحد والجمع في لغة الحجاز، وأما أهل نجد فيقولون: هلما وهلموا.
(لا تَوَى) بفتح المثناة والواو مقصور: الهلاك، وقال ابن فارس: تمدُّ أيضًا، وقال (خ): أي: لا ضياع، أي: لا بأس عليه، ويدخل آخر.
* * *
٢٨٤٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنَا هِلَالٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: "إِنَّمَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَرَكَاتِ الأَرْضِ"، ثُمَّ ذَكَرَ زَهْرَةَ الدُّنْيَا، فَبَدَأَ بِإِحْدَاهُمَا وَثَنَّى بِالأُخْرَى،
(أوَ خير هو) استفهامُ إنكارٍ، والضَّمير للمال.
(لا يأتي إلا بالخير)؛ أي: لكنَّ هذا ليس خيرًا حقيقيًّا لِمَا فيه من الفِتْنة والاشتِغال عن كمال الإقبال على الآخرة.
(يلم) من الإلمام، أي: يَقرُب أن يَقتُل.
(خَضِرَة) تأنيثه إما باعتبار أنواعه، أو صورته، أو التاء للمُبالغة؛ كَعلَّامة، أو أنَّ معناه: أن هذا المَالَ كالبَقْلَة الخَضِرة.
(ونعم صاحب المسلم) المخصوص بالمدح: المال.
(شهيدًا)؛ أي: يأتيه في صورة مَن شَهِد عليه بالجناية كما يأتي على صورة شُجاعٍ أقرع.
وسبق الحديث في (باب: الصدقة على اليتامى).
* * *
٣٨ - بابُ فَضْلِ مَنْ جَهَّزَ غَازيًا أَوْ خَلَفَهُ بِخَيْبر
(بابُ فَضْلِ مَن جهَّز غازيًا)
٢٨٤٣ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ ﵁: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللهِ
стр. 4028
بِخَيْرٍ فَقَدْ غَزَا".
الحديث الأول:
معنى قوله: (جهَّز غازيًا)، أي: هيَّأَ سفرَه.
[(قد خلف) بتخفيفِ اللام؛ أي: كان خليفةً، أو يقال: خَلَفَه في قومه خِلافة] (١).
* * *
٢٨٤٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَنسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ بَيْتًا بِالْمَدِينَةِ غيْرَ بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: "إِنِّي أَرْحَمُهَا، قُتِلَ أَخُوهَا مَعِي".
الثاني:
(فقيل له)؛ أي: سُئل عن سبب ذلك.
(قتل أخوها معي) ليس ذلك سببًا في حِلِّ دخولِه عليها؛ بل لأنها مَحْرَمٌ بنسب، أو رضاع، أو ذلك من خصوصياته ﷺ كما سبق قريبًا نظيرُه في أُختِها أُمِّ حَرَام؛ ولهذا حُمل الحصر هنا على الغالب، فإنه كان يدخل بيت أُم حَرَام أيضًا، وإنما هذا التعليلُ لوقوع الدخول
стр. 4029
منه، وكان أخوَاها حَرَامٌ وسُلَيْم -بضم أوله- ابنا مِلحان قُتلا شهيدين يومَ بئر مَعُوْنَةَ، والنبي ﷺ وإن لم يكن هناك، لكنَّ المراد: مع عَسْكري، أو مع نُصرة ديني.
* * *
٣٩ - بابُ التَّحَنُّطِ عِنْدَ الْقِتَالِ
(بابُ التَّحَنُّطِ عند القتال)
٢٨٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَنسٍ، قَالَ وَذَكَرَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ، قَالَ: أَتَى أَنَسٌ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ، وَقَدْ حَسَرَ عَنْ فَخِذَيْهِ وَهْوَ يَتَحَنَّطُ، فَقَالَ: يَا عَمِّ! مَا يَحْبِسُكَ أَنْ لَا تَجيءَ؟ قَالَ: الآنَ يَا ابْنَ أَخِي، وَجَعَلَ يَتَحَنَّطُ -يَعْنِي: مِنَ الْحَنُوطِ- ثُمَّ جَاءَ فَجَلَسَ، فَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ انْكِشَافًا مِنَ النَّاسِ، فَقَالَ: هَكَذَا عَنْ وُجُوهِنَا حَتَّى نُضَارِبَ الْقَوْمَ، مَا هَكَذَا كُنَّا نَفْعَلُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، بِئْسَ مَا عَوَّدْتُمْ أَقْرَانكُمْ.
رَوَاهُ حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنسٍ.
(اليَمامة) بفتح الياء، وخِفَّة الميم، مدينةٌ من اليمن على مرحلتين من الطَّائِفِ، سُمِّيت باسم جاريةٍ زَرقاءَ كانت تبصرُ الراكبَ من مسيرة ثلاثة أيام.
стр. 4030
قال الجَوْهَرِيُّ: هي بلادٌ تسمَّى الجو، فسمِّيَتْ باسم هذه المرأةِ لِكَثرة ما أضيف إليها، وقُتل: ثَابِتُ بنُ قَيْسٍ شهيدًا باليمامة في خلافة الصِّدِّيق، وقال أَنسُ له لما انكشفت الناس يومئذٍ: ألا ترى يا عمُّ؟ فقال: ما هكذا كنا مع رسول الله ﷺ ، بئس ما عَوَّدْتُم أقرانكم، ثم قاتل حتى قُتل، وكان عليه دِرع يَقِيه، فمرَّ به رجل من المسلمين، فأخذها فرآه بعضُ الصحابة في المنام فقال له: إني أُوصيك بوصيةٍ فلا تضيعها، إني لمَّا قُتِلتُ أخذَ رجلٌ دِرعي ومنزله في أقصى الناس، وعند خبائه فرسين، وقد كَفَأَ على الدرع بُرمة، وفوق البُرمة رَحْلٌ، فأتِ خالدًا -وكان هو أمير العسكر- وقل له يأخذ درعي منه، وإذا قدمتَ المدينة فقل لخليفة رسول الله ﷺ -يعني أبا بكر-: عليَّ من الدَّين كذا وكذا، وفلان من رقيقي عتيق، فأتى الرجلُ خالدًا، فبعث إلى الدرع فأُتي بها، وحدث أبا بكر ﵁ فأجاز وصيتَه، ولا نعلم أحدًا أُجيزت وصيته بعد موته غيرَ ثَابِتٍ، وهو من الغرائب.
(حسر)؛ أي: كشف.
(ألا تجيء) بالنصب، و (لا) زائدةٌ، وبالرفع، وتخفيف اللام.
(يعني الحنوط)؛ أي: الذَّرِيْرة، وإنما فسَّره حتى لا يتَصَحَّفَ ما يقتضي أنه من الحِياظة بالظاء المعجمة، أو نحوه.
(فذكر)؛ أي: أَنسٌ.
(انكشافًا)؛ أي: نوعًا من الانْهِزَام، أي: أشار إلى انفراجٍ بين وجوه المسلمين والكافرين بحيث لا يبقى بيننا وبينهم أحدٌ.